أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

بريطانيا وسياسة "الغواية " الجديدة في إفريقيا

دائمًا ما أتذكّر مقولة الراحل جمال حمدان: "إن إفريقيا قارةٌ بِكْرٌ في مواجهة أوروبا القارَّة العجوز". تتراءى أمامي صورة إفريقيا كفتاة عذراء بالغة الجمال يتسابق على الفوز بها الجميع. تأكّدت من هذا التشبيه، وأنا أستمع بالأمس إلى خطاب بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني أثناء افتتاح القمة البريطانية الإفريقية الأولى للاستثمار 20 يناير 2020.

وقف الرجل، سليل سيسل رودس الذي كان يحلم ببناء إمبراطورية كبرى تمتد من القاهرة إلى الكيب، وهو يخطب وُدّ الزعماء الأفارقة مستخدمًا أحد الأمثلة الشعبية بلغة الأكان في غانا؛ والذي ينص على: "إن أصابع اليد ليست متماثلة"، أو كما يقولون بالعامية المصرية "أصابعك مش زي بعضها"؛ يريد جونسون أن يُذَكِّر الأفارقة بأن الدول ليست مثل بعضها، وأن بريطانيا هي الأفضل في سياق تدافع القوى الكبرى، وحتى الوسطى على إفريقيا.

راح الرجل يُعدّد مناقب بريطانيا، وكأنها تقف في مزاد خطبة العروس الإفريقية الجميلة. يقرّ جونسون بأن هناك خُطَّابًا كثيرين، وأنه لا حقّ مقدّسًا لأحدهم في الفوز بالغنيمة، وإنّما هو حق إفريقيا هذه المرة في الاختيار.

كان رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون أثناء حديثه أمام ممثلي 21 دولة إفريقية في قمة الاستثمار البريطانية الإفريقية يحاول من خلال أسلوبه الشعبوي في الخطابة أن يُعيد أمجاد بريطانيا العظمى في مملكتها الإفريقية.

في عالم الثورة الصناعية الرابعة قام رئيس الوزراء بحجز مكان للمملكة المتحدة باعتبارها مركزًا عالميًّا في مجال الخدمات المالية والتعليم والتكنولوجيا. بالإضافة إلى محاولة تسويق نقاط القوة في نموذج التنمية للمملكة المتحدة. أعلن جونسون أيضًا عن تغييرين أساسيين في سياستها:

 أولاً: نظام الهجرة في المملكة المتحدة، الذي وعَد بأن يكون "أكثر عدلاً"؛ من خلال تبنّي  نظام النقاط على الطريقة الكندية.

ثانيًا: انتهاء كل المساعدات البريطانية المرتبطة مباشرة بالفحم أو محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وهو ما يعني تنمية الاقتصاد الأخضر في إفريقيا.

يقول جونسون: "ليس لدينا حقّ إلهيّ في الأعمال التجارية. إنه عالَم تنافسيّ. لديكم العديد من العروض. البعض منكم قد يكون على وشك القبول بأحد العروض من روائع دافوس. لكن انظروا اليوم إلى ما يتعين علينا تقديمه إليكم، انظروا إلى جميع أنحاء العالم اليوم، وسترون بسرعة أن المملكة المتحدة ليست فقط الشريك الواضح في الاختيار. نحن أيضًا شريك اليوم، وغدًا ولعقود قادمة؛ لأن الحقيقة هي أن المملكة المتحدة في عام 2020 هي المحطة الجامعة للاقتصاد الدولي الطموح والمتنامي. إذا كنتم ترغبون في الاستثمار في مشروع جديد أو مؤسسة تجارية جديدة، فكل ما عليكم هو أن تتوقفوا عند محطة واحدة من هنا، وستكون في قلب كناري وارف؛ حيث توجد إلى جانب شقيقتها الكبرى لندن، تريليونات من الجنيهات لرؤوس الأموال، تم جمعها لصالح أيّ مشروع استثماري يمكنك التفكير فيه من البناء الفرنسي إلى الاتصالات الإفريقية إلى الأدوية الأمريكية لعلاج السرطان". بتحليل هذا النص يبدو واضحًا أننا في ساحة سوق كبير، وكل واحد يجتهد لعرض بضاعته أو قُدُرَاته الاستثمارية للفوز بالغنيمة الكبرى.

عبء الرجل الأبيض والمهمة الحضارية

ما الذي تغيّر في سباق معارك التكالب الدولي على إفريقيا؟ وما هو الفرق بين عقلية سيسل رودس الاستعمارية في القرن التاسع عشر وعقلية بوريس جونسون الاستثمارية -إن صح التعبير- في القرن الواحد والعشرين؟

دعونا أولاً نعود في رحلة عبر الزمن، ونرى ما حدث لإفريقيا وقصتها في تطور العولمة الرأسمالية. في أواخر القرن التاسع عشر، حقّق رجل الأعمال الإنجليزي سيسيل رودس ثروة ضخمة من خلال السيطرة على  مساحات شاسعة من الأراضي في الجنوب الإفريقي  -أماكن غنية بالذهب والماس-، واستغل –بوحشية- الأفارقة في أعمال السخرة؛ حيث نظر إليهم نظرة استعلائية عنصرية.

مات الآلاف نتيجة الممارسات القمعية وغير الإنسانية التي استخدمتها شركته في إفريقيا. في سنواته الأخيرة، كتب يقول: إن "العالم يكاد يكون قد تم تقسيمه، وإن ما تبقى منه يتم تقسيمه وغزوه واستعماره. أثناء التفكير في هذه النجوم التي تراها في السماء ليلا، هذه العوالم الواسعة التي لا يمكننا الوصول إليها، أود ضم الكواكب إن أمكن؛ كثيرًا ما أفكر في ذلك. إنه لأمرٌ محزن أن أراها واضحة جدًّا، ولكنها بعيدة المنال حتى الآن".

كان رودس رجلاً إمبرياليًّا يؤمن بالتوسع والسيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية. لم تختلف العقلية الفرنسية عن عقلية رودس. ففي خطاب ألقاه أمام مجلس النواب الفرنسي عام 1884، قال جول فيري، الذي شغل مرتين منصب رئيس وزراء فرنسا بالحرف الواحد: "أيها السادة! يجب أن نتحدث بصوتٍ عالٍ وبصراحة أكبر. يجب أن نقول بصراحة: إن الأجناس العليا لها حق على الأجناس الأدنى مرتبة... أكرر، إنّ الأجناس العليا لها الحق؛ لأن عليها واجبًا تؤدّيه. عليها واجب المساعدة في تحضُّر الأجناس الأدنى مرتبةً... في تاريخ القرون السابقة، غالبًا ما أسيء فَهْم هذه الواجبات.

أيها السادة! بالتأكيد عندما أدخل الجنود والمستكشفون الإسبان  العبودية في أمريكا الوسطى؛ فإنهم لم يؤدّوا واجباتهم كرجال ينتمون إلى الجنس المتفوق... لكن في عصرنا هذا، أؤكد لكم أن الأمم الأوروبية تضطلع بعظمة وصدق بدورها في هذا الواجب الحضاري الأعلى".

إفريقيا وتطوُّر العولمة الرأسمالية

انطلاقًا من هذه التراجيديا الإنسانية التي تعكس قصة التكالب على إفريقيا، يرى الراحل علي مزروعي أن كل خطوة في مساهمة إفريقيا في تنمية الغرب كانت بحد ذاتها مرحلة في تاريخ العولمة. وقد تحدث عن هذه المراحل بصورة مغايرة لخطاب والتر رودني الذي انشغل بمسألة كيف أسهمت أوروبا في تخلف إفريقيا. كانت المرحلة الأولى التي أطلق عليها اسم مرحلة "سفن العبيد" تعبّر عن أهمية عنصر العمل الإفريقي في تحقيق الثورتين الزراعية والصناعية في الغرب. ساعدت سفينة العبيد في اقتلاع الملايين من أبناء وبنات إفريقيا من جذورهم وتصديرهم متاعًا إلى الأمريكيتين للمساعدة في الثورة الزراعية هناك  والثورة الصناعية في أوروبا في وقتٍ واحدٍ. وهكذا تمّ وضع الأفارقة عنوةً في خدمة تطور الرأسمالية الغربية. كان على الغرب أن يتخلّص من سفن العبيد بلا رجعة، ويستبدلها بالزوارق الحربية في عصر التوسع الإمبريالي.

لقد توقف الغرب عن العمل في تجارة العبيد، وبدلاً من ذلك استعمر إفريقيا نفسها تحت تأثير إغواء المواد الخام الإفريقية وأهميتها للصناعات التحويلية الغربية. وهذا هو الوجه القبيح للعولمة الرأسمالية التي تقوم على أساس نَهْب ثروات الآخرين من منطلقات فلسفة الدارونية الاجتماعية التي تؤكد على مفاهيم التفوق العنصري والمركزية الأوروبية. ثم جاءت مرحلة الصناعات الاستخراجية؛ حيث أصبحت المعادن في إفريقيا المساهم الرئيسي في إحداث الطفرة التكنولوجية الغربية.

كان اليورانيوم من الكونغو البلجيكية جزءًا من مشروع مانهاتن الأصلي الذي أنتج القنابل النووية الأولى. كما أن المعادن الأخرى، مثل الكوبالت، أصبحت لا غِنَى عنها للمحركات النفَّاثة. وهكذا كان تأثير إفريقيا على التاريخ التكنولوجي للغرب حاسمًا في هذه المرحلة؛ حيث اعتمدت الدول الغربية بشكلٍ كبيرٍ على المعادن الصناعية في إفريقيا.

التكالب على إفريقيا بالغواية

بعد أن تُرِكَتْ إفريقيا في وضعٍ هامشيّ زمن الحرب الباردة؛ حيث كانت الأيديولوجيا أمضى تأثيرًا في سياسة الدول الكبرى على ما عداها من العوامل الأخرى. ظلت العروس الإفريقية أسيرة نزاع بين قطبين متنازعين يرسلان أتباعهما من الصبيان والحواريين إليها للقيام بأعمال الوكالة نيابةً عنهما. وبعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها عاد التدافع على إفريقيا مرة أخرى، ولكن بأوجهٍ مختلفةٍ هذه المرة، وإن كانت النتيجة واحدة، وهي مساهمة إفريقيا في تمكين الرأسمالية العالمية على حساب نهضة شعوبها وتقدمهم. في مؤتمر برلين 1884-1885 تم تقسيم إفريقيا في عصر التوسع الإمبريالي بين القوى الأوروبية. كانت العروس الإفريقية حاضرةً على مائدة التفاوض، لكن باعتبارها موضوعًا للتقسيم. كانت بمثابة وجبة شهية للفُرَقاء الأوروبيين.

ما الذي تغيّر اليوم في مؤتمرات لندن وواشنطن وبكين وطوكيو وبرلين؟!

 تبدو إفريقيا كعروس جميلة مع كثرة خُطَّابها، الجميع يتودد إليها، وعليها أن تختار. وهنا ذهب جميع الخُطَّاب إلى استخدام أسلوب الغواية للفوز بالغنيمة. ولو كان مزروعي بيننا اليوم لأضاف لسلسلته في تاريخ العولمة الغربية مرحلةً جديدةً هي مرحلة الغواية السياسية. فما هي ملامح الغواية البريطانية الجديدة التي قدّمها بوريس جونسون لإفريقيا في عام 2020؟

أولاً: البناء على الخبرة التاريخية للعلاقات البريطانية الإفريقية، ولكن من منظور جديد. يقول جونسون -أثناء جولاته الإفريقية عندما كان وزيرًا لخارجية بريطانيا-: إنه وجد الكثير من الاهتمام والحب بين الأفارقة للمملكة المتحدة. كما أنه سعى في نفس الوقت لإقناع المزيد من الناس في جميع أنحاء القارة بأن بريطانيا ليست مجرد صديق وحليف موثوق به، ولكنّها أيضًا أهلٌ لكي تكون شريكًا تجاريًّا مهمًّا.

ثمة تراث مشترك حيث توجد 19 دولة إفريقية في الكومنولث تشارك في قمة كيغالي. لكنَّ الشيء المتغير هنا هو قصة الصعود الإفريقي. يوجد أكثر من نصف الاقتصادات الأسرع نموًّا في العالَم داخل إفريقيا. إن ثلثي الاقتصادات الإفريقية تتوسَّع بمعدل أسرع من المتوسط العالمي. وعليه فإن جونسون يرى أن إفريقيا هي المستقبل، ويحاول جاهدًا أن يجعل المملكة المتحدة شريكًا لإفريقيا؛ بحيث تلعب دورًا مهمًّا في صناعة ذلك المستقبل.

ثانيًا: إبراز مصادر القوة الناعمة البريطانية، والتي تتمثل في كونها مركزًا ماليًّا وتكنولوجيا عالميًّا. يقول جونسون: "إن كناري وارف وحدها تُعَدّ مركزًا مصرفيًّا أكبر من فرانكفورت بأكملها. لدينا التكنولوجيا. لدينا التكنولوجيا التعليمية، التكنولوجيا الطبية، التكنولوجيا المالية، التكنولوجيا الحيوية، التكنولوجيا الخضراء، تكنولوجيا النانو. جميع أنواع التكنولوجيا. ولدينا إلى حدّ بعيد أكبر قطاع تكنولوجي مقارنة بأيّ مكان آخر في نصف الكرة الأرضية الذي نعيش فيه، أكبر مرتين أو ثلاث مرات من منافسينا، وهذا يعمل بالتعاون مع قطاع التعليم العالي المدهش. لدينا العدد الأكبر من أفضل الجامعات في العالم مقارنةً بأيّ بلد آخر خارج الولايات المتحدة. كل عام، وبفضل مِنَحنا الدراسية "تشيفننغ" لطلبة أقاليم ما وراء البحار والكومنولث، يتم فتح أبواب جامعاتنا أمام أفضل وألمع الطلاب من جميع أنحاء إفريقيا. وأنا فخورٌ بأن أقول لكم اليوم: إن واحدًا من كل سبعة من ملوك العالم وملكاته والرؤساء ورؤساء الوزراء قد تلقوا تعليمهم في هذا البلد؛ بما في ذلك الإمبراطور الياباني".

ثالثًا: التوكيد على مفهوم حرية التجارة، وإزالة الحواجز التجارية بما يعني فتح الأسواق البريطانية أمام المنتجات الإفريقية، بالإضافة إلى تعديل سياسات الهجرة. والطريف هنا أن جونسون أشار إلى حالات محددة لتسويق النموذج البريطاني في التجارة والتنمية؛ مثل استيراد الشاي الكيني ولحم البقر الأوغندي كما "أن العائلات في جميع أنحاء أنجولا سوف تستمتع قريبًا بالحصول على الدجاج الصحي اللذيذ من أيرلندا الشمالية".

ولعل ذلك أمر يثير التعجب والدهشة؛ فالمنظور البريطاني الجديد لتنمية إفريقيا سوف يسهم في استيراد الشاي الكيني، ولحم البقر الأوغندي، وفي نفس الوقت تصدير الدجاج الايرلندي لأنجولا. لعلها مقاربة تعيد إلى الأذهان مقايضات عصر مثلث الأطلنطي للتجارة عندما تخلت إفريقيا عن أغلى ما تملك مقابل ثمن بَخْس من الحرير والعطور وبعض البنادق البدائية.

علينا أن نعيد النظر في قضية الغواية والضلال؛ لأن الأولى تعني العلم بالشيء والانحراف عن الطريق الصحيح، وعليه فهي بمفهوم فرويد السلوكي تعني عملاً إراديًّا؛ أما الضلال فهو يَنُمّ عن الجهل بالحقيقة. يعني ذلك أنه في عصر الثورة الصناعية الرابعة لا يجوز لإفريقيا أن تُعيد تموضعها في النظام الدولي بنفس المنطق الذي حدث في الثورات السابقة، وإن لم يحدث عنوةً هذه المرة، وإنما غواية.

لا ينبغي لإفريقيا أن تظل عروسًا تنتظر خُطَّابها، بل عليها أن تُصبح فاعلاً رئيسيًّا في حركة الأحداث وتحسم خياراتها وفقًا لمصلحة شعوبها بالأساس. عندئذ يصبح خطاب الصعود الإفريقي في النظام الدولي مُعبِّرًا عن طموحات وآمال الأفارقة جميعًا.

كتاب الموقع