أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

النُّفايات الخطرة في إفريقيا: المخاطر وتحدّيات الحماية البيئية

 

   د. صبحي رمضان فرج (*)

 

مقدّمة:

تمثّل النفايات الخطرة أحد أهمّ التحدّيات التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين؛ وذلك لما لها من تأثيراتٍ صحّية وتداعيات بيئية ومالية خطيرة؛ إذا لم يتم التعامل معها بصورةٍ سليمة.

وتعاني بلدان القارة الإفريقية، كسائر بلدان العالم، من مشكلة النفايات، التي يمثّل تولّدها إحدى النتائج الجانبية للاستهلاك، الذي ارتفعت وتيرته خلال العقود الأخيرة.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي؛ شهدت القارة الإفريقية- ولا تزال- حركةً واسعة لنقل النفايات الخطرة من الدول الصناعية الكبرى، للدفن في أراضيها، أو الإغراق في بحارها الإقليمية.

وتُعدّ عملية نقل النفايات الخطرة، والتخلّص منها في أراضي القارة الإفريقية، عملاً غير أخلاقي، وتكريساً واضحاً لمفهوم «العنصرية البيئية»، وعدواناً صارخاً على صحّة الإنسان وبيئته؛ خصوصاً أنّ أغلب بلدان القارة يفتقر إلى القوى البشرية المؤهلة، والبُنى التحتية اللازمة، والتشريعات الضابطة، وأنظمة الإدارة البيئية الملائمة والفعالة، للتعامل مع مثل تلك النوعية من النفايات.

 

أولاً: مفهوم النفايات الخطرة وأصنافها:

يُقصد بالنُّفايات الخطرة- وفقاً لمعايير البنك الدولي، و«اتفاقية بازل» لنقل النفايات الخطرة وتداولها عبر الحدود-: «تلك المخلفات التي تحتوي على عناصر لا يسهل تحلّلها، وكيماويات ومركبات ذات آثار خطيرة ومزمنة على صحّة الإنسان والبيئة»(1).

وعموماً؛ تُعدّ النفايات خطرة إذا توفرت فيها خصائص أربعة: القابلية للاشتعال Flammability، القابلية للتفاعل Reactivity، مسبّبة للتآكل Corrosivity، سامّة Toxicity.

وتشمل النفايات الخطرة- كما ورد بالمرفق الأول لاتفاقية بازل (1991م)- أنواعاً كثيرة، منها: النفايات الطبية، والمتخلفة عن المستحضرات الصيدلانية، نفايات إنتاج المبيدات البيولوجية، نفايات المواد الكيميائية الواقية للأخشاب والمذيبات العضوية، نفايات المعالجة الحرارية وعمليات التطبيع المحتوية على السيانيد، نفايات الزيوت المعدنية غير الصالحة للاستعمال المعدّة له، نفايات المواد والمركبات المحتوية على ثنائيات أو ثلاثيات الفينيل، نفايات الرواسب القطرانية للتكرير والتقطير، نفايات إنتاج الأحبار والأصباغ... والمواد اللاصقة، النفايات ذات الطبيعة الانفجارية التي لا تخضع لتشريع آخر، نفايات إنتاج المواد الكيميائية الفوتوغرافية، نفايات المعالجة السطحية للمعادن واللدائن، رواسب عمليات التخلّص من النفايات الصناعية(2) -

 

ثانياً: مصادر النفايات الخطرة وأصنافها في قارة إفريقيا:

أ- النفايات الخطرة المحلية:

 يتولّد في إفريقيا (جنوب الصحراء) نحو 62 مليون طنّ سنويّاً من النفايات (الخطرة وغير الخطرة)، يتراوح فيها نصيب الفرد بين (0.09 إلى 3.0 كجم) يوميّاً، بمتوسط (0.65 كجم/ فرد/ يوميّاً)، ويقترب من ذلك حجم النفايات المتولدة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط(3).

وتمثّل النفايات المتولدة محليّاً في إفريقيا (5%) فقط من إجمالي النفايات بالعالم، وتتشكّل من مواد عضوية بنسبة (57%)، وبلاستيك بنسبة (13%)، وورق بنسبة (9%)، وزجاج ومعادن بنسبة (4%) لكلٍّ منهما، وتشكّل المواد الأخرى (13%).

يتجّه (2.3) مليون طنٍّ منها إلى مكبّات عمومية، ويُدفن (2.6) مليون طن، ويُحرق (0.05) مليون طن، ويُحوّل (0.05) مليون طنٍّ إلى وقودٍ حيوي، ويتمّ تدوير (0.14) مليون طن(4).

وبالرغم من صعوبة الوصول إلى رقمٍ دقيق، بشأن كمية النفايات الخطرة المتولدة بالعالم، فإنها تُقدّر- بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)- بما يتراوح بين (300–500) مليون طنّ سنويّاً، يتولّد منها (80- 90%) في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

ووفقاً للجدول (1)؛ بلغ إجمالي حجم النفايات الخطرة المتولدة عام 2016م في دول إفريقيا: (19.921) مليون طن، ويمكن تصنيف دول القارة- وفقاً لكمية النفايات الخطرة المتولدة- إلى ثلاث فئات:

الأولى: (دول تزيد فيها على مليون طن)، وتضمّ: نيجيريا ومصر وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتستأثر بحوالي 32.0%، وهي دول تتميز بأحجامها السكانية الكبيرة.

الثانية: (دول تتراوح فيها بين نصف مليون طن ومليون طن)، وتضمّ: المغرب وجنوب إفريقيا وتنزانيا والسودان وكينيا وأوغندا، وينتج بها 22.4%.

الثالثة: (دول تقلّ فيها عن نصف مليون طن)، وتضمّ باقي دول القارة، وينتج بها 45.6%.

ويبلغ متوسط نصيب الفرد من النفايات الخطرة المتولدة بالقارة حوالي (20 كجم/ فرد/ سنويّاً) في أغلب دول القارة، إلا أنه يزيد في بعض الدول؛ حتى يبلغ (33 و65 كجم/ فرد/ سنويّاً) في المغرب وبنين.. على التوالي.

جدول (1)

حجم النفايات الخطرة المتولدة في بعض دول إفريقيا (2016م)

الدولة

حجم النفايات الخطرة المتولدة (ألف طن/ السنة)

نصيب الفرد من النفايات الخطرة

(كيلوجرام/ نسمة)

الدولة

حجم النفايات الخطرة المتولدة (ألف طن/ السنة)

نصيب الفرد من النفايات الخطرة

(كيلوجرام/ نسمة)

الجزائر

185

6

ليبيريا

66

20

أنجولا

270

20

ليبيا

110

20

بنين

428

65

مدغشقر

345

20

بتسوانا

37

20

ملاوي

243

20

بوركينافاسو

257

20

تونس

198

20

بوروندي

135

20

مالي

257

20

الكاميرون

321

20

موريتانيا

57

20

جمهورية إفريقيا الوسطى

78

20

موريشيوس

0

0

تشاد

170

20

المغرب

987

33

جزر القمر

14

20

موزمبيق

378

20

الكونغو

74

20

نامبيا

41

20

كوت ديفوار

335

20

النيجر

24

2

جمهورية الكونغو الديمقراطية

1046

20

نيجيريا

2469

20

جيبوتي

14

20

رواندا

170

20

مصر

1440

20

ساوتومي وبرينسيب

4

20

غينيا الاستوائية

10

20

السنغال

202

20

إريتريا

82

20

سيراليون

98

20

إثيوبيا

1409

20

الصومال

194

20

الجابون

27

20

جنوب إفريقيا

915

20

غامبيا

29

20

السودان

672

20

غانا

419

20

توغو

98

20

غينيا

172

20

أوغندا

511

20

غينيا بيساو

29

20

تنزانيا

741

20

كينيا

643

20

زامبيا

219

20

ليسوتو

37

20

زيمبابوي

261

20

Source: Hazardous Waste by Country, worldmapper, viewed 15th October, 2016, (http://www.worldmapper.org/display.php?selected=305).

 

 

ب- تصدير النفايات الخطرة إلى إفريقيا (العنصرية والفساد):

تشهد بلدان القارة وصول كميات كبيرة من المخلفات الخطرة، قادمةً من الدول الصناعية الكبرى بالعالم، بما يمثّل تعدّياً صارخاً، وتكريساً واضحاً لمفهوم «العنصرية البيئية» Environmental Racism، الذي يتناقض مع حقّ جميع الأفراد في بيئةٍ صحّية نظيفة وآمنة، أو ما يُطلق عليه: «العدالة البيئية» Environmental Justice.

بدأت حركة نقل المخلفات الخطرة من دول العالم المتقدّم إلى إفريقيا منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث اكتُشفت صفقات سرّية، بين بعض الدول الإفريقية وشركات غربية، معظمها يتعلّق بنقل مواد سامّة تسبّب أضراراً بيئية وصحّية خطيرة، ويزيد من تفاقمها القوى البشرية غير المؤهلة للتعامل مع النفايات بالدول النامية، وعدم إدراك آثارها المدمّرة في مواقع دفنها؛ نظراً للتعتيم حول محتواها، حيث تعبر حدود بلدان العالم النامي تحت أشكال وصور، بل مسمّيات، مختلفة.

على سبيل المثال؛ نقلت السفينة "كيان سي" Khian Sea حوالي 4 آلاف طنّ من «الرماد»، من مدينة فلادليفيا بولاية بنسلفانيا الأمريكية، عام 1987م، إلى هايتي في أمريكا الوسطى على أنه «سماد»، بينما هو «رماد سام» من محارق مدن أمريكية، يحتوي على كميات كبيرة من المواد السامّة، مثل: (الزرنيخ والكادميوم والرصاص والزئبق والديوكسين) وغيرها، وهذه الحمولة الضخمة اختفت بعد زيارة الباخرة لدولٍ فقيرة؛ مثل: هايتي والسنغال والمغرب وسريلانكا(5)!

وشهد العالم ازدياداً مطّرداً في كمية النفايات التي تجتاز الحدود الدولية، ففي الفترة (1982م و1983م) تضاعفت كمية النفايات المنقولة من أوروبا الغربية للتخلّص منها في بلدان أخرى، حيث تراوحت بين (250-425) ألف طن، بنسبة (1-2%) من إجمالي ما يولّد من نفايات خطرة(6).

ونشرت «منظمة السلام الأخضر» دراسةً استقصائية بشأن التجارة الدولية في النفايات، بما في ذلك بيانات بشأن 34 دولة إفريقية، وقدّرت الحجم الكلي لتجارة النفايات بـحوالي 3.5 ملايين طن، تمّ شحنها من البلدان الصناعية إلى البلدان الأقلّ نموّاً، خلال الفترة (1986م إلى 1988م)، انظر: الجدول (2).

جدول (2)

صادرات النفايات الخطرة إلى بعض الدول الإفريقية خلال ثمانينيات القرن العشرين

موقع الدفن

العام

مصدر النفايات

حجم النفايات

(طن)

القيمة المدفوعة (دولار)

سيراليون

1980م

الولايات المتحدة الأمريكية

-

25 مليون

زيمبابوي

1985م

الولايات المتحدة الأمريكية

1500

-

الصومال

1986م

الولايات المتحدة الأمريكية

-

600 مليون

غانا

 

-

8000

12.000

غينيا بيساو

1987م

إيطاليا

15 مليون/ خمس سنوات

600 مليون

الكونغو

1987م

-

1 مليون

4 مليون

غينيا الاستوائية

1987م

المملكة المتحدة

2 مليون

-

نيجيريا

1987م

-

4000

-

نيجيريا

1987م

إيطاليا

8000 برميل

100 لكل شهر

غينيا

1987م

الولايات المتحدة الأمريكية

1 مليون

-

سيراليون

1987م

الولايات المتحدة الأمريكية

625 حقيبة

-

بنين

1987م

فرنسا

-

-

نيجيريا

1988م

إيطاليا

2000

-

Source: Amlak, M.G., African Countries and the Conventions on the Control of Transboundary Movements of Hazardous Wastes, Master Thesis, Institute of Comparative Law, McGili University,Montreal, Quebec, Canada, 1992, pp.23-24.

 

 

وزادت كمية النفايات الخطرة العابرة للحدود زيادةً كبيرة في السنوات الأخيرة، حيث تشير الإحصاءات إلى تنامي حجمها من (2.4 مليون طن) عام 2001م(7)، إلى حوالي (9.0 ملايين طن) عام 2009م(8)، (انظر: الشكل 1).

 

                    شكل (1): اتجاهات حركة النفايات غير القانونية بين إفريقيا وأوراسيا (2015م)

((From: GRID-ARENDAL 2015

 

وأعلنت منظمة «الإنتربول الدولي»، خلال (يونيو 2017م)- فقط- اكتشاف أكثر من 1.5 مليون طنّ من النفايات غير القانونية العابرة للحدود بجميع أنحاء العالم، خلال عملية عالمية قامت بتنسيقها، تستهدف الشحن غير المشروع للنفايات والتخلّص منها، وكانت آسيا وإفريقيا هما الوجهة الرئيسة للنفايات التي يتمّ تصديرها بصورةٍ غير مشروعة من أوروبا وأمريكا الشمالية(9).

وتشير الإحصاءات الإقليمية خلال الفترة (2004-2006م) إلى تصريف 94% من النفايات الخطرة بالأقطار الداخلية لكلّ إقليم؛ في مقابل 6% يتم تصريفها خارج حدود الإقليم، وصلت النسبة في قارة إفريقيا إلى 91%؛ في مقابل 9%(10).

وتصرف الدول المتقدّمة نفاياتها الخطرة- غالباً- إلى مناطق نفوذها الاستعماري القديم.

وترجع الزيادة الكبيرة في حجم التجارة الدولية للنفايات الخطرة إلى دول العالم النامي بشكل عام، وإفريقيا خاصّة، إلى ارتفاع معدلات التصنيع بالعالم المتقدّم، والذي يصاحبه زيادة النفايات، وتقلّص المواقع الآمنة لدفنها، والكلفة العالية للتخلّص منها، والتي تُقدّر بحوالي 3 آلاف دولار للطن بينما تُباع للدول الإفريقية دون معالجةٍ بأقلّ من 5 دولارات للطن(11)! فضلاً عن الشفافية والمحاسبة ودور جماعات الضغط البيئي بالدول المتقدّمة، وفي المقابل الفساد السياسي، وغياب الشفافية، وضعف دور الأجهزة الرقابية، في أغلب الدول الإفريقية.

وشهدت القارة الإفريقية، خلال العقود الأخيرة، صفقات مشبوهة، لنقل المخلفات الخطرة ودفنها بأراضيها، مع عدد من الشركات الغربية، ومن ذلك:

▪ تورط شركات إيطالية وبريطانية وألمانية في تفريغ شحنات نفايات سامّة في نيجيريا، وقد بلغ الأمر بالشركة الإيطالية التي تصدرت للعملية- نيابةً عن الشركات الأخرى- أن زوّرت أوراقاً تموّه حقيقة تلك النفايات التي بلغت حوالي 3000 طن، معبأة في علب صفيح رقيق، وضمنها مواد مسرطنة وأخرى مشعّة، وأفرغت الشركة عبوتها السامّة في إحدى مزارع قرية "كوكو" الساحلية، بعد ترضية مالية متواضعة لصاحب المزرعة، ولم تحاول الشركة حتى مجرد دفن هذه النفايات تحت التربة، بل تركتها عرضةً للأمطار والرطوبة وعبث الأطفال، والمساكن التي لا تبعد إلا عشرات الأمتار! وقد أسهمت الصحف النيجيرية في كشف الفضيحة، فتدخلت الحكومة النيجيرية، وطلبت من الشركة الإيطالية سحب نفاياتها(12).

▪ اتفاق بعض المسؤولين بدولة "غينيا بيساو" مع شركات سويسرية وبريطانية؛ لتصدير (15 ألف طن) أسبوعيّاً من نفايات الولايات المتحدة الأمريكية؛ مقابل (120 مليون دولار) في السنة، وهو ما يعادل الدخل القومي لهذه الدولة(13).

▪ نجحت إحدى الشركات الغربية "سيسكو" في الحصول على «موافقة مكتوبة» من حكومة بنين، وذلك على قيام الشركة بنقل (5 ملايين طن) سنويّاً من النفايات الخطرة إلى دولة بنين؛ مقابل حصول الحكومة على (2,5 دولار فقط) للطن الواحد، في حين تدفع الشركات الأوروبية التي تتولد عنها النفايات (ألف دولار) لشركة "سيسكو" مقابل التخلّص من الطن الواحد. وتشير التقارير إلى أنّ حكومة دولة بنين قامت خلال الفترة (1984-1988م) باستيراد أطنان من النفايات المشعّة من الاتحاد السوفييتي، كما أجرت مفاوضات ثنائية مع الحكومة الفرنسية لاستيراد نفايات مشعّة وخطرة؛ مقابل (1.6 مليون دولار) ومساعدات اقتصادية لمدة 30 سنة، كذلك وقّعت مع شركة أنجلو-أمريكية (Sesco Gibraltar) عقداً بتخزين (50 مليون طن) من النفايات السامّة لعشر سنوات(14)!

▪ قامت سفينة Probo Koala- تستأجرها شركة هولندية- (في 19 أغسطس 2006م) بإفراغ (400 طنّ) من البنزين ومخلّفات تنظيف حاويات النفط في مستودع «اكويدو» للنفايات في «أبيدجان» عاصمة كوت ديفوار، وعشرة مواقع أخرى حول المدينة، إحداها يصل إلى بحيرة، وانطلقت روائح الصوديوم والبنزين المتحلل في أرجاء المدينة، وحاولت السفينة إفراغ حمولتها في «أمستردام» لكن السلطات وصفتها بأنها «سامّة»، ورفعت تكلفة تصريفها (من 20 إلى 900 دولار للمتر المكعب)، فكان الحلّ الأرخص هو التخلّص منها في «أبيدجان»(15).

ج- أصناف النفايات الخطرة وأضرارها البيئية والصحية:

تتنوع النفايات الخطرة في مصادرها وأنواعها بإفريقيا، إلا أنّ أهمّها وأخطرها:

1- النفايات الطبية:

تشمل النفايات الطبية: المخلفات الناقلة للعدوى، والباثولوجية، والأجسام الحادة، ومخلفات المستحضرات الدوائية، والسامّة للجينات، والمشعّة، والمخلفات غير الخطرة أو العامّة.. إلخ.

ووفقاً لبيانات منظمة الصحّة العالمية تبلغ نسبة النفايات الخطرة بمخلفات الرعاية الصحّية: حوالي 15% فقط(16)، تنتج عن: المستشفيات، والمختبرات، ومراكز التشريح، ومختبرات البحوث والفحوصات الحيوانية، وبنوك الدم، ودور رعاية العجزة والمسنين.. وغيرها.

وتشمل مخاطرها الصحّية: الحروق نتيجة التعرض للأشعة، إصابات وخز الأدوات الحادة، التسمّم والتلّوث عن طريق مفعول المستحضرات الدوائية، التسمّم والتلوث عن طريق مياه الصرف، وبعناصر أو مركبات، مثل الزئبق أو الديوكسينات التي تنطلق أثناء حرق المخلفات.

ويتباين معدّل تولّد نفايات الرعاية الصحّية من دولةٍ لأخرى بإفريقيا، فيرتفع نسبيّاً في مصر وإثيوبيا والجزائر (1.03 و1.1 و0.96 كجم/ سرير/ يوميّاً).. على التوالي، بينما ينخفض في الكاميرون والمغرب وموريشيوس إلى (0.55 و0.53 و0.44 كجم/ سرير/ يوميّاً).. على التوالي، وهي معدلات- في مجملها- أقلّ كثيراً من نظيرتها في دول العالم المتقدّم.

وتفتقر معظم البلدان إلى السياسة القانونية لإدارة النفايات الطبية، وإلى مدافن صحّية سليمة، فمثلاً: ليس لدى إريتريا وليسوتو وغانا تشريع لإدارة نفايات الرعاية الصحّية، وفي حين يوجد أكثر من (1000) مرمِّد للنفايات في إفريقيا؛ فإنّ كثيراً منها غير فعّال، أو يعمل دون معايير، ولا تتوفر مدافن صحّية للنفايات بدولٍ مثل: غامبيا، وغانا، وليسوتو، ونيجيريا، والسنغال، وتنزانيا، ولا يوجد في كينيا وزامبيا سوى مواقع للنفايات الخام.

وقد أدى عدم وجود مدافن صحّية إلى زيادة استخدام المحارق، بما تتضمنه من مخلّفات سامّة، وبعضها قد يكون مشعّاً، وعادةً ما تكون تلك المحارق قريبةً جدّاً من التجمعات السكانية، ما يشكّل خطراً صحّياً كبيراً على المجتمع.

وقد أُجريت دراسة عام 2008م عن العلاقة بين «الرماد» الناتج عن محارق بعض المستشفيات الكينية؛ وتلوث المياه الجوفية في محيط حُفَر ردم الرماد غير المبطّنة، كشفت عن ارتفاعٍ كبير- عن الحدود المصرّح بها- في تركيزات عناصر (الكروم والكادميوم والرصاص والفضة والزئبق) بالمياه الجوفية(17).

2- النفايات الإلكترونية:

تمثّل النفايات الإلكترونية إحدى المشكلات التي تواجه العالم، بسبب مخاطرها الناتجة عن تراكمها وتكدّسها وتصريفها بطرقٍ غير سليمة، وتعاني الدول النامية من عدم وجود مرادم مجهّزة لحرقها، كما لا تُوجد مصانع لتدويرها.

وتشمل هذه النفايات: البطاريات والحواسيب والشاشات وأجهزة التليفون والتلفاز.. وغيرها، وتتمثل خطورتها في احتوائها على مواد وعناصر كيميائية- ضارّة أو سامّة- (تقدّر بحوالي 1000 مادة)، منها: (الزئبق وأكسيد الرصاص والكادميوم والبولي فينيل).

وفي إفريقيا؛ بلغت النفايات الإلكترونية المتولدة عام 2014م حوالي (1.9 مليون طن)، وانخفض معدّل تولّدها بالقارة، مقارنةً بالقارات الأخرى، بسبب انخفاض مستوى المعيشة، فبلغ المعدل العام بالقارة (1.7 كجم/ نسمة)(18).

ويتباين حجم النفايات الإلكترونية من دولةٍ لأخرى بإفريقيا، فتتصدرها مصر وجنوب إفريقيا (0.37 و0.35 مليون طن- على التوالي)، ثمّ نيجيريا (0.22 مليون طن)، بينما ارتفعت معدلات التولّد في غينيا الاستوائية (10.8 كجم/ نسمة)، وسيشيل (10.9 كجم/ نسمة)، وموريشيوس (9.3 كجم/ نسمة)(19) ، ساعد على ذلك السياسات الاقتصادية لبعض الدول.

وبالرغم من «حظر» تصدير النفايات الخطرة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلى البلدان غير الأعضاء بالمنظمة، فإنّ آلاف الأطنان من النفايات الإلكترونية تمّ تصديرها من البلدان المتقدّمة إلى البلدان الفقيرة والنامية! بصورةٍ مقنّعة (سلع مستعملة، ومساعدات إنسانية)، بينما الحقيقة هي رغبة الشركات في التخلّص منها بأقلّ التكاليف، فالقوانين الأمريكية والأوروبية تُجبر الشركات على إعادة التدوير؛ ومن ثمّ فإنّ تصديرها لإفريقيا ودول العالم النامي- بصفةٍ عامّة- يصبح أقلّ تكلفةً.

وصدر عام 2011م عن أمانة اتفاقية بازل (SBC)، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، تقريراً بعنوان: (أين توجد النفايات الإلكترونية والمعدات الكهربائية في إفريقيا؟)، ناقش الآثار البيئية والاقتصادية لممارسات إعادة التدوير والتخلّص من المعدات الكهربائية والإلكترونية في خمسة من بلدان غربي إفريقيا: (بنين، كوت ديفوار، غانا، ليبيريا، نيجيريا)، وتمثّلت أهمّ النتائج فيما يأتي(20):

▪ تتولّد سنويّاً كمية كبيرة من النفايات الإلكترونية في الدول الخمس، تبلغ أقصاها في نيجيريا وغانا (1.1 مليون طن، و179 ألف طن/ سنويّاً).. على التوالي.

▪ خلال السنوات القليلة الماضية؛ دخل ما لا يقلّ عن 250 ألف طنّ من النفايات الإلكترونية سنويّاً؛ بصورة غير مشروعة إلى موانئ بلدان غرب إفريقيا.

▪ يتجّه ما يتراوح بين (30% إلى 50%) من النفايات الإلكترونية القادمة من الدول الغربية إلى غربي إفريقيا، حيث يتمّ إصلاح نصفها تقريباً، وإعادة تدوير أو التخلّص من النصف الآخر.

▪ تُعدّ المملكة المتحدة هي المهيمنة على صادرات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المتجهة إلى غربي إفريقيا، تليها فرنسا وألمانيا بفارقٍ كبير.

▪ تُعالج جميع النفايات الإلكترونية تقريباً في هذه الدول بصورةٍ غير رسمية وغير منظّمة، وعلى أراضٍ غير مجهّزة، ويتم التخلّص من المواد الضارة التي تنتج عن التفكيك مباشرة في التربة، بالإضافة إلى حرق الأسلاك والكابلات النحاسية، وأغلفة الشاشات والتلفاز، وغالباً ما تُستخدم رغوة العزل من الثلاجات المفككة، والتي تحوي أساساً مركبات «البولي يوريثان» المحتوية على مركبات الكلورفلوركربون (CFC)، أو إطارات السيارات القديمة، وقوداً رئيساً للحرائق؛ مما يسهم في الأخطار الكيميائية الحادّة والتلوّث طويل الأجل في مواقع الحرق، وانبعاث المواد المستنفدة للأوزون وغازات الدفيئة، بالإضافة للمخاطر الصحّية.

وبالرغم من مسؤولية الشركات العاملة في مجال الإلكترونيات والاتصالات، عن الكمّ الضخم من المخلّفات الإلكترونية الذي تنتجه بالقارة، فإنها لا تمتلك خططاً (حالية أو مستقبلية) للتخلّص الآمن منها بعد انتهاء صلاحيتها.

ويقع بمدينة «أكرا»- في غانا- أكبر مكبّ لتفريغ النفايات الإلكترونية بالعالم، تنبعث منه أعمدةً كثيفة من دخان عمليات الحرق، التي تستهدف استخراج النحاس والألمنيوم، تنطلق معها كميات كبيرة من الديوكسينات السامّة، وبرغم ذلك؛ فإنّ أكثر أعمال الحرق والتدوير يقوم بها الشباب والأطفال(21)!

وكشفت «منظمة السلام الأخضر» وجود مستويات عالية من المعادن الثقيلة في عينات التربة بمناطق التفريغ، وبخاصّة الرصاص، بتركيزات أعلى 100 مرّة من المستويات الطبيعية، ومما يفاقم الأزمة تربية الماشية والماعز والدجاج على النباتات التي تنمو بهذه التربة(22).

ومما يجب لفت الانتباه إليه: الجهل بخطورة تداول هذه المخلفات بين العاملين في هذا المجال، فقد كشفت استبانة أُجريت في السودان: أنّ (72%) من العاملين في مجال الاتصالات غير ملمّين بخطورة النفايات الإلكترونية، وبعضهم (29%) لا يأبه بالأضرار، و (84%) لا يعرفون الجهة المسؤولة عن حماية النّاس منها(23).

3- النفايات النووية والمشعّة:

تلجأ الكثير من الدول الصناعية لدفن النفايات النووية والمشعّة خارج أراضيها، نظراً لآثارها البيئية الخطيرة، وقد مثّلت إفريقيا «وجهة رئيسة» لدفنها بأراضيها أو إغراقها في بحارها(24).

وقد كشفت «منظمة السلام الأخضر»: أنّ الفترة (1987-1998م) شهدت نقل (115) شحنة نفايات سامّة إلى كلٍّ من أمريكا اللاتينية والدول الإفريقية(25).

وتشير دلائل إلى أنّ المياه المحيطة بمنطقة القرن الإفريقي كانت تُستخدم كموقع إغراق منذ اتفاقية لندن (1975م)، كذلك تشير عدة تقارير إلى حوادث من الشحنات الإيطالية للنفايات السامّة أو النووية بالصومال- وغيرها من البلدان الإفريقية- في التسعينيات، ووفقاً للمصدر ذاته (السلام الأخضر، 2010م) كانت هناك (94) محاولة- أو حالة فعلية- من صادرات النفايات الخطرة إلى إفريقيا بين (1994م و1998م)، شملت أكثر من (10 ملايين طنّ) من المخلفات، ضمنها مواد مشعّة.

ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة ومجلس الأمن؛ فإنّ هناك مطالبات بالتحقيق في نفايات سامّة يجري إغراقها في المياه قبالة الصومال في السنوات الأخيرة، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى: أنه بعد كارثة تسونامي اليابان 2004م؛ توجد عشرات من حاويات النفايات الخطرة تمّ غسلها على شواطئ الصومال دون أي أثر للمكان الذي انتهت إليه، ونتيجةً لذلك؛ عانى السكان مشكلات صحّية خطيرة، مثل التهابات الجهاز التنفسي الحادة، والنزيف، والأمراض الجلدية غير العادية، والوفيات المفاجئة.. بالإضافة إلى شكوى الصيادين من نضوب الأرصدة السمكية، والذي يعود- غالباً- إلى النفايات السامّة.

4- المبيدات الخطرة:

تتعرّض أغلب الدول النامية لأخطار صحّية وبيئية بسبب مبيدات الآفات التي تُصَدّر إليها؛ نظراً لافتقارها إلى آليات تنظيمية لتقييم أخطارها بدقّة، والتأكد من أنّها تُستخدم طبقاً للتعليمات، كما لا توجد- في كثيرٍ من هذ الدول- مرافق للتخلّص الآمن من المبيدات الخطرة المزيفة Counterfeit Pesticides.

وتشهد القارة الإفريقية زيادةً كبيرة في وارداتها من المبيدات خلال السنوات الأخيرة، من (1.28 مليون طنّ) عام 2008م؛ إلى (2.12 مليون طنّ) عام 2012م، بنسبة (39.6%)(26).

 وتشير التقارير إلى أنّ قرابة (15-20%) من أسواق المبيدات بالقارة غير قانونية، تعتمد على الواردات الموازية والمواد الكيميائية غير المشروعة، وقد عُثر على مضبوطات من مبيدات الآفات غير المشروعة في 15 بلداً على الأقل. ومما يفاقم الأزمة أنّ (40% فقط) من البلدان الإفريقية لديها مرافق لمراقبة جودة مبيدات الآفات (منظمة الصحّة العالمية، 2011م)، بالإضافة إلى انخفاض أسعارها، وعدم اتباع تدابير الحماية اللازمة(27).

ومن الممكن أن يستمر وجود عدد من مبيدات الآفات القديمة زهيدة الثمن (غير الحائزة على براءة اختراع) لسنوات في التربة والمياه، مثل (D.D.T) والليندين، وقد حظرت هذه المواد البلدان الموقّعة على اتفاقية ستوكهولم 2001م.

وتشير التقارير إلى: تراكم أكثر من (50 ألف طنّ) من المبيدات منتهية الصلاحية في أراضي القارة، بما لذلك من تداعياتٍ خطيرة على التربة الزراعية والصحّة(28)، فمثلاً: صدّرت شركة فيلسيكول الكيماوية (عام 1975م) مبيداً مهيّجاً للأعصاب إلى ثلاثين دولة، وقد تمّ توجيه أكثر من نصف صادراتها منه إلى مصر، فنتج عن استخدامه وفاة العديد من المزارعين، وإصابة آخرين بتشنّجات خطيرة، وبالرغم من ذلك استمرت الشركة في التصدير(29)!

كذلك توفي 15 مزارعاً- أواخر 2010م- في غانا نتيجةً التسمّم الناشئ عن مبيدات الآفات، وقد حدثت معظم الوفيات بسبب سوء تخزين المبيدات؛ حيث تسربت إلى مخزونات غذائية(30).

5- الألغام والمواد القابلة للانفجار:

تُعدّ إفريقيا من أكثر القارات الملغومة، وقد انتشرت الألغام فيها نتيجة الحروب والصّراعات الدولية والمحلية، بالإضافة إلى انتشار الجماعات المتمردة في بعض أقطارها، خصوصاً مع ما تتميز به الألغام من سهولة التصنيع ورخص التكلفة.

 وبحلول مطلع القرن الحالي؛ بلغ إجمالي الألغام بالقارة الإفريقية حوالي (44.9 مليون لَغَم)، وأكثر الدول تلوثاً بالألغام: مصر وأنجولا وموزمبيق، ثم السودان والصومال وإريتريا وإثيوبيا ورواندا وتشاد وناميبيا وليبيريا.

وامتدّ الحيّز المكاني لحوادث الألغام بالقارة في 2012م ليشمل 18 دولة إفريقية، بلغ عدد ضحاياها (3628 ضحية)، تراوحت بين قتل (1066 حالة)، وإصابة (2552 حالة)، بالإضافة إلى (10 حالات) مجهولة، بمعدل (10 ضحايا/ يوميّاً)(31).

وبالإضافة إلى الخسائر البشرية؛ فإنها تؤدّي إلى فقدان التنوع الحيوي في المناطق المتأثرة بها، وإعاقة الوصول إلى الأرض، وعدم القدرة على استغلال مواردها، أو تدهور إنتاجيتها نتيجةً التلوث بالعناصر الثقيلة في مواضع زرع الألغام، والمناطق المحيطة.

ثالثاً: حماية إفريقيا من النفايات الخطرة:

نصّ الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي تمّ توقيعه من قبل مجلس الرؤساء الأفارقة بكينيا 1981م، في (مادة 21:3) على: أن تمارس الدول الإفريقية حريتها في ثرواتها ومواردها الطبيعية؛ دونَ مساس بالالتزام بالبيئة والتعاون الاقتصادي الدولي القائم على الاحترام المتبادل والمنصف؛ وفقاً لمبادئ القانون الدولي.

ويدخل في حماية الثّروات: درء مخاطر النفايات على اختلاف أنواعها؛ وذلك لما لها من تأثيرٍ مدمّر على هذه الثّروات والموارد؛ يحرم الدول والشعوب من الاستفادة منها، بالإضافة إلى تأثيراتها الصحّية.

أ- الاتفاقيات الدولية:

1) اتفاقية بازل (1989م):

اعتُمدت الاتفاقية في 22 مارس 1989م، ودخلت حيز التنفيذ في 5 مايو 1992م، ووقّعت 105 دولة والمجموعة الاقتصادية الأوروبية على الوثيقة الختامية لمؤتمر بازل، وقد صدّق على الاتفاقية 49 دولةً إفريقية، أقدمها نيجيريا (1991م)، وأحدثها أنجولا (2017م).

ووفقاً للاتفاقية: ينبغي أن يتم التخلّص من النفايات الخطرة والنفايات الأخرى في البلد الذي تولّدت فيه، طالما كانت متوافقة مع الإدارة السليمة بيئيّاً، ولا يُسمح بحركات هذه النفايات عبر الحدود إلا وفقاً لعدة شروط، تنطبق على الدول الأطراف في اتفاقية بازل فقط، ومنها:

- تخضع أي حركة عبر الحدود للنفايات الخطرة والنفايات الأخرى؛ لإخطارٍ مسبق مكتوب من البلد المصدّر، وكذا موافقة مسبقة مكتوبة من البلد المستورد وبلدان العبور.

- يجب تغليف النفايات، ووضع علامات عليها، ونقلها عبر الحدود بطريقة تتفق مع القواعد والمعايير الدولية.

- في حال عدم التمكن من إتمام نقلها عبر الحدود؛ فإنّ بلد التصدير سيضمن عودة النفايات إلى بلد التصدير للتخلّص منها... وفي حالة الاتجار غير المشروع يضمن بلد التصدير عودة النفايات إلى بلد التصدير للتخلّص منها...

- غير مسموح بأي نقل عبر الحدود للنفايات الخطرة والنفايات الأخرى: بين بلد طرف في اتفاقية بازل وبلد ليس طرفاً بالاتفاقية؛ إلا في حال وجود ترتيبات ثنائية... وفقاً للمادة (11) لاتفاقية بازل.

2) اتفاقية باماكو (1991م):

لاحظت منظمة الوحدة الإفريقية التزايد "المفرط" في عدد العقود المبرمة، بين الحكومات الإفريقية والشركات الأجنبية، بشأن دفن النفايات الخطرة داخل حدودها الإقليمية؛ وما يترتّب على ذلك من أخطار جسيمة على البيئة وصحّة الشعوب الإفريقية.

وبعد فشل اتفاقية بازل (1989م) في الحدّ من ذلك- لتمسُّك الدول المتقدّمة بعدم وضع قيود صارمة على تجارة المخلفات الخطرة عبر الحدود، وعدم حثّها على خفض إنتاجها- كان لزاماً تطوير بعض الاتفاقيات الإقليمية والجار إقليمية، يكون لها نفس الطبيعة لإكمال اتفاقية بازل.

ومن ثمّ؛ أُبرمت «اتفاقية باماكو» الخاصّة بحظر استيراد النفايات الخطرة إلى إفريقيا، والتحكم في حركتها عبر الحدود، وإدارتها داخل القارة، وتمّ التفاوض على الاتفاقية في باماكو (مالي) في يناير 1991م، ودخلت حيز التنفيذ في 1998م، وشمل توقيع الاتفاقية 35 دولة إفريقيّة، ودخلت حيز التطبيق في 25 دولة إفريقيّة.

وتستخدم «اتفاقية باماكو» شكلاً ولغةً مماثلة لتلك التي استُخدمت في «اتفاقية بازل»، ولكنها منحت المفهوم معنى واسعاً؛ بخلاف «اتفاقية بازل»، كذلك كانت أكثر تشديداً في حظر واردات النفايات الخطرة، كما تخلو من الاستثناءات الواردة في اتفاقية بازل بشأن «المواد المشعّة».

وبالرغم من هذه الاتفاقيات وغيرها (كاتفاقية لندن 1975م الخاصّة بالإغراق في البحر، واتفاقية روتردام 1998م المتعلقة بتصدير المواد الكيماوية، واتفاقية ستوكهولم 2001م الخاصّة بالملوّثات العضوية الدائمة)؛ فما زال مسلسل التخلّص غير المشروع من المخلفات الخطرة بأراضي القارة الإفريقية قائماً!

ب- الإدارة البيئية للنفايات الخطرة ومعوقاتها في إفريقيا:

تتمثل أهمّ مبادئ الإدارة الآمنة للنفايات الخطرة، التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في إعداد التشريعات الوطنية، فيما يأتي(31):

- مبدأ الملوِّث يدفع Polluter Pays: تُحدّد من خلاله المسؤولية القانونية على الطرف الذي يتسبّب في الضّرر.

- المبدأ الوقائي Precautionary: وهو مبدأ أساسي لحماية الصحّة والسلامة.

- مبدأ واجب العناية Duty of care: وذلك لمن يتعامل أو يدير مواد خطرة.

- مبدأ القرب Proximity: يوصي بمعالجة النفايات، أو التخلّص منها، في أقرب موقع ممكن من مصدر تولّدها.

وتتلخص أهمّ معوقات الإدارة المحلية للنفايات الخطرة بدول القارة فيما يأتي:

- اتساع الفجوة بين سياسة إدارة النفايات وتشريعاتها؛ والإدارة الفعلية للنفايات، وذلك بسبب الافتقار إلى مرافق إدارة النفايات، والتخلُّف التكنولوجي، في أغلب أقطار القارة، وافتقارها إلى لوائح وسياسات؛ تحدّد كيفية إدارة النفايات، وتحدد المسؤوليات.

- غياب الشفافية، وانتشار الفساد في معظم البلدان الإفريقية.

- الحاجة إلى التمويل، والمعرفة التقنية للتعامل مع جمع النفايات والتخلّص السريع منها.

- غياب القطاع الخاص، فبالرغم من إمكاناته، ورغبته في المشاركة في عملية إدارة النفايات، فإنه لا تزال هناك قوانين داخلية- في بعض البلدان- تمنعه من ذلك.

التوصيات:

• رفع مستوى الوعي بمخاطر النفايات الخطرة، واتباع خيارات الإدارة الآمنة والصديقة للبيئة؛  من أجل حماية السكان من المخاطر عند جمع ومعالجة وتخزين ونقل النفايات أو التخلص منها.

• إصلاح النظام الدولي، ومنع ازدواجية المعايير، والتعامل مع بلدان العالم الثالث بنظرة المساواة.

• ضرورة التكاتف الإقليمي بين الدول الإفريقية ومؤسسات الاتحاد الإفريقي؛ لحماية الأراضي الإفريقية.

• التنسيق بين المنظمات والهيئات العالمية والإقليمية والوطنية؛ لمطاردة المسؤولين والشركات المتورطة في جريمة نقل النفايات إلى الدول الإفريقية.

• إصلاح النظام السياسي الإفريقي؛ للقضاء على الثغرات التي تستغلها مافيا النفايات في إدخال المخلفات الخطرة ودفنها بأراضي القارة.

• تفعيل بنود الاتفاقيات الدولية، وسنّ تشريعات وطنية ملزمة لإدارة النفايات الخطرة بدول القارة.

• تحسين مرافق البُنى التحتية وتطويرها؛ للحدّ من التأثيرات السلبية للنفايات الخطرة.

• تأهيل الأجهزة الرقابية، وتوفير الكوادر البشرية، والتجهيزات الفنية، للكشف عن النفايات الخطرة وتأثيراتها البيئية والصحّية.

• ضرورة إقامة ودعم مشروعات إعادة التدوير، وتوفير المعدات الآمنة لها، وإدماج هذه المشروعات في الاقتصاد الرسمي لبلدان القارة.

 

الهوامش والاحالات  :

(*) مدرس بكلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر.

(1) أيمن سليمان مزاهرة وعلي فالح الشوابكة: البيئة والمجتمع، عمان، دار الشروق، 2010م، ص232.

(2) اتفاقية بازل & برنامج الأمم المتحدة للبيئة، اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، مرفق (1) ، ص (38-40) ، متاح على: (http://www.basel.int) .

 من هذه المواد: الكربونات المعدنية، والعناصر الآتية ومركباتها: البريليوم، الزرنيخ، التلوريوم، الزئبق، الثاليوم، الرصاص، السيلنيوم، الكادميوم، الأنتيمون.. ومركبات الفلور غير العضوية- فيما عدا فلوريد الكالسيوم-، ومركبات الكروم السداسية التكافؤ، ومركبات النحاس والزنك، ومركبات السيانيد غير العضوية، المحاليل العضوية أو الأحماض في الحالة الصلبة، الأسبستوس.

(3)  The World Bank, What Waste-A Global Review of Solid Waste Management, March 2012, No. 15, pp.8-9.

(4) Op.Cit, p.21.

(5) الطاهر ثابت: رحلة الباخرة كيان سي، فبراير 2016م، متاح على:

(http//www.medicalwaste.org) .

(6) عادل رفقي عوض: التلوث الصناعي (النفايات السائلة) ، دار الشروق، عمان، ط1-1996م، ص (37-38) .

(7) European Environment Agency, Movements of waste across the EU's internal and external borders, EEA Report ,No 7, 2012, p.18.

(8) اتفاقية بازل & برنامج الأمم المتحدة للبيئة، نشرة عن الاتجار غير المشروع في إطار اتفاقية بازل، ديسمبر 2010م، ص1.

(9) https://www.interpol.int/News-and-media/News/2017/N2017-100.

(10) Secretariat of the Basel Convention, Global trends in Generation and Transboundary Movements of Hazardous Wastes and other Wastes, 2010,p.17.

تقدّر إحدى الدراسات تكلفة التخلّص من النفايات الخطرة، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بما يتراوح بين (500 مليار إلى تريليون دولار)  خلال السنوات الخمسين القادمة.

(11) زيد المال صافية: حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة، على ضوء أحكام القانون الدولي، رسالة دكتوراه، جامعة مولود معمري- تيزي وزو، كلية الحقوق والعلوم السياسة، 2013م، ص287.

(12) سمير رضوان: "النفايات السامّة والصفقات المشبوهة، في: دمار البيئة.. دمار الإنسان"، كتاب العربي، ط1، 2002م، ص159.

(13) محمد زكي عويس: أسلحة الدمار الشامل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003م، ص155.

(14) مروان عبد القادر أحمد: الطاقة المتجددة، الجنادرية للنشر والتوزيع، عمان، ط1-2016م، ص29.

(15) UNEP, Waste Crime – Waste Risks: Gaps in Meeting the Global Waste Challenge, 2015, p.29.

(16) http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs253/en.

الديوكسينات: مواد كيميائية ثانوية غير مرغوبة خطرة، تؤدي إلى إصابات جلدية، واضطراب في وظائف الكبد والجهاز المناعي، والإصابة بالسرطان خلال الأجل الطويل.

(17) WHO Regional Office for Africa ,Public Health and Environment in the African Region,, 2014, p.47.

(18) United Nations University, The Global E-waste Monitor - Quantities, flows and resources, 2014, p.24.

(19) United Nations University, The Global E-waste Monitor - Quantities, flows and resources, 2014, p.38.

(20) Secretariat of the Basel Convention &UNEP, Where are WEee in Africa? Findings from the Basel Convention E-waste Africa Programme, December 2011.

يؤدي حرق الغلاف البلاستيكي للأسلاك- بعد إزالة النحاس- إلى إطلاق كلوريد البوليفينيل ومثبطات اللهب المحتوية على البروم، ما يعرّض العمّال لخطر الإصابة بأمراض جلدية وتنفسية، والتهابات العين، والسرطان.

(21) UNEP, Environmental pollution and impacts on public health, 2007.

(22) http://www.scidev.net/global/digital-divide/multimedia/electronic-waste-dump-supplies-ghana.htm.

(23) محمد عبدالله شريف: التصدي لتحديات النفايات الإلكترونية في إفريقيا.. السودان نموذجاً، فبراير 2016م، متاح على: (http://www.sudanile.com) .

(24) تعد اتفاقية لندن (1975م)  من الوثائق الأولى التي تحدّ من سيادة الدول فيما يتعلق بإغراق النفايات في البحار. وجدير بالذكر في هذا الصدد القرار (CM/RES1153(XL V111) ) ؛ بشأن إغراق النفايات النووية والصناعية في إفريقيا، وقد أقرته منظمة الوحدة الإفريقية في مايو 1988م.

(25) مسعد عبدالرحمن زيدان: المسؤولية الدولية عن نقل النفايات الخطرة إلى الدول النامية، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، المجلد 30، العدد 59، الرياض، 2014م، ص (82-83) .

(26) United Nations Interregional Crime and Justice Research Institute (UNICRI) , Illicit pesticides, organized crime and supply chain integrity, 2016, p.38.

(27) Op.Cit, pp.38-39.

(28) United Nations Economic Commission for Africa, Africa Review Report on Chemicals, 2009, p.13.

(29) السيد أحمد عبد الخالق: السياسات البيئية والتجارة الدولية- دراسة تحليلية للتأثير المتبادل بين السياسات البيئية والتجارة الدولية، 1994م، ص37.

(30) Northern Presbyterian Agricultural Services and Partners Ghana’s Pesticide Crisis -The need for further Government action, 2012, p.12.

(31) International Campaign to Ban Landmines, Landmine Monitor Report, 2013, p.37.

(32) خالد محمد العنانزه، مرجع سبق ذكره، ص ص (86-87) .

 

 

كتاب الموقع