أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الوجود اللبناني في إفريقيا : قضايا الماضي والواقع ، وآفاق المستقبل

ا

الهجرة ظاهرة إنسانية عرفتها البشرية منذ أقدم العصور ، وقد عرف التاريخ البشري أنماطاً عديدة من الهجرة تنوعت حسب دوافعها وأهدافها واتجاهاتها ، وقد حظيت هذه الظاهرة الإنسانية باهتمام الدارسين والباحثين لفهم دوافعها وأهدافها واتجاهاتها وانعكاساتها، سواء السلبية أو الإيجابية ، على كل من البلاد المرسلة والبلاد الأخرى المستقبلة لها.

وقليلة هي الدراسات والأدبيات التي تناولت موضوع الهجرةالعربية إلى خارج حدود المنطقة العربية ، مقارنة مع تلك التى تناولت الهجرة دخل الوطن العربى.

فالدراسات التى تناولت الهجرة العربية خارج حدود الوطن العربى اقتصرت – فى أغلبها- على الهجرة العربية إلى نصف الكرة الجنوبي من العالم ممثلا فى قارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية.(2)

وعلى الرغم من مئات المصادر التى كتبت عن العلاقات العربية الإفريقية متناولة أبعاد تلك العلاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية (3), إلا أن ماكتب عن الوجود العربى فى إفريقيا وكذا الوجود الإفريقى فى دول الوطن العربى يكاد يحصى على أصابع اليدين فى الكتابات العربية(4) ، والكتابات الغربية . وإذا كان ذلك الأمر مقبولا بالنسبة للغرب ومصالحه . فإن الأمر يبدو غير مقبول بالنسبة للعرب فى ظل روابطهم ومصالحهم مع القارة الإفريقية .

والحق ، إن التطورات الجارية على الأصعدة الدولية والإقليمية والداخلية تفرض ضرورة  مراجعة الموقف العربي بشأن العلاقة مع الدول الإفريقية , مع إيلاء أهمية خاصة للجاليات العربية الموجودة فى الدول الإفريقية ، والبحث عن سبل التواصل معها للاستفادة منها في توطيد العلاقات العربية الإفريقية ، وكذا مساعدة تلك الجاليات فى تنفيذ وتطوير مشروعاتها ، وتوفير الرعاية والحماية اللازمة لها ، بما يصب فى صالح الطرفين ، وهو مايقتضي بداية تحديد خريطة الوجود العربى في إفريقيا ، وحجم ذلك الوجود ، وحالة الجاليات العربية الاقتصادية ، والاجتماعية ، والسياسية ، وعلاقتها بدول المهجر الإفريقية وشعوبها ، وكذا طبيعة علاقتها بدول المنشأ وقضايا الوطن ، وصولاً إلى التعرف على مدى إمكانية الاستفادة من هذه الجاليات فى تحقيق مصالح الوطن ودعم أواصر التعاون العربي الإفريقي .

ويرجع اختيار الجالية اللبنانية لتكون محلا للدراسة إلى عدة أسباب ، أولها: أن الهجرة تشكل ملمحماً أساسيا فى شخصية لبنان الجغرافية وعموداً فقرياً من أعمدته الاقتصادية والاجتماعية ، يرتبط بذلك ، أنه على الرغم من وجود العديد من جاليات عربية مختلفة على الساحة الإفريقية (5) ، فإن الجالية اللبنانية هى أكثر جالية عربية فى إفريقيا من حيث الانتشار فى أرجاء القارة الإفريقية ، إذ يمتد الوجود اللبناني في إفريقيا ، على نحو يسمح بدراسة أوضاع هذه الجالية دراسة موضوعية ، ناظمة لهذه البيانات المتوفرة في كل مترابط ، علاوة على ماسبق ، فإن هذه الجالية تواجه الآن عدة تحديات ومشاكل منها ما يتعلق ببقائها أو عدم بقائها في القارة على نحو ماسيرد البيان .

والحق ، أن دراسة أوضاع المهاجرين اللبنانيين فى إفريقيا أمر يكتنفه العديد من الصعوبات تتعلق من ناحية ، بالامتداد الزمنى للتواصل الإفريقى الذى يمتد  - فى العصر الحديث - إلى عشرات العقود ، وما أسفر عنه ذلك التواصل من تأثيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية بين الجانبين ، وهى  التأثيرات التى ألقت بظلالها الإيجابية أحيانا ، والسلبية أحيانا أخرى على العلاقات العربية الإفريقية بصفة عامة (6) والإفريقية اللبنانية بصفة خاصة على نحو ماسيرد لاحقاً .

من ناحية ثانية ، يمكن الإشارة إلى صعوبة أخرى تتمثل فى عدم وجود إحصائيات يعتمد عليها فى تقدير حجم الجاليات اللبنانية فى العالم بصفة عامة وإفريقيا بصفة خاصة ، ومجالات أنشطتهم ، وهو أمر  يرجع في جانب منه إلى أن الهجرة اللبنانية إلى الخارج تمت فى معظم الأحوال فى ظروف استثنائية تتعلق فى مجملها بظروف الفتن والحروب على الساحة اللبنانية ، الأمر الذى لم يكن من المتصور معه القدرة على حصر أعداد المهاجرين من البلاد إلى الخارج ، ويرجع في جانب آخر إلى ظروف الدول الإفريقية فى ظل الاستعمار وبعد الاستقلال ، فكثير من الدول الإفريقية لم تكن تتوافر لها الكفاءات والقدرات الإدارية القادرة على وضع قواعد بيانات دقيقة حول القاطنين بأراضيها من المواطنين والأجانب ، وعدم قدرة البعض الآخر من الدول على إجراء تعداد سكانى يأخذ فى الاعتبار الأصول العرقية أو الانتماءات الدينية ، لما لذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار السياسى والاجتماعي فى تلك البلدان(7).

على صعيد آخر ، يمكن الإشارة إلى صعوبة أخرى ترتبط بأوضاع اللبنانيين أنفسهم فى الدول الإفريقية  حيث يمكن الإشارة إلى ثلاث فئات : (8)

الفئة الأولى: وهم أولئك الذين اندمجوا اجتماعيا فى المجتمعات الإفريقية وتجنسوا بجنسية الدول الإفريقية ، متخلين عن جنسيتهم العربية ، وتزوج بعضهم بأهاليها الأفارقة، وإن ظلت طائفة منهم على ارتباط عاطفي بوطن الأجداد (9).

الفئة الثانية: وهم الذين استوطنوا المجتمعات الإفريقية بصورة دائمة وتجنسوا بجنسيتها مع الاحتفاظ بجنسيتهم اللبنانية- حال السماح بذلك – إضافة إلى الاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم ، وكذا روابطهم بدولة المنشأ دون انقطاع ، حيث يقومون بزيارات من وقت إلى آخر إلى أوطانهم الأصلية وأقاربهم .(10).

الفئة الثالثة : وهؤلاء يعتبرون وجودهم فى الدول الإفريقية وجوداً مؤقتا هدفه طلب الرزق وتحسين مستوى المعيشة ، وتجدر الإشارة ، إلى أن البعض في هذه الفئة- بخاصة القادمين بمبادرة ذاتية – غالبا مايتحولون إلى مقيمين دائمين فى الدول الإفريقية , وهى الفئة الغالبة على الرعيل الأول من المهاجرين إلى إفريقيا ومازالت تمثل نسبة كبيرة من المهاجرين اللبنانيين في إفريقيا ، كما هو الحال بالنسبة للهجرة اللبنانية إلى المناطق الأخرى من العالم كقارتى أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا(11) ، مع اختلاف جوهرى يتمثل فى أنه  حين كانت الجماعات المهاجرة تقبل الاندماج والانصهار فى المهاجر الآخرى غير الإفريقية جنوب الصحراء ،   لم يكن الأمر على ذات النحو على الصعيد الإفريقى ، وهو أمريعزوه البعض لأسباب ثقافية تتمثل فى الشعور بالسمو الثقافى فى مواجهة الثقافات الإفريقية ، علاوة على الحاجز اللونى بين اللبنانيين والأفارقة ، الأمر الذى جعل البعض يرى المقام فى إفريقيا مؤقتا ولو طال أمده(12).

وبالنظر إلى تباين توجهات أفراد كل فئة ، بل وداخل أفراد الفئة الواحدة ، بشأن قضايا وهموم الوطن العربى بصفة عامة والدولة اللبنانية بصفة خاصة ، فإنه يصعب الاستناد على الأرقام والاحصاءات المجردة – حال وجودها – فى تقدير القدرات العربية فى الدول الإفريقية.

يضاف إلى الصعوبة السابقة ويرتبط بها ، أنه فى بعض الأحيان انتقلت الخلافات الطائفية والمذهبية من لبنان إلى القارة الإفريقية (13).

وفى ضوء تلك الصعوبات سالفة الذكرتسعى هذه الدراسة إلى رصد وتتبع الوجود اللبنانى فى القارة خاصة فى غرب إفريقيا ، من خلال بيان الاصول التاريخية لذلك الوجود ، وحجمه ، ومناطق تركزه ، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية التى يمارسها اللبنانيون ، وعلاقة هؤلاء المهاجرين بكل من الدول المضيفة  (الدول الإفريقية) . ودولة المنشأ (لبنان).

وذلك من خلال النقاط التالية:

- مراحل الهجرة اللبنانية وتطورها.

- أسباب الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا.

- مجالات الأنشطة الاقتصادية للجماعات اللبنانية.

- صورة اللبنانيين فى المجتمعات الإفريقية.

- مستقبل الجاليات اللبنانية فى إفريقيا .

 

أولا: مراحل الهجرة اللبنانية وتطورها :

يصعب وضع تاريخ محدد كنقطة بدء للهجرة اللبنانية إلي إفريقيا غير العربية ، حيث كانت الأقطار العربية المجاورة وفى مقدمتها مصر(14) ، فى البدء ، محط أنظار المهاجرين اللبنانيين ، ثم اتجهت الهجرة بعد ذلك صوب قارتى أمريكا الجنوبية والشمالية ، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، التى سمع بها وبثرائها ، اللبنانيون لأول مرة  من  أعضاء البعثات التبشيرية الأمريكية التى وفدت على لبنان آنذاك(15) ، ولم تكن إفريقيا من بين مقاصد الهجرة  اللبنانية إلا على سبيل القدر والاضطرار خشية من خيبة الأمل ، منذ القرن التاسع عشر ، علي نحو ماسيرد البيان.

وتشير الدراسات إلى أن الهجرة إلى إفريقيا ظلت ضئيلة العدد ولم تأخذ في التزايد إلا منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، إذ بدأ المهاجرون يقصدون إفريقيا بالعشرات والمئات ، وكانت المستعمرات الفرنسية فى إفريقيا أول محطات الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا ، خاصة في " المقاطعات الأربع " التي أصبحت عام 1870م ، تتمتع بحقوق المواطنة وساعدت الاقتصاد المحلي على النمو بسرعة وهي مقاطعات سان لويس ودكار وغوري وروفيسك(16) .

وعلى صعيد المناطق الإفريقية التى خضعت للاستعمار البريطانى ، وبالنظر إلى ما سلف بيانه ، من عدم احتفاظ السلطات الاستعمارية بسجلات موثوق بها عن المهاجرين الأوائل إلى مستعمراتها، تتضارب الأخبار المتعلقة بهجرة اللبنانيين إلى غرب إفريقيا الإنجليزية ، حيث يرى البعض أن أول مهاجر لبنانى إلى مناطق النفوذ البريطانية وصل إلى سيراليون عام 1880م، ويرى آخرون أن أول موطأ قدم للبنانيين في المستعمرات البريطانية فى إفريقيا كانت منطقة ساحل الذهب(غانا) عام 1870م ، والراجح لدينا أن سيراليون هى من أولى المناطق في غرب إفريقيا الإنجليزية  التي شهدت هجرة اللبنانيين إليها ، باعتبار أن سيراليون كانت نقطة توقف لكل السفن المتجهة نحو مناطق المستعمرات الانكليزية(17).

وبصفة عامة يمكن القول أن البيانات المتوفرة تشير إلى عدة حقائق أساسية فى هذا الشأن وهي أنّ :

- الهجرة إلى غرب إفريقيا بدأت أواخر القرن التاسع عشر.

- فى بعض المناطق سبقت أنشطة التجار والمهاجرين اللبنانيين أمثالهم من الأوروبيين.

- نشاط اللبنانيين فى تلك الحقبة قد انحصر في المدن الساحلية لغرب إفريقيا.

- مع أواخر القرن التاسع عشر ، استقر المهاجرون اللبنانيون فى معظم المناطق المهمة من غرب إفريقيا انطلاقا من المرافىء الساحلية لغرب إفريقيا التى استقبلت المهاجرين اللبنانيين الأوائل ، حيث كان المهاجرون اللبنانيون ينتقلون من بيروت إلى مرسيليا ومنها إلى دكار ثم كوناكري وفريتاون ، ومن ثم إلى لاغوس وكانت الرحلة تستغرق نحو 40 يوماً (18) ، لذا كانت المدن الساحلية في غرب إفريقيا بمثابة معابر وجسور مهمة لهجرة اللبنانيين إلى داخل مناطق غرب القارة .

- اللبنانيين استمروا في نشاطهم التجاري والهجرة إلى إفريقيا متأثرين فى ذلك بالأحداث التى شهدتها بلادهم آنذاك ، والتى كانت سببا أساسيا فى الهجرة اللبنانية بصفة عامة(19)

مراحل الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا(20)

يمكن تقسيم هجرة اللبنانيين في العصر الحديث ( تحديدا منذ منتصف القرن التاسع عشر) إلى عدة مراحل أساسية :

المرحلة الأولى: أبتدأت مع أواسط القرن التاسع عشر وانتهت مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، واتسمت الهجرة في هذه المرحلة بالفردية ثم أخذت فى النمو بصورة متزايدة . وقد غلب عليها فى البداية عنصر الشباب الذكور ، سواء الذين لم يسبق لهم الزواج، أو الذين لم ترافقهم أسرهم نتيجة انتشار البطالة أو تردي الأوضاع الاقتصادية فى متصرفية لبنان الخاضعة أنذاك للدولة العثمانية ، ولرغبة الكثير من هؤلاء الشباب فى الهروب من التجنيد الإجباري( لمدة ست سنوات )، والذى كانت تفرضه السلطات العثمانية فى ذلك الوقت . فقد شكل عنصر الشباب نسبة كبيرة في موجات الهجرة العربية الأولى إلى إفريقيا وغيرها من بقاع الأرض وإن لوحظ أن معظم المهاجرين في تلك المرحلة اتجهوا نحو بلدان أميركا الشمالية (21) وأمريكا اللاتينية(22) . ومن المهاجرين من اختار الهجرة إلى الدول والأقاليم القريبة من ذلك ما عرف في ذلك الوقت بهجرة الشوام إلى مصر .

وقد تميزت الهجرة اللبنانية إلى مصر بسمة التركز العائلى والطائفي والمناطقي للمهاجرين حيث تجمع الوافدون أبناء العائلة الواحدة أو الطائفة أو المنطقة في أحياء خاصة حافظوا فيها على علاقاتهم الاجتماعية والثقافية (23) واستقر معظم المهاجرين في نقاط جذب حيوية هى القاهرة والأسكندرية ودمياط ومدن قناة السويس(24) وقد تمكن اللبنانيون بفضل جهدهم ونتيجة مناخ الحرية والاستثمار المواتي في مصر من تكوين ثروات طائلة بلغت عام 1907م الثروة القومية المصرية(25) حيث كان لهم النشاط الثقافي والتجاري والصناعي كما كان لنشاطهم الإعلامي الدور البارز في خلق الرأي العام وتوجيهه للقضايا القومية والوطنية ومازالت الصحف المصرية كالأهرام والأخبار وروز اليوسف تتزين بأسمائهم (26).

ونشطت خلال هذه المرحلة من مراحل الهجرة عمليات تهريب البشر على متن سفن الشحن لقاء مبالغ من المال في ظروف صعبة نتج عنها اختفاء العديد من المسافرين وانقطاع أخبارهم.

وقد أوجدت الهجرة الأولى مايعرف بالمنحدرين من أصل لبنانى (27) ومعظمهم تجذر في مغتربه وأسس عائلات حمل كثير من أفرادها جنسية هذه المغتربات لاسيما غير الإفريقية جنوب الصحراء (28).

وانخرطوا في مجتمعاتها على الرغم  مما سلف بيانه من أن معظم أبناء هذه المرحلة لم يكن بخلدهم الاستقرار الدائم بدول المهجر(29).

المرحلة الثانية : وهى تمتد بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويمكن اعتبارها هجرات متلاحقة شجعتها سلطات الانتداب الفرنسى خاصة نحو مستعمراتها في قارة إفريقيا ، وقد حافظت هذه الفئة على جنسيتها اللبنانية، ساعد على ذلك قرب المسافات وتطور قطاع النقل والاتصالات ، وكذلك عدم وجود دول إفريقية مستقلة فى ذلك الحين.

المرحلة الثالثة : وتمتد من تاريخ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية الحرب اللبنانية(1945- 1975) ، وتشكل هذه المرحلة نقطة بارزة فى تاريخ الهجرة اللبنانية حيث انطلق تيار جديد للهجرة باتجاه إفريقيا ، وإن كان التيار الرئيسى للهجرة قد اتجه إلى غيرها من دول العالم حيث تشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أنه ، منذ عام 1975م ، هناك نحو 46 فى المائة من الأسر لها فرد مهاجر على الأقل . وتتوزع الهجرة على : البلاد العربية ( 20 فى المائة )، أوروبا ( 25 فى المائة)أمريكا الشمالية(29 في المائة ) ، استراليا( 13 فى المائة ) ، إفريقيا ( 6 في المائة )(30).

ومما يلاحظ على تيار الهجرة فى هذه المرحلة أنه قد ترافق معه تغيير نوعي في المستوى الثقافي للمهاجرين ، حيث تزايدت نسبة المهنيين والفنيين والعناصر المتعلمة تعليما عاليا والمدربة بين المهاجرين ، وهو الأمر الذى سيمثل السمة الرئيسية للهجرة اللبنانية فى المراحل التالية , على خلاف الحال فى المراحل السابقة .

المرحلة الرابعة: وتمتد من بدء الحرب اللبنانية وحتى نهايتها(1975- 1990) ، وقد وصل عدد المهاجرين 000ر800 فى هذه المرحلة بصفة عامة . تشير الإحصاءات إلى أن نسبة قليلة فقط منهم قد اتجهت إلى إفريقيا وكانت النسبة الغالبة تتجه إلى دول الخليج العربي بفعل الاكتشافات البترولية فى تلك البلدان آنذاك (31).

المرحلة الخامسة : وتبدأ مع انتهاء الحرب الأهلية حيث شهدت هذه المرحلة ملامح استقرار سياسي واقتصادي في الساحة اللبنانية ، إلا أن النقص فى فرص العمل دفع بالكثير من الشباب من أصحاب الكفاءات إلى البحث عن أفق للرزق أرحب في المهجر.

ب – تطورات الهجرة إلى إفريقيا :

على الرغم من التزايد التدريجى الذي عرفته الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا منذ نهاية القرن التاسع عشر ، فإن الأرقام بقيت متواضعة إلى نهاية الحرب العالمية الأولى ، ولكن الملاحظ على تلك الهجرة أنها لم تعد مقتصرة على الذكور البالغين فقط ، بل شملت كذلك النساء والأطفال ، الأمر الذى يعكس نوعا من اطمئنان المهاجرين إلى تلك المناطق التى هاجروا إليها ، وقد اتجهت تيارات الهجرة إلى ستة أقاليم خاضعة للسيطرة الفرنسية هى السنغال وغينيا والسودان الفرنسى( مالى الحالية) والداهومى( بنين الحالية ) والنيجر وموريتانيا بالإضافة إلى مستعمرتى  جامبيا وسيراليون الإنجليزيتين ومستعمرة غينيا البرتغالية ( غينيا الاستوائية  حاليا)(32)

بعد سنة 1918 تزايد ايقاع الهجرة اللبنانية نحو إفريقيا ، بفعل مجموعة من العوامل في مقدمتها أن الطلب على المنتجات الاستوائية التى تزخر بها المنطقة تزايد نتيجة لتزايد طلب أوربا المدمرة، كما أن العديد من الفرنسيين ذوي المصالح فى إفريقيا الغربية الذين ذهبوا إلى الجبهة لم يعودوا ، الأمر الذى دفع فرنسا ، التى كانت قد فرضت انتدابها على لبنان آنذاك، إلى منح تسهيلات متعددة لمن يود الهجرة إلى إفريقيا الغربية ، وأصبح اللبنانيون يتمتعون بها بوضعية " المحميين " هكذا وصل عدد اللبنانيين المقيمين بإفريقيا الغربية الفرنسية عام 1921م إلى عام 7719 نسمة ، بينما وصل عددهم عام 1929م إلى 8093 نسمة (33) ، الأمر الذى يعكس الثقل النسبى للمهاجرين إلى المستعمرات الفرنسية والذى بات يمثل حقيقة أساسية لتيارات الهجرة اللبنانية إلى إفريقيا طوال تلك الحقبة وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية على نحو مايكشف الجدول رقم(1).

 

جدول (1) توزيع الجالية اللبنانية فى غرب إفريقيا عام 1938م

 

الدولة المستعمرة

عدد اللبنانيين

السنغال

4400

السودان الفرنسي(مالى)

400

غينيا

1600

ساحل العاج

700

الداهومي(بنين)

40

النيجر

10

جامبيا

350

سيراليون

1000

ساحل الذهب (غانا)

1000

نيجيريا

700

غينيا الاستوائية

400

توجو

80

 

 

المصدر : كامل مروة ، نحن في إفريقية ( بيروت : المكشوف1938) ص ص 193 – 192

 

بعد الحرب العالمية الثانية تواصلت الهجرة اللبنانية فى خط تصاعدي نتيجة لعوامل مثل انسداد أبواب عدد من بلدان قارتي أمريكا التى فرضت قوانين صارمة على دخول المهاجرين ، واستقدام عدد من قدماء المهاجرين لذويهم وأصدقائهم ، ثم خلق خط جوى موسمي يربط لبنان بإفريقيا الغربية الفرنسية ، وقد وصل عدد اللبنانيين فى إفريقيا الغربية الفرنسية عام 1949م ، حسب الإحصائيات الرسمية ، إلى 8398 نسمة(75%) منهم في مستعمرة السنغال ، بينما وصل عددهم فى بقية المستعمرات الأوربية بإفريقيا الغربية عام 1951م إلى 5700 نسمة (34).

ولقد عرفت الهجرة اللبنانية تطورات جديدة بعد حصول بلدان إفريقيا الغربية على استقلالها، أثرت على توزيعهم داخل المنطقة ، ارتبطت تلك التأثيرات فى جانب منها بطبيعة علاقة الدول الإفريقية بالدول الاستعمارية وبصفة خاصة فى فرنسا ، وارتبطت من جانب آخر بالسياسات الاقتصادية التى اتبعتها الدول الإفريقية فى مرحلة الاستقلال، ففى عام 1958م رفضت حكومة غينيا كوناكري التصويت لصالح الدخول فيما عرف "بالرابطة الفرنسية  التى جاءت بها حكومة شارل ديجول الفرنسية(35) واختارت الاستقلال ، الأمر الذى كانت له عواقب اقتصادية سلبية أرغمت أغلب الأجانب على مغادرتها ، من ناحية أخرى أدى فرض الاشتراكية العلمية  كنظام اقتصادى فى مالى (السودان الفرنسى سابقا ) ، من طرف الرئيس موديبو كيتا ، إلى انعكاسات لاتقل سلبية على وضعية الأجانب ، كما أن نظام " السنغلة " الذى طبق فى السنغال ، " والنيجرة فى نيجيريا ، وإن لم يمس بنفس الحدة وضعية الأجانب فإنه أفقد الدولتين الإغراء الاقتصادي الذى كانت تتميزان به قبل تطبيق تلك النظم والقواعد . مقابل ذلك أصبحت ساحل العاج التى سارت على النهج الليبيرالى ، مصدر إغراء للمهاجرين . وقد استقطبت بجانب سيراليون وليبيريا أهم عدد من اللبنانيين الذين تركوا مستعمرات غينيا ومالى والسنغال(36).

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م ، وما تلاها من أحداث ، عرفت إفريقيا الغربية هجرة لبنانية جديدة ، كانت وجهتها الأساسية ساحل العاج التى تضاعف عدد اللبنانيين فيها (37)، ثم بنسبة أقل إلى السنغال وسيراليون ، وكان من آثار الحرب الأهلية فى لبنان كذلك رجوع عدد كبير من المواطنين اللبنانيين إلى نيجيريا، وتبع ذلك أيضا وفود أعداد صغيرة جديدة هربا من ظروف الحرب القاسية ، وبخلاف هجرات المراحل السابقة التى كانت تهم مختلف الطوائف ، فإن هجرة ما بعد الحرب الأهلية تشكلت بالأساس من الشيعة القادمين من الجنوب – على نحو ماسلفت الإشارة- والذين مثلوا حوالى 90% من مجموع المهاجرين اللبنانيين فى تلك الحقبة (38) الأمر الذى أسفر عن زيادة التنوع الدينى بين المهاجرين ، مابين كاثوليكى – أرثوذكسى – مارونى من ناحية ، وسنى – شيعى – درزى من ناحية أخرى .

 

جدول (2) أعداد اللبنانيين فى بعض دول إفريقيا فى مطلع القرن الحادى والعشرين

 

الدولة

عدد اللبنانيين

ملاحظات

ساحل العاج

000ر50

وصل العدد فى بعض الأحيان إلي 000ر100 نسمة ويعتقد انخفاض العدد في أعقاب الحرب الأهلية في البلاد منذ أواخر التسعينيات

نيجيريا

000ر30

 

السنغال

000ر20

 

جنوب افريقيا

000ر18

 

غينيا

4000-7000

 

الجابون

1800 – 5000

 

سيراليون

6000

 

غانا

3000 – 5000

 

جامبيا

1500 – 2000

 

بنين

1400

 

مالى

600 – 1000

 

إفريقيا الوسطى

1000

 

غينيا بيساو

200 – 600

 

الكميرون

500

 

توجو

400

 

النيجر

200 – 500

 

غينيا الاستوائية

300

 

تنزانيا

300

بعضهم جاء مهاجرا من غرب القارة

ليبيريا

300

بعد أن كان العدد فى مطلع الثمانينيات 000ر20 نسمة وفي عام 1996م 000ر15 نسمة ، وذلك بفعل الحرب الأهلية فى البلاد.

 

تم إعداد الجدول بمعرفة الباحث استنادا إلى مراجع عدة أهمها :

- سلسلة التحقيقات التى أجرتها جريدة النهار اللبنانية عن المغتربين اللبنانيين ونشرتها فى ملف الاغتراب انظر موقع الجريدة على الموقع www. Alnahronline. Com/igtirab

- الجمهورية اللبنانية ، وزارة الخارجية والمغتربين ، الإدارة العامة للمغتربين ، www.emigrants.gov.Ib./index. html.

- ارشيف موقع allafrica.com.

- جهاد العقل ، فجر الهجرة : مآسي ونوادر (بيروت : دار ومكتبة التراث الأدبي2003) ص ص 87- 88 .

 

أسباب الهجرة اللبنانية إلي إفريقيا :

نادرا ما تخلو دراسة للهجرات العربية ، موسعة كانت أم محدودة ، من التطرق إلى الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة, فالتعرض إلى عوامل الطرد من المنطقة العربية وعوامل الجذب فى مناطق المهجر يعد مبحثا أساسيا فى الأدبيات ذات الصلة . وغالبا ما يتم التمييز في هذا المبحث بين الأسباب والدوافع بحسب المراحل التاريخية المختلفة للهجرة ، وكذا بين إلحاح بعض هذه الأسباب والدوافع على قطاعات معينة من المهاجرين، مقارنة بغيرها من القطاعات .

والحق ، أنه لاتنفك أسباب هجرة اللبنانيين إلى إفريقيا عن الأسباب العامة للهجرة اللبنانية إلى مختلف جهات الأرض وإن اتسمت ببعض الملامح الخاصة .

وجدير بالبيان ، أن الاسم المتعارف عليه للجماعات التي هاجرت إلى إفريقيا من منطقة الشام قبل 1920م – أي قبل فترة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان – هو السوريونSyrains  ويقصد بهم كافة الجماعات والأفراد المهاجرين إلى إفريقيا من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وفى أحيان أخرى أطلق عليهم الأتراك نسبة لتبعية بلدانهم للدولة العثمانية ، وهو الأمر الذى أوجد أزمة هوية للعديد (39)، وسبب كثيرا من المتاعب للمهاجرين اللبنانيين إلى بعض المناطق خاصة الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية (40) . وكذلك إفريقيا .

وعن أسباب الهجرة الأولى وبالتحديد بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية فى سنة 1920م يرى بعض المؤرخين أن ظروف الاضطهاد الدينى والسياسى الموجه ضد المسيحيين المارونيين من الحكم العثمانى هى العامل الرئيسى فى هجرة اللبنانيين إلى قارات متعددة كأمريكا الشمالية والجنوبية ومنطقة غرب إفريقيا . ويرى هذا الفريق أنه على إثر الصراع المسيحى – الإسلامى ، والمسيحى – الدرزى والآثار السلبية التى نتجت عن ذلك فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى ، بدأت الهجرات اللبنانية إلى خارج القارة الآسيوية بصورة منتظمة ومكثفة (41)

ويرفض بعض المؤرخين المعاصرين نظرية الاضطهاد السياسي الديني هذه ، ويعزي الهجرة خارج لبنان إلى عوامل اقتصادية ، لأنه حسب منظوره أن المهاجرين الذين تركوا لبنان فى الفترة مابين 1860 – 1920م كانوا أساسا من الفلاحين الذين لايملكون شيئا (42) ، أما عن مناطق الهجرة فإن بعض الدراسات تذكر أن أغلبية المهاجرين إلي إفريقيا كانوا من مسيحيي جنوب لبنان وذلك فى الفترة التى سبقت عام 1920م(43)

وتجدر الإشارة إلى أن هدف معظم المهاجرين اللبنانيين آنذاك كان الهجرة إلى أميركا بفعل ماسمعوه عن نجاح بنى جلدتهم من اللبنانيين فى تحقيق ثروات ضخمة فى تلك البقاع من الارض ، لكن ، ولأسباب مختلفة حط الكثير منهم الرحال فى إفريقيا. من تلك الأسباب : أن بعض وكلاء السفر فى مرسيليا خدعوا اللبنانيين وأصعدوهم إلى سفن متجهة نحو غرب إفريقيا بدل أن تكون متجهة إلى أميركا(44).

والعامل الآخر ، هو أن تكلفة السفر إلى إفريقيا كانت أدنى ، الأمر الذى دفع بعض المهاجرين الذين لايملكون المال الكافى للسفر إلى أميركا ، إلى التوجه نحو إفريقيا ، خاصة وأن بعضهم كان يمضى فترة طويلة فى مرسيليا ، فيضطر إلى استعمال مدخراته ، ويصبح من المستحيل عليه أن يدفع تكلفة السفر إلى أميركا ، وعندما كان يقال له إن تكلفة السفر باهظة إلى اميركا ، كان يفضل السفر إلى غرب إفريقيا بدل العودة إلى لبنان (45). ساعد على ذلك ما كان يرويه وكلاء السفر من قصص عن نجاحات الهاجرين إلى إفريقيا وما حققوه من ثروات ، ولم تفتأ تلك الأخبار عن نجاح أوائل المهاجرين أن تواردت على الوطن ، الأمر الذى حدى بآخرين ، خاصة الذين ليست لهم معارف في أمريكا بالهجرة إلى إفريقيا الغربية ، أكثر من ذلك أن وصل صدى النجاح الذى حققه أوائل اللبنانيين فى هذه المنطقة إلى ذويهم فى العالم الجديد ، فهاجر البعض منهم إلى إفريقيا(46).

من الأسباب الآخرى التى دفعت المهاجرين اللبنانيين للتحول نحو إفريقيا , التعقيدات التي طرأت عام 1860م على شروط الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من بلدان العالم , فكانت إجراءات الهجرة تتطلب وثائق خاصة بالسفر وشروطا صحية للمهاجرين شديدة التعقيد ، وعندما كان وكلاء السفر فى مرسيليا يطلعون المهاجرين اللبنانيين على هذه الأمور كان بعضهم يفتش عن خيارات أخرى . وكانت أفضل الخيارات هى السفر إلى إفريقيا حيث لم تكن هناك قيود تذكر ، خصوصا مع سهولة الحصول على التأشيرة التى أصبحت تمنحها القنصلية الفرنسية فى بيروت . والحق أنه إذا كان البعض يقتنع بذلك ويسافر إليها عن طيب خاطر ، فإن البعض الآخر لم يكن يعلم أنه وصل إفريقيا الغربية وليس أمريكا إلا بعد وصول الباخرة إلى المستعمرات الفرنسية فى إفريقيا(47).

وفيما بعد لعبت الظروف الاقتصاديةالمهيئة فى إفريقيا وفرص العمل المتوفرة دورا فى استقطاب عدد كبير من الجماعات اللبنانية إذ نجد أن بلاد إفريقيا تحتل المكانة الثانية بعد البرازيل بالنسبة للمهاجرين اللبنانيين فى العالم قاطبة . ولقد تبعت هجرة المسلمين اللبنانيين إلى إفريقيا هجرة اللبنانيين الموارنة بعد عام 1920(48). وتجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين الأوائل من المسلمين إلى بلاد إفريقيا كانوا من الشيعة ومن منطقة جنوب لبنان بالذات . وهنا أيضا لعب العاملان الاقتصادى والسياسى فيما بعد دورا فى هجرة المواطنين اللبنانيين إلى إفريقيا . ذلك أن منطقة الجنوب اللبنانى والتى يسكنها غالبية من الشيعة تفتقر إلى الموارد الطبيعية الكافية التى تساعد فى سد حاجات الإنسان الاقتصادية , علاوة على أن الترتيبات الاستعمارية الفرنسية ساعدت أيضا فى خلق طبقات طائفية فى لبنان مما جعل الغالبية الشيعية مجموعة اقتصادية وسياسية هامشية إلى وقت قريب ( 49). هذه العوامل مجتمعة ساعدت على هجرة المسلمين الشيعة من الجنوب اللبناني إلى العالم الخارجى ، الأمر الذى تزايدت وتيرته مع احتلال إسرائيل للجنوب اللبنانى وتنامي المقاومة المسلحة لهذا الاحتلال(50)

ويمكن إيجاز الأسباب المؤدية للهجرة اللبنانية بصفة عامة وإلى إفريقيا بصفة خاصة فى الفترة الزمنية الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر وحتى يومنا الحاضر في النقاط التالية(51) :

1-الوضع الاقتصادى المتردي والذى عرفه لبنان فى مراحل عدة من تاريخه وهذا الوضع انعكس سلبا على الوضع المعيشى .

2- الظروف السياسية التى عانى منها اللبنانيون وخاصة فى فترة الحكم العثمانى.

3-انتشار الأمراض والأوبئة واستشراء المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى .

4-السعى وراء تحسين الوضع المعيشى للفرد والرغبة فى الارتقاء الاجتماعى.

5-الأجور المغرية والفرص الجديدة التى عرضت على المهاجرين الأوائل والإغراءات المالية والوظيفية التى تعطى للكفاءات اللبنانية فى الخارج وخاصة في البلدان العربية المصدرة للنفط .

6-الحروب التى عصفت بلبنان وخاصة الحرب الأخيرة والتى استمرت لأكثر من عقد من الزمان وما رافقها من ظروف أثرت في الوضع الاقتصادى والمعيشى .

7-ضآلة فرص العمل والتى وإن توفرت فإنها غالبا ما تكون معروضة بأجور هى دون تطلعات أصحاب الكفاءات .

8-تدني الرواتب بشكل عام وخاصة فى القطاع العام .

9-ازدياد عدد خريجي الجامعات والتى تتخطى فرص العمل المعروضة سنويا مما يفرض أن تكون لبنان بلدا مصدرا للعقول .

10-ورود أخبار النجاحات التى أصابها بعض المغتربين ورغبة بعض اللبنانيين المقيمين فى حذو وسلوك درب الهجرة .

11-حب المغامرة واستكشاف آفاق عالم جديد .

12- وجود أقارب في بلد الاغتراب قد يسهل فى اتخاذ قرار الهجرة وذلك نظرا للدعم الذى يمكن أن يقدمه الأقارب عبر تحمل أعباء فترة التكيف فى الاستقبال وعبر توفير المتطلبات الضرورية القانوية للهجرة .

 

مجالات الأنشطة الاقتصادية للجماعات اللبنانية :

كما هو الشأن بالنسبة لمواطنيهم فى العالم الجديد فقد كانت التجارة المتجولة أول نشاط اقتصادى مارسه اللبنانيون بإفريقيا الغربية ، وقد بقي الحضور الاقتصادى اللبنانى متواضعا إلى غاية الحرب العالمية الأولى ، حيث استفاد اللبنانيون من الفراغ الذى خلفه التجار الفرنسيون الذين ذهبوا إلى الجبهة ، خلال هذه المرحلة والتى تمكنوا فيها من اللغات الإفريقية وتعرفوا على البلد لم يعد وجودهم مقتصرا على المدن والمناطق القروية بل توغلوا فى الادغال (52) ، وهو ما ساعدهم على تحقيق نجاح سريع خصوصا وأنهم أصبحوا وسط بين الوكالات التجارية الأجنبية ، وبخاصة الوكالات الفرنسية ، والسكان الأصليين ، حيث كانوا يبيعون لهؤلاء المنتجات المصنعة ، ويحصلون منهم على منتجاتهم من المواد الخام للتصدير ، وقد شجعهم نجاحهم فى هذا المجال على التوسع في هذا النشاط ، علاوة على اتجاه البعض إلى افتتاح محلات خاصة لبيع الجملة في المدن ، كما اتجه آخرون إلى التخصص في مجال استيراد المنتجات المصنعة مباشرة من أوربا وأصبحوا الممولين الرئيسيين لمواطنيهم من تجار الجملة والتقسيط (53) .

وقد شهدت سنوات العشرينيات من القرن العشرين منافسة شديدة بين التجار الأوربيين واللبنانيين في إفريقيا الغربية ، وهكذا ففي سنة 1919م نجد في مدينة " تييس" Theis's ( بالسنغال ) 50 محلا تجاريا يمتلكها أوربيون مقابل 11 محلا يمتلكه لبنانيون ، وفى قرية " بامبي Bamby بنفس المستعمرة نجد 47 محلا يمتلكها أوربيون مقابل 4 محلات فى ملكية لبنانيين ، لكن بعد عشرين سنة نجد في " تييس " 11 محلا أوربيا مقابل 200 محل لبنانى ، وفى " بامبى" 20 محلا أوربيا مقابل 105 محل لبنانى ، وهذا ما يعنى أن المنافسة حسمت لصالح اللبنانيين ( 54).

سمح هذا النجاح التجارى للبنانيين بتنويع مجالات تخصصهم ، حيث تم الاستثمار منذ الأربعينيات فى الصناعة الخفيفة وكذلك فى قطاع النقل خصوصا نقل المحاصيل الزراعية من الأدغال والمناطق القروية إلى الموانىء(55) غير أن أهم قطاع جذب اللبنانيين خلال هذه المرحلة هو الاستثمار فى المجال العقاري ، وقد ساهموا بما شيدوه من مبان فى منح عدد من مدن إفريقيا الغربية خاصة دكار وأبيدجان الشكل الذي أصبحت عليه فى الوقت الراهن ، وهكذا فقد وصل عدد البنايات التى شيدوها فى دكار وحدها إلى غاية سنة 1958 إلى 400 ، كما أنهم شيدوا إلى غاية سنة 1990(80%) من بنايات ساحل العاج ( أكثر من نصفها فى أبيدجان ) (56).

بجانب ذلك سجل خلال التسعينيات حضور لبنانى قوى فى قطاعات اقتصادية أخرى ، ففى ساحل العاج حيث توجد أهم جالية لبنانية بإفريقيا الغربية من حيث العدد والثقل الاقتصادي ، يتحكم اللبنانيون فى حوالى 60% من القطاعات الاقتصادية الحيوية ، بحيث يمتلكون بها أربعة آلاف مؤسسة من بينها 1500 مؤسسة صناعية يعمل بها نحو 000ر150 مواطن من أهل البلاد (57) ، وهم يسيطرون على 70% من تجارة الجملة و50% من تجارة التقسيط و80% من شركات جمع وتصدير القهوة والكاكاو و17% من سيارات الأجرة ، الأمر الذى حرصت قيادات البلاد المتوالية على التنويه والإشادة به ، حيث وصف الرئيس المؤسس للدولة العاجية هوفوبيه بوانييه اللبنانيين بالقول : " اللبنانيون عطاء من السماء  وقد أرسلهم الله هدية لنا . وإذا كان من وجود للصناعة في هذا البلد ، فالفضل يعود إلى نشاط اللبنانيين وذكائهم (58) وهو ذات الأمر الذي دفع الرئيس العاجي لوران اجباجبو إلى التصريح بأن اقتصاد البلاد بيد اللبنانيين (59) ، وهو أمر تضمن في ثناياه الترحيب بالدور اللبناني والاعتراف بفضله على الاقتصاد الأيفواري ، لكنه من جانب آخر تضمن تأليبا ضمنيا للجماعات الرافضة للوجود اللبناني في كوت ديفوار على نحو أفرز ممارسات عدائية وانتقامية ضد الجالية اللبنانية في البلاد في إطار ما تشهده كوت ديفوار من حرب أهلية(60) ، ولا يختلف الأمر كثيرا في سيراليون حيث تشير بعض المصادر إلى أن الجالية اللبنانية كانت تسيطر- إلى مطلع التسعينيات من القرن العشرين – على 80% من تجارة الماس والذهب ، وقدرت ثروة جميل محمد سعيد اللبناني الأصل والجنسية – وكان أهم رجل اقتصاد في البلاد وصديق مقرب من رئيس الدولة – ب 600 مليون فرنك فرنسي . وفي بوركينافاسو يسيطر اللبنانيون على مايقرب من 60% من حجم التعاملات التجارية والصناعية في البلاد(61).

وبصفة عامة ، يتمتع اللبنانيون بوضع اقتصادي قوي ومميز في معظم الدول الإفريقية التي يتواجدون فيها خاصة فيما يتصل بقطاعات تجارة الجملة والاستيراد التي تمثل المجال التقليدي لعمل الجالية اللبنانية.

وإجمالا يمكن القول أن أنشطة اللبنانيين في إفريقيا تتمثل في عدة مجالات أساسية متتالية ومتوازية في أوقات كثيرة (62):

- الوساطة وتجارة التجزئة : حيث عمل الكثير من المهاجرين الأوائل كوسطاء للقوى الاستعمارية تجاه الوطنيين حيث اتجهوا الي المناطق الداخلية من القارة الإفريقية التي أحجم الأوروبيون عن الولوج إليها حيث كانوا يقومون بجمع المحاصيل والمنتجات الإفريقية لبيعها للأوروبيين ، وكذا بيع المنتجات الأوروبية إلى الأفارقة في المناطق الداخلية ، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين منهم يتخصصون في مجالات النقل وما يرتبط به من خدمات (63).

- تجارة الجملة وخدمات النقل والمواصلات : سرعان ما امتد نشاط اللبنانيين إلى تجارة الجملة وسيطروا عليها في العديد من دول القارة مع إرهاصات خروج المستعمرين واستقلال تلك البلاد ، في ذات الوقت الذي اتسعت فيه أنشطتهم في مجالات الخدمات الفندقية ، والأنشطة الترفيهية ، وخدمات النقل والمواصلات والاستيراد والتصدير ، وشق الطرق والبناء التي لم تعد تقتصر على النقل البري أو الشحن البحري كما هو الحال في معظم الدول التي يوجد بها اللبنانيون ، بل امتدت الى النقل الجوي الداخلي ، على نحو ماحدث في دولة الكنغو برازفيل ، والخارجي على نحو ما تشهد خبرة شركة مصطفى الحاج في دولة بنين (64).

التصنيع والوكالة : مثل الاتجاه نحو التصنيع خيارا أساسيا للكثير من المهاجرين اللبنانيين في مرحلة مابعد استقلال الدول الافريقية بفعل اتجاه العديد من أبناء الدول الإفريقية إلى الأنشطة التي كانت مقصورة على اللبنانيين ، وتنامي قدراتهم في تلك المجالات مع تشجيع حكوماتهم  لهذا الاتجاه ، وتعتبر مجالات الصناعات البلاستيكية ، وصناعة الورق والأخشاب والحلوى ، ومستلزمات البناء والدهانات ، والمنسوجات والمفروشات ، والصناعات الغذائية المختلفة ، وصناعات الزيوت والصابون ، وصناعة الأدوية ، تجميع السيارات وصناعة الهياكل المعدنية للشاحنات ، وكذا استخراج الالماس وتصديره خاصة إلى بلجيكا (65) وإلى جانب نشاط التصنيع استطاع البعض من المهاجرين الحصول على توكيلات بعض الشركات العالمية لاسيما في مجال السيارات والأجهزة الكهربائية وعملوا كوكلاء وموزعين لهم في الدول الإفريقية .

الخدمات الفنية والاستشارية والاتصالات : وارتبطت تلك النوعية من الأعمال بالتطورات سالفة البيان بشأن تركيبة المهاجرين اللبنانيين في المراحل الأخيرة للهجرة في نهايات القرن العشرين ، حيث تخصص العديد من المهاجرين في تقديم الاستشارات الفنية في مجالات المعمار والصحة وبناء وتجهيز المستشفيات ، والاتصالات وشبكات الانترنت ، والصرافة والأوراق المالية ، ويذكر في هذا المقام أن المهندسين اللبنانيين استطاعوا الحصول علي مناقصة تصميم وبناء القصر الجمهوري في دولة غينيا الاستوائية ، وكذا عدة مناقصات أخرى لشق وبناء الطرق في عدة دول وعواصم إفريقية ( من ذلك نيامي النيجر ، مالابو غينيا الاستوائية ، ياوندي الكميرون .. الخ ).

ويعتمد اللبنانيون في معظم مشروعاتهم على الأيدي العاملة الوطنية ( الإفريقية ) ، على أنه يتم الاعتماد في المستويات الأعلى على الكوادر اللبنانية من المقيمين في الدولة الإفريقية أو من يتم استقدامهم خصيصا لهذا النشاط ففي نيجيريا على سبيل المثال توظف مجموعة شركات شاغوري للتجارة نحو 000ر100 من النيجيريين مقابل 200 من الأجانب معظمهم بطبيعة الحال من اللبنانيين ، وعلى ذات الصعيد يملك فريد مكارم اللبناني الاصل سلسلة من مصانع المفروشات يعمل بها نحو 4000 عامل وطني (66) ، ويبلغ عدد الشركات المسجلة بأسماء لبنانيين في جنوب إفريقيا نحو 300 شركة (67) ، كما سلف بيان أن اللبنانيين قد أوجدوا نحو 150 ألف فرصة عمل في ساحل العاج ، ولايختلف الأمر من حيث الطبيعة ( الاعتماد على العمالة الوطنية ) وإن اختلف من حيث حجم العمالة باختلاف طبيعة النشاط وحجمه من دولة إلى أخرى.

 

التفاعل السياسي والاجتماعي للبنانيين في إفريقيا :

الشاهد أن الدراسات المختصة بأوضاع المهاجرين اللبنانيين في إفريقيا ، تعد أقل انتشارا من تلك المتعلقة بتاريخ الهجرات وأسبابها ، وعموما لاتوجد أدبيات كثيرة حول قوانين الهجرة التي يخضع لها اللبناني في الدول الإفريقية ، ولا حول تطوراتها المتوالية ، ولا عن الأحوال المدنية للمهاجرين ، ولايكفي النذر اليسير من هذه الأدبيات لتكوين صورة حقيقية متكاملة عن هذه الأحوال والحقوق المدنية ، في ظل حقيقة أن الهجرة عملية تاريخية اجتماعية اقتصادية ونفسية ، يترتب عليها أوضاع قانونية حقوقية للمهاجرين وللدولة المستقبلة، وهي الأوضاع التي تتفاوت من مجتمع إلى آخر ، ومن دولة إلى أخرى ولأن هذه العملية مرتبطة بسياقات اقليمية ودولية متغيرة عرضة للتحول بالسلب والايجاب ، فلابد أن القوانين في المستعمرات ثم في الدول الإفريقية المتعلقة بأوضاع المهاجرين قد راوحت بدورها بين الثبات والتحول.

وكما خضع المهاجرون بأجيالهم وموجاتهم المختلفة لهذه القوانين بثوابتها وتحولاتها ، فإنهم أثروا بدورهم على هذه القوانين أو حاولوا ذلك ، خدمة لأحوالهم والتطورات المحيطة بهم على الصعيدين الداخلي والخارجي .

ففي ظل الثقل الاقتصادي للجالية اللبنانية في كثير من دول غرب إفريقيا ، جرت محاولات ترجمة ذلك الثقل الاقتصادي إلى ثقل سياسي من خلال دخول بعض الأفراد ذوي الأصول اللبنانية إلى البرلمان الوطني في الدول الإفريقية على نحو ماتشير خبرة كل من جنوب إفريقيا(68) غينبت بيساو(69) ووصول البعض الآخر إلى منصب مستشار الرئيس كما تشير خبرة غينيا الاستوائية (70) وبوركينافاسو (71) علاوة علي الاتصالات الشخصية للعديد من رجال الأعمال اللبنانيين بكبار المسئولين ورجال الدولة في الدول الإفريقية بغية تأمين مصالحهم وحمايتها ، وهي اتصالات تتم في معظمها على أسس فردية ولمصالح خاصة ، فالقاعدة العامة أن اللبنانيين وغيرهم من العرب المشارقة يبتعدون كل البعد عن الدخول في العمل السياسي المباشر والعلني ، ومرجع ذلك سببه الأول شعورهم كجالية أجنبية لايحق لها الاشتراك في العمل السياسي ، والثاني على نحو ماسلف البيان ، وجودهم كمهاجرين وعدم نيتهم في الاستقرار النهائي في غرب إفريقيا كمواطنين ، فرض عليهم نوعا من العزلة السياسية والاجتماعية إلى حد كبير .

إلا أن بعض الدراسات تشير إلي تدخل بعض رجال الأعمال اللبنانيين بصورة غير مباشرة لدعم بعض الأحزاب والقوى السياسية علي حساب قوى سياسية أخرى ، الأمر الذي جعل الوجود اللبناني في البلاد الإفريقية لايخلو  من بعض المعوقات والصعوبات الناجمة عن ذلك الوجود وتلك الممارسات (72) .

ففي نهاية الخمسينيات من القرن العشرين ، ومع بوادر استقلال نيجيريا – على سبيل المثال – بدأت بعض الأحزاب الجنوبية في نيجيريا تشير بأصابع الاتهام إلى بعض أعضاء الجالية اللبنانية في الشمال متهمة أياهم بالانخراط في العمل السياسي وانضمامهم إلى الحزب الرئيسي في الشمال "حزب المؤتمر النيجري " في محاولة منهم لدعمه ماليا وسياسيا ولقد سارعت الجالية على لسان قنصلها السابق آنذاك سليم حابس لنفي هذه الادعاءات ، وذلك في مؤتمر صحفي عام عقد في كانو في يوم 30/4/1959، ومرجع هذا النفي السريع من جانبها في ذلك الوقت هو الخوف من ردود الفعل المعاكسة من الأحزاب المعارضة التي قد تهدد نشاطاتهم الاقتصادية أو تلغيها في بعض الولايات الجنوبية .

وهي ذات الاتهامات التي مازالت تعاني منها معظم الجاليات اللبنانية في الدول الإفريقية المختلفة والتي ينشغل الكثيرون من الدبلوماسيين اللبنانيين بالرد عليه وتفنيده في مواجهة صورة ذهنية أصبحت منطبعة في أذهان الكثيرين من أبناء القارة بفعل ترسخها عبر الزمن على نحو جعل منها عقبة كؤود أمام الوجود اللبناني والعربي بصفة عامة في العديد من  دول القارة .

من الممكن تفسير العداء الذي ناصبه قطاع واسع من السكان الاصليين بإفريقيا اللبنانيين اليوم ، بالعودة إلى جذور الهجرة اللبنانية ، فهذا العداء نشأ منذ بداية هذه الهجرة ، وأن الذي تغير فقط هو الشخص المعادي ، فبالأمس كان المستعمر وبعد الاستقلال اصبح ابن البلد.

فنصوص القوانين التي صدرت عن الإدارة الاستعمارية الفرنسية وكذلك المقالات التي كانت تنشرها  الصحافة الاستعمارية في الماضي ومواقف بعض الجمعيات الفرنسية خلال المرحلة الاستعمارية ، وتقارير وزارة الخارجية الفرنسية ومقالات الصحافة الفرنسية وكتابات بعض الأوربيين وكذلك بعض الأبحاث الجامعية التي انجزها أبناء إفريقيا الغربية ، بالإضافة إلى الرواية الشفوية مع مختلف شرائح المجتمع في بعض بلدان إفريقيا الغربية ، تشير أن المصالح الاقتصادية الأوربية خاصة الفرنسية والمهددة من طرف اللبنانيين بإفريقيا كان لها دور مهم في رسم الصورة التي رسخت في الذاكرة الشعبية الإفريقية حول المهاجرين اللبنانيين .

لقد أصدرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية بإفريقيا الغربية مابين 1879( تاريخ وصول اللبنانيين بنوع من الأهمية ) وسنة 1950 عشرين قانونا للهجرة استهدف اللبنانيين ، تميز بعضها بكثير من الإجحاف ، وكان النجاح الاقتصادي الكبير الذي حققه اللبنانيون بعد ذلك. وراء قيام حملة منظمة ضدهم شارك فيها وبتواطىء مع الإدارة الفرنسية ، كل من الغرف التجارية الموجودة بمدن إفريقيا الغربية الرئيسية والصحافة وبعض الجمعيات ذات الميول العنصرية ، ففي رسالة مؤرخة في 25 اكتوبر 1936 موجهة من رئيس الغرفة التجارية في ابيدجان إلى الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية ، يلح المرسل على ضرورة حماية مصالح التجار الفرنسيين من منافسة التجار اللبنانيين ، وذلك بالتشدد في تطبيق القوانين الصادرة ضدهم وطردهم كلما اقتضى الأمر وعدم السماح لأي مهاجر منهم بفتح محل تجاري قبل أن يقضي خمس سنوات في المستعمرة ، وفي رسالة أخري موجهة من نفس الشخص إلي حاكم السنغال مؤرخة في 23 سبتمبر 1937م، ومتضمنة للقرارات التي اتخذها رؤساء الغرف التجارية في إفريقيا الغربية الفرنسية وكذلك رئيس الغرفة التجارية بباريس في الاجتماعين اللذين عقدا في كل من داكار وباريس نجد مايلي : ( إننا نعتبر هذه الهجرة ( اللبنانية) بمثابة غزو حقيقي ، وإن طابعها السلمي لاينقص من خطورتها.

بعد حصول لبنان على استقلاله ، ارتفعت حدة الحملة التي اتخذت غطاء سياسيا ، حيث لم تغفر للمهاجرين اللبنانيين ميولهم الاستقلالية ، وقد انتهى الأمر بتأسيس صحيفة وجمعيتين ، رهنوا وجودهم واستمراريتهم بمهاجمة اللبنانيين والدعوة لطردهم جميعها وبدون استثناء ، وقد نجح القائمون على هذه الحملة ، في تنظيم عدة تجمعات احتجاجية لتحقيق غايتهم ، كما أنهم نجحوا في استمالة العامة من الأفارقة وكذلك بعض القادة السياسيين للمشاركة في محاربة اللبنانيين ، ولم تهدأ الحملة إلا بعد تدخل وزارة الخارجية اللبنانيية والقادة السياسيين والصحافة اللبنانية ، وتشكيل لجنة لمعاضدة لبنانيي افريقيا الغربية ضد الحملة العنصرية التي كانت تستهدفهم ، غير أن حملة العداء هذه عادت لتطفو على السطح من جديد عام 1955، وهنا وجدت كذلك في السياسة مبررا لها ، فعلى إثر تصويت لبنان لصالح استقلال المغرب في الأمم المتحدة ، وجمع التبرعات للحركة الوطنية المغربية عقب أحداث الدار البيضاء ، بدأت مهاجمة لبنانيي افريقيا الغربية من جديد بتهمة الدعاية لجامعة الدول العربية ولميولهم للقومية العربية .

ولم يحمل استقلال بلدان إفريقيا الغربية عام 1960م ، جديدا فيما يتعلق بالموقف المعادي للبنانيين ، لأن المستعمر لم ينسحب إلا بعد أن كرس هذا الموقف كما كرس ثقافته بشكل عام في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء بشكل قلما نجده في منطقة أخرى ، هكذا وكما كان الحال في الماضي تولى بعض المثقفين الأوربيين والصحافة الأوربية ، خاصة الفرنسية ، تكرير ماكانت تروج له في الماضي والمتمثل في تحميل الجاليات اللبنانية مسؤولية الكثير من المشاكل التي تعرفها المنطقة ، وقد نجحت هذه الصحافة اليوم أكثر مما نجحت بالأمس ، في تكريس اطروحتها وجعل المجتمع بمختلف شرائحه يتحدث عن استغلال اللبنانيين لخيرات البلاد وعن مسؤوليتهم عن فساد إدارتها بما يقدمونه من رشاوي للقائمين عليها ، وعن التهريب والدعارة المنظمة ، بل وعن الأرهاب وأحيانا الانقلابات السياسية التي تحدث بالمنطقة ، هكذا بالعثور على كميات من الأسلحة في حوزة مهاجر لبناني في ساحل العاج عام 1988م واعتقال لبناني مولود بالسنغال في فرنسا عام 1986م بتهمة التحريض على الإرهاب ، كان يعني أن قطاعا واسعا من المهاجرين يمارسون الإرهاب ، بل ويساهمون في جعل بلدان المنطقة مقرا لاستراحة وتدريب مقاتلي أمل وحزب الله ، ويقومون في نفس الوقت بتمويل التنظيمين ، وتعبير رجل أعمال لبناني ( من أم سيراليونية ) ، عن رفضه لسياسة الرئيس ( موموه)  Momoh عام 1986م ، في سيراليون ، كان يعني أن اللبنانيين في إفريقيا الغربية يمولون الأنظمة الرجعية التي تقوم في المقابل بحماية مصالحهم.

لقد كان على اللبنانيين أن يؤدوا ثمن هذا الفرض ، بحيث أصبحت مؤسساتهم الاقتصادية عرضة للنهب كلما اندلعت أحداث شغب ضد السياسات الحكومية ، كما حدث في ليبيريا عام 1989م، وفي الجابون عام 1985م ، ومالي عام 1991م ، وفي السنغال عام 1989م ، وساحل العاج أعوام 1999م و2002م – 2004م.

فقد واجهت الجاليات اللبنانية في إفريقيا نكبة حقيقية ، بدأت عام 1989م في ليبيريا باضطهاد جماعي للمهاجرين ونهب وتخريب شامل لمؤسساتهم الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية ، وأدى ذلك إلى "تهجير" أبناء الجالية في ظروف مأساوية ترافقت في عامي 1990 و1991م مع حربي الخليج الاولى والثانية ، ومارافقهما من عودة قسرية للبنانيين العاملين هناك ، أدى إلى قطع مورد مالي هام كان الوطن بأشد الحاجة إليه لإنمائه وإعماره بعد توقف حرب الخمس عشرة سنة 1975م- 1990 ) كما تزامنت أحداث ليبريا في العام 1996م مع الاعتداء الاسرائيلي الذي أطلقت عليه تل أبيب اسم " عناقيد الغضب" لتقطع بذلك شريانا ماليا آخر هو الشريان الليبيري ، وتضع العائدين في مصاف  منكوبي الحروب والمطالبة بمعاملتهم على هذا الأساس ، حيث شهدت ليبيريا بين 1989م و1996م حربا إثنية داخلية دمرت اقتصادها وشردت سكانها، خصوصا في العاصمة منروفيا حيث تتمركز الجالية اللبنانية ، ومن ليبيريا امتدت هذه الأحداث إلى دول إفريقية أخرى : الكنغو ، سيراليون ، نيجيريا ، ساحل العاج ، وقد تضررت الجاليات اللبنانية فيها مباشرة وبنسب مختلفة ، وقدرت وكالة رويترز أنه بتاريخ 19- 4- 1996م : كان يعيش في ليبيريا 15 ألف رجل أعمال لبناني يسيطرون على معظم مفاصل النظام الاقتصادي في البلاد ، ولم يبق منهم بعد أحداث ليبيريا (1989 – 1996) أكثر من 300 شخص(73).

وأما عن الدور التعليمي للجالية اللبنانية في نيجيريا فهو دور هامشي إذ لم يكن ضمن أولويات واختصاصات الجالية .

فعلي الرغم من وجود بعض المدارس العربية – الانجليزية في كل من لاغوس وكانو إلا أن هذه المدارس هي مدارس لبنانية بحتة ، وتلعب رسوم الدراسة الباهظة دورا في منع الكثير من العرب والنيجريين من الدخول في منافسات القبول وكما تذكر بعض المصادر المحلية فإن هذه المدارس ماهي إلا شركات أو محلات تعليمية تجارية هدفها الأساسي الربح وليس الخدمة الاجتماعية.

 

مستقبل الجالية اللبنانية في غرب إفريقيا :

ترتبط مسألة مستقبل الجاليات العربية والإسلامية في غرب إفريقيا ارتباطا وثيقا بالحاضر والماضي إذ يلعب التاريخ دورا مهما في تكييف تلك العلاقة وصبغها إما بالصبغة الايجابية أو السلبية وقبل إصدار أو استصدار حكم على إيجابيات وسلبيات العلاقات العربية الإفريقية في إطارها الداخلي في دول غرب افريقيا يلزم الالتفات إلى الماضي لإلقاء نظرة سريعة على نوعية العلاقات بين المجموعات العرقية العربية والإفريقية في فترة ما قبل الاستعمار ، إن طبيعة العلاقات بين المجموعات كانت في مجملها علاقات إنسانية طيبة ومنبع تلك العلاقات الشعور العميق بالرابطة الإسلامية أي بالارتباط الثقافي والفكري والوجداني بدار الإسلام العربية وبالمصالح والمنافع المشتركة والتعاون المصلحي المتبادل سواء كان ذلك في إطار العقيدة أم العلاقات الفكرية أم الثقافية أم التجارية أم الدبلوماسية . وفي حالات عديدة تقع صراعات ومشاكل سياسية أو اجتماعية بين المناطق الإفريقية والمناطق العربية ، لم تؤثر تلك العلاقات على الثوابت من العلاقات ولم تنعكس هذه العلاقات السلبية على الشعوب والأعراق والمجموعات المختلفة كما أثبتت ذلك بعض المصادر التاريخية الموثوق بها.

ومن أبجديات نظام الحكم الاستعماري في غرب إفريقيا وبقية المستعمرات الأخرى تطبيق سياسة ، فرق تسد المعروفة.

ومعلوم أن طبيعة ومنهج وأسلوب تطبيق هذه السياسة قد يختلف من مكان لآخر إلا أن الثمار التي يجنيها الاستعمار من هذه الترتيبات هي نفس الثمار، ففي ذلك خلق أرضية صالحة للتصارع والتطاحن والاختلاف بين المجموعات العرقية المختلفة سواء أكانت محلية أم وافدة .

ومن الطبيعي أن تنسحب هذه التخطيطات الاستعمارية على الجاليات  العربية الوافدة أبان الفترة الاستعمارية وبخاصة منطقة الشام – سوريا ولبنان – وبما أن الجالية اللبنانية هي أكبر الجاليات العربية ذات الوزن الاقتصادي والسياسي إلى حد ما فإن مستقبلها قد تحدد في بعض المناطق بطرق إيجابية وفي مناطق أخرى بطرق سلبية .

فرغم كبر حجمها الاقتصادي وثقل وزنها المالي في نيجيريا إلا أن الرأسمالية  العربية اللبنانية لا تشكل خطورة بأي حال من الأحوال على الرأسمالية النيجيرية لأنها من جهة تعتبر نقطة في " اوقيانوس" كبيرة ومن جهة أخرى فقد ساعدت الاصلاحات الاقتصادية في نيجيريا في الاعوام:71،73،77 ليس في حماية الاقتصاد النيجيري من الاستغلال الأجنبي فحسب بل وفي حماية الجالية اللبنانية والعربية بوجه عام، نتيجة لذلك فإن المواطنين اللبنانيين الذين ارادوا أن يرتبط مصيرهم بالبلاد ارتباطا دائما قد أضفت عليهم الجنسية النيجيرية واقعا قانونيا إيجابيا وأصبحوا بذلك مواطنين بنيجيريا كغيرهم من أخوتهم الأفارقة .

أما الذين فضلوا الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية وكانت لهم رؤوس أموال تسمح لهم بالاشتراك في عملية  البناء الاقتصادي الوطني في المجال المالي والتجاري والصناعي فقد انخرطوا كمواطنين أجانب تحكمهم القوانين المتعلقة بالأجانب ، وهنالك قطاع لم يستطع أن يكوّن رأسمال معينا ولم تكتمل مدته القانونية التي تسمح له بالمواطنة ، لقد فرضت القوانين النيجيرية على هذا القطاع الهجرة إما إلى بلده الاصلي أو إلى دول إفريقية أو أوربية أو أمريكية والتي تسمح قوانينها المحلية بالقيام بمثل هذه الأعمال ، وتجدر الإشارة هنا إلي أنه حتي الذين هاجروا إلى الدول الإفريقية الأخرى ولبنان بالذات قد  كونوا حلقة وصل اقتصادية منفعية بين تلك البلدان والبلاد التي رجعوا منها.

لقد قطعت هذه الإجراءات أو الاصلاحات الاقتصادية الطريق أمام أي تطرف وطني أو " شوفوني" والتي من شأنها أن تهدد بقاء الجاليات العربية واللبنانية في نيجيريا.

وعلى الرغم من أن سياسة " الكانتونات " أو" البانتوستانات" التي تفصل بين المجموعات الأجنبية والوطنية التي طبقها الاستعمار في إفريقيا عامة قد لعبت دورا سلبيا وخاصة في فترة مابعد الاستقلال مباشرة وعلى الرغم من رفض الجالية العربية والشامية بوجه أخص الانصهار الكلي في البوتقة الإفريقية " السمراء" إلا أن هذه القضية لاتعتبر من القضايا الأساسية التي تمنع التعاون والتعاضد بين المجموعة العربية وأختها الإفريقية .

وفي منظورنا ، وعلى الرغم من انعدام المادة التوثيقية  إلا أن مستقبل الجاليات العربية وبخاصة اللبنانية في كل من سيراليون والتي تسكنها أكبر جالية لبنانية وساحل العاج وليبيريا ، والتي تسكنها ايضا جالية لبنانية كبيرة ، وبقية دول "الفرانكفون" هو مستقبل تشويه الشكوك إن لم نتجرأ ونصفه بالمظلم ، والخطورة تنبع هنا من عدة عوامل: فسيراليون بلد فقير اقتصاديا والرأسمالية الوطنية فيه وبخاصة " الميركنتالية " ضعيفة البنية والمبنى ، وماعاد العرب اللبنانيون يسيطرون سيطرة كاملة على شرايين اقتصاد البلاد ذي المصادر المحدودة ، إضافة إلى أن بعض أفراد الجالية اللبنانية حاول ممارسة العمل السياسي ليس على النظام المحلي فقط بل على النظام العالمي بارتباطه بنظام إسلامي ثوري معين ، وكذلك فإن المعارضة السياسية والرأي العام في سيراليون ينظر إلى هذه التطورات على أساس أنها تدخل في السياسة الداخلية في بلادهم لمصلحة الطبقة الحاكمة ، ومن المحتمل أن يخلق أي تغيير سياسي في تلك البلاد وضعا غير مريح للجالية العربية هناك.

أما في ساحل العاج ففي اعتقادنا أن الوضع أكثر خطورة وتعقيدا لأن السيطرة الأجنبية على كل مقدرات البلاد تكاد تكون كاملة ، وخلقت الهيمنة الأجنبية بدورها وعيا جماهيريا في أوساط الشعب والصفوة ، وحصل ذلك الوعي في بعض الأحايين إلى حد الحقد علي كل أجنبي ولقد عبرت المظاهرات والمنشورات الوطنية عن سخطها. للاستغلال اللبناني لمصادر البلاد والجالية اللبنانية في نظر الكثير من المثقفين والمواطنين الأفارقة ماهي إلا أحدى الوسائل الأجنبية المتخصصة في التهريب وامتصاص الأموال الإفريقية وإضعاف الاقتصاد الوطني والدمار الاجتماعي ومن هنا تأتي المناداة الملحة بالتخلص منها بطريقة أو بأخرى.

 

الخلاصة :

مما لاشك فيه أن الجاليات اللبنانية لعبت دورا إيجابيا في دفع حركة التطور الاقتصادي والاجتماعي لبلدان غرب إفريقيا ومع ذلك فإن استمرار واقع التمايز الاجتماعي لبعض الجاليات العربية وبخاصة اللبنانية ذات الثقل السكاني الكبير والأثر الاقتصادي الملموس يعد في بعض الدول الإفريقية خطرا ويرجع هذا إلى الفوارق الاجتماعية والطبقية والشعور بالدونية من الجانب الإفريقي والشعور بالإنطوائية والاستعلائية من الجانب العربي – اللبناني.

وبقاء أو عدم بقاء الجالية العربية واللبنانية في كثير من دول غرب إفريقيا يعتمد اعتمادا كبيرا على التحولات الاقتصادية ورياح التغيير السياسية التي تهب الآن على بعض الدول الإفريقية التي ارتبطت اقتصادياتها بعجلة الاستعمار الحديث لفترة ليست بالقصيرة ، الأمر الذي يتطلب جهدا مشتركا من جانب كل من المهاجرين ودولة المهجر(لبنان) للحفاظ على تلك الثروة الوطنية التي حفظت للبلاد بقاءها وقدرتها على الاستمرار بفضل تيارات التحويلات الخارجية من جانب تلك الجاليات المهاجرة ، وهنا يمكن الإشارة إلى بعض المقترحات منها:

على الصعيد الداخلي:

- الحد من هجرة الشباب والعقول إلى الخارج(74) عن طريق تعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية ، والاجتماعية المستدامة ، وضمان حقوق الإنسان ، واحترام سيادة القانون، وتشجيع الحكم الصالح وتدعيم الديمقراطية ، وايلاء المزيد من الدعم لبلوغ الأمن الغذائي الوطني والأسري ، وبرامج التعليم والتغذية والصحة ، وكفالة حماية البيئة ، وإعادة تقييم العلاقات التجارية والتعريفية ، وتهيئة فرص  العمل المناسبة ، وايجاد سبل تيسير عودة المهاجرين ، خصوصا المتعلمين وأصحاب الكفاءات ، وأعادة دمجهم بسرعة في الحياة الاقتصادية ، والاجتماعية ، والسياسية ، والاستفادة من مؤهلاتهم ومهاراتهم ، عبر تأمين فرص العمل الملائمة لهم في إطار يفترض أن يستند إلى اعتبارات وحوافز كافية للعودة.

- إجراء نقد لأداء المؤسسات الرسمية والأهلية المعنية بالهجرة ، والبحث عن بدائل موضوعية ملائمة للعناية الفعالة بهذه الثروة الوطنية الهائلة التي تختزنها المهاجر.

- عمل قاعدة بيانات بناء على بيانات ميدانية تحوي كل ما يتعلق بقدرات وإمكانيات ومناطق انتشار وتركز المهاجرين ، للاستعانة بها في التخطيط بشأن الاستفادة من تلك القدرات أو مواجهة حالات الكوارث والخطر التي تواجه تلك الجاليات في بعض الأحيان ، علي نحو يعزز ثقة المهاجر بدولته ، ويجذر ارتباطه بأرض الوطن.

- الاهتمام بتعليم اللغة العربية لأبناء المهاجرين ، من أجل الإبقاء علي الروابط الثقافية التي تقوي المشاعر الوطنية ، وفي مقدمتها الحنين الدائم لأرض الآباء والأجداد ، علي أن يترافق تدريس اللغة مع القيام بحملة إعلامية ، وإعلانية ، للتعريف بالتراث والقضايا الوطنية وكذلك التعريف بالمعالم السياحية والأثرية في الوطن ، واستخدام كافة وسائل الاتصال المتطورة لتزويد المهاجرين بأخبار الوطن وتلقي أخبارهم ومشكلاتهم في المهجر.

- العمل على إنجاز اتفاقات ثنائية مع بلدان المهجر ، لتنظيم عمالة اللبنانيين فيها ، وتأمين حسن إقامتهم ، وتوفير الدعم لهم لإنجاحهم في أعمالهم ووضع خطة واضحة لاستيراد العمالة الخارجية كي لاتشكل أية مضاربة مع سوق العمل الوطني ، وإخلالا في التوازن المالي للبلاد، وذلك عن طريق وضع القوانين والتشريعات الحديثة التي تراعي مكونات هذه العمالة ، وتحمي المهن المحصورة بأصحاب العمل اللبنانيين والعاملين فيها.

- اشراك المهاجرين في الحياة السياسية اللبنانية ، لأن ذلك يطور الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن ، وذلك من خلال منح المهاجر حق الترشح والاقتراع ، ويقتضي ذلك ايجاد القوانين المناسبة لأوضاع الجاليات وعلاقاتها بأنظمة الدول التي تستضيفها.

- أن مشاركة المهاجرين في العمل السياسي الوطني يعمق روابطهم بالدولة ، ويشكل اقرارا بحجم هذه الطاقات التي تملك نفوذا سياسيا وتأثيرا كبيرا من خلال شبكة علاقتها بعواصم القرار الإقليمي والقاري والدولي.

 

الهوامش :

  1. تجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة تطوير وإضافة لورقة سابقة بعنوان :" الجاليات العربية في إفريقيا" دراسة حالة للجالية اللبنانية ، نشرت في نيفين مسعد( محرر) العرب في المهجر ( القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية 2005م) ص ص 147 – 186
  2. طارق الغندور: عرب المهجر في امريكا اللاتينية ، في: المرجع السابق ، ص 67
  3. انظر على سبيل المثال لا الحصر :
  • د. محمود خيري عيسي( محرر) ، العلاقات العربية الإفريقية ،( القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية ، 1978).
  • المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، دراسات في العلاقات بين الثقافة العربية والإفريقية(القاهرة: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1979).
  • د. عبدالملك عودة وآخرون ، العرب وإفريقيا ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1984م
  • د. رؤوف عباس( محرر) : العرب في إفريقيا – الجذور التاريخية والواقع المعاصر( القاهرة:دار الثقافة العربية ، 1978 )
  • د. إجلال رأفت( محرر) العرب وإفريقيا( القاهرة : مركز البحوث والدراسات السياسية،جامعة القاهرة 1994).
  • د. ابراهيم نصر الدين ، وآخرون ، العرب وإفريقيا فيما بعد الحرب الباردة ( القاهرة : مركز دراسات وبحوث الدول النامية 2000).
  1. ذلك إذا استثنينا ما كتب عن الطلاب الأفارقة في الدول العربية .
  2. فالجالية السورية المنحدرة من سوريا الأم والتي يكون المسلمون فيها الغالبية العظمى إحدي الجاليات العربية الأخرى التي وفدت إلى غرب إفريقيا ، ولعبت هذه الجالية بالرغم من صغر حجمها- مقارنة مع الجالية اللبنانية – دورا مهما وخاصة في شمال نيجيريا في التجارة الداخلية وعملية الاستيراد والتصدير والتوزيع ، وكان العامل الاقتصادي وليس الديني أو السياسي هو الدافع الرئيسي لهجرة " الشوام" من سوريا إلى غرب إفريقيا ، حيث عرف الشوام منذ قديم الزمان بنشاطات تجارية واسعة في داخل وخارج المنطقة العربية ، ويشار في هذا المقام إلى أن تلك الحقبة شهدت تعميما لكلمة سوري على كل الوافدين من منطقة الشام القديمة ، وهو أمر يرجع في جانب كبير منه إلى الخلفية التاريخية والجغرافية السياسية لهذه المنطقة قبل التقسيم الفرنسي للبلاد في 1920م وعلى الرغم من صغر حجمها ، وكذلك كانت الجالية اليمنية من الجاليات العربية التي هاجرت إلى غرب إفريقيا ، وحسب المعلومات المتوفرة  فإن تمركز هذه الجالية كان في شمال نيجيريا وفي مناطق كانو وميدغوري وغومي في الشمال الشرقي للبلاد. ومن المعروف أن الموارد الاقتصادية الشحيحة كانت سببا رئيسيا في هجرة الملايين من اليمنيين إلى الخارج. كما أنه من أهم الجاليات العربية التي سكنت غرب إفريقيا وشمال نيجيريا علي وجه أخص الجالية الليبية ، وقد فرقت السجلات الاستعمارية في إفريقيا بصفة عامة وفي نيجيريا بخاصة ، بين نوعين من الليبيين : العرب الطرابلسيين والفزانيين ، وعلى الرغم من الاحتلال الأوربي الاستعماري لمناطق غرب إفريقيا وبالرغم من الآثار الاقتصادية التي ترتبت على تحويل الطرق التجارية من الصحراء إلى المحيطات ، وعلى الرغم من تقلص حجم التجارة بين الشمال الإفريقي وبلاد السودان الغربي ( الاسم القديم لغرب إفريقيا ) إلا أن نوعا من الارتباط التجاري قد استمر بين هذه المناطق بطريقة أو بأخرى وخاصة بين ليبيا وأقاليم إفريقيا جنوب الصحراء، ولقد انعكست تلك العلاقات في وجود جالية ليبية كبيرة في معظم دول إقليم الساحل والصحراء لاسيما المناطق التقليدية للتجارة عبر الصحراء. وتعتبر الجالية السودانية أكبر جالية عربية في جمهورية تشاد المتاخمة لنيجيريا إحدى الجاليات الكبيرة المهاجرة في غرب إفريقيا في أيام الحقبة الاستعمارية وخاصة بعد تحويل طريق الحج من مناطق الشمال الإفريقي إلى مايسمى" بطريق السودان" والذي يمر عبر تشاد والسودان حتي مناطق البحر الأحمر، وعلي الرغم من أن المعلومات المتوفرة لاتعطينا صورة كاملة عن أسباب ، ودواعي الهجرة من السودان ، إلا أن العامل التجاري كان من بين الدوافع الرئيسية لهذه الهجرة ومع ذلك فإن أهم دور الجالية السودانية في كثير من أقاليم إفريقيا كان هو الدورالتعليمي وخاصة على مستوى الثانويات وكليات المعلمين والجامعات على نحو ماتشهد خبرة نيجيريا، وهو ذات الدور الذي تمحور حوله النشاط المصري في تلك الحقبة. ولقد اقتصر دور " الجالية المصرية " التي لم يظهر لها أي دور اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو تعليمي يذكر – في الحقبة الاستعمارية على الميدان التعليمي الذي كان يقوم به الازهر الشريف من تقديم للمساعدات الثقافية والعلمية للمسلمين، وهو ما يرجع أساسا إلى الحساسية المطلقة والخوف من جانب الاستعمار الأوربي لأي نوع من النفوذ العربي الإسلامي الثوري والذي عرفت به مصر في فترات معينة والذي من شأنه أن يربك أو يعرقل من عملية الهيمنة الاستعمارية على إفريقيا الغربية ، ويظهر أن ثورة عرابي في أواخر القرن التاسع عشر وثورة يوليو 1952م في مصر كانتا مؤشرين واضحين على العداء المصري للوجود الأوربي الاستعماري في افريقيا ، ولقد ظهر النشاط الثقافي والتعليمي والدبلوماسي السياسي المصري قويا على مسرح الأحداث في غرب إفريقيا بعد الاستقلال في الستينيات وكان متجاوبا مع تيار فكرة التعاون الإفريقي – الفكرة الآسيوية الإفريقية – الإفريقية على وجه التحديد: انظر: د. احمد محمد كاني" الجاليات العربية والإسلامية في غرب إفريقيا: ماضيها وحاضرها ، ومستقبلها" حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر( العدد الأول 1416هـ - 1995م) ص 44
  3. محمد عاشور" الحدود والقيود في العلاقات العربية الإفريقية ، شؤون عربية( القاهرة: جامعة الدول العربية ، عدد 1999)
  4. حول مشكلة التعدادات السكانية في القارة وتداعياتها السياسية انظر:

Donald Horowitz , Ethnic Groups in Conflict , (Berkeley: University of California Press, 1985), pp194-195

  1. هناك أ         ربعة أنماط للتأقلم الحضاري والثقافي والاجتماعي مع مجتمعات المهجر:

الأول: نمط الانعزال والانفصال الكامل للمهاجر  عن المحيط الاجتماعى والثقافى الذي هاجر إليه ، ويعود سبب هذا الانعزال والانفصال لعدم قدرة المهاجر على التكيف والتأقلم مع عادات هذا المحيط وتقاليده ، فيحدث أن يلجأ – مع مجموعة مع أقرانه الذين يشاركونه ظروفه نفسها-إلى التجمع والتكتل في منطقة سكنية محددة ، ويكاد تعامله اليومي فيها يكون مقتصرا على هذه المجموعة من أقرانه ، بحيث تقل فرص اختلاطه وتعاملاته اليومية – الحياتية مع الآخرين خارج هذه الدائرة الضيقة ، وهذا النمط يتم – عادة بشكل اختياري.

الثاني : نمط التهميش ، وهو يتم بشكل إجباري للمهاجر يجعله يعيش مايمكن تسميته بـ( أزمة الهوية " حيث يتم تغريبه عن ثقافته وتقاليده ، فلا يسمح له بالمشاركة في أي من مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجتمع المهجر، بالإضافة إلى تهميشه من جانب هذا المجتمع .

الثالث : نمط الاندماج، وهو يسمح للمهاجر بالمشاركة الفعلية في مختلف مجالات الحياة في بلاد المهجر ، وقد يتمكن المهاجر في الوقت ذاته من الاحتفاظ بشخصيته الحضارية الأصلية وثقافته ولغته ، منظومة القيم والعادات التي ورثها عن مجتمعه الأصلي ، فالمهاجر في سعيه للاندماج في مجتمع  المهجر يحتفظ بكل مقومات الإرث التاريخي والثقافي والديني في وطنه الأم.

الرابع : نمط الذوبان( الانصهار ) وهنا يصبح المهاجر جزءا لايتجزأ من المجتمع الذي يعيش فيه ، بل يعتبره وطنه الأم، وينشغل بهمومه ومشاكله ، وينفصل تماما عن ماضي الآباء والأجداد وتاريخهم وثقافتهم ، ويسعى لإقامة علاقات اجتماعية وعائلية خارج مجموعته الإثنية التي ينتمي إليها ، بل ويسعى إلى فك ارتباطه وعلاقاته معها، لأنه يرى فيها عائقا يحول دون اندماجه الكامل في المجتمع .

هذا وترتبط عملية اندماج المهاجرين العرب في مجتمعات المهجر في احد جوانبها بطبيعة هذه المجتمعات ومدى تقبلها لهؤلاء المهاجرين من ناحية ، ومن ناحية أخرى مدى استعداد هؤلاء المهاجرين للاندماج في هذه المجتمعات ، وقبولهم فيها ، إلا أن طموح الكثير من هؤلاء المهاجرين الأوائل كان دافعا لتغلبهم على كل هذه الصعوبات والعقبات ، وسعيهم الدؤوب لمحاولات الاندماج في هذه المجتمعات والتغلب على كل محاولات التهميش ، وقد لعب كل من العامل الاقتصادي والثقافي والتعليمي والديني دورا كبيرا في عملية اندماج المهاجرين العرب في بلاد المهجر ، فقد عجز المهاجرون ذوو الامكانيات الاقتصادية المحدودة عن تحقيق الاندماج ، ولاسيما هؤلاء الذين كانوا من أصول قروية ولم يتجاوزا مرحلة التعليم الأساسي ، ولم يتعلموا اللغة الوطنية ، وكان أن تكتل هؤلاء في أماكن ومناطق محدودة خاصة بهم ، وربما تمثل هذه المجموعة نمط الانعزال والانفصال عن المجتمع الذي تعيش فيه .

أما المهاجرون الذين تمكنوا من تحقيق ثروات لا بأس بها ، وكان مستواهم التعليمي عادة فوق المتوسط وكان قادمين أساسا من المدن ، فقد مثلوا نمط الاندماج ، وقد عمد هؤلاء إلى تقليل علاقاتهم مع أقرانهم من المجتمعات السابقة ، والتي كانوا يرونها عائقا يحول دون اندمامجهم في مجتمع المهجر بسبب تشبثهم بعاداتهم وتقاليدهم التي نقلوها معهم من وطنهم الأم الى بلاد المهجر ، ينطبق ذلك علي المهاجرين اللبنانيين الى افريقيا وغيرها من أصقاع العالم .

9- احمد كاني ، مرجع سابق ، وانظر : د. محمد أول ابوبكر " بعض الآثار الاجتماعية والثقافية للهجرات العربية من الشمال الإفريقي إلى غرب إفريقيا: انطباعات مشاهد في مدينة كانو النيجيرية ، بحث غير منشور ، جامعة بايرو – كانو( نيجيريا ، 1999م)

10- د. عبدالواحد أكمير ، الجاليات العربية في إفريقيا الغربية ، شؤون عربية( عدد 116 شتاء 2003 ) ص ص 154 – 163

11- تتفق الدراسات على أن المهاجرين من الرعيل الأول كانوا أميل الى السلبية وعدم الانغماس في التفاعلات السياسية والقانونية للمجتمعات التي هاجروا إليها لحداثة عهدهم بهذه البلاد ولطبيعة المهاجرين أنفسهم الذين كانوا أقل تأهيلا من الناحية العلمية والثقافية ، علاوة على عدم درايتهم بلغات البلدان التي هاجروا إليها في معظم الأحيان راجع فيما يتصل بالمهاجرين العرب بصفة عامة في الولايات المتحدة الامريكية د. محمد خالد الازعر ، الهجرة والمهجريون العرب في الولايات المتحدة الامريكية في د. نيفين مسعد( محرر) مرجع سابق ، ص ص 39- 40 وراجع عن الوضع في امريكا اللاتينية:

طارق الغندور" مرجع سابق ص 79

12-راجع د. جهاد نصري العقل : الهجرة الحديثة من لبنان: وتعاطي المؤسسات الرسمية والأهلية معها ( 1860 – 2000) بيروت : دار ومكتبة التراث الأدبي 2002) ص32

  1.  Toyin Falola "Lebabese Traders in Southwestern Nigeria , 1900 – 1960 African Affaies ( vol , 89 , no 375 , Oct , 1990) p526

Michael Humphrey Lebanese Identities : Between Cities, National and Trans- Nation , Arab Studies Quarterly (vol , 26 no 1 Winter 2004) p36

  1. حول هجرة اللبنانيين لمصر انظر : ضاهر مسعود: الهجرة اللبنانية إلى مصر، هجرة الشوام( بيروت : المكتبة الشرقية ، 1986).
  2. كامل مروة : نحن في افريقيا : الهجرة اللبنانية السورية إلى إفريقية الغربية: ماضيها ، حاضرها ، مستقبلها(المكشوف : بيروت 1938) ص 186
  3. جريدة النهار اللبنانية : سببان يختصران قصة الهجرة إلى غرب إفريقيا: احتيال وكلاءالسفر وثمن التذكرة إلى أمريكا ، جريدة النهار اللبنانية ، ملف اغتراب عدد اغسطس 2000م في عام 1992م وصل إلى  شواطيء افريقية الغربية أربعة أو خمسة مهاجرين لبنانيين توزعوا بين سانت لويس ، وكوناكري ، وقد لاقت بضائع هؤلاء المهاجرين إقبالا من أهل البلاد الأصليين من الأفارقة الأمر الذي شجعهم على الاستمرار لاسيما مع تمكن البعض من العمل كوكيل لإحدي الشركات التجارية الأجنبية.

راجع : كامل مروة : مرجع سابق ، ص 192

  1. جريدة النهار ، سببان يختصران .. مرجع سابق
  2. المرجع السابق
  3. يرى البعض أن أهم الأسباب تتمثل في الخواء الروحي والمادي، الضغط الديموجرافي ، الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة ، وكذلك تخلف المؤسسات السياسية والاجتماعية في البلاد ، الإغراء من جانب وكالات وسماسرة السفر ، وهي الأسباب التي ستمثل قوة الطرد الأساسية للمهاجرين طوال تاريخ لبنان على اختلاف طبيعة المهاجرين واتجاهات الهجرة، حول تلك الأسباب وغيرها انظرد. جهاد نصري العقل : مرجع سابق ، ص ص 55- 69.
  4. المرجع السابق  ، ص ص 48- 50 وكذلك انظر: الاغتراب اللبناني مراحله وتطوره وعلاقته مع الدولة ، محاضرة المدير العام للمغتربين الاستاذ هيثم جمعة بتاريخ 11/7/2003( وزارة الخارجية والمغتربين الأشرفية – قصر بسترس).
  5. راجع :د. جهاد نصري : مرجع سابق ، ص 48 وانظر أيضا : د.محمد الازعر: مرجع سابق ,
  6. راجع : د. جهاد نصري  : مرجع سابق ، 48 وأيضا طارق الغندور: مرجع سابق.
  7. المرجع السابق ، ص 153
  8. المرجع السابق ن ص 108
  9. لمزيد انظر المرجع السابق ، ص ص 153 ومابعدها.
  10. ضاهر مسعود ، مرجع سابق ، ص ص 160 – 161
  11. هناك تعابير عدة متداولة في الكتابات اللبنانية تتداخل مع مفهوم المهاجر وتلك التعابيير هي : المغترب والمنحدر والمنتشر . فالمغترب هو – من وجهة نظر البعض – اللبناني الذي ولد في لبنان وغادره ، أما المنحدر فهو من ولد خارج لبنان لأسرة من أصول لبنانية ، والمنتشر من وجهة نظر هذا الفريق تعبير أكثر شمولا وعمومية حيث يشمل كلا من المغترب والمنحدر في حين يرى البعض الآخر أن المقصود بالمنحدر أولئك الذين غادروا لبنان يحدوهم الأمل بالعودة إليه يوما ما ، ولكنهم بفعل عوامل عديدة حالت دون عودتهم إلى بلادهم تحولوا إلى منتشرين في أصقاع الأرض المختلفة ، وهو الانتشار الذي ولد من وجهة نظر هذا الفريق ظاهرة الاغتراب ، لمزيد حول ذلك الخلاف ودلالاته وانعكاساته انظر: جهاد نصري: الهجرة الحديثة .. مرجع سابق ، ص ص 27 – 31 .
  12. في مطلع القرن العشرين على سبيل المثال وخاصة بعد قيام دول سوريا ولبنان وإمارة شرقي الأردن ، كان من بقي في مصر من الشوام يتجه بسرعة نحو الاندماج الكلي في المجتمع المصري ، وذابت كل الفروق السابقة التي أقامها المهاجرون الأوائل كي تميزهم عن المصريين ، حيث كانت الأجيال الجديدة من الشوام قد ولدت في مصر وتربوا في مدارسها وانخرطوا في نضالاتها الوطنية ، لذا فإنه عند تحديد الجنسية القانونية في مطلع القرن العشرين اختار معظمهم الجنسية المصرية دون غيرها أو مقرونة بجنسية لبنانية أو سورية وتمصروا فعليا لا ظاهريا كما كانت أجيال الأجداد والآباء ، المرجع السابق ، ص 138.
  13. ينبغي التأكيد على أن الكثير  من الرعيل الأول من المهاجرين اللبنانيين لم يتم استيعابه في مجتمعات دول المهجر وذلك بفعل عاملين متناقضين أولهما: أن هؤلاء المهاجرين قد قوبلوا بالرفض والإبعاد والنبذ من كثير من أهل المجتمعات المستقبلة في ظل النظر إلى هؤلاء المهاجرين كغرباء منافسين على خيرات البلاد وثرواتها ، والعامل الثاني يتعلق بالمهاجرين أنفسهم الذين وقفوا موقف الدفاع عن النفس والاعتداد بالذات من خلال التمسك بقيم وعادات مجتمعهم والإصرار على العودة لأوطانهم متى سمحت الظروف بذلك ، على تفاوت بين هؤلاء المهاجرين بفعل اختلاف طوائفهم الدينية والعرقية وباختلاف البلاد والأقاليم التي هاجروا اليها ، راجع : المرجع السابق ، ص ص 102 – 108 وحول اختلاف الجماعات في درجة الاستيعاب داخل دول المهجر انظر: طارق الغندور : مرجع سابق ص ص 80 – 81
  14. جيروم شاهين : الهجرة اللبنانية : حقائقها وأوهامها : جريدة المستقبل اللبنانية 10 حزيران (يونيو) 2003 ، نقلا عن مسح ميداني قام باجرائه الباحث شوغيك كسباريان بجامعة القديس يوسف اللبنانية .
  15. في أعقاب  اكتشاف النفط في الأربعينات بدأت تلك البلدان في مطلع الخمسينات بمشاريع التنمية الاقتصادية وقد استدعى ذلك طلبا على الشركات المنفذة للمشاريع الكبرى، كما أظهر حاجة ماسة لأصحاب الكفاءة وللقوى العاملة المهنية والمهارة التي لم تكن متوفرة في أسواق العمل المحلية ، وقد لعب اللبنانيون دورا بارزا في هذا المجال فأنشأوا الشركات العقارية الكبرى ونشطوا في حقل المقاولات كما استقدموا آلاف  العمال اللبنانيين إلى دول الخليج للعمل في مشاريعهم وتنامت هذه الحركات في السبعينيات من القرن العشرين ، واستمرت متصاعدة في السبعينيات خاصة خلال فترة الطفرة النفطية وارتفاع أسعار النفط انظر: المرجع السابق ، ص 206 وانظر: هيثم جمعة ، مرجع سابق .
  16. راجع : د. عبدالواحد أكمير ، مرجع سابق ، مروة كامل ، مرجع سابق ، د. احمد محمد كاني ، مرجع سابق .
  17. المرجع السابق ، ص 159 – 160
  18. المرجع السابق ، ص 160
  19. في عام 1958م وفي أعقاب صدور دستور الجمهورية الجديد والذي عرف بدستور شارل ديجول أعادت فرنسا تنظيم علاقتها بمستعمراتها ، حيث خيرت تلك المستعمرات بين البقاء في ظل علاقة خاصة بفرنسا في اطار " الجماعة الفرنسية: والتمتع بقدر أكبر من الحكم الذاتي أو الحصول على الاستقلال الفوري ، وقد اختارت كل المستعمرات الفرنسية البقاء في الجماعة الفرنسية  ولم يشذ عنها سوي غينيا كوناكري بزعامة أحمد سيكوتوري الذي اختار الاستقلال الفوري لبلاده الأمر الذي عرضه لما يشبه الحصار الاقتصادي والعديد من مظاهر الممارسات الانتقامية من جانب فرنسا .
  20. المرجع السابق ، انظر في ذلك:

Falola, op.cit

Neil O. Leighton ,"The Lebanese in Sierra Leaon, Transition ( Duke University Press, no. 44 1974) pp.23-29

-Chris Bierwirth ,"The Initial Establishment of the Lebanese Community in Cote d'lvoire CA,1925-1945 , The International Journal of African Historical Studies(Boston University .African Studies Cennter , vol, 30 , no, 2 , 1997) pp326-329

37- Humphrey , op.cit

- Catherine Boobe Commerce in Cote D'lvore : Ivoirianisation without Ivoirian Traders". The Journal of Modern African Atudeis (Cambridge: Cambridge University Press , vol. 31 ,no,1 Mar , 1993)pp70-71

38- د. عبدالواحد اكمير ، مرجع سابق ، ص 161 وانظر حول هذه الظاهرة بالنسبة لتركيبة المهاجرين اللبنانيين في أعقاب الحرب الأهلية جهاد العقل : الهجرة الحديثة.. مرجع سابق ، وكذلك انظر Humphrey , op.cit:

39- عاني: المهاجر اللبناني" أزمة هوية منذ طلائع هجرته، ومازالت هذه الازمة ترافقه حتي اليوم .

لقد سجلت دوائر الهجرة في الدول الجاذبة القادمين الاوائل من بلاد سوريا وفلسطين ولبنان ، في هويات متعددة ، وتحت أسماء مختلفة ، فسجلوا كأتراك ، لأنهم لدول داخل تراب السلطنة ، وكعرب ، لأنهم يتكلمون اللغة العربية ، وكسوريين ، لأنهم قدموا من ولاية سوريا وكعثمانيين لأنهم رعايا عثمانيون ويحملون جنسية هذه الدولة ، ساهمت أسباب أخرى في استعمال هذا العدد من التسميات ، أحدها أن هؤلاء المهاجرين عند وصولهم إلى الموانىء الأجنبية كانت تترك لهم حرية التصريح بالجنسية التي يحملونها، أو كانوا يكتفون بتسليم جوازات سفرهم التركية ، ويتركون للموظفين حرية التصرف ، تبع ذلك ارتباط بين التغيير المستمر في التسمية وتطور الوعي السياسي والثقافي المشبع بالأفكار القومية العربية والسورية عند المهاجرين الوافدين من مناطق شهدت تغيرات سياسية ، ومعظم هؤلاء رفضوا الجنسية التركية وجاهروا بهويتهم الجديدة ، ولعل هذا ماجعل تسمية : عربي وسوري ولبناني تظهر منذ نهاية القرن التاسع عشر ،لتختفي نهائيا تسمية العثماني أثرهزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وبعد تجزئة بلاد المشرق بين الانتدابين ( الفرنسي- الانجليزي) شاع انتشار جنسيات الدول المستحدثة ، ومنها مصطلح " المهاجر اللبناني " الذي لم يسلم وهو في مطلع الألفية الثالثة ، من تفاقم أزمة هويته التي ظهرت بوضوح بين أبناء الجالية اللبنانية العريقة التي تعيش في السنغال وتتأرجح في انتمائها العاطفي بين ثلاث دول ، السنغال بحكم الولادة والمنشأ ، فرنسا بفضل اللغة والحضارة ، ولبنان  مسقط الأباء والأجداد، راجع جهاد العقل ، الهجرة الحديثة .. مرجع سابق .

40 – طارق الغندور ، مرجع سابق ، ص 75 ، جهاد العقل ، الهجرة الحديثة.. مرجع سابق ص 96 ص ص 114- 115.

41- د. أحمد كاني ، مرجع سابق ، ص 47 ، د. محمد الأزعر ، مرجع سابق ، ص 35 وانظر كامل مروة ، مرجع سابق ، ص 187 ،Humphrey , op.cit

42- كاني ، مرجع سابق ص 47

43- المرجع السابق ، نفس الصفحة ، عبدالواحد أكمير ، مرجع سابق

44- كان وكلاء التسفير في مرسيليا مشهورين بهذه الممارسات ، ولم يكتفوا بارسال المهاجرين إلى غرب إفريقيا ، بل إلى استراليا ، ويذكر في هذا السياق أن مهاجرا لبنانيا جمع ثروة كبيرة في استراليا ، ولم يكتشف انه ليس في " النايورك" (نيويورك) الا بعد عامين من وجوده هناك ، وأنه كان ضحية خداع وكلاء السفر في مرسيليا الذين أرسلوه على سفينة أخرى " سببان يختصران .. مرجع سابق .

45- ذلك أن كل المهاجرين تقريبا كانوا من عائلات كبيرة العدد وفقيرة جمعت مدخراتها لتأمين المال لهجرة هذا الفرد ، بل باعات ممتلكاتها أو حتى استدانت المال لذلك ، وكل العائلات ضحت على أمل أن يهاجر أحد أفرادها ويجني ثروة ، ومن ثم يرسل اليها الأموال لتحسين معيشتها ، فالمهاجر الذي يصل إلى مرسيليا كانت تمر في ذهنه هذه الامور مجتمعة ويشعر بخيبة الامل التي سيسببها لعائلته إن أخفق في مشروع هجرته ، لذلك كان خياره مقتصرا على الهجرة إلى أي مكان غير الولايات المتحدة الأمريكية،  المرجع السابق ، وانظر أيضا : جهاد نصري ، الهجرة الحديثة .. مرجع سابق ، صص 60 – 61

46- د. عبدالواحد أكمير ، مرجع سابق ، ص 158 وانظر Humphrey , op.cit   Falola op.cit pp525-526

47- المرجع السابق ، نفس الصفحة

48- د. احمد كاني ، مرجع سابق ص 47

49- المرجع السابق

50- د. عبدالواحد أكمير ، مرجع سابق ، ص 161 ،د. جهاد نصر : الهجرة الحديثة .. مرجع سابق ص ص 181 – 191

51- المرجع السابق ، ص ص 59- 69 ص ص 128 – 135 – ص ص 181 – 199

52-Chris Bierwirth , op.cit , p 337

53- Ibid pp 333 -338

54- د. عبدالواحد اكمير ، مرجع سابق ص 163

55-Chris Bierwirth op.cit 343-346

56- تم الاعتماد في هذه البيانات على ملف الاغتراب اللبناني بجريدة النهار اللبنانية ، عدد حزيران ( يونيو) 2001 ، وكذا ملف ساحل العاج ، ارشيف الاهرام( الاهرام: مركز المعلومات )

57- ملف الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد حزيران( يونيو) 2001

58- نهاد طوباليان : اللبنانيون رواد الصناعة والتجارة في ساحل العاج صامدون وسط الأحداث

At: www.emigrants , gov, Ib/index, html

59- ملف الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد يونيو 2001م وانظر كذلك ملف ساحل العاج ، ارشيف الاهرام

60- حول تلك الظاهرة انظر د. احمد كاني : مرجع سابق ص 57 }Catherine Boone , op.cit , Chris Bierwith , op.cit

61- ملف الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد حزيران(يونيو) 1999

62- تم الاعتماد بصفة أساسية في رصد هذه المجالات على إعداد متوالية من ملف الاغتراب اللبناني التي أصدرتها مجلة النهار اللبنانية منذ التسعينيات حتي عام 2002م

63- راجع في ذلك : كامل مروة ، مرجع سابق ، وجهاد عقل ، فجر الهجرة.. مرجع سابق

64- ملف الاغتراب اللبناني، جريدة النهار اللبنانية ، عدد أيلول(سبتمبر) 2000م

65-ملف الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد أيلول(سبتمبر) 2002م

66- ملف الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد ديسمبر( كانون الأول) 1999

67- الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد آذار (مارس) 2000م

68- المرجع السابق.

69- الاغتراب اللبناني ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد تشرين الأول (اكتوبر) 2003م

70- الاغتراب اللبناني، جريدة النهار اللبنانية ، عدد كانون الاول( ديسمبر) 2003

71- الاغتراب اللبنانية ، جريدة النهار اللبنانية ، عدد حزيران(يونيو) 1999

72- راجع : كامل مروة ، مرجع سابق.

73- جهاد نصري ، الهجرة الحديثة .. مرجع سابق

74- المرجع السابق .

 

كتاب الموقع