أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

المجلس الأعلى للأئمة والمساجد والشؤون الإسلامية في كوت ديفوار: قراءة في المسؤولية التاريخية

د. حسان سيسي

جامعة الفرقان الإسلامية أبيدجان

مقدمة:

ذكرت في مقال سابق أن المسلمين في كوت ديفوار أمام مسؤولية وطنية؛ لمعرفة مدى وحدتهم وتماسكهم، وأن الأئمة كذلك أمام مسؤولية تاريخية لمعرفة مدى ثقتهم بالقيادة العليا واحترامهم للمؤسسات.

وقد جاءت إجراءات اختيار شيخ للأئمة وقائد للمسلمين في كوت ديفوار يوم الجمعة 7 شوال 1441هــ الموافق 29 مايو 2020م ليثبت المسلمون من خلال آليات الاختيار والتعيين ومخرجاته، وخاصة الأئمة، أنهم على قدر المسؤولية، وأنهم من أولي الأيدي والأبصار، وأنهم مدركون لطبيعة المرحلة؛ فقد اتفقوا على تعيين شيخ الأئمة الجديد وهو الإمام الأستاذ مامادو (محمد) تراوري إمام الجامع الأكبر لريفيرا غولف (RIVIERA GOLF) بأبيدجان؛ حيث مقر إذاعة البيان الإسلامية، فما هي فرص تعيين الأستاذ محمد تراوري خليفةً وشيخًا للأئمة وقائدًا للمسلمين في كوت ديفوار؟ وما هي مجالات الإصلاح التي يمكن أن يتحرّك من خلالها لتعزيز وحدة المسلمين وتعميق الألفة بينهم؟ ليكون خير خلف لخير سلف.

مسوغات تعيين الأستاذ محمد تراوري شيخًا للأئمة:

1- كِبَر السنّ: حيث وُلِدَ الأستاذ محمد تراوري عام 1944م، وعُيّن شيخًا للأئمة 2020م وبهذا يكون عمره قرابة 76 عامًا، وهذا يعني أنه من أقران شيخ الأئمة أبي بكر فوفانا سنًّا والذي وافته المنية وعمره 77 عامًا تقريبًا، والعمر عاملٌ مهمّ في الثقافة الإفريقية لتحديد مكانة الرجل اجتماعيًّا.

2- الأقدمية في العمل الإسلامي: يُعتبر الأستاذ محمد تراوري من قدامى الناشطين في العمل الدعوي والإسلامي في كوت ديفوار منذ وقت بعيد، وقد شارك مع الأستاذ أبي بكر فوفانا في كثير من نضاله الإسلامي السلمي، وفي تأسيس مجموعة من مختلف المؤسسات الإسلامية الوطنية.

3- إمامة مسجد ريفيرا غولف (RIVIERA GOLF): فالأستاذ محمد تراوري هو الإمام الراتب لمسجد ريفيرا غولف، وهذا المسجد له مكانة ورمزية بين المساجد في كوت ديفوار وأبيدجان بشكل خاصّ؛ ففيه مقر إذاعة البيان وتلفزيونه الإسلاميَّيْنِ، وفيه يصلي رئيس الجمهورية الحسن وترا والوزراء والقيادات الإدارية للبلاد صلاة العيدين، ويُعتبر مركزًا لإقامة كبرى المناسبات الإسلامية في الوطن، حتى حفلة تتويج شيخ الأئمة الأستاذ فوفانا عام 2007م وتنصيب شيخ الأئمة الجديد 2020م أقيمت فيه.

4- الأكاديمية: فالأستاذ محمد تراوري رجل أكاديمي وخريج جامعة عين الشمس جمهورية مصر العربية كلية التجارة، وبهذا فهو رفيق الدرب للشيخ فوفانا منذ ما يقارب 60 عامًا، وكلاهما درسَا في كلية التجارة، وناضلا معًا بعد العودة إلى الوطن من أجل مصلحة المسلمين.

5- اليد اليمنى للشيخ فوفانا في عدد غير قليل من المناسبات الإسلامية: كان الأستاذ محمد تراوري يجلس على يمين شيخ الأئمة فوفانا، فهل ذلك الجلوس كان أمرًا مصادفًا، أم أن الشيخ نفسه كان قد رتَّب الأمر من قبل في حياته ولو من طرف خفي؟

6- الصحبة والشهادة: كان الشيخ فوفانا يُشْرِك الأستاذ محمد تراوري في اللقاءات الإصلاحية وذات المهام الصعبة.

7- عدم الشهرة في العمل الإسلامي في كوت ديفوار: هناك أئمة كبار أصحاب قامات عالية وذوو صيت واسع، مثل كل من الأستاذ: إدريس كوني (قدوس) وجيغيبا سيسي، وسيكو سيلا، وأبي بكر ساماسي.. فالأستاذ محمد تراوري يعتبر واحدًا من تلك القامات العالية، غير أنه ليس له شهرة لا على المستوى الشعبي ولا على مستوى الأئمة كهؤلاء المذكورين أعلاه -ولعل ذلك لاعتبارات معينة لا يسع المجال لذكرها-، وبالتالي فتعيين شخصية إسلامية بهذه القامة مراعاة لحسابات واعتبارات  موضوعية، .

من هنا يذهب عدد من المراقبين في إفاداتهم إلى أن هذه الفرص وغيرها هي التي ثقَّلت كفة الأستاذ محمد تراوري ليكون شيخًا للأئمة وقائدًا للمسلمين في كوت ديفوار.

 تعيين شيخ الأئمة الجديد:

تُوفِّي شيخ الأئمة أبي بكر فوفانا يوم الأحد 24 رمضان 1441هــ الموافق 17 مايو 2020م، ودُفِنَ يوم الثلاثاء 26 رمضان 1441هــ الموافق 19 مايو 2020م ظهرًا في مقبرة ويليامسفيل WILLIAMSVILLE  بالعاصمة أبيدجان، وتم تعيين شيخ الأئمة الجديد في تاريخ الجمعة 7 شوال 1441هــ الموافق 29 مايو 2020م  دون انقسام ولا ضجيج. بمعنى أنه في غضون اثني عشر (12) يومًا حُسِمَتْ مسألة الخلافة، وهو رقم قياسي؛ نظرًا لحداثة العمل الإسلامي التنظيمي في كوت ديفوار، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن هذا الرقم (12) يومًا يعبّر بوضوح عن مدى درجة الوحدة والتماسك لدى المجتمع المسلم، والنضج الفكري والوعي التاريخي الإسلامي والوطني الذي يتمتع بهما قيادات العمل الإسلامي؛ حيث يدرك القيادات أهمية تعجيل تعيين شيخ الأئمة الجديد، كذلك تمامًا يدركون خطورة التنازع حول مسألة الخلافة إسلاميًّا وإيفواريًّا، ومن هنا يرى كثير من المراقبين أن هذه الفاعلية والمسؤولية مَحْمَدةٌ يجب أن يباركها ويعتمدها قيادات العمل الإسلامي.

خطاب شيخ الأئمة الجديدة:

في أول خطاب ألقاه شيخ الأئمة محمد تراوري أمام الأئمة بعد تعيينه مباشرة أكَّد فيه على ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتق الأئمة خاصة، وعلى المسلمين عامة؛ في أن يعملوا من أجل السلام والوحدة والتماسك ليس إسلاميًّا فحسب بل ووطنيًّا أيضًا؛ حيث إن الدولة مقبلة على انتخابات رئاسة الجمهورية في أكتوبر 2020م، وهناك حالة تربُّص حادّ بين الحكومة والمعارضة، وكأنه بهذا الخطاب يُلقي رسالة قوية مفادها أنه لئن كان شيخ الأئمة أبي بكر فوفانا قد انتقل إلى رحمة ربه؛ فإن الأئمة والمجلس على آثاره مقتدون، ولتأكيد الاقتفاء على آثار الشيخ قال في خطابه: "منذ اللحظة أجدّد ثقتي بالأمين العام للمجلس الإمام عثمان جاكتي في تمديد مهامه، وأطلب منه أن يقترح لي إدارة جديدة في غضون 72 ساعة"؛ أي: خلال ثلاثة أيام، ومعلوم أن الأستاذ فوفونا كان يُكثر الحديث عن السلام والوحدة، بل وكان يعمل لهما، وكان الإمام عثمان جاكتي أمينه العام، وهذا يعني أن المجلس يظل متماسكًا، وأن الأستاذ تراوري سوف يكون خير خلف لخير سلف؛ بإذن الله.

مجالات الإصلاح في العمل الإسلامي:

قدّم الشيخ فوفانا –رحمه الله- ما كان في وُسعه من جهود وإصلاحات في منظومة العمل الإسلامي، وكما وصفه المدير العام للشؤون الثقافية DGC بامبا ميسامبا: "كان مناضلاً، ويمكن أن يقال: إنه قُتِلَ في الجبهة وهو حامل سلاحه"؛ ومع كل ذلك تظل الحاجة مُلِحَّة إلى الإصلاح والسير نحوه سيرًا حثيثًا، وهي من المسائل المهمة في المرحلة القادمة؛ لأنها عملية شاملة ومتواصلة وكاملة، فما هي المجالات التي يمكن التحرك من خلالها لإنجاز مزيد من الإصلاح؟

1- التثقيف والتأهيل الديني: جرت العادة أن الناس عندما يتحدثون عن التأهيل والتدريب فإن الحديث يتركز حول تأهيل الأئمة على طريقة استخدام الحاسب الآلي (كمبيوتر)، وتزويدهم بالمعلومات حول الإدارة والتخطيط.. وهي دورات مطلوبة ومشروعة، وبقدر ذلك تمامًا يجب إضافة الدورات في العلوم الشرعية والاجتماعية والنفسية.. تأهيلاً للأئمة والدعاة وتحصينًا لهم من الوقوع في اجتهادات غير مدروسة ولا وطنية، خصوصًا وأن مسألة إغلاق المساجد وافتتاحها بسبب جائحة المستجد19 قد أحدثت انقسامًا وسخطًا ولو بشكل صامت، وحتى لم يتم الاتفاق على يوم واحد كعيد الفطر هذه السنة 1441هـ، وهو أمر كان بحسبان المراقبين أنه ولَّى زمنه بوجود مؤسسات إسلامية مسؤولة ومحترمة مثل المجلس وغيرها، أما وقد ظهرت بوادر الانقسام (نشر الفيديوهات المسيئة للقيادات الإسلامية، وتعدد أيام العيد...) في دولة واحدة، فهذه الأمور تستدعي مزيدًا من التثقيف والتأهيل حول المسائل الشرعية والشؤون التنظيمية.

2- الجانب الإعلامي: يوجد في المجلس الأعلى للأئمة والمساجد والشؤون الإسلامية إدارات مسؤولة عن شؤون الإعلام، غير أن منطق الإصلاح والتواكب مع مستجدات العصر يتطلب إعادة النظر في منظومة العمل الإعلامي عامة، خصوصًا البيانات الرسمية الصادرة والتي جرت العادة بكتابتها باللغة الفرنسية فهو أمر مطلوب ومشروع، لكن من وجوه الإصلاح أن تُضاف إليها اللغة العربية؛ أي أن تصدر البيان الرسمية المكتوبة على الأقل بالعربية والفرنسية...، ذلك أن المستهدفين من بيانات المجلس هم الأئمة والدعاة وجُلّهم يفهمون اللغة العربية بسهولةٍ أكثر من أية لغة أجنبية أخرى، ثم إن إضافة اللغة العربية فتح لفرص التوظيف والاندماج للإخوة الخريجين من كليات اللغة العربية والترجمة...، والأكبر من ذلك أن مؤسسة المجلس باختصاصاته ومكانته الوطنية والدولية يفرض أن تعدد لغة البيانات الرسمية المكتوبة، والمجلس يمتلك كفاءات مؤهلة ما تسدّ تلك الثغرة، كذلك يتوقع أن تجري الإصلاحات في برامج إذاعة البيان وتلفزيونه بحيث تعبّر عن جماعة المسلمين في كوت ديفوار دون تفضيل طائفة على أختها، وكذلك يرجى أن تصل يد الإصلاح إلى برنامج " الله أكبر" الأسبوعي في التلفزيون القومي "rti1" لتؤدي رسالتها حق أدائها.

3- اندماج الشباب: هناك مجموعة من الجيل الجديد؛ جيل الأكاديميين الذين حصلوا على شهادات عليا (الدكتوراه...) من الجامعات العربية والإسلامية، ويحملون أفكارًا إصلاحية وفّرتها لهم خبرة الدراسة واطلاعهم على تجارب الإصلاح في الدول العربية والإسلامية؛ فمن الإصلاح الانفتاح على هؤلاء الشباب، وتحميلهم المسؤوليات إعدادًا لهم كقيادات في المستقبل وتوظيفًا لخبراتهم العلمية، وتشجيعًا للعلم وأهله.   

الخاتمة:

كيفما كان؛ فإن المجلس الأعلى للأئمة والمساجد والشؤون الإسلامية أكد للعالم في أُولَى خطواته بعد وفاة الأستاذ فوفانا أنه مؤسسة محترمة ومسؤولة، والأئمة أثبتوا للإيفواريين أنهم واعون للتاريخ الإسلامي والوطني الإيفواري، ومدركون لطبيعة المرحلة، فهل هذا التماسك والوحدة وتلك المؤسساتية في تعيين شيخ الأئمة الجديد سوف يظل معمولاً بها وثابتة في كل الظروف أم أنه تماسك ووحدة هشَّة فرضتها ظروف المرحلة، وسرعان ما سوف تنهار في ظروف مغايرة؟

وهل القيادات الجديدة على قدر التحدي والمسؤولية الدينية والوطنية لكي يُصلحوا أنفسهم، ويصبغوا على شخصيتهم الشخصية الإسلامية الوطنية الجامعة مثل ما عُرِفَ عن الشيخ فوفانا؛ حفاظًا على مكتسبات هذا التماسك والوحدة؟

هذا ما تجيب عنه الأيام الآتية.

اللهم وحِّد كلمة المسلمين، ووفِّق شيخ الأئمة الجديد في مهمته، واحفظ بلدنا وبلاد المسلمين أجمعين.

كتاب الموقع