أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الوقاية والشفافية والاختبارات المعمليَّة: كيف تُواجِه نيجيريا أزمة كورونا؟

سجّلت نيجيريا، أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، أُولَى الحالات المُؤَكَّدة لفيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) في 25 فبراير 2020م؛ وذلك بعد عودة مهندس إيطالي من ميلانو (أحد المراكز الأوروبية لحالات الإصابات بالفيروس) عبر إسطنبول إلى لاغوس؛ انتقل إلى مكان عمله في مصنع أسمنت بولاية أوغون (جنوب غرب نيجيريا) بعد قضاء ليلة في فندقٍ في لاغوس.

وقد تحرّكت السلطات الصحية النيجيرية، بعد تأكُّد إصابة المهندس الإيطالي، وسارعت إلى وضعه في الحجر الصحي الذي خصَّصته حكومة ولاية لاغوس للمصابين بالفيروس، وتعقّبتْ السلطات جميع الذين تعامل معهم ذلك المهندس، بما فيهم 156 من رُكَّاب الخطوط الجوية التركية. كما شدّدت إجراءات الفحص في موانئ الدخول إلى نيجيريا، مع جعل اختبار الكشف عن المرض مجانيًّا.

وإذ أعلن "باباجِيدَيْ سَنْوَوْأَوْلُو" حاكم ولاية لاغوس عن خروج المهندس الإيطالي من المستشفى في 21 مارس بعد تعافيه من المرض؛ فقد بلغ مجموع الإصابات في نيجيريا (حتى 2 مارس) 151 حالة مؤكدة، ووفاة مصابَيْنِ، وتعافي 9 أشخاص من المرض؛ الأمر الذي جعل بعض خبراء الصحة الدوليين يشيرون إلى نيجيريا كنموذج إيجابي في إفريقيا من حيث التعامل مع الفيروس.

ويؤكد استعداد الحكومة النيجيرية لمواجهة المرض منذ يناير الماضي (أي: قبل تسجيل الحالة الأولى)، وسرعة استجابتها لأولى الحالات على أن البلاد قد استفادت كثيرًا من تجربتها مع تفشّي وباء إيبولا الذي اجتاح دُوَل إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عام 2014م، إضافة إلى أن السلطات في مواجهتها لكورونا اليوم تتمتع بمساعدة عدَّة هيئات نيجيرية وأجنبية، واعتمدت على وسائل الإعلام المحلية للإعلان، المتواصل من ساعة لأخرى، عن معلومات متعلقة بالصحة العامة؛ لتوعية النيجيريين، والتذكير بغسل اليدين، ونشر كلّ التطورات المتعلقة بفيروس كورونا داخل نيجيريا.

الاستعداد قبل تسجيل حالات الإصابة:

في عام 2014م سجّلت نيجيريا أُولَى الإصابات بوباء الإيبولا بعد عودة ليبيريّ-أمريكي يسافر من ليبيريا (وهي منطقة مصابة وقتذاك) إلى ولاية لاغوس، المركز الاقتصادي النيجيري، وتُوفِّي في المستشفى. وسرعان ما تحركت وزارة الصحة الخاصة بلاغوس بالتعاون مع وزارة الصحة الفدرالية لفحص المسافرين الجدد للتعرُّف على المصابين بوباء الإيبولا؛ وتَمَّ عَزْل المرضى وتَتَبُّع تحركاتهم وتعاملاتهم.

وفي النهاية سجّلت نيجيريا عشرين حالة إصابة بـإيبولا وثماني وفيات، وهو عدد قليل من إجمالي ضحايا الوباء بغرب إفريقيا. بل وأصبح احتواء فيروس إيبولا في لاغوس إنجازًا استثنائيًّا تَفْخَر به لاغوس والسلطات الصحية الفدرالية النيجيرية.

وبالنسبة لفيروس كورونا المستجد؛ هناك من النيجيريين من انتقدوا حكومتهم بأنها لم تتخذ الإجراءات الحاسمة منذ انفجار أخبار الفيروس في ديسمبر الماضي، وقد رفض خبراء الصحة النيجيريون تلك الانتقادات بحجة أن قطاع الصحة العامة في البلاد قد شهد تطوُّرات في الآونة الأخيرة، وأن السلطات تستعدّ وتتابع أزمة الفيروس، ولو لم تعلن عنها للمواطنين.

ففي يناير الماضي أنشأ "المركز النيجيري للسيطرة على الأمراض" (Nigeria Centre for Disease Control) مجموعة التأهب الخاصة بفيروس كورونا. وتضمّ المجموعة ممثلين عن خدمات صحة الموانئ التابعة لوزارة الصحة النيجيرية، وأصحاب المصلحة الآخرين، كما أنها تجتمع يوميًّا لمراجعة الوضع وآخر التطورات حول الفيروس على مستوى العالم، وتقييم خطر الانتشار، وتحسين مستوى التأهب النيجيري؛ بناءً على النتائج والأفكار الجديدة.

ولأن مدينة "ووهان" الصينية هي مركز انتشار كورونا في يناير؛ فقد رفعت السلطات مستوى الفحص عند نقاط الدخول إلى نيجيريا مع التركيز على المسافرين القادمين من الصين، وتشمل هذه الإجراءات فحوصات درجة الحرارة، وعدة أسئلة حول الأعراض المعروفة للفيروس، وتاريخ السفر.

وأعلنت نيجيريا في 18 مارس قرار منع المسافرين القادمين من الصين وإيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية، وإسبانيا واليابان وفرنسا، وألمانيا والولايات المتحدة والنرويج، والمملكة المتحدة وسويسرا وهولندا؛ من دخول البلاد.

وفي 21 مارس وسَّعت قيودها بالإعلان عن إغلاق جميع المطارات الدولية لمدة شهرٍ، وتعليق خدمات السكك الحديدية، وإغلاق الحدود البرية في البلاد لمدة شهرٍ؛ لمنع تفشّي الفيروس.

وفي 29 مارس فرضت البلاد حظر تجوّلٍ لثلاث ولايات رئيسية تضم ما يقرب من 30 مليون شخص (لاغوس وأوغن وأبوجا) في محاولة لإبطاء انتشار الفيروس داخل البلاد.

ولعل مما استفادته نيجيريا من أزمة إيبولا: ضرورة تقديم ​​الاستشارات الصحية العامة للنيجيريين فترة اجتياح الوباء وانتشاره؛ إذ تعاونت وزارة الصحة الفدرالية مع مسؤولي الصحة في جميع الولايات؛ لتوعية السكان حول فيروس كورونا، وتذكيرهم بشكلٍ يوميّ بما يجب عليهم فعله؛ وخاصةً إذا اشتبهوا في وجود حالة مُصَابَة بالفيروس، والخطوات اللازمة لحماية أنفسهم. إضافة إلى الأرقام والمنصات التي يجب التواصل معها في حالات الطوارئ.

وأشار "تشيكوي إيكويزو" خبير الصحة العامة النيجيري، وكبير المحاضرين في الأمراض المعدية بجامعة كاليفورنيا، إلى أنَّ مسؤولي الصحة النيجيريين على مدى السنوات الثلاث الماضية ركَّزوا جهودهم في تعزيز التَّنسيق الصحيّ والمراقبة، ومختبر الصحة العامة، وقدرات التواصل في حالات الطوارئ، وهو ما ساعدهم على الانطلاق في عمليات الفحص والكشف والتعامل مع المصابين بالمرض في البلاد.

تجهيز المنشآت الصحية في أوقات الرخاء للاستفادة منها في الشدة:

تُعَدّ نيجيريا واحدةً من ثلاث دول إفريقية قادرة على اختبار حالات فيروس كورونا بشكل مباشر؛ حيث عزّزت السلطات الصحية في البلاد بعد أزمة إيبولا، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، قدرات مختبرها المرجعي الوطني (National Reference Laboratory)، وذلك لتوفير التشخيص السريع لجميع الأمراض التي قد تُسبِّب أوبئةً، وفحص مُسبِّبات الأمراض شديدة العدوى؛ مثل فيروس إيبولا.

ولكن فيروس كورونا الجديد يختلف عن إيبولا من حيث الانتشار، واكتشاف الأعراض. وتعتمد قدرة الكشف عن فيروس كورونا على المعدات المختبرية، وأعراض المرض، والخبرة الفنية. ولذا تعاونت السلطات الصحية مع منظمة الصحة العالمية بشأن كيفيات وآليات التشخيص الصحيح لفيروس كورونا المستجد، كما اعتمدت السلطات على المختبر المرجعي الوطني النيجيري لتشخيص مسبِّبات الأمراض مثل كورونا.

والجدير بالذكر أن "المركز النيجيري للسيطرة على الأمراض" قد أَسَّس خمسة مختبرات مرجعية وطنية في جميع أنحاء نيجيريا لاختبار فيروس كورونا المستجد، كما دعم المركز 22 ولاية نيجيرية لإنشاء مراكز عمليات الطوارئ التي تعمل كمنصات للتنسيق، وتم ربط هذه المراكز بشبكة مركز تنسيق الحوادث الوطني، وهو ما يعني أن كلّ ولاية مستعدَّة للتنسيق داخل وعبر حدودها في حالة تسجيل إصابات جديدة. إضافة إلى أن وزارة الصحة قد أكملت في ديسمبر 2019م تدريب فِرَق الاستجابة السريعة في جميع ولايات نيجيريا البالغة 36 ولاية.

وعلى كلٍّ؛ فإن إجراءات وزارة الصحة النيجيرية تعني أن البلاد بشكل عام تستفيد من أنظمة صحية طُوِّرَتْ في أوقات الرخاء (أي: قبل انتشار فيروس كورونا)؛ بناءً على تجربتها مع إيبولا، وذلك لتتمكن من الوقاية، والكشف المبكّر، والاستجابة السريعة لاحتواء تفشّي الأمراض المعدية بما فيها كورونا.

تخفيف العبء على المواطنين ودعم السلطات الصحية:

أعلنت الحكومة النيجيرية في 18 مارس تخفيض سعر البنزين إلى 125 نايرا (0.34 دولار لليتر) من 145 نايرا، وذلك لتخفيف العبء الناتج عن تداعيات أزمة كورونا. وأعلن البنك المركزي النيجيري أيضًا دعم الصناعات التحويلية والقطاعات الرئيسية الأخرى بترليون نايرا (2.7 مليار دولار)، مع توفير 100 مليار نايرا قرضًا للسلطات الصحية. كما وافق البنك أيضًا على وقف سداد الديون الرئيسية لمدة عام (بدءًا من 1 مارس 2020)، وخفَّض سعر الفائدة لقروض الدعم التي يمنحها مباشرة للزراعة والتجارة من 9 إلى 5 في المائة.

ووافقت الحكومة النيجيرية وفي يوم 26 مارس على تقديم منحة بقيمة 10 مليارات نايرا (حوالي 27 مليون دولار) لحكومة ولاية لاغوس، المركز التجاري في نيجيريا وأكبر مدن نيجيريا من حيث عدد السكان، والتي سجلّت أكبر عدد من حالات الإصابة بفيروسات كورونا (حتى اليوم) في البلاد؛ وذلك لتمكين لاغوس من زيادة قدرتها على السيطرة على تفشّي المرض واحتوائه، ولكي تتمكن كل الولايات النيجيرية الباقية من الاستفادة من مجال بناء القدرات والخبرات التي تتميز بها الولاية.

وإذ وضعت الولايات النيجيرية المختلفة عدةَ مبادرات اجتماعية لدعم السكان، وخاصة البسطاء منهم؛ فقد تبرّع النيجيريون الأثرياء والمؤسسات المحلية، بما في ذلك كبريات البنوك والشركات، بمليارات نايرا للمساعدة في تمويل المراكز الطبية، وتوفير الأَسِرَّة لمراكز الحجر الصحي ومرافق العناية المركزة، وتسهيل وصول المواطنين بشكلٍ مباشر للمشورة الطبية.

على أنه بالرغم من الجهود التي تبذلها نيجيريا في مواجهة كورونا والنجاحات التي حقَّقتها حتى الآن؛ فإن هناك جوانب قصور ناتجة عن حالة الاسترخاء الذاتي مِن قِبَل الحكومة الفدرالية والمواطنين بشأن الفيروس؛ فبعض المواطنين يعتقدون أنهم مُحصَّنون ضد كورونا؛ بسبب مزاعم بأن الفيروس لا يتفشَّى في المناطق الحارَّة والاستوائية، وهو ما أدَّى إلى الرضا الذاتي الذي أثّر في الاستعداد الحكومي وقلة اهتمام المواطنين، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه البلاد أيضًا من زيادة ملحوظة لحالات حُمَّى "لاسا" في بعض مناطق البلاد، مع وجود إضراب الأطباء في أبوجا (عاصمة نيجيريا) عن العمل؛ لوجود قضية شائكة بينهم والحكومة.

للمزيد:

كتاب الموقع