أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

المسكوت عنه في حرب التيغراي

في أعقاب صراعاتٍ سياسيةٍ بين كلٍّ من الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم التيغراي منذ بداية العام الحالي، اندلع قتالٌ خطيرٌ في 4 نوفمبر بعد أن أمر رئيس الوزراء الإثيوبي -الحائز على جائزة نوبل للسلام- آبي أحمد، قوّاته بالردّ على غارةٍ مزعومةٍ على معسكر للجيش في منطقة تيغراي.

كان ردّ فعل الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي -التي حكمت البلاد كجزء من تحالف متعدّد الأعراق على مدى العقود الثلاثة التي سبقت تولي آبي أحمد السلطة في عام 2018م- متمثلاً في السيطرة على مركز القيادة الشمالية للجيش الاتحادي، والاستيلاء على المعدات العسكرية والجنود الموجودين هناك.

وقد ادَّعى الجيش الحكومي منذ بدء الصراع -الذي يبدو بشكلٍ متزايدٍ وكأنه حربٌ أهلية شاملة- أنه تمكّن من السيطرة على عددٍ من البلدات في منطقة تيغراي الغربية. وهذا أمرٌ أساسيّ بسبب الحدود المشتركة مع السودان؛ حيث يمكن توفير الإمدادات لقوات التيغراي.

كما استعادت القوات الحكومية السيطرة على مناطق في الجنوب على طول الحدود مع منطقة أمهرة الإثيوبية.

ولعل ذلك يطرح تساؤلات عديدة حول العوامل التي أدّت إلى هذا التصعيد، وماهية تبعاته المباشرة وغير المباشرة، واستشراف آفاق المستقبل.

 المسكوت عنه في صراع التيغراي:

إن جوهر الصراع الحالي بين الحكومة المركزية الإثيوبية بقيادة آبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيغراي هو إعادة النظر في مفهوم الهوية السياسية الإثيوبية والتنافس على الهيمنة السياسية.

يرغب آبي أحمد -الذي يُمثِّل ثقافة هجينة من الأمهرة والأورومو- أن يقيم تحالفًا حاكمًا جديدًا مع الأمهرة للتخلّص من بنية السلطة العتيدة في منطقة التيغراي.

إنه يحاول بناء أُسس جديدة للشرعية السياسية تُعزّز سلطته، وتقوّي مركز أنصاره الجدد في أمهرة.

يتّضح ذلك جليًّا من اتخاذه الخطوات التالية، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى إشعال نيران الحرب الأهلية شمال البلاد:

 أولاً: طرح فلسفة مديمر التي تعني التضامن باللغة الأمهرية من أجل إحياء مفهوم الإثيوبيانية وهو ما يعارض تمامًا مفهوم الفيدرالية العِرْقِيَّة التي ينص عليها الدستور الحالي.

وبالفعل استطاع أن يجمع حوله الكثير من النشطاء والسياسيين، أغلبهم من الأمهرة، وتعيينهم في مناصب حكومية. لقد حاول أيضًا بشكل حماسيّ وعاطفيّ الجمع بين الهويات العرقية من خلال أسلوب بوتقة الصهر المتخيَّلة، ولكن دون معالجة المظالم والتناقضات الجماعية القائمة منذ زمن طويل.

 وتشمل هذه المظالم عدم المساواة في الوصول إلى السلطة السياسية والموارد الاقتصادية، وكذلك الحرمان من الحق في تقرير المصير.

ثانيًا: تشكيل حزب الازدهار كأداة لتكريس السلطة السياسية تحت قيادته. ولعل ذلك يعيد إلى الأذهان نظام المركزية التسلطية التي كانت سائدة في العهد الإمبراطوري (منليك وهيلاسلاسي)، وطوال سنوات الحكم العسكري تحت قيادة مانغستو هيلي مريام.

ثالثًا: التخلص من بنية دولة التيغراي من خلال تفكيك مراكز السلطة لديهم؛ ومن خلال عزلهم من الحكومة المركزية والمناصب السياسية المهمّة، بل والزجّ بكثير من قياداتهم في السجون بتُهَم الفساد.

رابعًا: التخلّص من أكبر منافسيه داخل إقليم أوروميا؛ من خلال قمع وتفكيك جبهة تحرير أورومو ومؤتمر أورومو الفيدرالي، أكثر الأحزاب شعبيةً وتأثيرًا في الإقليم. كما أنه ألقى القبض على أقوى زعيم للمعارضة: جوهر محمد.

وعليه؛ فإن الهدف الخفي غير المعلَن للحرب في التيغراي هو استبدال قيادة تيغراي بحكومة تابعة للدولة المركزية.

وبالقطع سوف يستطيع آبي أحمد أن يُعزّز موقفه في الحكم بدون ضغوط المعارضة القوية عليه في كل من التيغراي وأورومو. وهما المجموعتان اللتان دفعتا ثمنًا باهظًا لطموحات آبي أحمد السياسية.

ولم يكن مستغربًا أن يجد دعمًا قويًّا لقرار التدخل العسكري مِن قِبل الحلفاء الفيدراليين الرئيسيين. ويشمل هؤلاء إقليم أمهرة، وأعضاء سابقين في حزب أورومو الديمقراطي، وأحزابًا سياسية مثل حركة الأمهرة الوطنية، وحركة المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية، وجميعها أحزاب تسيطر عليها نخب الأمهرة.

ومن الواضح أن هذه النُّخب الأمهرية تأمل استعادة الأراضي التي تدّعي أنها مِلْك لهم من أيدي التيغراي، وهدم مراكز السلطة لديهم من أجل تحقيق حلم الأمهرة الامبراطوري القديم.

تداعيات حرب التيغراي:

لقد فرَّ أكثر من 25 ألف لاجئ إثيوبي بالفعل من القتال إلى السودان منذ بدء الصراع؛ حيث تتدافع جماعات الإغاثة والأمم المتحدة؛ لتوفير الخدمات الأساسية، ومساعدة السلطات السودانية.

أضف إلى ذلك فإن إريتريا، التي خاضت حربًا مع إثيوبيا خلال الفترة 1998 – 2000م، قد انجرفت بالفعل إلى الصراع.

وتتهم قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إريتريا بالقتال إلى جانب الحكومة الإثيوبية، وهو ادّعاء تنفيه الحكومة، وقد أكّدت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أنها أطلقت ثلاثة صواريخ باتجاه المطار الدولي في العاصمة الإريترية أسمرة.

ومن جهة أخرى؛ تخلت القوات الإثيوبية في الصومال -خاصة في منطقة جيدو في الجنوب، المتاخمة لإثيوبيا وكينيا- عن مواقعها لتحلّ محلها شرطة خاصة مدججة بالسلاح من المنطقة الصومالية الإثيوبية.

ووفقًا للتقديرات الأمنية؛ فإن سحب القوات الإثيوبية يمكن أن يخلق فراغًا أمنيًّا تستغله جماعة الشباب المجاهدين والجماعات الأخرى. ولا شك أن ذلك ينعكس بشكل سلبيّ على أمن واستقرار الإقليم بمعناه الأوسع.

وفي حالة إطالة أمد الصراع؛ فإن بعض التقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى 200 ألف شخص قد يفرّون من إثيوبيا خلال العام المقبل.

 لقد كانت مناطق إثيوبيا الأخرى -وخاصة أوروميا- عُرضةً للاضطرابات السياسية منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة؛ بسبب الخصومات العرقية والاحتجاجات ضد الحكومة.

ففي 29 يونيو 2020م أدَّت احتجاجات عنيفة بعد مقتل مغني الأورومو الشهير هاتشالو هونديسا إلى مقتل حوالي 200 شخص.

كما أسفر القتال بين الجماعات العرقية المختلفة في منطقة بني شنقول-جوموز الغربية في سبتمبر عن مقتل ما لا يقل عن 140 شخصًا.

ولا يخفى أنه مع إعادة انتشار قوات الجيش، وانتقالها من مناطق التوتر العرقي إلى الشمال للمساعدة في القتال ضد تيغراي؛ يصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه لمزيد من عدم الاستقرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وفوق ذلك كله؛ فإن حرب التيغراي سوف تضر لا محالة بقدرة أديس أبابا على القيام بدورها في دعم استقرار منطقة القرن الإفريقي بمعناها الأوسع، وهو ما ينال سلبًا من جاذبيتها للاستثمار الأجنبي.

إذ بعد عقودٍ من العداء والصراع العنيف، وقَّعت إريتريا وإثيوبيا اتفاقَ سلامٍ تاريخيًّا في عام 2018م، وهو ما أدَّى إلى زيادة الاستثمار الإقليمي في البنية التحتية بهدف الوصول إلى أسواق الهضبة الإثيوبية.

 ففي عام 2019م، وافق صندوق التنمية الإفريقي على تمويل المرحلة الأولى من مشروع ممر النقل البري بين إثيوبيا وجيبوتي. كما وقَّعت إثيوبيا اتفاقيات موانئ مع أرض الصومال وإريتريا.

ولكنْ من المرجَّح أن يدفع الصراع العنيف في تيغراي والتدهور المحتمل للوضع الأمني ​​في مناطق أخرى من البلاد المستثمرين الأجانب إلى إعادة النظر في تمويل مثل هذه المشاريع؛ لا سيما بالنظر إلى مناخ الاستثمار العالمي السيئ بالفعل؛ بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19.

وختامًا: فإن المخاوف تزداد بشأن مستقبل الصراع وإمكانيات تدويله؛ لا سيما بعد رفض الحكومة الإثيوبية كل محاولات ومبادرات التوسط بما في ذلك مبادرة الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي سيريل رامافوسا.

وطبقًا لتقديرات مؤسسة ستراتفور الأمنية؛ فإن الحرب الأهلية الدائرة في التيغراي سيكون لها تأثير كبير على قوة ووحدة الحكومة المركزية في إثيوبيا.

وربما نشهد حدوث أيٍّ من السيناريوهات الثلاثة التالية:

 أولاً: تعزيز السيطرة الفيدرالية على حساب سلطة حكومات الأقاليم: ويعني ذلك أن يصبح لرئيس الوزراء آبي أحمد والجيش الفيدرالي اليد العليا عسكريًّا وسياسيًّا.

ثانيًا: ضعف السيطرة الفيدرالية وربما تحوُّل إثيوبيا إلى دولة فاشلة: يحدث ذلك في حالتين؛ إذا اضطرت الحكومة الإثيوبية إلى الانسحاب أو الدخول في مفاوضات مع جبهة تحرير تيغراي، وهو ما يُعدّ بمثابة انتحار سياسيّ لمشروع آبي أحمد الإصلاحي.

ثالثًا: انفصال تيغراي: إذ يتابع قادة تيغراي تهديداتهم بالانفصال؛ مما قد يدفع مناطق أخرى في إثيوبيا إلى أن تحذو حذوها. وعلى الرغم من صعوبة تحقق ذلك فإنه سيناريو كارثي بالنسبة لإثيوبيا وللإقليم ككل.

كتاب الموقع