أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية.. الدوافع والمسارات

يمكن القول بأن المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية، بوصفها حركة تحرّر وطني، قد اتّسمت منذ استقلال غانا عام 1957م بالتعقّد والتغيّر وعدم التجانس، وهو الأمر الذي يدفع إلى إثارة أكثر من سؤال واحد حول الدوافع والأسباب التي تفسّر لنا موقف الأفارقة  إزاء الكيان الصهيوني منذ نشأته؛ بوصفه كياناً مصطنعاً في قلب الأمة العربية عام 1948م.

ولعل ذلك يطرح أيضاً أهمية الإشارة إلى متغيّرات ثلاثة تساعدنا على الفهم والتحليل:

 أولها: أن فرض الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط أدّى إلى خلق نظام إقليمي صراعي، حيث أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربية الإسرائيلية، يعني ذلك أن تحرّك إسرائيل في تفاعلاتها الخارجية، وخصوصاً مع القارة الإفريقية، جعلها ترتبط بهذه الوضعية التي أخرجت علاقاتها مع دول المنطقة عن مصافّ العلاقات الطبيعية بين الدول.

وثانيها: ارتباط العلاقات الإسرائيلية الإفريقية وتأثرها بالعلاقات العربية الإفريقية، وهو ما أدى إلى النظر إلى القارة الإفريقية بوصفها ساحة للتنافس والصراع بين إسرائيل والدول العربية.

وثالثها: ارتباط كلٍّ من إسرائيل والعرب والأفارقة بمتغيّرات النظام العالمي، حيث تأثرت العلاقات بين هذه المجموعات بإرادة النظام العالمي وتوجهاته، سواء القديم أو الجديد، وربما يكون التغيّر الهيكلي الذي شهده النظام العالمي منذ بداية أعوام التسعينيات، وأودى بحياة الحرب الباردة في غير مصلحة العرب والأفارقة، هو ما أفاد يقيناً الدولة الصهيونية التي راحت تُعيد ترتيب أولويات تحركاتها الخارجية بما يحقق لها الهيمنة الإقليمية، وأحلامها التوراتية في بناء دولة إسرائيل الكبرى.

وتحاول هذه الدراسة الموجزة بلورة بعض القضايا والمتغيّرات التي تساعدنا على فهم التحوّلات والتبدلات في المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية من جهة أولى، وتتبع مسارات هذه المواقف من جهة ثانية، وذلك على النحو الآتي:

 

أولاً: المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية.. محاولة للفهم:

من الملاحظ أن مواقف الدول الإفريقية، ولا سيما غير العربية، من القضية الفلسطينية، قد شهدت تحوّلات فارقة خلال الأعوام الخمسين الماضية، وربما تُعزى تلك التحوّلات إلى تغيّر الاهتمامات وترتيب الأولويات الإفريقية، فضلاً عن تطوّر ديناميات النظام العالمي، فالدول الإفريقية خلال عقد الستينيات أقامت علاقات دبلوماسية ودخلت في إطار منظومة تعاون هادفة مع إسرائيل، وهو الوضع الذي سرعان ما شهد نهاية حاسمة له بعد حرب أكتوبر 1973م، وقيام الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وقد حاولت الدبلوماسية الإسرائيلية إعادة وصل ما انقطع مع إفريقيا خلال فترة الثمانينيات، وقد تحقّق لها ما أرادت بعد توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993م.

ولفهم هذه التحوّلات في المواقف الإفريقية يمكن الاشارة إلى العوامل الآتية:

1- تحوّلات الصراع العربي الإسرائيلي:

لا شك أن حرب عام 1967م مثّلت تطوّراً مهماً في المواقف الإفريقية إزاء طبيعة الدولة الإسرائيلية، حيث نظر الأفارقة إلى إسرائيل بوصفها قوة احتلال تحتل أراضي دولة إفريقية، صحيح أن موقف منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن حاسماً بدرجة كافية، ولكنّه أكد تأييد قرار الأمم المتحدة 242 القاضي بعدم شرعية احتلال إسرائيل للأراضي العربية.

وكانت غينيا بقيادة الرئيس أحمد سيكوتوري هي الدولة الإفريقية الوحيدة التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد عدوان 1967م مباشرة، بيد أنه مع تصاعد الدعم العربي لحركات التحرّر الوطني في الجنوب الإفريقي، وخيبة أمل القادة الأفارقة من الدول الغربية لعدم مساعدتها في تنفيذ الخطة الإفريقية الرامية إلى عزل جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا، فإن الانتقاد الإفريقي للعدوان الإسرائيلي ازدادت حدّته حتى وصل الأمر، قبل نشوب حرب أكتوبر 1973م، إلى حدّ قطع العلاقات الدبلوماسية، ففي عام 1972م قامت أوغندة بقطع علاقاتها مع إسرائيل، ثم تبعتها سبع دول أخرى، هي تشاد ومالي والنيجر والكونغو برازافيل وبوروندي وزائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) وتوجو(1) .

وإذا كانت حروب الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل قد أحدثت مزيداً من التعقيدات في مركب العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، فكذلك فعلت مبادرات التسوية السلمية في المنطقة، ففي أعقاب قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس عام 1977م، وتوقيعه على اتفاقات كامب ديفيد عام 1979م، بُذلت محاولات عربية دؤوبة لعزل مصر إفريقيًّا، بيد أنها لم تنجح مطلقاً (2)، ففي القمة الإفريقية التي عُقدت في ليبيريا عام 1979م قامت ست دول عربية أعضاء في المنظمة، من بينها المغرب والجزائر وليبيا، بمقاطعة القمة احتجاجاً على وجود السادات.

وقد عملت إسرائيل حثيثاً على إعادة روابطها الإفريقية، وهو ما اتضح جلياً في عودة علاقاتها مع زائير (الكونغو الديمقراطية) في 14 مايو 1982م.

إن تحليل الموقف الإفريقي بعد كامب ديفيد يُفصح بأن الأساس الذي بمقتضاه اتخذت الدول الإفريقية  قرار المقاطعة لإسرائيل قد انهار بعد تبادل السفراء بين كلٍّ من القاهرة وتل أبيب، وطبقاً لأحد الكتّاب الأفارقة فإن «مصر، وهي عضو في منظمة الوحدة الإفريقية، هي التي قادت إفريقيا لمقاطعة إسرائيل، أما الآن؛ فقد تبادلت كلٌّ من مصر وإسرائيل السفراء، وما زلنا نحن الذين ذهبنا لمواساة مصر على فقدانها سيناء غير قادرين على العودة من هذه الجنازة إلى بيوتنا»(3).

أيّاً كان الأمر؛ فان الإدراك الإفريقي لإسرائيل، بوصفها دولة صغيرة محدودة الموارد محاطة بأعداء من كلّ جانب، ومع ذلك استطاعت بناء نموذج تنموي يمكن أن يُحتذى، قد تغيّر بعد احتلالها الأراضي العربية في عدوان 1967م، بيد أن هذا الإدراك قد تغيّر مرة أخرى مع بدء مسيرة التسوية السلميّة، وكان ذلك مرة أخرى لمصلحة إسرائيل.

2- القوة التصويتية لإفريقيا في الأمم المتحدة والاستقطاب الدولي:

إن الأهمية الإفريقية في الأمم المتحدة من حيث قدرتها العددية لم تكن خافية على إسرائيل منذ البداية، فرئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون أكّد أن «الدول الإفريقية ليست غنية، ولكن أصواتها في المحافل والمؤسسات الدولية تعادل في القيمة تلك الخاصة بأمم أكثر قوة» (4) .

وكان هذا الإدراك الإسرائيلي يأتي دوماً في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي، وإمكانية الاستفادة من الدور الإفريقي في هذا المجال، وليس أدل على هذه الأهمية من أنه عندما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف يونيو 1967م في جلسة خاصة، بناء على طلب الاتحاد السوفييتي، تأثر الموقف الإفريقي بدور الأطراف الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، حيث حاول كلٌّ منهما ممارسة الضغوط لتمرير القرار الذي يتبنّاه، فقد طُرح مشروع قرار باسم «مجموعة عدم الانحياز»، قدّمته يوغوسلافيا، ونُظر إليه بأنه موال للعرب، كما طُرح مشروع قرار آخر باسم «مجموعة دول أمريكا اللاتينية»، ونُظر إليه بوصفه موالياً لإسرائيل.

وبتحليل السلوك التصويتي للمجموعة الإفريقية؛ يمكن التمييز بين أربع مجموعات فرعية متباينة (حسب الجدول رقم 1):

ففي المجموعة الأولى: صوّتت ثماني دول إفريقية لتأييد قرار أمريكا اللاتينية، وهو ما يعني تأييداً للموقف الإسرائيلي، وقد ضمّت هذه المجموعة دولاً متعاطفة مع إسرائيل، مثل ليبيريا وجامبيا وتوجو، بالإضافة إلى غانا التي جاء تصويتها ضمن هذه المجموعة بوصفه نوعاً من الانتقام ضد مصر التي ساندت الرئيس نكروما، والذي أُطيح به في انقلاب عسكري عام 1966م. 

أما المجموعة الثانية: والتي ضمّت 12 دولة إفريقية، فإنها أيّدت بشكل غير حاسم قرار أمريكا اللاتينية، فهي إمّا دول صوّتت لتأييد القرار الأمريكي اللاتيني وامتنعت عن التصويت على القرار اليوغوسلافي، وإمّا دول صوّتت لتأييد القرارين معاً، وإمّا دول امتنعت عن التصويت عليهما معاً.

وتضم المجموعة الثالثة دولتين فقط، هما نيجيريا والجابون: حيث أيدتا بشكل غير حاسم القرار اليوغوسلافي.

ويُلاحظ أن هذه المواقف المائعة لا علاقة لها البتة بطبيعة القرارين؛ بقدر ارتباطها بمواقف ومتغيّرات خارجية خاصة بالعلاقات مع أطراف النزاع (5).

وتضم المجموعة الرابعة دولاً مساندة للموقف العربي ومعادية لإسرائيل: مثل موريتانيا والصومال، وبعض الدول التي انتهجت سياسات راديكالية، مثل مالي وغينيا، كما أن بعضها الآخر اتّسم بوجود أغلبية إسلامية ترتبط بعلاقات وثيقة مع العالم العربي.

وعليه؛ إذا أخذنا بعين الاعتبار الدول التي ساندت الموقف الإسرائيلي، سواء بشكل حاسم أو غير حاسم، لوجدنا أنها تصل إلى عشرين دولة، بيد أن هذا التوجه تغيّر تماماً عند مناقشة قرار الأمم المتحدة الذي يرى الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، حيث صوّت لتأييد القرار عشرون دولة إفريقية من غير الأعضاء في جامعة الدول العربية (باستثناء الصومال وموريتانيا)، كما عارض القرار خمس دول فقط، بينما امتنعت عن التصويت اثنتا عشرة دولة (6) .

وليس بخاف أن هذين المثالين يعكسان بجلاء الدور الإفريقي في الأمم المتحدة، وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء هذا القرار عام 1991م.

 

جدول رقم (1)

السلوك التصويتي للمجموعة الإفريقية جنوب الصحراء تجاه قرار الأمم المتحدة بشأن العدوان الإسرائيلي عام 1967م (7)

المجموعة الأولى: دول صوّتت بـ (نعم) لتأييد قرار أمريكا اللاتينية، و بـ (لا) للقرار اليوغوسلافي (الإجمالي 8):

بوتسوانا

جامبيا

غانا

ليسوتو

ليبيريا

ملاجاشي

مالاوي

توجو

المجموعة الثانية: دول أيدت قرار أمريكا اللاتينية ولكن بصورة غير حاسمة (الإجمالي 12):

دول صوتت لتأييد قرار أمريكا اللاتينية وامتنعت عن التصويت للقرار اليوغوسلافي:

دول صوّتت لتأييد القرارين معاً

إفريقيا الوسطى

تشاد

بنين

إثيوبيا

كوت ديفوار

سيراليون

بوركينافاسو

رواندا

الكونغو كينشاسا

الكاميرون

كينيا

النيجر

المجموعة الثالثة: أيّدت القرار اليوغوسلافي، ولكن بصورة غير حاسمة، صوّتت لتأييد القرار اليوغوسلافي وامتنعت عن التصويت لقرار أمريكا اللاتينية (دولتان فقط): نيجيريا الجابون.

المجموعة الرابعة: صوّتت لتاييد القرار اليوغوسلافي وضد قرار أمريكا اللاتينية (الإجمالي 10 دول): بوروندي - السنغال - الصومال - أوغندة - زامبيا - الكونغو برازافيل - غينيا – مالي - موريتانيا - تنزانيا.

     
 

 

 

جدول رقم (2)

التصويت الإفريقي على قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية 1975م (8)

 

تأييد (20)

معارضة (5)

امتناع (12)

بوروندي

إفريقيا الوسطى

بوتسوانا

الكاميرون

كوت ديفوار

الجابون

كيب فرد

ليبيريا

غانا

تشاد

مالاوي

كينيا

الكونغو

سوازيلاند

ليسوتو

بنين

 

موريشيوس

غينيا الاستوائية

 

سيراليون

غامبيا

 

توجو

غينيا

 

بوركينا فاسو

غينيا بيساو

 

زائير

مدغشقر

 

زامبيا

مالي

 

إثيوبيا

موزمبيق

 

 

النيجر

 

 

نيجيريا

 

 

رواندا

 

 

ساوتومي

 

 

السنغال

 

 

تنزانيا

 

 

أوغندة

 

 

 

 

3- الجاليات اليهودية في إفريقيا:

من المعلوم أن إفريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير (9) ، ففي شمال إفريقيا جماعات من اليهود السيفارديم الذين قدموا بالأساس من إسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أضف إلى ذلك قدوم جماعات من اليهود الإشكيناز من شمال أوروبا وشرقها إلى إفريقيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وإذا كان حجم هذه الجاليات، خارج جمهورية جنوب إفريقيا، هو جدّ متواضع؛ إلا أن وضعها الاقتصادي في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، مثل كينيا، يتّسم بالقوة والتأثير.

ويمكن القول أن يهود الفلاشا الإثيوبيين يمثّلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم؛ على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثّلون القبيلة المفقودة في التاريخ الإسرائيلي، وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى إسرائيل جواّ عبر السودان فيما عُرف باسم «العملية موسى»، والتي بدأت في عام 1983م، ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة من نوفمبر 1984م وفي مارس 1985م  (10)، وبالمقابل؛ فإن الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا تعدّ واحدة من أغنى الجاليات اليهودية في العالم.

وطبقاً لأحد التقديرات؛ فإن مساهمة يهود جنوب إفريقيا في خزانة الدولة العبرية تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة، بيد أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم كلٍّ من الجاليتين نلاحظ أن تبرعات يهود جنوب إفريقيا، نسبةً إلى كلّ شخص، تفوق في بعض السنوات تبرعات اليهود الأمريكيين.

ولعل القضية المثيرة للاهتمام عند دراسة أوضاع الجالية اليهودية السوداء في إسرائيل تتصل بمفهوم الهوية اليهودية السوداء، ونظرهم إلى إسرائيل بوصفها جزءاً من التراب الإفريقي، إذ كان يقطنها في الأصل شعوب إفريقية داكنة البشرة(11).

وأيّاً كان الأمر؛ فإنه لا يمكن التقليل من أهمية متغيّر الجاليات اليهودية في تخطيط العلاقات الإسرائيلية الإفريقية وتوجيهها؛ إذ لا يخفى أن نحو 20% من إجمالي المهاجرين اليهود إلى إسرائيل خلال الفترة من (1948م إلى 1995م) هم من إفريقيا (12) .

ويمكن القول - إجمالاً - بأنه بالرغم من عدم وجود جاليات يهودية كبيرة في إفريقيا؛ فإن بعض الجاليات اليهودية الصغيرة والأفراد قد مارسوا دوراً مهماً في تقوية الروابط الإسرائيلية الإفريقية، ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى حالة «إسرائيل سومان»، رجل الأعمال الكيني الذي شغل منصب عمدة نيروبي، حيث قام بتقديم قادة إسرائيل إلى زعماء كلٍّ من كينيا وأوغندة، حتى قبل حصول كينيا على استقلالها (13).

4- طبيعة الدولة والنظام الحاكم في إفريقيا:

ارتبطت المواقف الإفريقية من إسرائيل والقضية الفلسطينية ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الدول والنُّظم السائدة فيها، فالنُّظم الراديكالية التي تبنّت صيغة إفريقية للماركسية، مثل أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو، لم يكن لديها روابط بالدولة العبرية على الإطلاق قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، كما أن الدول الإفريقية ذات الطبيعية الراديكالية في نظام الحكم، مثل مدغشقر والكونغو برازفيل وبينين، قد واصلت مقاطعتها لإسرائيل في أعقاب قطع الروابط الدبلوماسية بعد حرب أكتوبر 1973م.

ومن جهة أخرى؛ فإن عدداً من الدول الإفريقية التي اعتبرت نفسها نموذجاً للاشتراكية الإفريقية، مثل غانا ومالي وغينيا وتنزانيا، قد حافظت على علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل حتى عام 1967م، فقد نظرت هذه الدول إلى إسرائيل بوصفها رائدة في مجال التنمية الاشتراكية.  

أما الدول ذات النُّظم المحافظة؛ فقد كانت هي الأخرى ميداناً خصباً للتأثير الإسرائيلي؛ مثلما حدث مع كينيا ومالاوي وكوت ديفوار.

أضف إلى ما سبق المتغيّر القيادي داخل الدول الإفريقية، حيث أدى دوراً مهماً في التأثير في طبيعة المواقف الإفريقية تجاه فلسطين، فالارتباط باليهود أو القيام بزيارة إسرائيل أو المعتقدات الدينية أو الحاجة إلى الدعم الإسرائيلي، كلها مثّلت متغيرات مهمّة في تفسير سلوك القادة الأفارقة تجاه القضية الفلسطينية، وعلى سبيل المثال؛ فإن بعض القادة، مثل: هيلا سلاسي في إثيوبيا، وهوفيت بوانيه في كوت ديفوار، وليوبولد سنجور في السنغال، وجوموكينياتا في كينيا، ووليم توبمان في ليبيريا، وموبوتو في زائير، وشيلوبا في زامبيا، كان لهم تأثير واضح في دعم علاقات بلادهم بإسرائيل.

وقد مارست العلاقات والروابط الشخصية بين أسياس أفورقي وإسرائيل دوراً مهماً في تأسيس العلاقات الإريترية الإسرائيلية (14) .

وفي المقابل؛ فإن المتغيّر القيادي يمكن أن يكون عقبة أمام تطوير العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، كما حدث في حالة  كينيث كاوندا في زامبيا، وعايدي أمين في أوغندة.

وقد استطاعت الدعاية الإسرائيلية استغلال بعض القضايا الحساسة في التاريخ الإفريقي، مثل تجارة الرقيق، وإحداث نوع من المشابهة بين معاناة الشعبين الإفريقي واليهودي، وعليه فقد وجدنا ثنائيات معبّرة عن هذه المشابهة في الأدبيات الصهيونية، مثل نفي اليهود وتشتت السود خارج أوطانهم، والرق والمحرقة، والصهيونية والصهيونية السوداء، ولذلك لم يكن خافياً أن الآباء المؤسّسين للقومية الإفريقية، مثل دبوا وبادمور ونكروما ونيريري، كانوا على يقين تام بأن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين معاداة السامية والعنصرية البيضاء.

وفي هذا السياق؛ استغلت إسرائيل ما نُسب إلى التجار العرب من دور في تجارة الرقيق في شرق إفريقيا (أي في جنوب السودان وأوغندة وكينيا وتنزانيا وشرق الكونغو)؛ من أجل كسب ثقة الزعماء الأفارقة في المنطقة وتعاطفهم (15).

5- العوامل الدولية:

كان لبعض العوامل النابعة من تطوّر النظام العالمي تأثير ملموس في تطوّر المواقف الإفريقية إزاء فلسطين، ففي زمن الحرب الباردة كانت الدول الموالية للغرب (ولا سيما الولايات المتحدة)، مثل كينيا وكوت ديفوار، تحافظ على علاقات وثيقة مع إسرائيل، أما الدول الموالية للاتحاد السوفييتي، مثل أنجولا وموزمبيق، فإنها كانت أكثر عداءً لإسرائيل، وفي المقابل؛ فإن الدول غير المنحازة، مثل تنزانيا في عهد نيريري،  أو مالي في عهد كييتا، اتّسم سلوكها الخارجي إزاء إسرائيل بالتناقض الواضح.

ويلاحظ أن مدى عمق الروابط الإفريقية مع العالم العربي، وخصوصاً خلال الفترة الناصرية، قد مثّل قيداً مهمّاً على تطوّر العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، ويمكن أن نشير هنا إلى حالات مثل غينيا في عهد سيكوتوري، ومالي في عهد موديبو كيتا.

 

ثانياً: مسارات المواقف الإفريقية واتجاهاتها:

يمكن التمييز بين مراحل ثلاث تشير إلى تباين المواقف الإفريقية إزاء كلٍّ من إسرائيل والقضية الفلسطينية، وذلك على النحو الآتي:

1- الاتجاهات الإفريقية المبكرة تجاه إسرائيل:

لقد رأى كثير من القادة الأفارقة في النموذج الإسرائيلي للتنمية، ولا سيما الزراعية، مجالاً للتعاون المشترك، كما أنه في الوقت نفسه لم تساورهم أدنى الشكوك في أن دولة صغيرة بحجم إسرائيل يمكن أن تسعى للهيمنة السياسية للقوى الاستعمارية السابقة.

وبمراجعة أدبيات حركة التحرّر الإفريقي نجد أن عدداً من مثقفي ورواد هذه الحركة قد رأى في الصهيونية والقومية اليهودية نموذجاً يُحتذى من أجل نهضة وتحرّر الشعوب السوداء في إفريقيا، وعادة ما تمت المقارنة بين سعي اليهود من أجل إقامة وطن قومي لهم، والبحث عن جذورهم التاريخية بطموح الأفارقة الذين تقطّعت بهم السبل في الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي، وأملهم في العودة إلى إفريقيا وتحريرها من نير الاستعمار، بل الأكثر من ذلك؛ فقد دعا بعض رواد حركة الوحدة الإفريقية الأولى إلى تبنّي مفهوم «الصهيونية السوداء»، ولعل من أبرز هؤلاء الرواد إدوارد بلايدن، ووليم ديبوا، وماركوس جارفي، وفرانس فانون (16).

ولا يخفى أن كثيراً من الآباء المؤسّسين لحركة التحرّر الوطني في إفريقيا، أمثال جومو كينياتا في كينيا، وهوفييه بوانيه في كوت ديفوار، وكوامي نكروما في غانا، قد تأثروا تأثراً بالغاً بهذه الأفكار حول معاناة الشعب اليهودي، ومن ثم أظهروا تعاطفاً واضحاً تجاه دولة إسرائيل.

وفي أعقاب خيبة أمل إسرائيل بعد إخفاقها في حضور مؤتمر باندونج عام 1955م؛ قرّرت وزارة الخارجية الإسرائيلية تكثيف حركتها في إفريقيا حتى قبل استقلال دولها، وذلك من أجل مراقبة الأوضاع هناك، وتعرّف قادة المستقبل في هذه الدول، فتم إيفاد يهودا بن ديفيد إلى السنغال، وكلاً من نحميا أرغوف ويروحام كوهين إلى نيجيريا، وياكوف دوري وآشر نعيم إلى كينيا، ويُلاحظ أن السلطات البريطانية والفرنسية الاستعمارية قد راقبت نشاطات هؤلاء المبعوثين الإسرائيليين عن كثب.

وتُعطي مهمة رافائيل روبين مثالاً نموذجياً للتحرّك الدبلوماسي الإسرائيلي في إفريقيا في سنوات ما قبل الاستقلال، فقد أُرسل روبين إلى تنجانيقا قبل استقلالها، وعندما انخرط في أنشطة سياسية من بينها مقابلة القادة السياسيين، مثل جوليوس نيريري، أمره الحاكم البريطاني بمغادرة المستعمرة، وبعد مفاوضات طويلة مع وزارة الخارجية البريطانية تمكّن رافائيل روبين من البقاء والاستمرار في عمله، وحينما حصلت تنجانيقا على استقلالها، وأصبح جوليوس نيريري أول رئيس لها، تم تعيين روبين أول سفير إسرائيلي لديها.

ويشير آري عوديد، الدبلوماسي الإسرائيلي، إلى أنه في عام 1960م، وفي بداية عمله الدبلوماسي، أُسندت إليه مهمّة العمل بصفة باحث زائر في جامعة ماكريري في كمبالا بأوغندة، وهو الوقت الذي كانت فيه «ماكريري» تمثّل الجامعة الوحيدة في شرق إفريقيا، وقد تمكّن عوديد من بناء صداقات مع كثير من الطلاب الذين تقلّدوا مناصب مهمّة بعد حصول أوغندة على استقلالها في 2 أكتوبر 1962م.

ولعل من أبرز الأسماء يوسف لولي الذي طلب من عوديد تنظيم زيارة له لإسرائيل في عام 1991م، وحينما أصبح لولي رئيساً لأوغندة عام 1979م ساعد في الحصول على رفات الإسرائيلية دور بلوخ التي لم تتمكن القوات الإسرائيلية من إنقاذها في أثناء «عملية عنتيبي» عام 1976م (17) .

وكان هدف إسرائيل خلال فترة أواخر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي هو الحصول على دعم الدول الإفريقية لإسرائيل في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، اتضح ذلك بجلاء من قيام إسرائيل بتأسيس سفارات لها في العديد من الدول الإفريقية، وقيام الزعماء الإسرائيليين والأفارقة بزيارات متبادلة.

بالإضافة إلى زيارات جولدا مائير الخمس لإفريقيا؛ قام شيمون بيريز، الذي أضحى مديراً عاماً لوزارة الدفاع، بزيارة غانا وغينيا عام 1959م، حيث التقى كلاً من نكروما وسيكوتوري على التوالي، كما قام إيجال ألون، بصفته مبعوثاً خاصاً لرئيس الحكومة الإسرائيلية ديفيد بن جوريون، بزيارة إفريقيا مرتين في عامي 1962م و 1963م.

وفي أغسطس من العام 1962م؛ قام الرئيس الإسرائيلي إسحاق بن زيفي بزيارة خمس دول إفريقية في غرب إفريقيا، وفي عام 1966م قام رئيس الوزراء ليفي أشكول بزيارة السنغال وكوت ديفوار وليبيريا والكونغو كينشاسا ومدغشقر وأوغندة وكينيا، وقد ذكر أشكول في خطابه أمام الكنيست أن أنشطة إسرائيل داخل إفريقيا تشمل وجود نحو (1500) خبير إسرائيلي، يعملون في مشروعات للتنمية في إفريقيا، كما تم تدريب نحو (630) إفريقي داخل إسرائيل.

ومن اللافت للانتباه حقاً أن أشكول كان على قناعة تامة بأن الطريق إلى القاهرة لا بد أن يمر عبر باماكو (مالي) وأبيدجان (كوت ديفوار)، وبالإضافة إلى ذلك فقد تم إرسال العشرات من المبعوثين الإسرائيليين إلى إفريقيا بهدف الحصول على الدعم والتأييد السياسي لإسرائيل.

وبالمثل؛ فقد زار العديد من الرؤساء والوزراء الأفارقة إسرائيل، وعلى سبيل المثال استضافت إسرائيل عشرة رؤساء أفارقة خلال الفترة من 1960م إلى 1963م، وكالمعتاد في نهاية كلّ زيارة يتم التوقيع على بيان مشترك يؤكّد إدانة الاستعمار والتفرقة العنصرية، ويطالب باستقلال جميع الدول الإفريقية، كما يمتدح في الوقت نفسه التعاون بين إفريقيا وإسرائيل (18).

وثمة مجموعة من المتغيّرات الدولية والإقليمية تفسّر لنا أسباب الهجمة الدبلوماسية الإسرائيلية على إفريقيا، ومن ذلك:

- موجة استقلال الدول الإفريقية في الستينيات، وهو ما يعنى زيادة قدرتها التصويتية في الأمم المتحدة، حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تُطرح دوماً للتصويت.

- إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963م، وهو ما يمثّل تحدياً أمام إسرائيل، حيث إنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمّع الأفروعربي.

- عضوية مصر ودول عربية أخرى في كلٍّ من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، وهو ما أسهم في إقامة تحالفات عربية إفريقية، وخصوصاً مع بعض القادة الراديكاليين أمثال نكروما وسيكوتوري.

ومن الجدير بالملاحظة؛ أن الموقف الإفريقي على المستوى الشعبي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات كان مؤيداً للقضية الفلسطينية بشكل صريح وواضح، كما تجلّى ذلك في مؤتمرات تضامن الشعوب الأفروآسيوية المنعقدة خلال الفترة من عام 1957م وحتى عام 1965م، وكذلك مؤتمرات الشعوب الإفريقية التي عُقدت في أكرا وتونس والقاهرة خلال الفترة الزمنية نفسها التي سلف الإشارة إليها، فقد بحثت هذه الاجتماعات قضايا النضال والتحرّر الوطني في القارتين الإفريقية والآسيوية، وقرّرت تقديم الدعم والمساعدة اللازمة لها، وكان طبيعياً أن يكون من بين تلك القضايا القضية الفلسطينية (19) .

2- التحوّل في الموقف الإفريقي:

اتّسمت السنوات الواقعة بين عامي 1967م – 1973م بوجود تغيّر ملاحظ في مدركات الأفارقة تجاه القضية الفلسطينية، وربما يُعزى ذلك إلى نجاح الجهود العربية في منظمة الوحدة الإفريقية وفي الأمم المتحدة في استصدار قرارات بإدانة إسرائيل وسياساتها التوسعية.

وعلى سبيل المثال؛ فقد أضحت أزمة الشرق الأوسط في أعقاب حرب 1967م موضوعاً للجدل والنقاش على أجندة القمم الإفريقية المتعاقبة، ولا أدلّ على ذلك من أن منظمة الوحدة الإفريقية قرّرت تشكيل لجنة تضم عشرة حكماء أفارقة للتوسط بين مصر وإسرائيل، وقد ترأس هذه اللجنة الرئيس الموريتاني مختار ولد داده، على أن الحكماء العشرة ألّفوا لجنة مصغرة برئاسة ليوبولد سنجور رئيس السنغال، وعضوية رؤساء نيجيريا والكاميرون وزائير، وقد قبلت إسرائيل على مضض التعاون مع هذه اللجنة التي زارت كلاً من مصر وإسرائيل في نوفمبر 1971م (20).

على أن تقرير لجنة سنجور جاء معتدلاً وتوفيقياً، حيث ركّز في أهمية التفاوض استناداً إلى مرجعية قرار الأمم المتحدة رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967م، وضرورة استئناف وساطة المبعوث الدولي جونار يارنج، لم يكن بمستغرب أن يرفض الرئيس ولد داده هذا التقرير ويقدم تقريراً آخر أكثر انتقاداً لإسرائيل.

وقد اتهمت مصر إسرائيل بالمسؤولية عن إخفاق مهمة لجنة الحكماء الأفارقة نظراً لرفضها الانسحاب إلى حدود يونيو 1967م، وهو الأمر الذي أيدته منظمة الوحدة الإفريقية، ففي أثناء قمة الرباط عام 1972م أكّد الزعماء الأفارقة ضرورة جلاء إسرائيل عن كلّ الأراضي الإفريقية والعربية التي احتلتها عام 1967م.

قبل حرب أكتوبر 1973م كانت إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية مع خمسة وعشرين دولة إفريقية، بيد أنه في الأول من يناير عام 1974م تقلّص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط، هي: جنوب إفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشيوس.

وليس بخاف أن الدول الإفريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل قد فعلت ذلك تأييداً للموقف المصري بحسبان مصر دولة إفريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال الإسرائيلي، بيد أن بعض الباحثين يحاول تفسير الموقف الإفريقي بأنه كان يرمي إلى الحصول على المساعدات العربية، وخصوصاً من الدول النفطية.

وثمة مجموعة من العوامل أسهمت في دعم الموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني خلال عقد السبعينيات، فقد شهدت هذه الفترة ظهور تجمّعات لدول العالم الثالث تعبّر عن مستوى أو آخر من التضامن، مثل منظمة الدول المصدّرة للبترول (أوبك) ومجموعة الـ 77، كما أن إسرائيل جوبهت بسلاح البترول العربي، ودعم كثير من دول العالم الثالث للموقف العربي، ففي عام 1973م أصبح الرئيس الجزائري هواري بومدين رئيساً لحركة عدم الانحياز، وفي أثناء مؤتمر الحركة في الجزائر في العام نفسه اتخذ المؤتمرون قرارات تؤيّد كلاً من مصر وسوريا والأردن في استعادة أراضيها المحتلة، كما تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وكانت كلٌّ من كوبا وزائير وتوجو من أوائل الدول التي استجابت لدعوة المقاطعة تلك (21) .

وفي عام 1974م رُشّح وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد استطاع العرب وبمساعدة قوّتهم النفطية إضفاء مزيد من الشرعية الدولية على منظمة التحرير الفلسطينية، ولا غرو أن تتم دعوة ياسر عرفات في 13 نوفمبر 1974م لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة، وأن يُعامل معاملة رؤساء الدول، وذلك بشكل غير مسبوق في تاريخ المنظمة الدولية.

إضافة لما سبق؛ فقد نجحت الحملة العربية الرامية إلى عزل إسرائيل ووصفها بالعنصرية، حيث تمت مساواتها بالنظام العنصري في جنوب إفريقيا، واستفادت الحملة العربية من المواقف والسياسات الإسرائيلية في إفريقيا، مثل:

• الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية الإفريقية على شاكلة بيافرا في نيجيريا وجنوب السودان.

• دعم نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا وتأييده.

صفوة القول؛ أن الموقف الإفريقي وإن كانت له دلالات سياسية و دبلوماسية واضحة من زاوية الصراع العربي الإسرائيلي؛ فإن إسرائيل ظلت على علاقة وثيقة - ولو بشكل غير رسمي- مع معظم الدول الإفريقية التي قامت بقطع العلاقات معها، وليس أدل على ذلك من أن التجارة الإسرائيلية مع إفريقيا خلال الفترة من عام 1973م وحتى عام 1978م قد تضاعفت من 54,8 مليون دولار إلى 104,3 ملايين دولار، وتركّزت هذه التجارة بالأساس في الزراعة والتكنولوجيا.

وبنهاية عقد السبعينيات وأوائل الثمانينيات كثّفت إسرائيل جهودها من أجل إعادة علاقاتها الدبلوماسية بإفريقيا، حيث قام وزير خارجيتها بإجراء اجتماعات مباشرة مع الزعماء الأفارقة، سواء في الأمم المتحدة أو في العواصم الإفريقية، ومع ذلك فقد باءت هذه الحملة الإفريقية بالفشل.

وقد أظهرت دراسة مهمّة أُجريت عن السلوك التصويتي للدول الإفريقية في الأمم المتحدة بخصوص الصراع في الشرق الأوسط خلال الفترة من 1967م وحتى 1972م بعض النتائج المهمّة حول اتجاهات التصويت والعوامل المؤثرة فيه.

وتتمثّل القواسم المشتركة التي ميّزت الدول الأكثر انتقاداً لإسرائيل في العوامل الآتية:

• تبنّي سياسات خارجية ذات طابع راديكالي.

• امتلاك علاقات دبلوماسية قوية مع العالم العربي.

• وجود أغلبية سكانية مسلمة أو أقلية مسلمة كبيرة.

وفي المقابل؛ فإن الدول الإفريقية الأقل عداء لإسرائيل وإن امتلكت علاقات دبلوماسية مع العرب؛ فإنها احتفظت بعلاقات صداقة مع إسرائيل, كما أنها من الناحية الجغرافية كانت خطوط التماس العربية الإفريقية.

 أما باقي الدول الإفريقية التي أيدت إسرائيل؛ فإنها اتّسمت بما يأتي:

• تبنّي سياسات خارجية معتدلة وموالية للغرب.

• امتلاك علاقات دبلوماسية محدودة مع العالم العربي.

• الاحتفاظ بعلاقات قوية مع إسرائيل.

• البعد الجغرافي عن العالم العربي، ووجود أغلبية سكانية مسيحية، وعادة ما تنتمي إليها النخبة الحاكمة.

وحتى عام 1972م لم تستطع الدبلوماسية العربية الحصول على تضامن إفريقي عام بشأن الصراع في الشرق الأوسط، وربما يُعزى ذلك – علاوة على ما سلف بيانه من متغيّرات تتعلق بنظرة الأفارقة وقادتهم إلى إسرائيل وتوازنات القوى الدولية - إلى سياسات المساعدات التقنية الإسرائيلية الموجّهة لإفريقيا.

وبالرغم من ذلك ظلت القضية الفلسطينية موضوعاً دائماً على أجندة القمم الإفريقية منذ عام 1967م، حيث حرصت الدول الإفريقية على دعم منظمة التحرير الفلسطينية، وتأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وكذلك رفض سياسات التوسّع والاستيطان الإسرائيلية، ورفض إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وعلى سبيل المثال أشارت القمة الإفريقية عام 1985م بضرورة دعم الدول الإفريقية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفتح سفارات لها في عواصمها، والدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.

3- تراجع المواقف الإفريقية وعودة التأييد لإسرائيل:

لقد شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا مرة أخرى، وخصوصاً خلال عامي 1991م و 1992م، وربما يُعزى ذلك إلى:

 أ - توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والجلاء الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء: فقد أكّدت معظم الدول الإفريقية التي بادرت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب 1973م أنها فعلت ذلك تضامناً مع مصر، وعليه فإنه باستكمال الجلاء الإسرائيلي من سيناء عام 1982م بدأت عملية عودة العلاقات الإفريقية مع إسرائيل، ففي مايو 1982م كان أول رئيس إفريقي يُعلن استئناف علاقات بلاده مع إسرائيل هو جوزيف موبوتو رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً) (22) .

ولا شك أن توقيع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين عام 1993م واتفاق السلام مع الأردن 1994م قد أسهما بدورهما في استئناف العلاقات الإفريقية مع إسرائيل.

ب - خيبة أمل الأفارقة من العون العربي: لقد اشتكى الأفارقة دوماً من أن وعود العرب بتقديم المساعدات لهم كانت في معظمها سراباً لم يتحقق، كما أن بعض الرؤساء الأفارقة غير المسلمين قد اشتكوا بأنهم استُثنوا من تلقي المساعدات العربية التي تركّزت في الدول الإفريقية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.

أضف إلى ذلك عدم فعالية حركة التعاون العربي الإفريقي بعد النتائج الهزيلة التي أفرزتها القمة الأفروعربية عام 1977م، كما عبّر الأفارقة عن استيائهم من الصراعات العربية العربية، وخصوصاً بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، ومحاولة نقلها إلى منظمة الوحدة الإفريقية، وقد دفع ذلك ببعض المحاولات الإفريقية للتفكير في إقامة منظمة إفريقية زنجية تقصر عضويتها على الأفارقة دون العرب.

ج - التغيرات في جنوب إفريقيا: ففي عام 1987م انضمت إسرائيل للأمم المتحدة في حملتها من أجل فرض عقوبات على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وبعد انتخاب حكومة ديمقراطية في جنوب إفريقيا عام 1994م بعد سقوط نظام التفرقة العنصرية تم تدعيم العلاقات الإسرائيلية مع جنوب إفريقيا.

د- تفكّك الاتحاد السوفييتي: فقد أدّى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى التأثير في الدول الإفريقية ذات التوجّهات الراديكالية الموالية للسوفييت، مثل أنجولا وموزمبيق وإثيوبيا وسيشل، والتي أسرعت باستئناف أو تأسيس علاقات دبلوماسية جديدة مع إسرائيل.

هـ - تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا ابتداءً من نهاية السبعينيات: وقد دفع ذلك بالدول الإفريقية إلى تبنّي «إعلان مونروفيا» عام 1979م بشأن الاعتماد الإفريقي على الذات، والمطالبة بإقامة نظام عالمي جديد، وسرعان ما تم تبنّي هذا الإعلان من قِبل منظمة الوحدة الإفريقية، وأُطلق عليه «استراتيجية مونروفيا»، على أن المنظمة الإفريقية اجتمعت في أبريل عام 1980م في لاجوس وأقرّت «خطة عمل لاجوس للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (1980م - 2000م) ».

وعليه؛ فقد أسهمت برامج التعاون الفني منذ الستينيات في توفير المناخ الملائم لعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وهو ما أثّر سلباً في المواقف الإفريقية من القضية الفلسطينية.

 

الخاتمة:

تقول جولدا مائير: «إنني فخورة جداً ببرنامج إسرائيل للتعاون الدولي، وبالمساعدات الفنية التي قدّمناها للشعب الإفريقي، وذلك قياساً بأي مشروع قمنا به في أي وقت مضى» (23)، وفي هذا السياق عبّر كثير من الأفارقة عن إعجابهم الشديد بالنموذج الإسرائيلي في التنمية، خذ على سبيل المثال الزعيم العمالي الكيني توم موبيا الذي لم يتردد في إظهار مديحه لتجربة إسرائيل في مجال زراعة الأراضي القاحلة وتنميتها.  

يطرح ذلك كلّه أهمية الحديث عن أدوات إسرائيل في اختراق الفضاء الإفريقي، يعني ذلك أن إسرائيل استطاعت - ومنذ البداية - أن تسيطر على عقول الأفارقة وقلوبهم من خلال أدوات قوتها الناعمة.

وفي المقابل؛ نجد أن فترة الانقطاع التاريخية بين الشعبين العربي والإفريقي، والتي امتدت منذ مجيء الاستعمار الغربي، قد مثّلت تحدياً خطيراً أمام دعم جهود التضامن العربي الإفريقي.

كما أن تحديات العولمة الراهنة، وما تفرضه من مخاطر على كلٍّ من الشعبين العربي والإفريقي، تقضي بأهمية عودة التلاحم والتضامن بين الجانبين، وهو ما ينبغي أن ينعكس على أجندة جميع تنظيمات العمل الجماعي المشترك لدى الطرفين، ولا سيما الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.

ولا بد من أن يدعم ذلك الموقف السياسي الشروع في تأسيس حوار استراتيجي جديد بين العرب والأفارقة، تُطرح من خلاله كلّ القضايا المشتركة، بهدف الوصول إلى رؤية واحدة لمواجهة تلك القضايا، ومن بينها القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرّر وطني تخص العالمين العربي والإفريقي.

وثمة تيار شعبي وفكري إفريقي يزداد في اندفاعه منذ انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ويؤكّد المقارنة بين نظام الأبارتهيد البائد في جنوب إفريقيا وسياسات الفصل العنصري التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق؛ يمكن الإشارة إلى واحدة من أبرز رسامي الكاريكاتير في جنوب إفريقيا، وهي جوناثان شابيرو، حيث عارضت بشدة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، كما أن الأسقف ديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام ما فتئ يتحدث علناً ضد ظروف الفصل العنصري في فلسطين، وقد دفع ذلك ببعض التيارات الفكرية في جنوب إفريقيا إلى ضرورة الاستفادة من خبرة تحليل نظام الفصل العنصري والدعوة إلى تطبيق منظور جديد لتأسيس دولة ديمقراطية واحدة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، فهل يمكن البناء على ذلك التيار الجديد لإحداث اختراق كبير في الموقف الإفريقي تجاه القضية الفلسطينية؟

 

الإحالات والهوامش:

(1)  خليل إبراهيم الطيار: محاولات إسرائيل العودة إلى إفريقيا وعلاقتها باتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، شؤون عربية، عدد 47، أيلول / سبتمبر 1986م، ص 164.

(2)Kwarteng, Charles."the Arabs, Israel and Black Africa: the politics of courtship", Round Table, No 322, April, 1992, p 178.

(3)  انظر:

      Baffour Ankoma, "Let us Recognize Israel", New African, October 1988, p16.

(4) Ibid, pp 53 - 56.

(5)  لمزيد من التفصيلات حول مواقف الدول الإفريقية من حرب عام 1967م انظر:Africa Research Bulletin. July 15, 1967.

(6)  وحول سلوكها التصويتي إزاء إسرائيل انظر:

United Nations, General Assembly, Official Records, Fifth Emergency Special Session. New York, 1967.

  Samuel Decalo, "Africa and the U.N. Anti-Zionism Resolution", Cultures et Development, 8 ,1976, pp. 89 – 117.

(7) المصدر:

 Fouad Ajami and Martin H. Sours, Israel and Sub-Saharan Africa: A Study of Interaction, African Studies Review, Vol. 13, No. 3 (Dec, 1970), 411.

(8)  المصدر:  U.N. Chronicle, December 1975, 38, 39.

(9) Ali AL.Mazrui, The Africans: A Triple Heritage, London: BBC publication, 1986, p 85.

(10)  يُقدر إجمالي يهود الفلاشا الذين نقلوا إلى إسرائيل بمقتضى قانون العودة بنحو أربعين ألفاً، انظر:

Steven Kaplan, The Bita Israel (Flasha) in Ethiopia: From Earliest Times to theTwentieth century, New York: New YorkUniversity press, 1992.

(11)  انظر في تفصيلات ذلك:          

Fran Markowitz, Israel As Africa, Africa As Israel: "Divine Geography" in the Personal Narratives And Community Identity of the Black Hebrew Israelites, Anthropological Quarterly, vol.69, No.4, October 1969, pp 193 - 206.

(12)  وطبقاً لإحصاءات مؤسسة التعاون الإسرائيلي الأمريكي؛ فقد بلغ عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل والقادمين من إفريقيا حوالي (484067)، وذلك على النحو الآتي: (381618) من المغرب العربي، و (48624) من إثيوبيا، و (37548) من مصر والسودان، وأخيراً حوالي (16277) من جنوب إفريقيا، انظر:

The American-Israeli Cooperative Enterprise 1988 at (www. israel.org./ j source/Immigration).

(13)  Benyamin Neuberger, Israel’ s Relations with the Third World,Tel Aviv University:Research Paper, n. 5, 2009, p 35.

(14)  من المعروف أن الزعيم الإريتري أسياسي أفورقي قد أُصيب بمرض الملاريا قبل إعلان استقلال بلاده عام 1993م، وأنه نُقل إلى «مركز هداسا الطبي» داخل «إسرائيل» لتلقّي العلاج اللازم.

(15) Neuberger, op.cit, p34.

(16) Yvonne Chireau and Nathaniel Deutsch , eds., Black Zion: African American Religious Encounters with Judaism,Oxford University Press, USA 1999.

(17)  «عملية عنتيبي»: قامت بها قوات الكوماندوز الإسرائيلية التي نقلت جواً إلى مطار «عنتيبي» في أوغندا في 4 يوليو 1976م، وذلك لتحرير ركاب  طائرة «إير فرانس» التي اختُطفت من قِبل مسلحين فلسطينيين.

(18) Oded, Arye. Africa in Israeli Foreign Policy—Expectations and Disenchantment:Historical and Diplomatic Aspects, Israel studies, volume 15, number 3, Fall 2010, pp 129 - 130.

(19)  انظر في تفصيلات ذلك: عمر سالم: التضامن العربي الإفريقي تجاه القضية الفلسطينية 1947م -1981م، مجلة جامعة أم القرى، العدد 19، 1982م.

(20)  انظر في ذلك: محمود فلاحة: إسرائيل وتشاد: نحو سياسة عربية جديدة في إفريقيا، شؤون فلسطينية، ع 18 (شباط 1973م)، ص ص 114 – 124، وغودفري.هـ. جانسن: إسرائيل والدول الأفرو – آسيوية، - ط 1، بيروت، لبنان: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث, 1970م.

(21)  ارتفع عدد الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها بإسرائيل، وارتفعت معها الادعاءات الإسرائيلية وردود فعلها على هذه الخطوة، وانتقلت من اعتبار أن هذه الدول تلقّت رشوة لاتخاذ هذه الخطوة.. إلى توجيه السباب لرؤساء هذه الدول، «على أن هذه الدول الإفريقية عرفت ووعت حقيقة الكيان الصهيوني وهويته العنصرية ودوره الإمبريالي في إفريقيا وآسيا»، انظر في ذلك: عماد شقور: إسرائيل - إفريقيا فصل جديد من سفر الخروج، شؤون فلسطينية، ع 18 (شباط 1973م)، ص ص 217 – 218.

(22)  ذكر الرئيس موبوتو أنه عندما قرّر قطع العلاقات مع إسرائيل في أكتوبر 1973م كان عليه الاختيار بين الشقيقة مصر والصديقة إسرائيل، ومن المنطقي أنه اختار تأييد مصر، ويضيف أنه «حينما انتهى الاحتلال واستردت مصر أراضيها الإفريقية؛ فإن أسباب القطيعة مع إسرائيل لم تعد قائمة».

(23) Meir, Golda. My Life, New York: Dell Publishing Co, 1975, p 265

 

 

كتاب الموقع