أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

بعد عودة الجنود إلى ثكناتهم في كوت ديفوار .. هل سيتكرر سيناريو التمرد مرة أخرى ؟

 

     بسام  المسلماني (*)

 

عادت أجواء التوتر تضرب المشهد السياسي والأمني مجددا في كوت ديفوار ، بعد سنوات من الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي شهدتها البلاد في أعقاب تسلم الرئيس "الحسن واتارا " الحكم عام 2011م .. الأحداث التي تشهدها كوت ديفوار مؤخرا هي نتاج الأزمة التي عصفت قبيل تسلم واتارا الحكم ، عندما رفض الرئيس المنتهية ولايته - والذي يحاكم الآن بتهمة ارتكاب جرائم حرب -"لوران جباجبو" الإقرار بنتائج الانتخابات الرئاسية وهزيمته أمام مرشح تجمع الجمهوريين الرئيس الحالي "الحسن واتارا" ، حيث قام جباجبو بالاستعانة بقطاع من الجيش ومليشيات مسلحة في مواجهة خصومه السياسين ، مما أدخل البلاد في صراع  أدى إلى مقتل ثلاثة الاف شخص وتشريد مئات الالاف مما اثار بيئة اجتماعية وسياسية متوترة في انحاء البلاد.

الامر الذي دفع واتارا للاستعانة بقطاع من الجيش كان ناقما على حكم جباجبو ، ونتيجة لدعم هؤلاء الجنود وتدخل القوات الجوية وقوات المصفحات الفرنسيتين تمكن واتارا من تولي الحكم ،  لكن استعانة وتارا بالجنود الايفواريين لم يكن مجانا بل وعدهم بمكافئات سخية في مقابل ذلك .

لم يتمكن الحسن واتارا بعد ذلك من الوفاء بما بكل ما وعد به الجنود ، فنظم الجنود حركة عصيان عسكري في نوفمبر 2014 ، قبل أن يتسنى التوصل إلى اتفاق ينص على دفع المستحقات المتاخرة اعتبارا من أواخر نوفمبر 2014 على مدى ستة أشهر، وأن تكون الترقية حسب الأقدمية والاستحقاق والفئة، على أن يترقى الأوائل إلى رتبة رقيب اعتبارا من 01 يناير 2015 ، وآخرون إلى رتبة عريف أول في نفس التاريخ.

ومع استمرار عجز الحكومة عن الوفاء بمكافآت الجنود ، تجدد التمرد في  شهر يناير الماضي حيث اقتحمت مجموعة من الجنود  مقر قيادة المنطقة العسكرية الثالثة في بواكي بوسط البلاد، مستخدمة أسلحة نارية ، وطالت الحركة الاحتجاجية مدن بواكي (وسط) وكورهوغو (شمال) ودالوا (وسط غرب) وداكورو (وسط شرق البلاد) وأودييني (شمال غرب البلاد)، دون وقوع خسائر بشرية.

تمكنت الحكومة الايفوارية من احتواء المتمردين وعددهم 8 آلاف وأربعمئة شخص من خلال التوصل لاتفاق يقضي بتحويل 5 ملايين فرنك أفريقي (ما يعادل 8371 دولارا) لكل جندي مقابل إنهاء التمرد والوعد بأن يتم تحويل بقية المال والمقدر بـ 7 مليون سيفا  خلال سبعة أشهر ، لكن لم تتمكن الحكومة مرة أخرى من الوفاء ببقية الالتزامات نتيجة للتراجع الاقتصادي في البلاد بعد انخفاض أسعار الكاكاو في الأسواق العالمية ، حيث سجلت ميزانية الدولة الإيفوارية لسنة 2017 انخفاضا قدره 8ر53 مليار فرنك إفريقي، منتقلة من 4ر6501 مليار فرنك إفريقي سنة 2016 إلى 6ر6447 مليار السنة الجارية فكان من نتاج ذلك أن أعاد الجنود تمردهم ، بداية هذا الأسبوع حيث تركوا ثكناتهم وقاموا بإغلاق الشوارع في عدة مدن وبلدات بما فيها مدينة بواكيه العاصمة التجارية للبلاد .

لكن التمرد هذه المرة يختلف عن المرات السابقة حيث تمكنت الحكومة من استمالة بعض المتمردين إليها وذلك على إثر لقاء بين وفد من المتمردين ورئيس الدولة الحسن واتارا ، يوم 10 مايو مما أسفر عن تعبير الوفد للرئيس عن أسفهم، وتقديم اعتذاراتهم، وإبلاغه عن تنازلهم النهائي عن العلاوات التي طالبوا بها خلال حراك 10 يناير 2017 . من جانبه أعلن واتارا عن تدابير جديدة لتحسين الظروف المعيشية والمهنية للجنود، في إطار تنفيذ قانون الجدولة العسكرية".

بقية الجنود المتمردين رفضوا موقف هذا الوفد واعتبروه خيانة لهم ، وأصروا على عدم وضع السلاح لحين تسلم مكافآتهم كاملة ، كما رفضوا التفاوض مع الحكومة وقال متحدث باسم الجنود المتمردين : إن الجنود رفضوا طلب الجيش لنزع أسلحتهم ، وقال السرجنت سيدو كونى : "طلبوا منا إلقاء أسلحتنا والاستسلام رفضنا وطالبنا بالحصول على أموالنا..نحن فى انتظارهم".

في مواجهة ذلك قابلت الحكومة هذا الرفض بلهجة أكثر حدة وصرامة عن ذي قبل ، وبدأ الجيش الأيفواري في التقدم تجاه المدن التي تشهد تمردا ، وبدأت مناوشات بسيطة تقع بين قوات الجيش المتقدمة وعدد من جنود التمرد لكنها لم تتطور إلى حد الاقتتال ، غير أنها عبرت عن جدية الجيش الايفواري لإنهاء التمرد ، كما قوبل موقف المتمردين بحالة عامة من السخط الشعبي ونظمت احتجاجات شعبية في المدن التي شهدت التمرد للمطالبة بعودة الجنود لثكناتهم لكن المتمردين فرقوها بالقوة  ، هذه التطورات دفعت الجنود المتمردين في نهاية الأمر للقبول بالتفاوض مع الحكومة ، ليعودوا إلى ثكناتهم مرة أخرى .

 لكن يبقى السؤال : هل التطورات الجديدة التي شهدتها حركة التمرد الأخيرة والصرامة في موقف الحكومة للتعامل مع الموقف ، ستدفع الجنود لإعادة حساباتهم وعدم تكرار تمردهم مرة أخرى حال لم توف الحكومة بسداد مكافآتهم ..؟!

للإجابة على هذا السؤال ، ينبغي أن نشير أن تطورات المشهد الأخير وإن تباينت في بعض تفاصيلها عن سيناريوهات حركات التمرد السابقة ، إلا أنها  في حد ذاتها ليست كافية لردع الجنود المتمردين عن تكرار سيناريو الخروج من الثكنات والانتشار في الشوارع لطلب المزيد من الامتيازات ، حيث أن عودة الجنود لثكناتهم لم يكن بسبب تهديدات الحكومة وفقط لكن هذه التهديدات وإبداء الصرامة صاحبتها وعود بصرف مكافآت الجنود ، بحسب تصريح  المتحدث باسم الجنود المتمردين لوكالة رويترز حيث أكد أن قادة التمرد العسكري قبلوا اقتراح الحكومة بشأن العلاوات ووافقوا على العودة إلى ثكناتهم لإنهاء الأزمة ومن ثم فقد يتكرر السيناريو مرة أخرى في حال تأخر الحكومة عن الدفع .

 لذلك فإن الرئيس الايفواري مطالب بإجراء إصلاحات حقيقية في المؤسسة العسكرية وإعادة هيكلتها بكل جدية، ليتم التركيز على إعادة البناء المؤسسي والتكوين العقيدي والفكري للجيش بأكمله. لضرورة التمييز بين الخاص والعام في الوظيفة العسكرية.

فحركات التمرد هذه تنطلق من مصالح شخصية لعدد من الجنود ليس لها علاقة بمصلحة البلاد ولا مصلحة المؤسسة العسكرية وتقويتها ودعمها ، وهذا خلل كبير في التكوين الفكري لهؤلاء الجنود ، يضع استقرار وأمن وسلامة البلاد على المحك.

قد تكون الفرصة سانحة للرئيس الحسن واتارا لإجراء مثل هذه الإصلاحات نظرا لأن المزاج العام في البلاد في اللحظة الراهنة ضد حركات التمرد  ، كما أن كوت ديفوار وإن شهدت تراجعا خلال العام الأخير في معدلات النمو مقارنة بالأعوام السابقة  إلا أنها تبقى من أسرع الاقتصادات نموا في العالم في ظل حكم واتارا ، مما يساهم في تقوية موقفه في اتخاذ القرارات المصيرية .

غير أنه على الرئيس الإيفوري أن يضع في الاعتبار أن الرفض الشعبي لحركات التمرد ليس معناه رضا عن سياسات الحكومة الإيفوارية ، لكنه نتاج الحرص الشعبي على استقرار وأمن البلاد وعدم العودة لعهود الحروب الأهلية ، وإلا فإن هناك حالة من السخط الشعبي نظرا لعدم انعكاس النمو الاقتصادي الكبير على حياة المواطن ، فنسبة الفقر لم تتراجع خاصة في المدن، كما تم إلغاء دعم الكهرباء مما سبب في ارتفاع أسعارها، ومتوسط عمر الإيفواري 52عاما وهو الأقل على مستوى الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقياUEMOA.

إن التحسن في حياة المواطن سينعكس بشكل كبير على الدعم الشعبي للرئيس في مواجهة مثل هذه الحركات ، بل إن التحسن في حياة المواطنين سينعكس بالضرورة على هؤلاء الجنود ، فهم في نهاية المطاف جزء من الشعب الايفواري ، يعانون مما يعاني منه بقية الشعب ، ومن ثم فإن تحسن الأحوال المعيشية قد لا يدافع على الأقل صغار الجنود للمشاركة في أعمال شغب وتمرد.

 

(*) مدير تحرير موقع قراءات إفريقية

 

كتاب الموقع