أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

بعد اختيار "أبي أحمد" رئيسا للوزراء .. من يحكم في أديس أبابا؟

 

بعد أن تزول سكرة الإعلام وتجف أقلام الخراصين الذين هم في كل حديث يخوضون ، سرعان ما تأتي الفكرة ويدرك المرء أن طبيعة التغيرات التي ظهرت في بعض الدول مثل أثيوبيا وجنوب أفريقيا وزيمبابوي هي من قبيل تغيير جلد النخبة الحاكمة. ما الذي يحدث في أثيوبيا ؟ سؤال تتداوله الألسنة منذ استقالة رئيس وزرائها ديسالين منذ نحو شهر مضى . وقد تسرع بعضهم إلى القول دون بينة بأن الحرب قادمة لامحالة بين شعوب الحبشة. تلك أمانيهم ! أو إن شئت فقل التحليل بالتمنى. ألم يذهب فريق ثالث إلى القول بوجود علاقة بين احتجاجات الأورومو ومستقبل سد النهضة. الأمر في ظاهره تداول سلمي في السلطة بشكل دستوري. الحزب الحاكم يجتمع وبشكل ديموقراطي ويختار أمينا عاما جديدا له هو الدكتور أبيو أحمد . هذا الزعيم الشاب هو ابن الدولة الأثيوبية، فهو رئيس المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو ، التي تشكل أحد الأضلاع العرقية الأربعة في ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي.وهو يتكلم ثلاث لغات إثيوبية ويحمل درجة الدكتوراه في السلم والأمن من جامعة أديس أبابا ، كما أنه خدم في الجيش. عمل الدكتور أحمد كوزير للعلوم والتكنولوجيا في حكومة ديسالين.ربما يكون الرجل هو الخيارالأنسب بحكم صغر سنه وانتماءاته العرقية للتصدي لمهمة توسيع المجال السياسي والتواصل مع المعارضة. ولكن يتعين عليه حتما الاستجابة لبعض المطالب الشعبية . وذلك هو التحدي الكبير

 

كيف نفهم ما حدث في المشهد الأثيوبي الذي لا يبتعد في حقيقة أمره عن عدد من الحالات الأفريقية الأخرى؟ . ثمة عوامل ثلاثة محورية تساعد على الفهم والتأويل للنظام السياسي الأثيوبي، وهي:

 

أولا: الحزب أقوى من الزعيم:

العالمون بالشأن الأثيوبي يدركون مدى رمزية منصب رئيس الوزراء في فترة مابعد ميليس زناوي الذي تمتع بمسحة من زعامة كارزمية طاغية. منصب رئيس الوزراء كما جسده بحق ديسالين هو في الغالب مجرد واجهة رمزية للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية الحاكمة ، التي تحكم من وراء ستار. فاختصاصات الدولة الحقيقية ومركز صنع القرار تكمن في أيدي نخبة أقلية التيغراي التي تدير المركب الأمني والعسكري في البلاد. ويرى بعض الكتاب بأن رئيس الوزراء ديسالين أكره على الاستقالة نتيجة ازدياد حدة الخلافات داخل الجبهة الحاكمة بين جناح التيغراى الأقوى نفوذا وبين شركائهم الأقل شأنا من الأمهرا والأورومو .ولعل ذلك ما يؤكده انتخاب الدكتور أبيو أحمد أمينا عاما للحزب الحاكم بنسبة 60% فقط من جملة الأصوات.

ثانيا: حالة الاضطراب السياسي (الحرب الهجين):

إذ تشهد إثيوبيا حالة من الاضطرابات التي تعبر عن ما أسماه الفقه المعاصر باسم الحرب الهجين التي تجمع بين العناصر التقليدية وغير التقليدية والمواجهات النظامية وغير النظامية التي تشمل حرب المعلومات والفضاء الإلكتروني.وتمثل الهوية القبلية والاثنية أحد أبرز الأسباب الدافعة لهذا النمط الجديد من المواجهات العنيفة في المشهد الأثيوبي.يشتكي الأورومو ، الذين يشكلون حوالي ثلث السكان ،ظلما وقع عليهم حيث أنهم استبعدوا من العملية السياسية في البلاد وحرموا من عوائد التنمية الاقتصادية التي تعبر عن قصة النهوض الأثيوبي في السنوات الأخيرة.

ثالثا:الفيدرالية الزائفة

من الناحية الدستورية تعد إثيوبيا دولة فيدرالية . بيد أن الطريقة التي تعمل بها توحي بأنها دولة مركزية يسيطر عليها الحزب الحاكم الذي يحاكي -ولو من طرف خفي- تجربة الحزب الشيوعي الصيني. وطبقا لمؤسسة ستراتفور فإنه يمكن اختزال الاضطرابات في إثيوبيا إلى ثلاثة أرقام: 35 و 27 و 6. ويمثل الرقم الأول النسبة المئوية للأورومو أما الثاني فهو نسبة الأمهرة في بلد يبلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة . ومع ذلك فإن هاتين المجموعتين لا يتحكمان في مقاليد الحكم. عوضا عن ذلك نجد عرقية التيغراي- التي تشكل 6 في المائة من السكان - هي التي تقود أمر البلاد والعباد في دولة تشكل القوة الضاربة في منطقة شرق أفريقيا.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه أثيوبيا في ظل زعامة أبيو أحمد يتمثل في حكم ال6% لأقلية التيغراي التي تحكم قبضتها على الجيش والأصول الاقتصادية الرئيسية في البلاد ، كما أنها تقود الائتلاف الحاكم المتمثل في حزب الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الأثيوبية

وتحاول كل من الأورومو والأمهرا منذ سنوات إدخال اصلاحات كبرى على بنية النظام السياسي دون جدوى. وقد استخدم نشطاء هاتين الجماعتين الاعتصامات ومسيرات الاحتجاج والحملات المحدودة على غرار حرب العصابات في مواجهة قوات الشرطة والشركات المرتبطة بالحكومة المركزية. وعوضا عن محاولة الاستجابة واستيعاب مشاعر الغضب بين الأهالي كان رد الحكومة قاسيا من خلال، تشديد قبضتها على وسائل الإعلام الاجتماعية ، وتنفيذ اعتقالات جماعية لقادة الاحتجاج الحقيقيين أو المحتملين.

 

إلى أين تسير أثيوبيا؟

على الرغم من ذلك كله تعد أثيوبيا قوة اقتصادية صاعدة في شرق أفريقيا ، فقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 10 في المائة سنوياً لمدة تقرب من عشر سنوات، وهو مايجعل النخبة الحاكمة راغبة في تقديم بعض التنازلات للحفاظ على مكاسب التنمية الاقتصادية والحفاظ على قوة الدولة. ويمكن رؤية انتخاب زعيم شاب من قومية الأورمو كتعبير حقيقي عن هذا التوجه الجديد في السياسة الأثيوبية. لا شك أن إطالة أمد الاضطرابات تعيق مسيرة النمو. فقد أضرت الاحتجاجات المستمرة منذ عام 2016 بالاستثمار الأجنبي المباشر ، الذي انخفض بأكثر من 20 في المائة بعد الهجمات على الشركات المملوكة لأجانب. كما أسهمت مظاهر الجفاف في مناطق الشرق وتراجع السياحة في إضافة مزيد من التعقيد على الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الأثيوبي.وعليه يدرك من يحكم في أديس أبابا أن الإمكانات الاقتصادية للمشاريع الكبرى ، مثل سد النهضة العظيم ، هي صمام الأمان لبقاء النخبة الحاكمة . وهو مايعني استمرار المضي قدما في تنفيذها.

تعد أثيوبيا بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى الاتحاد الأفريقي بمثابة عمود الخيمة الذي يحافظ على الاستقرار الاقليمي ويدفع باتجاه السلم والأمن العالميين . إنها شريك استراتيجي للولايات المتحدة وأسرائيل في مواجهة الارهاب ولاسما تحدي الراديكالية الاسلامية في شرق أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية . كما يرى الاتحاد الأوروبي أن إثيوبيا حليف رئيسي في محاولة منع المهاجرين الأفارقة من الفرار إلى أوروبا.ولايخفى أن إثيوبيا تحتل موقعًا استراتيجيًا في محيطها الأفريقي باعتبارها البلد المضيف للاتحاد الأفريقي كما أنها قوة صاعدة في عالم إفريقي يموج بكافة مظاهر عدم الاستقرار. بكل بساطة لن تسمح القوى الفاعلة في النظام الدولي بسقوط الدولة الأثيوبية. ولا أظن أن عدم استقرار أثيوبيا يخدم مصلحة دول الجوار العربية بما فيها مصر ، فأثيوبيا من دول الأركان للنظام الاقليمي العربي يساعد استقرارها على استقرار مناطق الأطراف ويكون حافزا لبناء شراكات تعاونية جديدة تقوم على مبادىء الترابح المشترك والندية.

 

كتاب الموقع