أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

قراءة في كتاب "النظام الصوتي للغة الكِينُوبِي اليوغندية، دراسة حالة منطقة بُومْبُو في يوغندا" للدكتور/ حسن عبد المجيد متقوبيا

النُّوبيُّون في يوغندا ودورهم في نشر الإسلام واللغة العربية

عرض/  أ . د. كمال محمد جاه الله الخضر

أكاديمي سوداني

     يوغندا واحدة من دول شرق إفريقيا المهمة، والمعلومات المتداولة عنها في بلداننا العربية والآفروعربية شحيحة؛ وذلك لأن البحوث والدراسات التي تُقدّم في بلداننا عن شرق إفريقيا ووسطها، تتركز على بلدان بعينها، مثل: إثيوبيا والصومال وإريتريا.

     وإذا كانت المعلومات عن عموم يوغندا شحيحة، فمن باب أولى أن تكون المعلومات عن تركيبتها الإثنية، واللغوية، وعن أوضاع مسلميها، وعن الجماعات، التي عُرفت بنشر الإسلام، واللغة العربية- مُسجّلة غيابًا شبه تام.

     لذلك ننتهز هذه السانحة للتعريف بكتابٍ يتحدث ضمن الموضوعات، التي يطرحها بين دفتيه، معلومات مهمة عن جماعة مهمة، كان لها الفضل في نشر الإسلام واللغة العربية في ربوع يوغندا المختلفة.

     الجماعة التي نقصدها هي "النُّوبيُّون"، ذات الجذور السودانية، التي أصبحت مكونًا من مكونات المجتمع اليوغندي الأصلي، واعتُرِفَ، دستوريًّا، بلغتها، الكينوبي، باعتبارها إحدى اللغات اليوغندية المحلية.

     الكتاب، موضِع الاستعراض، في الأصل أطروحة دكتوراه في الدراسات الإفريقية، تخصُّص لغويات، نال بها الباحث اليوغندي/ حسن عبد المجيد مُتُقُوبْيَا تلك الدرجة الرفيعة، في مركز البحوث والدراسات الإفريقية، بجامعة إفريقيا العالمية، في الخرطوم، في عام 2012م، تحت إشراف صاحب هذا الاستعراض.

     صدر الكتاب، في العام 2013م، ضمن منشورات مركز البحوث وتوثيق التراث الإسلامي في كمبالا بيوغندا. وعلى الرغم من مرور ستة أعوام على تصدِّي المركز اليوغندي لإصداره في نُسَخ محدودة، لضيق ذات يد المركز، إلا أن الكتاب لم يحظَ بأيّ نوع من الاستعراض لتبيين قيمتِه العلمية، ولإبراز ما حمل من موضوعات مهمة، تتصل بجماعة يوغندية أصلية، بذرتها الأولى سودانية، تُشَكِّل مجتمعًا مسلمًا مسالمًا في البلاد.

     ونسبة لأن الكتاب، الذي صدر في 227 صفحة من القَطع الكبير، غير متاح بالصورة التي تُمَكِّن الباحثين المختصّين في الشأن الإفريقي عمومًا، والشأن اليوغندي على وجه الخصوص، من الاطلاع على محتواه الكامل؛ فإنه نيابةً عنهم جميعًا، قد اطلعتُ على الكتاب، وقد هيَّأ لي ذلك الاطلاع تقديمَ هذا الاستعراض، متمنيًا أن أعكس فيه صورة شاملة صادقة لما ورد في الكتاب من معلومات علمية قيِّمة.

     ابتداءً لا بد من القول: إن المحتوى الحَيّ للكتاب لُغَوِيٌّ بَحْتٌ؛ لأن عنوان الكتاب يتصدَّى لموضوع لُغَوِيّ في الأساس، وهو: "النظام الصوتي للغة الكينوبي اليوغندية". وقد حدَّد صاحب الكتاب هذه اللغة بأنها يوغندية؛ لأن اللغة نفسها تتحدث في كينيا المجاورة ليوغندا.

     ولما كان الهدف الأساس لهذا الاستعراض هو التركيز على ما جاء في الكتاب عن المتحدثين للغة (النوبيون)، وليس اللغة ذاتها (الكينوبي) (التي نأمل أن يُتَاح لنا استعراض تالٍ للتركيز عليها)- رأينا أن نحصر محتوى هذا الاستعراض في إبراز النوبيين اليوغنديين، ودورهم في نشر الإسلام واللغة العربية، بتلخيص ما ورد في الكتاب، بغية إضافة معلومات جديدة مفيدة للقارئ المختص وغير المختص عن هذا الموضوع المهم.

     احتوى الكتاب، بالإضافة إلى مقدمة، وخاتمة، ونتائج، وتوصيات، وملاحق؛ احتوى على خمسة فصول، تحدَّث الفصل الأول عن الإطار العام للدراسة، وتناول الثاني الجذور التاريخية والجغرافية والبشرية لمنطقة بومبو. أما الفصل الثالث فخصَّه الباحث للحديث عن الدراسة المقطعية للكينوبي اليوغندية. وأما الفصل الرابع فتمَّت فيه الدراسة فوق المقطعية للكينوبي اليوغندية. وعقد الباحث في الفصل الخامس مقارنةً للنظام الصوتي للكينوبي اليوغندية، واللغتين السواحيلية والعربية.

 

هدف الباحث من خلال كتابه إلى تحقيق ستة أهداف، هي:

1- كشف معالم الصلات التاريخية، والثقافية، والفكرية، والدينية بين الناطقين بالكينوبي اليوغندية، والثقافة العربية الإسلامية، وعلى وجه الخصوص في شرق  إفريقيا.

2- تقديم رؤية وافية عن النظام الصوتي للكينوبي اليوغندية، ومكانتها في المجتمع اليوغندي.

3- معرفة النظام الصوتي للكينوبي اليوغندية، وكشف أوجه التوافق والاختلاف، بينها وبين السواحيلية من جهة، وبينها وبين اللغة العربية من جهة أخرى.

4- المساهمة العلمية في مجال البحث اللغوي المتعلِّق بمعرفة النظام الصوتي للكينوبي اليوغندية من حيث المخارج والصفات.. إلخ.

5- محاولة سدّ الفراغ الذي تعانيه المكتبة العربية عن الدور الإشعاعي، الذي قام به النوبيون في يوغندا خاصة، وفي منطقة شرق إفريقيا عامة في نشر الإسلام واللغة العربية عبر الكينوبي، التي تُعَدُّ لغة عربية هجينة أثْرَتِ اللغات الإفريقية، التي احتكَّت بشكل مباشر أو غير مباشر مع الكينوبي اليوغندية.

6- التعريف بالمدِّ الثقافيِّ العربيِّ في أعماق إفريقيا، الذي ظلَّ مجهولاً حتى اليوم، على الرغم من أهميته الثقافية والسياسية لدى المؤسسات العربية والإسلامية، التي تهتم بالعلاقات العربية الإفريقية من جهة، ونشر الثقافة العربية الإسلامية من جهة أخرى.

 وكما جرت العادة في الأطروحات العلمية؛ فقد حصَر الباحث بعض الدراسات ذات الصلة ببحثه، والتي تسمى منهجيًّا بالدراسات السابقة؛ حيث أبان الباحث أن معظم تلك الدراسات التي تناولت الكينوبي اليوغندية لم تخصِّص لنظامها الصوتي دراسة وافية مستقلة، وبذلك ظلَّ هذا النظام يفتقر إلى دراسة مستقلة تتناسب مع أهميته ومكانته.

 أورد الكتاب فيما يخصّ الجذور التاريخية لنوبيي يوغندا الناطقين بالكينوبي، ما مفاده: أنهم مجموعة عِرْقية قدمت إلى يوغندا منذ أكثر قرنٍ؛ نتيجة لاندماج مختلف القبائل القادمة من جمهورية السودان (قبل انفصال الجنوب عنه)، وأنهم يتحدثون بلغات متعدِّدة. كما أورد الكتاب، أيضًا أنَّ النوبيين دخلوا يوغندا من طريقين أساسيين؛ هما: طريق الشمال (من جنوب السودان مباشرة)، وطريق الغرب من الكونغو الديمقراطية، عبر منطقة "بونيورو"، على وجه الخصوص، بحسبانهم جنودًا جلَبَهم إلى تلك البلاد المستعمِرُ الغربي، الذي غزا تلك البلاد في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وقد وصل عدد النوبيين الذين نُقِلُوا إلى يوغندا ما بين الفترة (1830– 1869)- 25.000 نسمة، وقوام الجيش منهم 8.200 جنديّ.

 وأما عن سبب دخول النوبيين يوغندا؛ فيشير الكتاب إلى أن السبب الرئيس لدخولهم يوغندا ناجم عن الضريبة الباهظة؛ حيث إنه في عام 1880م اندلعت بعض المشكلات في السودان بِشأن قوانين الضريبة الجديدة، التي فَرَضتها الحكومة المصرية الإنجليزية الحاكمة آنئذ، وبتأييدٍ من التجّار العرب، فالنوبيون الذين كانوا يشكِّلون نصف سكان السودان تقريبًا- أصبحوا أقوياء في حركتهم؛ ولذلك أرسلت الحكومة قوَّةً من رجال القبائل النوبية، الخادمين في الجيش المصري آنذاك، وهؤلاء هم الجنود السودانيون، الذين عُرفوا بالنوبيين فيما بعدُ، كانوا سودًا جدًّا في الطبيعة، ومشهورين بمهاراتهم الحربية الواسعة.

 ووفقًا لما جاء في الكتاب فإنه في 1880م تحرَّك السودانيون (النوبيون) من الخرطوم إلى الحدود الشمالية اليوغندية؛ وذلك بسبب خسارتهم للمعركة ضد الحِلف الإنجليزي المصري، وانقطعوا نهائيًّا عن وطنهم الأصل، وكان قِوام هؤلاء الجنود 2000 في هذا الاتجاه.

  يقول الكتاب: إن النوبيين وفي وطنهم الجديد (يوغندا) هاجموا، وأغاروا على القرى المحلية باستعمال الأسلحة، التي كانت في حَوْزتهم؛ بغية الماء والغذاء، كما امتلكوا زوجاتٍ، واستقروا أكثر فأكثر، ولاحقًا واصلوا بمسيرتهم متقدمين حتى مناطق: أتشولي، وبونيورو، وتورو، وكيقيزي.

  وأما فيما يتعلق بأصول النوبيين اليوغنديين؛ فيشير الكتاب إلى تعدُّد آراء الباحثين في هذا المجال؛ إذ ذهب بعضهم إلى أن أغلبية الدراسات ترى أنَّ هؤلاء الجنود النوبيين جاءوا أصلاً من السودان بمفهومه القديم، بما فيها القبائل السودانية الحديثة في جمهورية جنوب السودان، والقبائل المصرية. بالإضافة إلى الأتراك، الذين تمَّت تسميتهم بالسودانيين المصريين الأتراك. كما يرى بعض الباحثين، وفقًا للكتاب، أنَّ النوبيين هم أصلاً جنودٌ سودانيون، جاءوا من جنوب السودان تحت قيادةٍ مصريةٍ، وتغلغلوا في يوغندا، واستقرُّوا في بُومْبُو. وفي كينيا استقرُّوا في "كِبيرا"؛ وذلك في أواخر القرن التاسع عشر (1886-1890م).

ويرى رأي ثالث -وفقًا للكتاب أيضًا- أنَّ أصلهم جنودٌ من قبائل متعدِّدة مثل: مَكْرَكا، مَدِي، ومُنْدو، ولَتُكُو، والشُّلُك، والدِّينكا... إلخ. وذلك في منتصف القرن التاسع عشر عندما حُوِّلت منطقة التجنيد من شمال السودان إلى غربها وجنوبها. ويرى رأي رابع -وفقًا لما أورده الكتاب- أن بعض الدراسات تذهب إلى أنَّ أصول النوبيين تعود إلى نوبة الجبال في شمال السودان (جنوب كُرْدُفان)، وقد هاجر هؤلاء الجنود، ودخلوا إلى أراضي يوغندا إثر طَردهم، وهزيمة قوات أمين باشا النمساوي، الذي كان حاكمًا على مديرية خط الاستواء من قبل الخديوي عباس؛ حيث تمكَّنتْ قوات المهدية من الاستيلاء على مديرية خط الاستواء بقيادة الأمير عربي.

أما الرأي الخامس -وفقًا للكتاب- فأورد أن معظم المصادر المحلية الشفهية المعنية، تشير إلى أنَّ هؤلاء الجنود أصلهم من المنطقة الاستوائية (في جنوب السودان)، وعلى وجه التحديد المنطقة التي تسمى مقاطعة "اللادو"Lado  المشتركة من حيث الموقع بين الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان، وشمال يوغندا. وقد تكوّنت هذه المقاطعة في الفترة ما بين (1894- 1910) كمنطقة حرة  بمساحة تبلغ 39.000 كلم مربع، كما كان يسكن فيها نحو 250.000 نسمة. وقد مثلت مقاطعة اللادو حصونًا اشتُهرت كمراكز يتمُّ فيها تجنيد النوبيين بهدف الانضمام إلى الحملات الاستعمارية.

وأما من حيث انتماء النوبيين؛ فقد جاء في الكتاب أنَّ بعض الباحثين -من أمثال "إبراهيم الزين صغيرون" (وهو أكاديمي سوداني مختص بتاريخ هذه الجماعة)- يذهبون إلى أنَّ هؤلاء النوبيين الموجودين في يوغندا ينتمون إلى قبائل مختلفة كقبيلة "مَادِي"، و"لُور" وَ"لِينُدو"، وغيرها في الشمال. أما النوبيون في غرب يوغندا فينتمون إلى "بونِيورو"، كما ينتمون إلى "باغندا" في المنطقة الوسطى، وهم يحملون أسماء إسلامية، وينتسبون أيضًا إلى الأُسَر والعوائل لهذه القبائل وَفق مناطق انتشارهم.

 وخَلُصَ الكتابُ إلى أنه مهما تعدَّدت الآراء بخصوص أصل النوبيين؛ إلاَّ أنَّ الحقيقة المؤكدة هي أنَّ هؤلاء النوبيين، فقدوا التواصل بينهم وبين جذورهم الأصلية، أو أماكن أصلهم، وهذا ما يجعل مصادر الكينوبي اليوغندية المحلية اليوم تكتب جازمة أنه لا علاقة لهم بالنوبيين في السودان ومصر(النوبيون أو النوبة هم جماعة تسكن أقصى شمال السودان وجنوب مصر).

 يُضَاف إلى ذلك -وفقًا لما يذكر الكتاب- أنَّ المراكز والمدن التي سكنها هؤلاء النوبيون ليست مجاورة للحدود المشتركة بين يوغندا والسودان. ومن المهم البيان أنَّه بدأت تسمية هذه المجموعة بالنوبيين بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانوا يسمون بالسودانيين قبل ذلك. والثابت أنَّ "عربي جوبا" (اللغة الهجين المشتركة المتحدثة في جمهورية جنوب السودان) و"الكينوبي اليوغندية" قد تطوَّرت كلتاهما من اللغة العربية، التي كانت يتحدَّث بها الجنود في جمهورية جنوب السودان (الحالية) في القرن التاسع عشر الميلادي، وينبغي القول أيضًا بأنَّ هؤلاء النوبيين، يتحدَّثون لغةً عربيةً مهجنةً حتى اليوم.

 وخلاصة القول: إنه قد ضاعت لغات النوبيين الأصلية، وتبنوا اللغة التواصل المشتركة Lingua franca التي يتواصلون عبرها حاليًا (الكينوبي).

 بعد أن تحدَّث الكتاب عن جذور النوبيين، وأصلهم، وعن دخولهم إلى يوغندا، أفرد حيزًا لوصول النوبيين إلى كَمْبَالا (عاصمة يوغندا)؛ فأورد إحداثيات تاريخية تقول: إن يوغندا شهدت خلال القرن التاسع عشر الميلادي صراعاتٍ سياسيةً ودينيةً، وخاصة في "باغندا"، وحاول المستعمِر "أمين باشا" إيجاد الحلّ لتلك الصراعات والنزاعات، عن طريق الاتصالات الدبلوماسية والصّداقة، باستعمال هؤلاء الجنود السودانيين (النوبيين لاحقًا). وفي طريقه إلى شاطئ شرق إفريقيا، وبصحبة "ستانلي"، ترك "أمين باشا" هؤلاء الجنود في "بونيورو"، تحت قيادة "سليم بيه".

ولاحقًا أدرك النقيب "لوقارد" -الذي كان يحاول جلب السلام في يوغندا- أنَّ الحلّ لمشكلاتهم يكمن في تدخل الشركة البريطانية الإمبريالية في شرق إفريقيا؛ لأجل تسوية شؤون بوغاندا. كما طلب المساعدة من الضباط المسؤولين عن الإدارة البريطانية المدعومة بتدريب القوات العسكرية، ولذلك قرَّر أن يوظِّف الجنود النوبيين، الذين زحفوا من مركز "كيـﭬـالي" مع "لوقارد"، الذين بلغ قِوامهم نحو 900 جندي، وقد قطعوا آلاف الأميال في قلب يوغندا عبر الغابات والأودية، والسهول والهضاب، وهذه الرحلة التي بلغت مسافتها 600 ميل تقريبًا استغرقت أسابيعَ، وقد مات منهم المئات بمرض الجدري والبعض من الجوع، والبعض الآخر بسبب التعب والإرهاق.

ووفقًا لما أورده الكتاب فإنه عند وصول الجنود النوبيين إلى كمبالا وجدوا صراعًا على المُلك بين الملكين "موانقا" و"كاليما"، ولكنّ فضَّل "لوقارد" الوقوف محايدًا، وعدم التدخل في هذه النزاعات، ومن هؤلاء الجنود من بقي مع "لوقارد" داخل كمبالا، ومنهم من بقي في ميناء "أليس" Alice على بعد 25 ميلاً من كمبالا.

 وفي يونيو 1893م -وفقًا لما جاء الكتاب-  بدأ المستعمر "ماكنولد" Machnold يشكّ في إخلاص "سليم بيه" (المسؤول عن النوبيين) الذي كان حينئذٍ في ميناء "أليس"؛ ممَّا اضطره إلى أخذ إجراءات وقائية، وذلك بتجريد "الحامية" Guarison من سلاحها. وبالرغم من أن "سليم بيه" كان قد اعتُقِل وحُوكِمَ، إلاَّ إنه قد مات في "نايفاشا" Naivasha، وهو في طريقه إلى شواطئ شرق إفريقيا، ونتيجة لذلك بدأ هؤلاء الجنود النوبيون التمرُّد على "ماكنولد"؛ لعدم اهتمامه بهم بعد فقد قائدهم "سليم بيه"، وأصبحوا يعانون من نقص الغذاء والملابس، ومن ثَم اتُّخِذَت ضدَّهم إجراءاتٍ تأديبيةً، وفُرِّقوا في مناطق مختلفة، منهم من هرب راجعًا إلى "بونيورو" و"أشولي"، ومنهم من بقي في كمبالا وضواحيها. إن النوبيين حول كمبالا بدأوا يستقرون بثباتٍ في وطنهم الجديد.

 وأورد الكتاب أيضًا أنه في عام 1896م بَنَى النوبيون أول مدينة لهم في هضبة "كُولولو" (قرب كمبالا)، وبعد عشر سنواتٍ ظهر مرض الجدري الفتَّاك مجدّدًا؛ ما أدَّى إلى حرق هذه المدينة تفاديًا لهذا المرض. والناس الذين نَجَوْا منه شيَّدوا بيوتًا جديدةً في "ناقورو"، و"كاموكيا"، و"كيبولي" و"وابيقارو"؛ حيث يملك النوبيون اليوم قطعًا أرضيةً سكنيةً وتجاريةً، كما أن بعضهم قد هاجر ليستقر في "عينتيبي" وَ"بومبو"؛ حيث أسَّسوا مدينةً جديدةً، بالإضافة إلى "لوقارد" الذي استغل بعض هؤلاء النوبيين لبناء حصنه في هضبة كمبالا القديمة، وحفر سور الوقاية حوله يَخْتبئ فيه وقت الحرب، وما يزال هذا الحصن قائمًا حتى يومنا هذا.  

 تحدَّث الكتاب، بعد ذلك، عن مواطن ومناطق انتشار النوبيين في يوغندا؛ حيث أبان أن أكثر الدراسات تتجه إلى أنَّ النوبيين قد استقرُّوا في مراكز ومناطق يوغندا المختلفة، ذات الاستراتيجية الإدارية والتجارية، وذلك منذ أن سلَّم "سليم بك مطر" قيادة الجيش النوبي إلى "النقيب لوقارد"، وكيل الشركة البريطانية الإمبريالية في شرق إفريقيا، وذلك لأسبابٍ عدَّة منها: لكونهم جيشًا غازيًا في المقام الأول، ثمَّ انضمامهم إلى مجالاتٍ أخرى فيما بعد، كما كان الحال في عهد "عيدي أمين دادا" (1971- 1979م) عندما تولَّوا المناصب العليا في السلطة.

وتجدر الإشارة، وفقًا للكتاب، إلى أنَّ مناطق انتشار النوبيين اليوم، هي المناطق نفسها، التي كان يسكنها العرب الأوائل في تلك البلاد من اليمن وعمان، الذين استوطنوا فيها، وتزاوجوا مع أهاليها في الفترة ما قبل عهد "سيماكوكيرو" (1779-1794)، الملك الذي يمثِّل الحلقة السابعة والعشرين لمملكة بوغاندا.

 ووفقًا للكتاب أيضًا فإنَّ الكينوبي اليوغندية، التي يتحدثها اليوم 15.000 في البلاد، إضافة إلى 10.000 متحدِّث في كينيا، تحت مسمى الكينوبي الكينية؛ لا يتحدَّث بها أبناؤها فحسب، بل هناك بعض أفراد القبائل الأخرى يتحدّثها، وذلك لعاملين أساسيين؛ هما: عامل التزاوج أولاً، وبخاصةٍ إذا علمنا أنَّ النوبيين لم يأتوا معهم بنساء منذ أيامهم الأولى في تلك البلاد،  ثمَّ العامل السياسي ثانيًا؛ حيث ازدهرت هذه اللغة في عهد الرئيس اليوغندي "عيدي أمين"، وانتشرت في معظم أنحاء البلاد؛ لدرجة أن معظم الشعب اليوغندي قد أصبحوا يهتمون بها ويتعلمونها، ثمَّ تراجعت بسقوط عهده.

 أفرد الكتاب، بعد ذلك، حيزًا للحديث عن موطن النوبيين؛ حيث جاء فيه أن المجتمع النوبي سكن -منذ أن وطئ قدمه الأول على أرض يوغندا- المعسكرات والحاميات، مقسمة إلى ثلاثة أقسام هي: معسكر كمبالا – معسكر عينتبي– معسكر الأتشولي بشمال البلاد. وتبع ذلك أن أصبحت اللغةُ العربية اللغةَ السائدة في تلك المعسكرات عمومًا، وغدت اللغة الأولى لهذه المجموعة الإثنية الجديدة، واستعملت كوسيلة الاتصال، وإن كانت قد ارتبطت أخيرًا بأنها لغة كينوبي (المتطورة عنها عبر التاريخ).

وفيما مجال الموطن الأول للنوبيين في يوغندا؛ يشير الكتاب إلى أن بعض الباحثين المحليين يرون أنَّ منطقة غرب النيل، وبالتحديد "أَرِينْقَا"، هي أول منطقة نزلها الجنود السودانيون، لذا تُعَدّ ثاني مناطق يوغندا من حيث الكثافة السكانية المسلمة بعد بوغاندا.

تصدَّى الكتاب، بعد ذلك، للحديث عن بعض الفترات، التي قادت المجتمع النوبي اليوغندي إلى التحول الاجتماعي؛ فأشار الكتاب إلى أن النوبيين مرَّوا قبل أن يعترف بهم كنسيج مكوِّن لأطياف الشعب اليوغندي بعدة فترات، هي:

1- فترة التهجير والعبودية (1850م – 1913م)، وذلك للعمل ضمن القوات الاستعمارية البريطانية.

2- فترة أمين باشا (1880م – 1890م)، وهي مرحلة الخروج من المعسكرات والاندماج تدريجيًا في المجتمع.

3- فترة النزوح الجماعي من المعسكرات إلى القرى والمدن (1891م – 1894).

4- فترة بداية تشكيل القرى (1895م – 1961م).

5- فترة الاعتراف بهم بصفتهم مواطنين يوغنديين (1962م – 1978م).

6- فترة النفي بعد سقوط عيدي أمين (1978م – 1979م).

7- فترة العودة (1988م – 1994م).

8- فترة الاعتراف بهم دستوريًّا بصفتهم مكوِّنًا من مكونات الشعب اليوغندي (1995م).

وضمن الفترات التي مرَّ بها النوبيون في يوغندا؛ كشف الكتاب عن إحداثية تاريخية مهمة تقول إنه بحلول عام 1930م كان المجتمع النوبي في يوغندا قد فقد تواصله بالعالم الخارجي نهائيًّا، وأصبح مجتمعًا مستقرًّا، ومتمسِّكًا بدينه الإسلام، ومهتمًّا بلغته الكينوبي، ومحافظًا على ثقافته الراسخة، وتربطه علاقة أخوية متينة حيث يخاطب بعضهم بعضًا بـلفظة (aku) أي "أخو"، ولكن هذا لم يمنعهم من تعلم اللغات والثقافات المحلية الأخرى؛ انسجامًا مع بقية سكَّان يوغندا. وعليه؛ فقد تكوَّنت الكينوبي اليوغندية كلغةٍ نتيجة تفاعل العربية بإحدى اللغات البانتوية أو لهجاتها السائدة في المنطقة آنذاك.

وتجدر الإشارة إلى أنها وإن كانت لغة عربية دارجة؛ إلاَّ أنها لا علاقة لها بالخارطة اللغوية العربية الحالية والقاموس العربي، وينبغي التفريق بين اللغة النوبية، التي تنتمي إلى اللغات الشارية النيلية والكينوبي اليوغندية شأنها في ذلك شأن السواحيلية. (اللغة النوبية لغة نيلية صحراوية تُتَحدث في أقصى شمال السودان، تحدث مسمى: الدنقلاوية والمحسية والسكوتية والحلفاوية).

أما فيما يخص علاقة الكينوبي اليوغندية باللغة العربية؛ فقد أبان الكتاب أن الكينوبي مليئة بالألفاظ العربية، التي تجذرت في قاموسها. بل إن أساس هذه اللغة عربي، أساس ممتزج مع بعض اللغات البانتوية، المتحدَّثة في شرق إفريقيا، لا سيما في يوغندا وكينيا. وأما فيما يخض الوضع الحالي للكينوبي اليوغندية، وفقًا لما أورده الكتاب؛ فإنها تتبوأ مكانًا بارزًا بين لغات يوغندا منذ الاستقلال إلى اليوم، وأنها اهتمَّ بها ليس أهلها فحسب، بل وبقية أبناء تلك البلاد. فهي لغة قراءةٍ وكتابةٍ، وأدبٍ وثقافةٍ، فهي من اللغات التي تهتم بها أجهزة الإعلام اليوغندية المقروءة والمرئية، كإذاعة صوت إفريقيا بكولولو كمبالا، وإذاعة بلال بكمبالا القديمة، وإذاعة اللؤلؤ بكمبالا القديمة أيضًا. والصحيح أنَّ العربية قد أثَّرتْ في تنمية الكينوبي اليوغندية، ومساعدتها في أن تكون لغة ثقافةٍ وأدبٍ وعلمٍ.

 بعد أن بيَّن الكتابُ العلاقة بين الكينوبي واللغة العربية، تحدَّث عن منطقة "بومبو"، (المنطقة التي يَدْرس فيها صاحب الكتاب النظام الصوتي للكينوبي)- من حيث الموقع والتركيبة السكانية: فأبان أن منطقة "بومبو" تقع في وسط يوغندا، وعلى وجه التحديد في إقليم "بوليميزي"، محافظة "لوويرو" بمملكة بوغاندا، وتبعد من كمبالا العاصمة نحو 35 كم متَّجهًا إلى شمال البلاد على طريق ماسيندي.

 وأوضح الكتاب أن أصل هذا الاسم (بُومْبُو) اشتُقَّ من سروالٍ قصيرٍ كان يلبسه العساكر كزيٍّ عسكريٍّ في ذلك الوقت، ويُعتَقد بأنَّ ذلك الزيّ كان يُطلَق عليه في اللغة المحلية (لوغندا) بومبو، وتأسَّست المنطقة إبَّان الحرب العالمية الأولى، وكانت في بداية الأمر معسكرًا لجنود ما سُمِّي ببنادق الملوك الأفارقة، الوحدة العسكرية التي تأسَّست عام1901م، وقدَّمت أعمالاً جليلةً، ليس في المجال العسكري فحسب، بل وفي بقية المجالات بما فيها المجال الديني؛ حيث قامت بتشييد مسجد النور العتيق في هذه المنطقة في عام 1920م، وما يزال هذا المسجد قائمًا إلى اليوم، ومن ثمَّ تقاطر النوبيون من مختلف مناطق يوغندا، وانضمُّوا إليها بفخرٍ، وسجَّلوا قبيلتهم بكل اعتزازٍ تحت اسم "نوبة"، كما خدموا في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 وهذا الاسم (بومبو)، وفقًا للكتاب، يشير إلى المدينة والقرى المجاورة لها؛ حيث يعيش النوبيون الذين يتمتعون بثقافة فريدة نتجت عن تمازج بين الثقافات والعادات الإفريقية والإسلامية. وتُعَدُّ ثقافتهم وتقاليدهم مثيرة جدًّا؛ حيث تتجلى في رقصاتهم الشعبية، وغيرها.

 والثابت، وفقًا لما أبانه الكتاب، أنَّ المجتمع النوبي اليوغندي وعاداته أصبح معترفًا به ببطءٍ في أوائل السبعينيات (من القرن الماضي) إبَّان عهد الرئيس الراحل "عيدي أمين دادا"؛ حيث ازدهر هذا المجتمع، وارتقت ثقافته إلَّا أنه اضمحلَّ بعد سقوطه، ولذلك من المُهِمّ تجديد الثقافة النوبية لكونها مجالاً حَيوِيًّا مختلفًا. وللثقافة النوبية اليوغندية إمكانية جَذْب السيّاح ويمكن استغلالها في السياحة المحلية والدولية؛ بغية معرفة الكثير عن الكينوبي اليوغندية وبقية اللغات الإفريقية في تلك البلاد.           

 واصل الكتاب حديثه عن "بومبو"، وأهميتها بالنسبة للنوبيين خصوصًا، وبالنسبة ليوغندا عمومًا؛ حيث أوضح أن "بومبو" تُعَدّ أهمَّ مركزٍ للنوبيين، ليس في يوغندا فحسب، بل وفي شرق إفريقيا عامةً، كما تتميز بالمحافظة على التقاليد الراسخة، مثل الأعمال اليدوية التي حافظت على بقاء الجيل الصغير، وعدم هجرته إلى مناطق أخرى. وهي منطقةٌ زراعيةٌ، ومركزٌ تجاريٌّ للقطن، والقهوة، والموز...إلخ. وتُعدُّ "بومبو" مقرًّا للجيش اليوغندي، ولقوات يوغندا المشاة كذلك، وكانت هي المقرُّ لوزارة الدفاع الأوغندية حتى كانون الأول 2007م، حيث نُقِلت إلى Mbuya "امبويا" إحدى الضواحي في جنوب شرق كمبالا.

 ومن أهمية بومبو أيضًا -وفقًا لما ورد في الكتاب- أنها ظلت من أهم المراكز العلمية في يوغندا يرتحل إليها الكثير من أبناء تلك البلاد، لتلقِّي العلوم العربية والإسلامية والفقهية؛ حيث شُيِّدت فيها العديد من الخلاوي. وقد لخَّص لنا صاحب كتاب "تأثير مسلمي السودان على يوغندا" بعض أسماء الشيوخ المعلمين، الذين قاموا بعملية تدريس هذه العلوم العربية والدينية في منطقة بومبو، وذكر منهم: الشيخ الحاج محمد عبد الله من شرق نيجيريا، "برنو" في بلاد التكرور. وفي الفترة ما بين 1808-1809م تم تعيينه رئيسًا للمجتمع المسلم في بومبو. ولم يكتفِ الشيخ الحاج محمد عبد الله بنشر العلوم العربية والإسلامية في بومبو فحسب، بل ظل متنقلاً في مناطق شرق إفريقيا المختلفة، يؤدي المهمة نفسها أيضًا، ففي عام 1913م اتَّجه إلى تنجانيقا؛ حيث بقي هناك لمدة ثماني سنوات، ثم عاد إلى بومبو. وفي عام 1927م ذهب إلى نيروبي يدرِّس العلوم الإسلامية، ثم رجع أيضًا إلى بومبو عام 1930م. وفور عودته في هذه السنة نفسها سرعان ما اتجه إلى "آروا" غرب النيل؛ حيث قضى هناك خمسة عشر عامًا داعية ومعلِّمًا وفقيهًا، وقد اعتنق على يديه الإسلام أكثر من 100.000 شخص، كما تخرَّج على يديه أيضًا العديد من علماء يوغندا، ودوره بارزٌ في حثّ مسلمي يوغندا على تأدية مناسك الحج، وكان الحاج "سيكيمواني" أول مَن حجَّ مِن مسلمي يوغندا؛ حيث عاد من فريضة الحج عام 1921م. ومعظم اليوغنديين قد عرفوا الشيخ محمد عبد الله، وما يزال لديه مكانة رفيعة وسط المجتمع المسلم اليوغندي إلى اليوم.

 وأضاف الكتاب في هذا المجال: أنه في عام 1943م مرض الشيخ محمد عبد الله، وظل يعاني من المرض لمدة ستة أشهر؛ حيث وافته المنية، ودُفِنَ بجوار المسجد في بومبو، وما يزال قبره  يُزَار مِن قِبَل النوبيين، وغيرهم.

 وغير بعيد عن هذا المجال -وفقًا للكتاب- أنَّ بعض الدراسات تُؤكِّد أنَّ المجتمع النوبي قد أنشأ علاقاتٍ طيِّبةٍ منذ وصوله إلى يوغندا مع مملكة بوغندا آنذاك، وبايعوها ووقفوا معها ما جعل الملك يُقدِّم إليهم هذه المنطقة كمستوطنةٍ لهم، وذلك رضاءً عن خدمتهم، وقد شكَّلوا أوَّل نواةٍ لجيشٍ نظاميٍ عُرفت بـِ "الكتيبة الملكية". وفي عام1939م صدر قرارٌ من الحكم الاستعماري ينصّ على أنَّ النوبيين الموجودين في كلِّ مملكة، يصبحون مواطني تلك المملكة، وخاضعين لها، ومن هنا تجد أنَّ النوبيين في مملكة بوغندا تحت سلطة هذه المملكة، والذين في مملكة بونيورو تابعين لها، وكذلك كان الأمر في بقية الممالك.

 وأكَّد الكتاب على أهمية بومبو بالنسبة للنوبيين وغيرهم، بالقول: إن هذه المنطقة أصبحت ذات أهمية ليس للنوبيين فحسب، بل ولليوغنديين جميعًا، ولم تأتِ هذه الأهمية من فراغٍ، بل سبقتها عوامل منها:

1- أنها أصبحت مقرًّا للجنود النوبيين، وإليها كان يُنقَل أيُّ نوبي يرجع من الحرب.

2- أنها  ثكنة يوغندا الأولى التي تأسست عام 1903م، ومقرّ الجيش الأوغندي.

3- كانت مقرًّا لسجناء الحرب بشرق إفريقيا عمومًا، وكانت بمثابة "غوانتنامو" اليوم. وتؤكِّد المصادر الشفهية منها والكتابية أنه وحتى الألمانيين كانوا يُنقَلون إلى بومبو.

4- فيها قرى ذات أسماء عربية الأصل.

5- فيها المركز الثقافي النوبي Nubian Cultural Centre، وهو من المراكز الثقافية الإسلامية المحلية التي تقوم بنشر الحضارة العربية والإسلامية في يوغندا بصورة عامة.

6- يوجد فيها مقر المهرجان الثقافي النوبي في يوغندا.

7- كما يوجد المركز الإعلامي للثقافة الإسلامية.

8- كما يوجد المنتدى الاستشاري النوبي اليوغندي.

 

إسهامات المجتمع النوبي في يوغندا

     وبعد الحديث المستفيض عن منطقة بومبو، وأهميتها الاستراتيجية للنوبيين على وجه الخصوص، ولليوغنديين على وجه العموم أفرد الكتاب مساحة للحديث عن ما أسماه بعض إسهامات المجتمع النوبي اليوغندي عمومًا، والتي أشار فيها إلى التالي:

1- قاموا وما يزالون يقومون بنشر الإسلام بطرق سلمية وحضاريَّة، بحيث لا يتعارض مع تقاليد المجتمعات المحلية.

2- مارسوا وما يزالون يمارسون تعليم اللغة العربية عن طريق إنشاء المساجد والمدارس والخلاوي والمنتديات والمراكز الثقافية.

3- نشروا اللغة العربية التي يطلق عليها لفظة (الكينوبي اليوغندية)، والتي تماثل عربيَّة جوبا.

4- تميزوا وما يزالون يتميزون بروح الاندماج والانصهار في المجتمعات المحلية، والتعامل كمجتمعٍ متكافلٍ.

5- تزاوجوا وتصاهروا مع القبائل المحلية الأخرى؛ حيث تتبنَّى الزوجة الثقافة النوبية، وبالعكس.

6- التزاموا بالثقافة السودانية من حيث المسكن والملبس والعادات والتقاليد.

7- أثَّروا على القبائل المحلية بتعليمهم زراعة القطن والخضروات بأنواعها السودانية المشهورة.

8- شكَّلوا أول نواةٍ لجيشٍ نظاميٍّ في يوغندا.

     أشار الكتاب، بعد ذلك، إلى أن هذه هي بعض إسهاماتهم منذ أن وصلوا تلك البلاد؛ حيث كانوا تحت الحكومة الاستعمارية المحمية منذ عام 1848 حتى 8/10/1962م كما نصَّ على هذا دستور 1848م، وأكَّد دستور يوغندا لعام 1995م أن أيّ شخصٍ وُجِدَ على أرض يوغندا  التاريخ 9/10/1962م، فهو يوغندي الجنسية أمام القانون اليوغندي إلاَّ مَن أبَى، وبهذا نال أفراد المجتمع النوبي شرعيتهم في تلك البلاد منذ الاستقلال إلى اليوم.

 

      أبرز نتائج الكتاب:

     وتمثل أبرز وأهم ما توصل إليه الكتاب من نتائج فيما يلي:

1- أبرزت هذه الدراسة الاتصالات الواسعة التي تمتعت بها يوغندا مع المحيط من حولها، تلك الاتصالات التي وطّدتها الأنظمة الملكية في تلك البلاد، بما تميّزت به وشعبها من حسن المعاملة وتقبّل الآخرين، ويتّضح ذلك في هجرات المجتمع النوبي التي شهدتها يوغندا، واستقرار ذلك المجتمع فيها، وعلى وجه التحديد  منطقة "بومبو".  

2- أكَّدت الدراسة أن الكينوبي اليوغندية تكوَّنت كلغة نتيجة تفاعل العربية بإحدى اللغات البانتوية، أو لهجاتها السائدة في المنطقة آنذاك.   

3- برهنت هذه الدراسة أن الكينوبي اليوغندية تُعَدُّ أكبر وعاء لحفظ التراث العربي في يوغندا، وهي الوسيلة الأكثر أهمية لأيِّ باحثٍ يُنَقِّب في التراث العربي الإسلامي في تلك البلاد؛ لأن معجمها قد اكتظَّ بنسبة كبيرة من المفردات العربية.

  وحوى الكتاب في خواتيمه عددًا من التوصيات، وذلك على النحو التالي:

1- السعي إلى أن يتعرف العالم العربي والإسلامي على واقع المجتمع النوبي اليوغندي، حاليًا بكيفية مباشرة، ما أمكن ذلك، دون الاعتماد على المصادر الأجنبية وحدها، أو بكيفية غير مباشرة، وذلك بطباعة المصنفات، التي يَعدّها كبار المجتمع النوبي في بومبو.

2- تقديم المساعدة الفعَّالة لجمع المخطوطات كينوبي اليوغندية والعربية، وحفظها ثم العمل على نشرها وتوزيعها، ومساعدة الباحثين في هذا الجانب من ذوي الكفايات العلمية.

3- على الجهات الإسلامية المختصة –المحلية والوافدة– توفير مراكز الإعلام ووسائلها في يوغندا، وذلك لمواجهة هذا الإعلام التنصيري المضاد، وبوصفه وسيلةً لنشر الحضارة العربية الإسلامية، ليتيسَّر للناطقين بغير العربية استيعابها من مصدر معتمَد.

4- إقامة مركز لغوي يهتم بدراسة المستويات الأخرى للكينوبي اليوغندية، بالإضافة إلى اللغات اليوغندية المختلفة، وثقافات المجموعات الإثنية في يوغندا.

     إن ما يمكن قوله في ختام هذا الاستعراض: إن الكتاب سدَّ ثغرة علمية في مضمار التعريف بجماعية يوغندية أصلية ذات جذور سودانية، كان لها دور كبير في نشر الإسلام واللغة العربية. وما تزال تقوم بهذا الدور في مواطن انتشارها في يوغندا على وجه الخصوص، وفي مواطن انتشارها المختلفة في شرق إفريقيا على وجه العموم.

     والكتاب، الذي يتوقع أن يكون مرجعًا أساسيًّا في مجاله. وإضافة إلى تميُّز هيكلته بالمنطقية، ومنهجه بالدقة العلمية؛ فقد اتسم بوضوح اللغة، وسلامة وسلاسة الأسلوب، وترتيب الأفكار، وتنوّع المصادر والمراجع، التي استقى منها صاحب الكتاب بياناته ومعلوماته، وغزارة المادة العلمية، التي تُبَيِّن أن صاحبه مُلِمَ بأطراف الأفكار الأساسية للكتاب.

علاوة على ذلك؛ فالكتاب واحد من منشورات مركز البحوث وتوثيق التراث الإسلامي في كمبالا، الذي يستحق الإشادة والدعم؛ لاهتمامه بنشر التراث الإسلامي في بلدٍ واعدٍ، يسميه الفرنجة "جوهرة إفريقيا".

     من هذا الجانب ومن غيره؛ أتمنى للقارئ الفاضل سياحة قرائية علمية، عبر هذا الاستعراض الموجز لكتاب أحد الباحثين اليوغنديين الواعدين؛ لعلَّ ذلك الاستعراض يكون دافعًا للوقوف على الكتاب في نسخته الكاملة.

كتاب الموقع