أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الكنيسة المسيحية والسلطة السياسية في إفريقيا .. الأدوار والنفوذ

إنّ معظم المشكلات السياسية في إفريقيا توجد لها خلفية دينية، كان هذا هو الحال في السودان بين مسلمي شمال السودان ومسيحيي جنوب السودان، وفي نيجيريا، وإفريقيا الوسطى، كما كان هو الحال في مدغشقر بين الرئيس البروتستانتي المقرب إلى الدوائر الأمريكية؛ وقائد الانقلاب المحسوب على الكنيسة الكاثوليكية والمقرب إلى فرنسا.

وإذا كانت الانقسامات الدينية في بعض الدول لم تشكّل تهديداً في الاستقرار والسِّلْم الاجتماعي، فإنها تبقى مثيرةً وقنبلةً مؤقتةً، وقد تصير وقوداً للصراعات الدائمة في القارة. وإن لم تكن هذه الانقسامات الدينية هي السبب الرئيس للنزاعات الجارية؛ فغالباً ما تُعزِّز أو تُعقِّد الأسباب الأخرى، كالهُوِيَّات العِرقية أو الفوارق بين القوى الاقتصادية. وقد أدت الانقسامات الدينية في نيجيريا- مثلاً- إلى اندلاع العنف عدّة مرات، وتشير الإحصاءات إلى أنه منذ عام 1999م حتى وقتنا الحالي لقي حوالي 13000 شخصاً مصرعهم في نزاعات مختلفة (1).

لم يغب التأثير الديني عن الدولة الإفريقية قطُّ، إلا أنّ أبعاد هذا التأثير تختلف في مستوياتها وفي أشكالها، وعندما نتحدث تحديداً عن «الدين المسيحي» فإننا نجد هذا الدَّور يتمثّل واضحاً في تاريخه الطويل في المجتمع الإفريقي والدولة الإفريقية، علماً بأنّ الوجود المسيحي في إفريقيا سبق حتى وجود الدول الإفريقية بشكلها الحديث أو بالمعنى المتعارف عليه حاليّاً.

ومع تزايد وتيرة الصراعات والأزمات السياسية في الدولة الإفريقية؛ ازداد التورط المباشر للكنيسة الإفريقية في الشؤون السياسية بشكلٍ ملاحظ، ومن الصعب إيجاد تفسيرٍ واحدٍ لهذا التدخل الصريح والمكشوف، ونتساءل فيما إذا كانت أسباب هذا التدخل ترجع إلى فشل المؤسسات السياسية للدولة الإفريقية؛ وأنها وسيلة لسدّ الثغرة التي خلّفتها تلك المؤسسات؟ أو أنها نتيجةٌ طبيعية لصراعٍ موجود ومحتوم في القارة؛ يجد فيه الأساقفة فرصةً لاستغلال بعض المساحات ولبسط النفوذ الكنسي وأدواره المختلفة في القارة؟

ويأتي هذا البحث للكشف عن أشكال النفوذ الكنسي في إفريقيا وأدواره، في ظلّ العلاقة المعقدة بين الدين والدولة في القارة، وعن طبيعة وظيفة الكنيسة الإفريقية في الشأن السياسي، وأثرها في الدوائر السياسية في إفريقيا.

 

المسيحية في إفريقيا.. التاريخ وعوامل التمدد:

دخلت المسيحية في إفريقيا منذ القرن الرابع الميلادي تقريباً، بدءاً بالمذهب القبطي اليعقوبي، وكانت عاصمته الإسكندرية، والذي كان ينافس المذهب الملكاني الكاثوليكي في روما، ومن الإسكندرية دخلت المسيحية الحبشة، ومنها ومن روما دخلت المسيحية الدويلات النوبية(2).

ويُرجع بعض الباحثين تاريخ دخول التنصير إفريقيا إلى القرن الثالث عشر من الميلاد، حيث قدم القديس فرانس إلى مصر عام 1219م في محاولة تنصير فردية، ومنذ القرن الخامس عشر من الميلاد دخل المنصِّرون الكاثوليك إفريقيا في أثناء الاكتشافات الجغرافية، ووردت في الموسوعة البريطانية التي تَرجمت للرحالة البريطاني «دافيد ليفينستون» عبارة مفادها: «أنّ المُنصِّر والمكتشف الاسكتلندي– وتقصد به هذا الأخير- الذي كان له دَورٌ تأسيسي لمواقف الغرب تجاه إفريقيا»(3).

كما أشارت بعض المصادر إلى أنّ تاريخ أكبر البعثات الكاثوليكية المتنافسة في غرب إفريقيا يرجع إلى 1860م، ففي هذا العام أخذت فرنسا على عاتقها توسيع مستعمراتها في المنطقة، كما أشارت بعض الدراسات إلى أنّ إرسالية «إنجلترا» هي أوّل إرسالية بريطانية تهب نفسها لخدمة غرب إفريقيا، وكان واجبها نشر الإنجيل، فقد تأسست جمعية «نشر الإنجيل» في بداية عام 1701م، في الفترة ما بين (1752–1816م)، وكانت جمعية «نشر الإنجيل» The society for the propoyaion the Gospal قد عيّنت قسيساً في قلعة الساحل في الرأس، وفي هذه الفترة شغل هذه الوظيفة رجلٌ إفريقي، هو الأب «فيليب كواك»، وهو من قبيلة «الفانتي»(4).

وتذكر المصادر المسيحية أنّ الخط الإسلامي ظلَّ يتقدّم جنوباً بشكلٍ مطّرد منذ القرن السادس حتى حوالي 1950م، حين وقف هذا التقدّم تماماً عندما واجهه تأثير العمل النصراني في كلّ أرجاء المنطقة الوسطية والجنوبية في إفريقيا، فقواعد التبشير الراسخة تجد دعماً مباشراً من الدول الغربية، فقد أصدرت الهيئة الدولية لبحوث الإرساليات المسيحية نشرةً عن التنصير وأنشطته في العالم عام 1991م، وذكرت أنّ عدد المؤسسات التنصيرية ووكالات الخدمات المسيحية بلغ 120.880، وأنّ دخل الكنائس العاملة في حقل التنصير بلغ 320 بليون دولار(5).

وذكرت «مجلة تايم» الأمريكية عام 1980م أنّ سكان إفريقيا البالغ 460 مليون؛ منهم 53 مليوناً من الكاثوليك الروم، وأنّ المسيحية عامّةً تزداد بمعدل 6 ملايين- أو يزيد- كلّ عام، أي بنسبة 5% في العالم، وهي نسبة زيادة لم تشهدها المسيحية في تاريخها. ونمت المسيحية بطريقةٍ سريعة مع نهاية الاستعمار، ففي حين كان عدد المسيحيّين لا يتجاوز 30% عام 1960م؛ أصبح عام 1980م حوالي 50%(6). واستهدف التنصير روح الإفريقي وثقافته، وهذا ما عبّر عنه الأستاذ «سونو» بالقول الآتي: «اتجه المستعمرون إلى استعباد جسد الإفريقي، أمّا المُنصِّرون فقد استهدفوا روحه»(7).

وقد عمل المنصِّرون على محورين:

المحور الأول: التفريغ العقدي: وشمل على وجه الخصوص المسلمين، حيث ركزت قوافل المُبشِّرين في زعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين، ليصبح الإسلام مجرد شعارات وطقوس كهنوتية صمّاء، لينعزل عن الحياة انعزالاً تامّاً.

المحور الثاني: تنصير الوثنيّين: وذلك عبر الإرساليات التي تعمل على نشر تعاليم المسيحية عن طريق الوعظ أو مدّ العون ومواجهة الفقر والمرض، أو عن طريق التعليم بالمدارس والإرساليات الكنسية، ليتمّ فيما بعدُ تعميدهم وإعطاؤهم أسماء مسيحية بدل أسمائهم المحلية، وتكوينهم تكويناً عالياً في الجامعات الغربية ليشكّلوا النخبة السياسية الحاكمة في بلدانهم.

وتُعدّ عمليتَا الاستشراق والتبشير، اللتان سبقتَا دخول الاستعمار لإفريقيا، الدعامتَيْن الرئيستَيْن اللتَيْن عضَّدتَا الوجود المسيحي في إفريقيا، ويرى بعض الباحثين أنّ الاستشراق هو المصنع، والتنصير هو المُصدّر أو المُوزّع لما يصنعه الاستشراق، علماً بأنّ طلائع المستشرقين من النصارى كانوا ذوي مناصب دينية، بل انطلقوا فعلاً من الكنائس والأديرة(8).

ويقول الدكتور «والتر رودني»: قد كانت البعثات التبشيرية المسيحية جزءاً من قوى الاستعمار إلى حدٍّ كبير، يمثلها في ذلك المكتشفون والتجار والجنود، وربما يكون هناك مجالٌ للمجادلة حول ما إذا كانت البعثات التبشيرية في مستعمرةٍ ما هي التي جلبت قوى الاستعمار الأخرى أو أنّ العكس هو الصحيح، ولكن ليس هناك شكٌّ في حقيقة أنّ البعثات التبشيرية كانت أدوات الاستعمار من الناحية العملية، وقد كان «جونسون» المغامر الإمبريالي يكره تلك البعثات التبشيرية، لكنه قال في الثناء عليها: «كلّ موقع لبعثةٍ تبشيرية هو تدريبٌ على الاستعمار»(9).

ولعلّ أدقّ تعبيرٍ لوصف العلاقة بين البعثة التنصيرية والاستعمار هو تعليق الأستاذ «سيمونز» بالقول بأنه: «جاء الرجل الأبيض إلى إفريقيا وبيده الإنجيل، ولكن بعد أن مرّت عقودٌ قليلة أصبحت الأرض للرجل الأبيض، وأصبح الإنجيل بيد الزنجي»(10)!

واعترف اللورد بلفور بهذه العلاقة وصرّح بذلك بالقول: «إنّ المبشرين هُم مَن ساعد جميع الحكومات المستعمرة وعضّدها في كثيرٍ من الأمور المهمّة، ولولاهم لتعذر على تلك الحكومات أن تذلل كثيراً من العقبات؛ ولذلك فإنّا في حاجةٍ إلى لجنةٍ دائمة تعمل لما فيه صالح المُبشِّرين»(11).

 

الفكر المسيحي والسياسة في إفريقيا:

طغت الديانات التقليدية والطقوس المحلية في إفريقيا، إلى نهاية القرن التاسع عشر من الميلاد، فاعتباراً من بداية العام 1900م كان معتنقو المسيحية والإسلام– الديانتَيْن الأكثر رواجاً في القارة حاليّاً- يُعدّون أقليةً في إفريقيا جنوب الصحراء.

ومنذ ذلك الحين؛ ازداد عدد المسلمين الذين يعيشون بين الصحراء الكبرى ورأس الرجاء الصالح أكثر من 20 ضعفاً، حيث ارتفع من 11 مليوناً في عام 1900م؛ إلى حوالي 234 مليوناً في عام 2010م.

كما نَمَا عدد المسيحيّين أسرع من ذلك بنحو 70 ضعفاً، من حوالي 7 ملايين إلى 470 مليوناً، فإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الآن موطنٌ لواحدٍ من كلّ خمسةٍ من جميع المسيحيّين في العالم (21%)، وأكثر من واحدٍ من أصل سبعةٍ من مسلمي العالم (15%)(12).

وقدّرت مصادر كنسية كاثوليكية عدد سكان إفريقيا- قرب نهاية الحرب العالمية الأولى- بين 140 مليوناً و 200 مليون نسمة، موزعين من حيث الدين لما قد يصل إلى 90 مليون وثني، و40 مليون مسلم، وثلاثمائة ألف يهودي، ويقلّ عدد المسيحيّين عن خمسة ملايين نسمة، بمَن فيهم حوالي ثلاثة ملايين منشق، وخمسمائة ألف بروتستانتي، وأقلّ من مليون كاثوليكي(13).

ويتوقع الباحثون أنّ يصل الوجود المسيحي في القارة إلى 4 من كلّ عشرةٍ من مسيحيي العالم في العام 2060م، أي نسبة 42%، مقابل وجود 27% من مسلمي العالم(14).

يتبين مما سبق: وجود تنوّعٍ ديني وفكري في القارة الإفريقية، حتَّم ذلك وجود مجتمع إفريقي محفوفٍ بصراعاتٍ بين الأديان التقليدية والديانات الوافدة، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك في مقاربات العلاقة بين الدين والسياسة، كما كان متصوراً أيضاً تأثير هذا الوجود الديني في طبيعة الأنظمة السياسية التي ستنشأ بعد استقلال الدول الإفريقية.

وبما أنّ الدول الإفريقية نشأت على أنقاض استعمارٍ أوروبي، ظلّ يتحكم بالدول الإفريقية لمدة قرون، فإنّ الفكر المسيحي الكاثوليكي الأوروبي، المنْبني على فصل الدين عن الدولة، كان مسيطراً على الأنظمة السياسية للدول الإفريقية؛ بدعمٍ من الكنيسة الرومانية. وبعد رفض الكنائس الوطنية الإفريقية لوصاية الكنيسة الرومانية وانفصالها عنه، وانتشار المسيحية البروتستانتية في إفريقيا، بدأ يحدث التغيير التدريجي للنشاط الكنسي الإفريقي نحو السياسة، فبات تدخلها في الشؤون السياسية للقارة أكثر وضوحاً؛ على الرغم من الإعلان الصريح في معظم الدول الإفريقية بتبنّي العلمانية في شؤون الحكم.

وعلى الرغم من أنّ الثابت في الفكر المسيحي، وبخاصّةٍ المسيحية الرومانية، هو نظرية فصل الدين عن الدولة، أو بالأحرى إبعاد الكنيسة عن الممارسة السياسية، وفرضَ ذلك عليها الدعم الضمني للعلمانية، ظهر توجهٌ يمكن اعتباره جديداً في السلوك المسيحي، وبخاصّةٍ الكنيسة الإفريقية الأرثوذكسية التي تتخذ مصر معقلاً لها، وهو اعتبار العلمانية آلةً لمحاربة الدين، ومن ثَمّ يلزم مواجهتها بوصفها تهديداً للقيم الإفريقية والديانات التقليدية. وكان «بيتر بيرجر»(15) لا يزال يتنبأ بأنّ مسيحيي القرن الحادي والعشرين لن يمكن العثور عليهم إلا في طوائف صغيرة، يجلسون معاً لمقاومة الثقافة العلمانية العالمية(16).

ويتلخص هذا التوجه الجديد في ثلاثة محاور، كما تمّ الإعلان عنها، وهي:

1- إعادة التفكير في طرق توصيل الإنجيل في إفريقيا، وذلك لتقديم مواجهة فعّالة لمشكلة العلمانية في سياقٍ اجتماعيٍّ سريع التغيّر.

2- العمل على تحوّل قارة إفريقيا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ في سياق تصاعد القيم العلمانية.

 3- إعادة ترسيخ السلطة الدينية كيما تصبح فعّالةً في المساعدة على خلق مجتمعات صحيّة، وفي أثناء ذلك تقدّم معنى جديداً وقيمةً جديدةً للسياسة(17).

زادت المسيحية تورطها في الشؤون العامّة التي تتصل بالضرورة بالأمور السياسية، نتيجةً للتوصيات والقرارات التي تتمخض عنها الدراسات التي تقوم بها الكنائس المسيحية بصفةٍ عامّة، ففي يومَي 11 و 12 من شهر ديسمبر عام 2014م؛ استضافت كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة مؤتمراً بشأن موضوع «انخفاض المشاركة الدينية: العلمانية والتلمذة في إفريقيا»، كان هذا المؤتمر برعاية اتحاد الإرسالية المُصلحة التابع للكنيسة البروتستانتية في هولندا، وبحضور ما يقرب من اثني عشر عالماً من إفريقيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، كان هذا المؤتمر فرصةً لظهور تنظيرات جديدة للنظرة المسيحية للشؤون العامّة.

وتمّت في هذا المؤتمر محاولة بلورة موضوعَيْن خطيرَيْن، تركزا في الآتي:

1- الإنجيل الاجتماعي The social gospel: فعلى الرغم من خطورة التركيز المفرط في الاهتمامات الاجتماعية- كما قرّروا-؛ فقد أصروا على أنه ينبغي للكنيسة أن تسعى إلى تلبية احتياجات الناس، وذهبوا إلى أنّ هذا ينطبق بشكلٍ خاصٍّ على إفريقيا حيث تتسم الحياة بالفقر، وهجرة أعداد كبيرة من المناطق الريفية إلى الحضرية، والعنف وسط الشباب، وتجنيد الأطفال، وانتشار أطفال الشوارع، وإدمان الكحوليات، وانتشار الأمراض المستعصية من خلال الدعارة.

2- القيادة Leadership: حيث أقرّوا أنّ التعطش للقوة والفساد السائد لدى القادة الأفارقة يرجع إلى أنهم لم يتطبّعوا بالقيم المسيحية، ولهذا فإنّ تعاليم الكنيسة عن القيادة الخادمة بالخضوع لله هي أحد الأعمال المهمّة للكنيسة، وكتب أحد كبار باحثيهم «بيدياكو» قائلاً: «قد لا يكون للمسيحية الإفريقية مَهمّة سياسية في المجتمعات الإفريقية أعظم من مساندة هذا التحوّل في المنظور»(18) ، ويوجد في مثل هذه التقريرات إقرارٌ بقناعة الكنيسة بالتدخل في الشؤون السياسية في أغلب الدول الإفريقية، على سبيل المثال: في الكاميرون على الرغم من أنّ الدولة تُعلن في دستورها أنها «علمانية»؛ فإنّ ذلك يبقى مجرد شعارٍ فقط، فبحسب الكاتب «فانسان سوستين فودا»؛ فإنّ حضور الكنائس والأديان في المجال العام والحياة السياسية- بمختلف وجوهها وأشكالها- حضورٌ ثابتٌ بيّن.

ويزيد في قوة هذا الحضور لجوء المواطنين والهيئات السياسية، بل النظام الحاكم، حتى المعارضة، لجوؤهم إلى الكنيسة والدين، ويُبرهن على ذلك مُقدِّماً إحصاءً بليغاً عن الندوات المنظمة في القارة الإفريقية، وكيف أنّ 90% منها سيّرها رجال دين وزعماء كنائس، خاصّةً بعد سقوط جدار برلين(19).

 

الحراك السياسي للكنيسة المسيحة الإفريقية:

تعلن الكنيسة- في الظاهر- التزامها بالعمل بالمنطق الفكري للمسيحية؛ الذي يلزمها بالبعد عن المعترك السياسي، والتبرؤ من أيّ عملية سياسية، وتتنكر دائماً للتفسيرات التي تومئ إلى ممارستها لأيّ عملٍ له طبيعة سياسية، لكن المشاهَد هو أنّ الحراك الكنسي حاضرٌ بشكلٍ مستمرٍ في الشأن الإفريقي، فالرؤساء الأوائل لبعض الدول الإفريقية خرجوا من الأقلية المسيحية؛ كما هو الشأن في السنغال وفي توغو، كما أنّ النخب التي استلمت الحكم بعد الاستقلال تخرجت في المدارس المسيحية.

ومع آخر التطورات السريعة في القارة؛ لم تعد الكنيسة المسيحية تخفي تدخلها المباشر في الشؤون السياسية لدول القارة، وإنما بدأت تبحث عن مسوّغاتٍ لهذا التدخل، بدعوى حقها في بناء الأمّة المنشودة وفق التعاليم المسيحية.

وتمثّل الحراك السياسي للكنيسة المسيحية في بُعدين أساسيّين حاولت الكنيسة إرساءهما لتسويغ حراكها السياسي:

البعد الأول: محاولة وضع تعريفٍ جديدٍ لمعنى السياسة، وذلك من خلال جعل الإنسان «البُعد المركزي» للسياسة، فالإنسان هو الغاية والموضوع في السياسة، وهو مَن يملك مَلَكَة «الاختيار» و «عدم الاختيار»، ويُعدّ كلاهما فعلاً سياسيّاً(20). ويهدف هذا التنظير الجديد لبعض مفكري الكنيسة إلى إعطاء بُعدٍ واسعٍ لمفهوم السياسية؛ بدعوى أنّ السياسية إن هي إلا المشاركة بشكلٍ ما في الحياة الاجتماعية على أساس مفهومٍ معيّن للإنسان والمجتمع؛ للوصول إلى تمكين المواطن من العمل مع مؤسسات الحكومة والمنتخبين؛ لإيجاد حلول لمشكلات المجتمع، والمشكلات الاجتماعية هي أيضاً: اقتصادية، ثقافية، دينية، تعليمية، صحية، تجارية، ومن ثَمّ يمكننا القول: السياسة الاقتصادية، والثقافية، والدينية، والتعليمية.. إلخ. وهذا التفسير الجديد للسياسة تمّت ترجمته إلى سلوكٍ من قِبَل الأساقفة ومسؤولي الكنائس من خلال الانخراط في الحراك السياسي للدولة الإفريقية.

فيما تمثّل البعد الثاني في: الضغط المباشر على رجال الساسة والتأثير في صناع القرار السياسي، ففي إفريقيا تشكّل «السياسة الخفية» جزءاً كبيراً من التفكير السياسي واللاهوتي، وتؤسس لذلك «القوى المتسترة» التي قوامها سلطة القائد في القبيلة أو في المجتمع، ولم تزل هذه القوى المتسترة والغامضة ترمي بثقلها وقوة تأثيرها على القوى التمثيلية التي يتمخض عنها الفضاء العام، وللسلطة الدينية المسيحية حيّزٌ كبيرٌ في مراكز هذه القوى.

ونجد لهذا البُعد أمثلةً كثيرةً في كثيرٍ من الدول الإفريقية، حيث وصل الأمر ببعض الأساقفة والكاردينالات- في بعض الدول الإفريقية- إلى التدخل المباشر في أمورٍ سياسية بحتة، ففي نيجيريا استنكر رئيس الأساقفة الكاثوليكي «جون أونايكان» دكتاتورية الرئيس «بخاري» في عام 2015م، وأعلن الكاردينال «أنتوني أوكيجي» ما سمّاه «جوع الخبز»، كما دعَا إلى «الحكم الرشيد» للسكان في عام 2016م. وفي بوركينافاسو أعلن الكاردينال «فيليب أوديراوغو» عن معارضة الأساقفة للمراجعة الدستورية التي أُعدّت للسماح للرئيس «بليز كومباوري» بالبحث عن تفويضٍ بالمزيد من المراجعة، وأدت إلى الإطاحة برئيس الدولة في الشارع عام 2014م. كما أنّ رئيس أساقفة داكار «الكاردينال أدريان سار» لا يتردد في انتقاد الحكومة السنغالية بالقول بأنها لا تفعل ما يكفي من أجل السلام في «كازامانس»(21).  

وفي كلٍّ من بوروندي والكونغو نجد مظاهر واضحة للحراك السياسي الكنسي، حتى في الإجراءات الانتخابية، ففي «بوروندي» دخلت البلاد في أزمةٍ سياسية خطيرة؛ إثر انسحاب الكنيسة الكاثوليكية من العملية الانتخابية قبل أسبوعٍ واحدٍ من موعدها المقرر، وشارك الكهنة في العمليات الانتخابية بشكلٍ مباشر، ففي انتخابات 2015م البرلمانية؛ كان عددٌ من الكهنة على رأس خمس لجان انتخابية من بين 17 لجنةً انتخابية على الأقل، وبعضٌ آخر منهم كانوا نواباً لرؤساء لجان(22). وفي «الكونغو» وجدت الكنيسة موطئ قدمٍ راسخٍ لها في العملية السياسية، وسيّر الأساقفة مظاهرةً ضدّ الرئيس «جوزيف كابيلا» للمطالبة بتنفيذ اتفاق القوى المعارضة الذي وُقّع في 31 ديسمبر 2016م(23).

 

الكنائس الوطنية الإفريقية بين الوِصاية الدينية والسياسية:

بعد محاولاتٍ من بعض الحركات الدينية داخل الكنائس الوطنية الإفريقية، للتحرر من السيادة الروحية التي تدعيها الكنائس الأمّ، ثارَ جدلٌ حول العلاقة بين الكنائس المركزية والكنائس الوطنية، فقد تمسكت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بوجود سيادة روحية لها؛ تفرض على الكنائس الوطنية الإذعان لعُرفها حتى لتشريعاتها، وهو ما يرفضه بعض الإصلاحيّين داخل السلطة الكنسية. وفي مقابل هذه الوصاية الدينية يثور أيضاً سؤال عن العلاقة بين الحكام السياسيّين في الدولة الإفريقية والكنيسة الإفريقية.

علاقة الكنائس الوطنية بالكنائس الأمّ:

كانت نشأة جلّ الكنائس الإفريقية على يد المُبشِّرين والأساقفة الموفدين من قِبَل المستعمرين، فمثلاً في غانا يرجع تأسيس الكنيسة العريقة فيها «Eglise de pentecote» إلى عام 1937م؛ بإشرافٍ مباشرٍ من الكنيسة الإنجليزية (24 ) Bradford  ، وظلت الكنائس الإفريقية غير مستقلة عن الكنائس الأمّ في أوروبا، منها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية التي لها دَورٌ بارزٌ في تاريخ أوروبا السياسي، والكنيسة «الإنجليكية أو الأنجليكانية»، والتي انتشرت خارج أوروبا بفعل نفوذ المستعمر الإنجليزي.

وقبيل استقلال الدول الإفريقية انشقت بعض الكنائس الإفريقية عن الكنائس الأمّ، فيما لم يعلن بعض الكنائس استقلاله عن الكنائس الأمّ إلا بعد استقلال الدول الإفريقية، وبدأت فكرة «أفرقة الكنائس» تنتشر، ونتج عنها إنشاء الكنائس الوطنية الإفريقية، وباستثناء الكنيسة المسيحية في مصر وإثيوبيا؛ فما يزال نفوذ الكنائس الأمّ على الكنائس الوطنية الإفريقية كبيراً، وصل إلى درجة التحكم فيها.

والانفكاك من قبضة الكنيسة المركزية لا محالة سيؤدي إلى مواجهةٍ بين السلطتَيْن المركزية والمحلية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى أنّ عمر كثيرٍ من الكنائس الوطنية الإفريقية لا يزال في طور الطفولة قياساً بالكنيسة المصرية أو الإثيوبية، وهذا ما يدعو إلى القول بأنّ معظمها لم يصل بعد إلى مرحلة النضج والدخول في مسائل لاهوتية معقدة لحسم الأفرقة والاستقلالية عن الإدارة المركزية(25).

 تجدر الإشارة إلى أنه من أجل محاولةٍ من الكنائس الوطنية الإفريقية لرفض وصاية الكنائس الأمّ؛ ظهرت حركة «الكنائس الإفريقية المستقلة»(26) ، ففي عام 1967م اشتدت مطالب الناشطين المسيحيّين الذين تبنّوا هذا التوجّه، وشملت الحركة المسيحيّين في إفريقيا جنوب الصحراء ومدغشقر(27) ، ومع ذلك ما زالت العلاقة بين الكنائس الوطنية والكنائس الأمّ تفصح عن وجود تحكّمٍ فعليّ للكنائس المركزية؛ بالاستناد إلى وجود سلطةٍ روحية- مزعومة- تخوّلها القيام بهذه الوصاية، وهذا ما جعل الدكتور «إبراهيم عكاشة علي» يصف الكنيسة المسيحية الرومانية، التي تُعدّ هي الكنيسة الأمّ للكاثوليكية (الفاتيكان)، قائلاً: «لو تمعنا النظر في الكنيسة الكاثوليكية؛ لأمكن القول بأنها منظمة سياسية، وأنّ الفاتيكان أصبحت دولة كنسية تتمتع بكلّ مزايا الدولة»(28).

 

علاقة الكنيسة الإفريقية برجال السياسة:

 تُعدّ علاقة رجال الكنيسة بمختلف درجاتهم برجال السياسة علاقةً مثيرة، خصوصاً بعد الحراك السياسي المشهود والمستمر للكنيسة في الساحة السياسية، ويصعب فرز هذه العلاقة في إطارٍ محدّد، فالدَّور الذي تقوم به الكنيسة ويديره رجال الكنيسة قلّ أن يكون دَوراً مُنشئاً، وكثيراً ما يكون دَوراً مُرجّحاً، أي أنه لا يأتي من الفراغ؛ بل يتمّ استدعاء دَور الكنيسة من الفاعلين السياسيّين بغية ترجيح كفتهم؛ في حال وجود سجالٍ سياسي معيّن. كما أنه عندما نكيّف علاقة رجال الكنيسة بأدوار الفاعلين السياسيّين؛ نرى تأرجح الكنيسة في كثيرٍ من الحالات بين طرفَي النقيض، وقد يصل إلى انقسامٍ داخل الكنيسة نتيجة توازي النفوذ بين الأطراف السياسيّين.  

ففي الكونغو- مثلاً- ألقت الأزمة السياسية الكونغولية بظلالها على العلاقات بين الكنائس الرئيسية، فشكّلت علاقات تنافسية بالدرجة الأولى، فالكنيسة الكاثوليكية الكونغولية من جانبٍ تقوم بدعم المعارضة، وتؤيدها في ذلك الكنيسة الرومانية (الفاتيكان)، بينما نجد كنيسة kimbanguiste تدعم نظام الرئيس «جوزيف كابيلا» ومعها الكنيسة البروتستانتية؛ مُمثلةً في تحالف الكنائس البروتستانتية الكونغولية، التي يُعدّ قائدها «ماريني بودو» شديد الولاء للرئيس؛ لدرجة إعلان تأييده لإجراء تغييرٍ دستوري بما يتيح له تجديد ترشحه للرئاسة(29).

نجد مثل هذه «العلاقة الاستدراجية» في الكاميرون وفي توغو وفي بوروندي، ما يعني وجود كثيرٍ من الحالات التي يستدرج فيها السياسيون، سواء من السلطة أو من المعارضة، رجالَ الكنيسة بغية حسم مسألةٍ سياسية لصالحهم. وفي مقابل «العلاقة الاستدراجية»؛ قد تشكّل الكنيسة عامل ضغط على السلطات السياسية الحاكمة؛ كما هو الحال في نيجيريا.

 

نفوذ الكنيسة الإفريقية في الدوائر السياسية.. الآثار والمستقبل:

استغلت الكنيسة الإفريقية مناسبات عدة اتخذتها ذريعةً للتدخل في الحياة السياسية في إفريقيا، ويتخذ هذا التدخل أشكالاً متعددة، أبرزها التدخل بواسطة «الرسائل الرعوية»، أو التدخل بواسطة «المسؤولية السياسية». أما مناسبات التدخل فيأتي في مقدمتها: مناسبات المجالس الوطنية، أو الانتخابات، أو الانقلابات العسكرية، كما أنّ محتوى هذه التدخلات يختلف وفق المناسبة.

الرسائل الرعوية: تُعدّ من أشكال التدخلات الرئيسية التي تكون بمبادرةٍ صرفة من الأساقفة، وهي رسائل ذات طبيعة سياسية، يتم توجيهها إلى الأتباع على إثر مناسبةٍ معيّنة كالأزمات السياسية، والاحتجاجات السياسية، والتعديلات القانونية الجوهرية، أو المواقف التي تتخذها الدولة تجاه قضية معيّنة. وتحتوي الرسائل غالباً على القيم الديمقراطية، والحقوق الأساسية للمواطنين، واحترام المؤسسات القانونية للدولة، والدعوة إلى المصالحة والسِّلْم الاجتماعي(30).

المسؤولية السياسية: وهي الدَّور السياسي المباشر الذي تقوم به الكنيسة أحياناً بدعوةٍ مباشرة من السياسيّين المنتخبين أو المعارضين، للمشاركة في حلحلة أزمة معيّنة، وكثيراً ما تكون في شكل وساطة. كما قد يكون هذا الدَّور مبادرةً من تلقاء الكنيسة لاتخاذ موقفٍ صارم تجاه قضية معيّنة، أو لنصرة طرفٍ على طرفٍ آخر في خصومةٍ سياسية قائمة. وهذا الشكل من حيث التدخل أصرح أشكال تدخلات الكنيسة في الشؤون السياسة للدولة الإفريقية، وغالباً ما يكون الشكل الأول بدايةً وتمهيداً لهذا الشكل الأخير.

وشاهدنا الكنيسة في كثيرٍ من الأزمات السياسية، في بعض الدول الإفريقية، تتحول من مجرد وسيطٍ في النزاع لتكون طرفاً ثالثاً في القضية، أو تكون على حساب طرفٍ ثانٍ، كما في الكونغو وبوروندي، ومن الأمثلة على ذلك: الاحتجاج الجماعي لأعلى الهرم القيادي للكنيسة الكاثوليكية في توغو ضدّ الانقلاب على الدستور، بعد وفاة الرئيس «نياسيكبي إياديما»، حيث لم تكتف الكنيسة بإصدار «الرسائل الرعوية»؛ ولكن انخرطت في عملٍ سياسي بدعمٍ من الكنائس البروتستانتية الغربية؛ لتحقيق هدفٍ سياسي بحت.

من الطبيعي أن يشكّل الدَّور السياسي الذي تقوم بها الكنيسة ضبابيةً في الدَّور الحقيقي المعلن للكنيسة، سواء على مستوى العلاقة بين الكنيسة والدولة، أو على مستوى العلاقة بين الكنيسة والشعب نفسه، وينعكس مستوى هذه العلاقات بشكلٍ مباشر على الأجندة الأساسية للقارة، فالتورط السياسي للكنيسة في الشؤون السياسية البحتة أحدث أزمةً في الثقة بين الكنيسة والدولة، حيث ترى الدولة أنّ الكنيسة جاءت لتنافسها في الميدان السياسي، وأنها– أي الكنائس- تريد أن تكون دولاً داخل دولة؛ ولذلك رأينا بعض ردَّات الفعل التي جاءت من الدولة- تجاه بعض المواقف في الكنيسة- عنيفةً إلى درجة سقوط قتلى، كما في مظاهرات الأساقفة في «الكونغو» ضدّ الحكومة.

وعلى مستوى الشعوب؛ فالفشل السياسي الذريع الذي مُنيت به الدولة الإفريقية بمؤسساتها، وعجزها عن الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين على الصعيدَيْن الأمني والتعليمي وغيرهما، جعل الشعوب تولي اهتماماً أكبر لصوت الكنيسة على حساب أصوات الساسة.

أما الانعكاس السلبي لهذه العلاقة على الأجندة الإفريقية الأساسية؛ فهو تعقيد الأزمات والصراعات في إفريقيا، باعتبار أنّ أي دَورٍ تقوم بها الكنيسة حيال أزمةٍ معيّنة فإنه يستدعي بالضرورة البُعد الديني للقضية، ويكرّس الانقسامات الدينية في القارة. وأحدث مثال لذلك هو ما حصل في إفريقيا الوسطى، حيث تمّ التآمر على الرئيس المسلم «ميشيال جوتوديا» من قِبَل عناصر «أنتي بلاكا» بدعمٍ من الكنيسة بعدما تمّ إكساب القضية الهُوِيَّة الطائفية، وسقط على إثر ذلك كثيرٌ من الضحايا، في صراعٍ طائفيٍّ بين المسيحيّين والمسلمين، كان النصيب الأكبر فيهم من جانب الأقلية المسلمة(31).

إذا كان الظاهر في الطرح المسيحي هو إبعاد الكنيسة عن الدوائر السياسية؛ فإنّ محاولات الكنيسة لبسط نفوذها في الدوائر السياسية تزداد يوماً بعد يوم، والأنشطة التي كانت تقوم بها خلسة أصبحت تقوم بها الآن بشكلٍ علني؛ معتبرةً ذلك أنشطةً مقبولة، ويُنبئ ذلك بالدَّور الحاسم الذي سوف تتمتع به الكنيسة تجاه شؤون القارة، بما فيها الشؤون السياسية الأكثر حساسية، وقد يثير هذا النفوذ حفيظة الأديان الأخرى، ويمكن لذلك أن يخلق اصطداماً بين الأديان المختلفة في القارة، وتزداد الشروخات في بنية المجتمع الإفريقي.

 

الخاتمة:

ظلت علاقة الدين بالدولة مثيرةً في كلّ المجتمعات، واكتسبت هذه العلاقة طبيعةً خاصّة ومعقدة في المجتمع الإفريقي، نظراً للتنوع الديني الإفريقي، تحاول الكنيسة في ظلّ هذا الوضع المحفوف بالتعقيدات أن تلعب بالورقة السياسية لبسط نفوذها في الفضاء الإفريقي، وقد نتج عن ذلك ما نشاهده من ارتداداتٍ لهذه المحاولات سبّبت مزيداً من التعقيد في المشهد الإفريقي.

ويستدعي الوضع الحالي إعادة بلورة الفكر المسيحي في قضايا السياسة والمجتمع، في وقتٍ صار فيه الفكر المسيحي ومواقف بعض الأساقفة ورقةً يلعب بها الساسة لترجيح مواقفهم، كما أنّ العديد من مواقف الكنيسة يأخذ طابعاً ازدواجيّا،ً ولا يساهم بشكلٍ إيجابيٍّ في بناء الدولة الإفريقية السليمة.

 

الاحالات والهوامش:

(1) حل النزاعات بين الأديان، معهد السلام الأمريكي، 2008م، ص31.

(2) عون الشريف قاسم، الصراع الإسلامي المسيحي في إفريقيا، مجلة دراسات إفريقية، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، العدد 20 يناير 1999م، ص45.

(3) عبد الرزاق عبد المجيد ألارو، التنصير في إفريقيا، رابطة العالم الإسلامي، 2008م، ص32.

(4) طارق أحمد عثمان وعبد الوهاب طيب البشير، مدخل لدراسة المسيحية في إفريقيا، جامعة إفريقيا العالمية، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، 2003م، ص66.

(5) عون الشريف قاسم، مرجع سابق، ص48.

(6) عون الشريف قاسم، مرجع سابق، ص49.

(7) عبد العزيز الكحلوت، التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، كلية الدعوة الإسلامية، (الطبعة الثانية 1992م- ليبيا)، ص67.

(8) عبد الرزاق عبد المجيد ألارو، مرجع سابق، ص27.

(9) عبد العزيز الكحلوت، التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، ص68.

(10) عبد العزيز الكحلوت، مرجع سابق، ص68.

(11) عبد الرزاق عبد المجيد ألارو، التنصير في إفريقيا، رابطة العالم الإسلامي، الإدارة العامة للثقافة والنشر، سلسلة دعوة الحق– كتاب شهري محكم- السنة الثالثة والعشرون، العدد 227، ص36.

(12) Islam and Christianity in Sub-Saharan Africa, Pew Forum on Religion & Public Life, 2010, p. i.

(13)  الكنائس الأوروبية في إفريقيا بين التبشير بالاستعمار ولاهوت التحرير، مجلة دراسات إفريقية، العتبة العباسية المقدسية – قسم الشؤون الفكرية والثقافية، العدد الرابع آذار 2018م، ص25.

(14) David McClendon, Sub-Saharan Africa will be home to growing shares of the world’s Christians and Muslims, http://www.pewresearch.org, Fact Tank - Our Lives in Numbers , April 19, 2017.

(15) عالم اجتماع ورجل دين بروتستانتي، أمريكي مولود في النمسا (17 أبريل 1929م - 27 يونيو 2017م)، له مساهمات في النظرية الاجتماعية.

(16) هيرمان بول، العلمانية في إفريقيا: بحث ضروري، المجلة اللاهوتية المصرية، المجلد الثالث 2016م، ص44.

(17) الكنائس الأوروبية في إفريقيا بين التبشير بالاستعمار ولاهوت التحرير، مرجع سابق، ص75.

(18) المرجع السابق، ص77.

(19) انظر: عرض الحسن سرات لكتاب «الكنائس المسيحية والدول الوطنية في إفريقيا» للمؤلف: فانسان سوستين فوداً، انظر:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/books، 2006/9/22.

(20) Marc Kodjo Agayi, l'engagement politique des chretiens dans les pays francophones d'afrique de l'ouest, Universite de Strasbourg, Faculté de Théologie Catholique, 2010, p. 10.

(21) Le pouvoir des églises en Afrique, https://afrique.lalibre.be/13362/le-pouvoir-des-eglises-en-afrique/ 11 .01.2015.

(22) Burundi: l’Église catholique se retire du processus électoral, http://www.jeuneafrique.com/232888/politique/burundi-l-glise-catholique-se-retire-du-processus-lectoral/, 28\05\2015.

(23) F.G. dreyfus, Religion et Politique en Afrique subsaharienne, http://www.academiedegeopolitiquedeparis.com/religion-et-politique-en-afrique-subsaharienne/, 06/04/2016.

(24) Sandra Fancello, Les politiques identitaires d’une Église africaine transnationale, Cahiers d’Études africaines, XLIII (4), 172, 2003, p. 857.

(25) إبراهيم عكاشة علي، أفرقة الكنائس الوطنية، دراسات إفريقية، مجلة بحوث نصف سنوية، العدد 20 يناير 1999م، ص62.

(26) اسم أُطلق على الحركات الدينية المسيحية في إفريقيا، والتي تعتبر نفسها كنائس ضمن التقليد النصراني، إلا أنها لم تستمد عرفها الحالي من مصادر البعثات الغربية.

(27) Nmah,  The Rise of Independent African Churches, 1890-1930: An Ethical-genesis of Nigerian Nationalism, African Research Review, An International Multi-Disciplinary Journal, Ethiopia.

Vol. 4 (4), Serial No. 17, October, 2010, p. 482.

(28) إبراهيم عكاشة علي، مرجع سابق، ص71.

(29) بلال المصري، الكنيسة الكاثوليكية فاعل سياسي بإفريقيا من واقع حالتَي الكونغو الديموقراطية وأنجولا، المركز الديموقراطي العربي، أبريل 2018م.

(30) Marc Kodjo Agayi, l'engagement politique des chretiens dans les pays francophones d'afrique de l'ouest, Universite de Strasbourg, Faculté de Théologie Catholique, 2010, p. 182.

(31) بحر حسن شافعي، مستقبل الصراع في إفريقيا، الجزيرة نت، 25/03/2014م.

 

 

كتاب الموقع