أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

بعد عودة "رياك مشار" .. هل انتهى الصراع في جنوب السودان؟

بسام المسلماني(*)

 

بعد صراع طويل استمر لأكثر من عامين ، تسبب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 2 مليون شخص من منازلهم، تمكن طرفي النزاع في جنوب السودان التوصل لاتفاق ، وقد دخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ بعودة زعيم المتمردين في جنوب السودان "رياك مشار" وأدائه اليمين الدستورية كنائب للرئيس "سلفا كير" هذا الأسبوع .. لكن يبقى السؤال هل سيصمد هذا الاتفاق أم سينهار وتعود القوى المتصارعة  (الأخوة الأعداء) للقتال مرة أخرى ؟

وللإجابة على هذا التساؤل هنا عدد من المقدمات نرى أنها ضرورية لفهم هذا الصراع وتطوراته ومن ثم يمكن الحكم على مستقبل اتفاق السلام في هذا البلد .

 

خلفيات الصراع:

هناك العديد من الخلفيات والعوامل التي مهدت لهذا الصراع وتسببت في تأجيجه ، ويمكننا إبراز هذه العوامل في النقاط التالية:

 

1- نزعة التمرد

ليست هذه هي المرة الأولى التي يقع فيها الاقتتال في جنوب السودان ، "ففي عام 1991م  قاد "ريك مشار" انقسامًا داخل الحركة الشعبية نفسها بعد أن اختلف، ومعه آخرون من بينهم لام أكول، مع جون قرنق الذي كان ينادي بوحدة السودان بشرط إقامة الدولة المدنية.

 هذا، في حين كان مشار ومن ناصروه يرون أن يتّجه الجنوبيون إلى الانفصال التامّ. وقد دارت حرب دموية بالغة الفظاعة نتيجة لذلك الخلاف بين الفصائل الجنوبية، استمرّت لعدة سنوات، فاق فيها عدد القتلى، عددهم طوال سنوات الحرب بين الشمال والجنوب. وبعد ستّ سنوات من الخلاف مع قرنق، عقد مشار اتّفاقًا مع حكومة الخرطوم عام 1997، استفادت منه حكومة الرئيس البشير في حربها ضدّ الحركة الشعبية، كما استعانت بقوات مشار في تأمين حقول النفط في الجنوب. غير أنّ مشار عاد مرةً أخرى إلى حركة قرنق في بدايات الألفية الجديدة"(1)... أي أن مشار لديه قابلية التمرد والاقتتال مع  حتى قائد الحركة الشعبية والأب الروحي لها "جون قرنق".

 

2- موت قرنق:

كان زعيم الحركة الشعبية "جون قرنق" يتسم بشخصية قيادية ويتمتع بكاريزما طاغية بين أتباعه  جعلته محل اتفاق الجميع ودفعتهم للولاء له ، لكن بعد موته في حادث غامض عام 2005م، دب صراعٍ خفيٍّ ظلّ يتصاعد بين قيادات "الحركة الشعبية لتحرير السودان" هذا الصراع كان يتحين الفرصة ليطفو على سطح الأحداث .

 

3- الدولة الفاشلة

ومع استقلال جنوب السودان في 9/7/2011، تزايدت حدة الصراع وقد عمقه  وساعد عليه نمط الدولة الوليدة التي تأسست وهي تحمل سمات الدولة الفاشلة حيث انتقلت لها الأمراض السياسية لدول الجوار الجنوبي أوغندا ، وكينيا والكنغو وإفريقيا الوسطى ، حيث صعدت على السطح  الصراعات الإثنية ، وتسييس الانتماءات القبلية ، والفساد السياسي والاقتصادي.

 

4- إقالة مشار

ومع الوقت انتقل هذا الصراع إلى العلن مما أدى إقدام الرئيس سلفا كير على إقالة نائبه رياك مشار وجميع أعضاء الحكومة، في أكبر تغيير وزاري شهده جنوب السودان منذ استقلاله. وأحال إلى التحقيق، في قرارٍ آخر منفصلٍ، الأمين العامّ للحركة الشعبية لتحرير السودان، الحزب الحاكم في جمهورية جنوب السودان، باقان أموم، عقب تصريحات علنية انتقد فيها أموم أداء الحكومة.

 

5-التحول لصراع قبلي:

تسبب هذا القرار في تصدع مجتمعي في جنوب السودان وتحول الصراع السياسي إلى صراع قبلي،  حيث اعتبر كثيرون أن إقالة مشار من منصبه استهدافٌ لقبيلته،، "و القبائل في  جنوب السودان تعود في أصولها إلى ثلاث مجموعاتٍ رئيسة، أكبرها المجموعة النيلية التي تمثّل 65% من مجموع السكان، والتي تضمّ القبائل ذات النفوذ السياسي الأكبر؛ فقبائل الدينكا تمثّل ما نسبته 40% من المجموعة النيلية، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس سلفا كير. وتأتي قبيلة النوير في المرتبة الثانية بما نسبته نحو 20%، وهي القبيلة التي ينتمي إليها رياك مشار نائب الرئيس ا. ثمّ تأتي قبيلة الشلك بنسبة 5%، وهي القبيلة التي ينتمي إليها كلّ من باقان أموم الأمين العامّ للحركة الشعبية، ولام أكول أجاوين، أحد قياداتها التاريخية "(2).

 

6- الفساد السياسي:

للفساد السياسي دوره في انقسام المجتمعات وصراع أفرادها على الموارد ، وحجم الفساد في جنوب السودان ضخم جدا حسب تقرير أوردته ليد دانج مستشار الرئيس الأمريكي في 22/2/2012م، حيث تجاوز حجم الفساد خلال عام واحد منذ استقلال الدولة 30 مليون دولار .

 

الاقتتال الداخلي

وفي الخامس عشر من ديسمبر 2013م أعلن الرئيس سلفا كير فشل محاولة انقلابية، قام بها نائبه المقال رياك مشار ومجموعة من مناصريه. وقد قاد هذا الإعلان إلى نشوب نزاع مسلّح بدأ في العاصمة جوبا ثم تمدّد، وبسرعة شديدة، إلى مدينة بور عاصمة ولاية جونقلي، وإلى مدينة  بانتيو في ولاية الوحدة، حيث حقول النفط. ثمّ ما لبث أن وصل إلى مدينة ملكال، عاصمة ولاية أعالي النيل، حيث توجد مجموعة أخرى من حقول النفط، لتدخل بذلك جمهورية جنوب السودان الوليدة في أتون مواجهات تتشابك فيها كلّ عناصر الصراع على السلطة والثروة، فضلًا عن الانقسامات القبلية.

استمر الصراع منذ شهر ديسمبر 3013م حتى الشهور الأخيرة وقد خلف هذا الصراع آلاف القتلى وملايين النازحين وارتكبت الأطراف المتصارعة مجازر وحشية ضد المدنيين والأطفال والنساء، وأكد تقرير ، أعده خبراء اقتصاد أوروبيون، من مؤسسات استشارية رائدة ، أن التكاليف البشرية للحرب باهظة وتتمثل في الموت والجوع والمرض، بجانب تأثيرات اقتصادية كبيرة على المدى الطويل.

 

اتفاقات وخروقات

ونتيجة لخوف دول الجوار من انتقال الصراع إلى بلادهم بدأت تمارس ضغوطها على الأطراف المتصارعة للجلوس إلى مائدة المفاوضات ، وقد أثمرت هذه الجهود وجلس كير ومشار في أديس أبابا ووقعا اتفاق سلام بتاريخ9/11/2014م ، لكن بعد يومين من الاتفاق تجددت الاشتباكات بين الطرفين وسط تهديدات متبادلة بخرق الاتفاق.

و"في الأول من فبراير 2015 م وقعت الأطراف على اتفاق سلام جديد بعد وساطة منظمة الإيجاد بين طرفي النزاع ، لكن هذا الاتفاق فشل هو أيضا بسبب رفض بعض أعضاء الحكومة لبنوده.، وبعد فشل المحاولات السابقة قام المجتمع الدولي بالضغط على الأطراف المتصارعة وتدخل شركاء الإيجاد وقدمت مبادرة وتم الضغط على الأطراف لقبولها وسط التلويح بفرض عقوبات ، وتم توقيع مسودة الاتفاق الجديد 26/8/2015م ، وقد وافقت الاطراف المتنازعة عليها وتشكلت لجنة مشتركة مكونة من قبل الأطراف المعنية لمراقبة اتفاق وتقييم اتفاق السلام وقد تم تعيين ريك مشار كنائب للرئيس سلفا كير وذلك تنفيذاً للاستحقاقات الواردة في اتفاقية السلام الموقعة في شهر أغسطس ووفقاً لبيان الايجاد الذي يعتبر خارطة طريق لاتفاق سلام جنوب السودان"(3).

مارست القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وكذلك القوى الإقليمية ضغوطا كبيرة على أطراف النزاع في جنوب السودان للقبول باتفاق السلام .. ونتيجة لهذه الضغوط رضخ الفرقاء للاتفاقية ، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع أدى زعيم المعارضة المسلحة في جنوب السودان رياك مشار اليمين الدستورية نائبا أول للرئيس سلفا كير فور وصوله إلى جوبا تطبيقا لبنود اتفاق السلام .

وقال مشار للصحفيين لدى وصوله جوبا "علينا أن نجمع شعبنا ليتمكن من توحيد صفوفه ومداواة جراحه".

 

قراءة مستقبلية لاتفاقية السلام واستقرار البلاد:

هناك عدد من التحديات التي تواجه هذه الاتفاقية وتحدد إمكانية استمرارها ويمكن إبرازها في المحاور التالية:

- تم هذا الاتفاق جاء نتيجة للضغوط الدولية وسط رفض ومقاومة من الأطراف الداخلية أي أن الضامن لاستقرار الأوضاع هو العامل الخارجي فقط ، وهذا يحمل مخاطر كبيرة.

- الأوضاع في الداخل فإنها تثير المخاوف بسبب ارتفاع حالة التسييس الاثني والقبلي خلال العامين الماضيين  خاصة بين قبلتي الدينكا والنوير ودخولها في سباق لاستقطاب قبائل الأقليات الأخرى.

-قبلية الجيش الوطني حيث اعتمدت دولة الجنوب على الولاء القبلي في الانضمام للجيش ، مما يجعل الجيش هو أحد أطراف الصراع وليس عامل فصل بين المتصارعين وهذا خطر يهدد وجود الدولة نفسها .

-الاقتتال بين الأطراف المتصارعة سمح بزيادة التدخل الخارجي الإقليمي والدولي في البلاد مما أفقد السلطة السياسية استقلالية القرار ، مما يحول البلاد لساحة صراع على النفوذ بين القوى الخارجية الأمر الذي يهدد أمن واستقرار جنوب السودان  .

إن ما سبق يؤشر على أن الاستقرار في جنوب السودان يرتبط إلى حد كبير بتحقيق مصالحة حقيقية وبناء نظام سياسي يسمح بتداول السلطة وينتهج طرق الحكم الرشيد بعيدا عن أي ولاءات قبلية.

 

الاحالات والهوامش:

(*) كاتب وباحث مصري، ومدير تحرير موقع قراءات إفريقية.

(1) الصراع في جنوب السودان: خلفياته وتداعياته المحتملة ، المركز العربي للدراسات والتحليلات.

(2) مرجع سابق

(3) التقرير الاستراتيجي الإفريقي الثاني 2015، مركز البحوث والدراسات  الافريقية، جامعة إفريقيا العالمية،ص86.

كتاب الموقع