أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا "الأفريكوم" ودورها في أمننة القارة السمراء

د. فوزية قاسي (*)

أدَّت مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية بشأن تأمين الإمدادات النفطية الآتية من القارة الإفريقية، إلى إعلان إدارة "بوش الابن" عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة خاصة بالقارة الإفريقية؛ وذلك لضمان تمكُّن الولايات المتحدة من نَشْر قواتها ومعداتها في القارة، خاصةً في أوقات الطوارئ؛ حمايةً للإمدادات النفطية في ظل الحرب الأمريكية العالمية لمكافحة الإرهاب، وفي هذا السياق، أعلنت الإدارة الأمريكية آنذاك عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة تختص بالقارة الإفريقية، والتي تمثلت في "الأفريكوم".

يتناول هذا المقال مشروع قيادة "الأفريكوم"، والأسباب الرئيسة التي أدَّت إلى إنشائها، والتي تتمثل دون أدنى شكٍّ في أمننة النفط الإفريقي؛ لنختم بالتعريج على سياسة "إدارة باراك أوباما" في إشارةٍ إلى إستمرار هذه الأخيرة في اتباع نفس نهج سالفتها.

 

أولا: إنشاء قيادة "الأفريكوم" وردود الفعل الإفريقية

أعلن "جورج دبليو بوش" في 6 فبراير 2007م عن إنشاء قيادة جديدة تخص إفريقيا، ولقد تَمَّ إطلاق قيادة "الأفريكوم" رسميًّا في الأول من أكتوبر 2007م، وكانت تُسَيَّر وقتئذ تحت القيادة الأمريكية لأوربا "الأوكوم"، لتصبح مستقلة بذاتها ابتداء من أوّل أكتوبر 2008م (1) ، وحتى ذلك الحين، كانت القوات الأمريكية في الخارج تخضع لخمس قيادات مختلفة، حسب المناطق الواجب تغطيتها في العالم، وكانت تتقاسم المسؤولية عن إفريقيا ثلاث قيادات إقليمية: القيادة المركزية "السنتكوم"، قيادة المحيط الهادي "الباكوم"، وقيادة أوربا "الأوكوم".

غَير أنَّ هذه الجهود العسكرية الأمريكية في إفريقيا ظلت مبعثرة بين هذه القيادات المختلفة، مما أدَّى إلى ارتفاع الأصوات المُطَالِبَة بإنشاء قيادة قتالية موحَّدة خاصة بإفريقيا، وفي هذا الشأن اقترحت إحدى كبار المسؤولين في البنتاغون -"تيريزا ويلان" Theresa Whelan – في سنة 2005م، أن يتم تمديد مسؤولية "قوة التدخل المشتركة في القرن الإفريقي" The Combined Joint Task Force-Horn of Africa إلى كامل إفريقيا، فضلاً عن إنشاء قيادة جديدة تغطي كامل الدول الإفريقية الثلاث والخمسين.

بعد ذلك، وفي نهاية شهر أغسطس 2006م، صرَّح "إريك إدلمان" Eric Edelmen  في مؤتمر صحفي، أن وزير الدفاع يفكِّر في إنشاء قيادة عسكرية موحَّدة على أساس جغرافي، لتغطية القارة الإفريقية بكاملها. وتحقيقًا لهذه الغاية قام البنتاغون في شهر نوفمبر 2006م، بتشكيل "فريق التخطيط التنفيذي" Implementation Planning Team  (IPT)  لدراسة إمكانية إنشاء القيادة الجديدة، وسيعود إلى وزير الدفاع آنذاك "روبرت غيتس" Robert Gates  الموافقة على توصيات هذا الفريق، واقتراح إنشاء "الأفريكوم" على الرئيس "بوش الابن" (2). بالتالي فقد تم اعتماد المشروع في شهر ديسمبر 2006م، بعد ذلك تم الإعلان عن إنشاء القيادة الجديدة في 6 فبراير 2007م، لتكون القيادة الإقليمية السادسة للبنتاغون، المسؤولة عن القارة السمراء بكاملها، بما في ذلك المناطق البحرية التابعة لها في المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، باستثناء مصر التي لا تزال تحت مسؤولية القيادة المركزية "السنتكوم".

ولقد حاول البيت الأبيض منذ البداية، إزالة المخاوف الإقليمية والدولية الواردة بشأن إقامة هذه القاعدة العسكرية الجديدة، فقد ورد عن "دونالد رامسفلد" Donald Rumsfeld  -وزير الدفاع قبل تعيين "روبرت غيتس"- أنه ينبغي النظر إلى قيادة "الأفريكوم" كعلامة للصداقة والإرادة في التعاون الأمريكي-الإفريقي، كما أنه لطالما سعت "إدارة بوش الابن" إلى ربط الأهداف الرسمية لقيادة إفريقيا بتعزيز التنمية في القارة السمراء، وتوسيع الشراكات مع الفواعل الأفارقة كالاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية، وتعزيز الاحترافية العسكرية، وتشجيع الإصلاحات بما في ذلك الشفافية، الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، إرساء الحكم الراشد والاستقرار في المنطقة، ومعالجة قضايا الصحة العامة على مستوى القارة (3).

هذا ولقد أشار بعض المسؤولين في وزارة الدفاع إلى أن "الأفريكوم"، قيادة قتالية "بالإضافة" Combatant Command ‘‘Plus’’ ، أي أنها ستتولى جميع الأدوار والمسؤوليات التي تقع على أيِّ قيادة حربية تقليدية، بما في ذلك القدرة على قيادة العمليات العسكرية، لكن هذه القيادة سوف تعمل أيضًا وفق منطق "القوة الناعمة" Soft Power الرامية إلى بناء بيئة أمنية مستقرة، وذلك من خلال إشراك عناصر مدنية في قيادة إفريقيا، مما يعتبر تطورًا في استراتيجية وزارة الدفاع المُسَطَّرَة في الوثائق الحكومية، وهو ما أوضحه أحد المسؤولين في وزارة الدفاع بقوله: "نحن نريد المساعدة في تطوير بيئة إفريقية مستقرة، يمكن من خلالها بناء مجتمع مدني، وتحسين نوعية حياة المواطنين" (4).

وفي هذا الصدد، فإن المهمة التي تتولاها قيادة إفريقيا يمكن مقارنتها بمهمة القيادة الجنوبية "الساوثكوم" SOUTHCOM  المسؤولة عن الجهود العسكرية الأمريكية في أمريكا الوسطى والجنوبية، والتي تتضمن عمليات مكافحة المخدرات، المساعدات الإنسانية، رصد ودعم مبادرات حقوق الإنسان في المنطقة؛ –وذلك حسبما حدَّدته وزارة الدفاع الأمريكية- على عكس قيادة أوربا "الأوكوم" والقيادة المركزية "السنتكوم"، التي تركِّز عادةً على الإعداد للحروب والعمليات القتالية المحتملة، هذا ولقد اقترح "ريان هنري" Ryan Henry  -وهو مسؤول في وزارة الدفاع- في 23 مايو 2007م، أنه إذا كانت الحكومة الأمريكية تسعى إلى نجاح القيادة الجديدة، فإنه ينبغي أن تظل القوات الأمريكية خارج القارة السمراء على مدى السنوات الخمسين القادمة (5).

وفي هذا الإطار، فقد أثار إنشاء "الأفريكوم" مجموعةً واسعةً من ردود الفعل في إفريقيا، بدءًا بمعارضة شديدة ضد أي وجود عسكري أمريكي إضافي في القارة، خاصةً عندما باشرت وزارة الدفاع عملية البحث عن مقر للأفريكوم، وهو الأمر الذي أتاح للسياسيين الأفارقة فرصة تسجيل نقاط ضد الولايات المتحدة؛ من خلال المعارضة علنًا، ليس على مَقرّ القيادة الجديدة في القارة وحسب، بل وعلى "الأفريكوم" في حدِّ ذاتها، وقد قدمت نيجيريا وجنوب إفريقيا على وجه الخصوص تصريحات قوية في هذا الشأن، بحيث أعلنت جنوب إفريقيا أنها لن تتعاون مع "الأفريكوم"، لدرجة أنَّ فريقًا من كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين، خلال زيارتهم إلى هذه الدولة في مارس 2008م لمناقشة موضوع القيادة الجديدة، لم يتمكنوا من مقابلة أيٍّ مِن كبار المسؤولين هناك (6).

ولقد كان وزير دفاع جنوب إفريقيا "موسيوا ليكوتا" Mosiuoa Lekota  في أواخر شهر أغسطس 2007م، قد صرَّح أن الدول الإفريقية تعارض قيام قيادة أمريكية في القارة، وأن هذا القرار يتبناه الاتحاد الإفريقي. وفي السياق نفسه، صرح وزير الخارجية الجزائري آنذاك "محمد بجاوي" في 3 مارس 2007م، أن الجزائر لن تقبل إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، فذلك يتعارض مع سيادتها واستقلالها، ونفَى بدوره وزير الخارجية المغربي في منتصف شهر يونيو من نفس السنة،  المعلومات التي أفادت أن بلاده قد عرضت استضافة القيادة الأمريكية الجديدة، كما أعربت بقية دول المغرب العربي بوضوح عن عدم رغبتها في إقامة مقر للقيادة الجديدة في جوارها.

ولقد ورد في مقال مشترك لكل من "عبد الكريم بانغورا" Abdul Karim Bangura  و"بيلي تيت" Billie D. Tate أنه ينبغي تفكيك "الأفريكوم"؛ لأنها ليست وسيلة حكيمة لمساعدة الأفارقة في مكافحة الإرهاب، بل هي ببساطة مبادرة تَضُرُّ بإفريقيا، وتُوَلِّد المزيدَ من المشاعر المعادية للولايات المتحدة في القارة. وكما جاء عن "سليم لون" Salim Lone  -المتحدِّث السابق باسم البعثة الأمريكية في العراق وصاحب عمود في صحيفة "ديلي نايشن" Daily Nation في نيروبي بكينيا- فإن "الأفريكوم" تعكس اعتماد "إدارة بوش الابن" بشكل أساس على استخدام القوة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، مضيفًا أنه من بين الأهداف الرئيسة للقيادة الجديدة هو ضمان واردات النفط من غرب إفريقيا التي اكتسبت أهمية أكبر بكثير في ضوء العداء الذي تواجهه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما جاء في سياق حديثه أن "الأفريكوم" سوف تقوم بعسكرة العلاقات بين إفريقيا والولايات المتحدة، وتخلق المزيد من المسلحين الغاضبين الذين يعارضون وجود الجيش الأمريكي في البلدان أو المناطق الخاصة بهم (7).

بَيْدَ أنَّه رغم ردود الفعل الإفريقية السلبية، والتي شكَّلت الأغلبية الساحقة، فقد كانت هناك بعض الحكومات الإفريقية ممن صرحت علنًا عن دعمها للأفريكوم، مُعَبِّرة عن مصلحتها في استضافة مقر القيادة الأمريكية الجديدة، ومن بينها: السنغال، مالي، غانا، ناميبيا، ساوتومي وبرنسيب، غينيا الاستوائية، كينيا، جيبوتي، بوتسوانا، وليبيريا التي كانت الأكثر دعمًا ورغبةً في استقبال مقر "الأفريكوم" على أراضيها (8) ، في محاولة لاستعادة علاقات خاصة مع الولايات المتحدة، لكنَّ المخطِّطِين في البنتاجون لم يستحسنوا ليبيريا كموقع استراتيجي لقيادة إفريقيا، وبعد مشاورات واسعة النطاق، قرَّرت واشنطن أن يكون مقر "الأفريكوم" في مدينة "شتوتغارت"  Stuttgartالألمانية؛ حيث يتواجد مقر القيادة الأمريكية لأوروبا "الأوكوم" (9).

إنَّ مصلحة الولايات المتحدة في تأمين الوصول إلى نفط غرب إفريقيا، هو الذي ترجم وجودها الاستراتيجي المعزَّز في المنطقة، ولقد كان إنشاء "الأفريكوم" عام 2007م ترسيخًا لاندفاع واشنطن الاستراتيجي نحو غرب إفريقيا الغنية بالنفط، بحيث أصبح -وللمرة الأولى- الموقف العسكري الأمريكي تجاه المنطقة منسقًا ضمن هيكلٍ قياديٍّ موحَّد، ولقد أعلن البيت الأبيض أن أولويات "الأفريكوم" تتمثل في الجَمْع بين جميع البرامج الأمنية في القارة التي تهدف إلى مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات وحلّ الصراعات، والحدّ من الفقر وتحقيق الاستقرار الاقتصادي على نطاق أوسع في القارة، من خلال البُعْد التنموي الذي حاولت واشنطن إضفاءه على قيادة "الأفريكوم" بتضمينها عناصر مَدَنِيَّة في خطوةٍ غير معهودة في القيادات العسكرية الأخرى، ويتبين ذلك في إشراك وزارات كل من الخارجية والزراعة والتجارة والصحة، ووكالات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  (USAID)  في قيادتها (10).

غير أن الحقيقة هي أن النفط هو الذي يُشَكِّل الاهتمام الأسمى، الذي يحدِّد بشكل كبير طبيعة واتجاه استراتيجية الولايات المتحدة تجاه غرب إفريقيا، ولا يتردد المسؤولون في البنتاغون من إعلان ذلك، فقد أدلى القائد العام للقوات المسلَّحة لقيادة أوربا آنذاك "جيمس جونز"، في تعليقه على الأساس المنطقي لزيادة الوجود العسكري الأمريكي، بأنَّ الإمكانيات الواسعة لإفريقيا تجعل من استقرارها ضرورة استراتيجية عالمية. وللتأكيد على أهمية النفط الإفريقي، ورد عن "أنتوني هولمز"   J. Antony Holmes - نائب قائد العمليات المدنية- العسكرية في "الأفريكوم"- في شهر يناير 2011م، أن كل ما تصبو إليه الولايات المتحدة هو التأكد من أن نظام الطاقة يعمل دون انقطاع وهي قضية مهمة جدًّا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وضرورية للغاية لمصلحتها الأمنية (11).

إن إحجام المخطِّطين الأمريكيين في توضيح مهمة "الأفريكوم" منذ البداية، لم يساعد على التقليل من الشكوك والريبة حيال إنشائها، فقد ركَّزت معظم التفسيرات الأولى على عمليات التنظيم والرغبة في تنسيق البرامج الحالية والمستقبلية، مما أثار بعض الشكوك –إقليميةً كانت أم دولية- حول الغرض الفعلي، ولتبديد هذه المخاوف، فقد ذهب المتحدثون باسم البنتاغون، خلال زياراتهم إلى جميع أنحاء القارة لشرح مهمة القيادة الجديدة، إلى تصوير هذه الأخيرة على أنها شيء جديد ومختلف عن القيادات العسكرية الأخرى، ولقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال "بيتر بيس" Peter Pace ، أن قيادة "الأفريكوم" لن تكون نسخة عن القيادات التقليدية الأخرى، مشيرًا إلى زيادة التركيز على التعاون بين الوكالات الحكومية الأمريكية من أجل بناء القدرات الإفريقية على الحكم بفاعلية، كما نفَى أيَّ مصلحةٍ في إرسال قوات أمريكية إلى القارة، في محاولة لطمأنة الأفارقة (12).

غير أنه بالنسبة لأغلبية القادة السياسيين وكذلك المحللين، فإن النية الحقيقية للولايات المتحدة من إنشاء قيادة "الأفريكوم"، تظل تكمن في توفير حماية أفضل لمصلحتها في القارة السمراء، خصوصًا بعدما برزت الأهمية الاستراتيجية لاحتياطيات النفط في غرب إفريقيا، وهي فكرة طرَحها "جيريمي كينان" Jeremy Keenan الذي اتهم واشنطن باختلاق التهديد الإرهابي، بغرض تهيئة الظروف لعسكرة القارة، مما يُتِيح لها الوصول إلى الموارد الطبيعية، لذلك فهي تتعمد المبالغة في وَصْفها لنشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي.

 

ثانيا: المهام الرئيسة لإنشاء قيادة "الأفريكوم"        

تم إنشاء قيادة "الأفريكوم" –وفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية- نظرًا لتزايد الأهمية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية لإفريقيا في الشؤون العالمية، لذلك فإن الولايات المتحدة تسعى بطرق أكثر فاعلية، للمساعدة في تجنُّب/ والاستجابة للأزمات الإنسانية، وتحسين جهود التعاون في سبيل القضاء على الإرهاب عبر الحدود الوطنية، والحفاظ على الجهود المستمرة التي تسهم في تعزيز الوحدة والتنمية الإفريقية. غير أنَّ هذا الطرح يثير التساؤل حول علاقة الوقاية والاستجابة للأزمات الإنسانية وتعزيز الوحدة الإفريقية، مع الأهمية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية المتزايدة للقارة (13).

ليس مِن المستغرَب أن تكون الحُجَج التي ساقتها الولايات المتحدة لإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا مُتَّسِمَة بالمثالية، بغية تعبئة الرأي العام والترويج للفكرة، ولكنَّ هناك أسبابًا أخرى هي أقرب إلى الواقع من كلِّ ما زعمته الولايات المتحدة، وأبرز هذه الأسباب وأهمها –كما حاولنا توضيحه على مدى الفصل الثاني والثالث- هو النفط الذي يُمَثِّل الهدف الأول للسياسة الأمريكية تجاه إفريقيا (14).

ففي منتدى (15) جمع كلا من "دانيال فولمان" Daniel Volman  و"جيريمي كينان" Jeremy Keenan  في هذا الشأن، ورد عن "ستيفن تشان" Stephen Chan  أن صُنَّاع السياسة الأمريكية قد قاموا ببذل جهد كبير في حَجْب أو بالأحرى خداع الناس حول حقيقة "الأفريكوم"، فكثيرًا ما تحدثوا عن عمليات حفظ السلام الإفريقية، وعمليات الإغاثة الإنسانية، وما شابه ذلك، غير أن المسؤولين في قيادة إفريقيا وعلى رأسهم الجنرال "وليام وارد" William Ward ومساعده النائب الأميرال "روبرت مولر" Robert Moeller  لم يترددا في ذكر السبب الرئيس من وراء إنشاء هذه الأخيرة؛ حيث تحدَّثا من خلال تصريحهما عام 2008م عن مصالح الولايات المتحدة في منطقة غرب إفريقيا الغنية بالنفط، وعن المخاوف بشأن الإرهاب الذي يُهدِّد مرافق النفط الحيوية (16).

فقد صرَّح الجنرال "وليام وارد" أن اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على النفط الإفريقي، هو مسألة ذات أولوية بالنسبة للأفريكوم، وذلك عندما مَثُلَ أمام "لجنة الخدمات المسلَّحة في مجلس النواب" The House Armed Services Committee  في يوم 13 مارس 2008م، وذهب إلى التأكيد أن مكافحة الإرهاب ستكون الهدف الأول للأفريكوم، وبالكاد ذكر التنمية والمساعدات الإنسانية وحفظ السلام أو حلّ الصراعات. وفي السياق نفسه، أعلن النائب الأميرال "روبرت مولر" في "مؤتمر الأفريكوم" الذي عقد في يوم 18 فبراير 2008م، أن حماية التدفق الحُرّ للموارد الطبيعية من إفريقيا إلى السوق العالمية هي إحدى المبادئ التوجيهية الأساسية للقيادة الجديدة، وذكر على وجه التحديد كلاً من: انقطاع إمدادات النفط، الإرهاب، والنفوذ المتزايد للصين، كتحديات كبرى لمصالح الولايات المتحدة في إفريقيا (17).

ومنذ ذلك الحين، طُلِبَ منهما تجنُّب الصراحة حول هذا الموضوع، لتصبح تعليقاتهما أكثر ارتباطًا بالتصريحات الرسمية بشأن "الأفريكوم"، وفي هذا الإطار يرى "ستيفن تشان- أن الجيش لم يكن على دراية بأنه ليس من المفترض التصريح بالحقيقة، وأنه في لقائها مع قيادة أوربا  –التي كُلّفت بالإشراف على قيادة "الأفريكوم" إلى غاية أكتوبر 2008م- فإن كل ما تحدثت بشأنه "تيريزا ويلان" –مُساعِدَة وزير الدفاع المكلفة بالشؤون الإفريقية والتي وُجِّهَت إليها مهمة إنشاء "الأفريكوم" آنذاك- هو النفط والإرهاب، والوصول إلى الموارد، وما إلى ذلك (18).

في حين أنها أعلنت، أنه على عكس القيادات الموحَّدة التقليدية، فإن "الأفريكوم" ستهتم ببناء قدرة الدول في الاستجابة للأزمات، وتقوية العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإفريقيا، وتوفير فُرَص جديدة لدعم العلاقات العسكرية الثنائية، وتعزيز قدرات المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية في القارة، وتلقين المهارات اللازمة لمكافحة الإرهاب، ودعم وكالات الحكومة الأمريكية في تنفيذ البرامج الأخرى التي تُعَزِّز الاستقرار في المنطقة، وأكَّدت "تيريزا ويلان" أنَّ "الأفريكوم" لم تُؤَسَّس لتأمين موارد النفط أو تحجيم الدور الصيني في القارة الإفريقية (19) ؛ حيث جاء في تصريح لها يوم 2 أغسطس 2007م: "يَعتقد البعض أننا أنشأنا "الأفريكوم" فقط لمحاربة الإرهاب، أو لتأمين موارد النفط، أو تحسُّبًا للوجود الصيني في القارة، وهذا غير صحيح، إنَّ التطرف العنيف هو مدعاة للقلق، وينبغي التصدِّي له، ولكن ليست هذه هي المهمة الوحيدة للأفريكوم، كما أن الموارد الطبيعية تُمَثِّل ثروة إفريقيا الحالية والمستقبلية، ولكن لا بد أن يكون ذلك في ظل بيئة عادلة، تعود بالفائدة على الجميع، ومن المفارقات أن الولايات المتحدة والصين ودولاً أخرى، تتقاسم نفس المصلحة في تهيئة بيئة آمنة، و"الأفريكوم" تسعى إلى مساعدة الأفارقة على بناء قدرة أكبر لضمان أمنهم" (20).

لكنَّ "دانيال فولمان" لديه رأيٌ آخر في هذا الموضوع، فبالنسبة إليه فإن لواشنطن –ودون أدنى شك- مصالحُ أخرى في إفريقيا إلى جانب جعلها الجبهة الجديدة في الحرب العالمية على الإرهاب، ألا وهو الحفاظ وتوسيع نطاق الحصول على إمدادات الطاقة والمواد الخام الاستراتيجية الأخرى، فضلاً عن مسألة تنافسها مع الصين والقوى الاقتصادية الأخرى من أجل السيطرة على موارد القارة (21) ؛ وذلك بسبب القلق الذي انتاب الأعضاء الرئيسيين في "إدارة بوش الابن"، إزاء جهود بكين المتنامية في سبيل توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء القارة، خاصة بعد جولة الرئيس الصيني آنذاك "هو جين تاو" Hu Jin Tao في هذه الأخيرة، واستضافة العاصمة بكين لاجتماعات رفيعة المستوى مع رؤساء الدول الإفريقية، كدليل على وجود استراتيجية صينية كبرى تجاه إفريقيا، تهدِّد الأمن القومي للولايات المتحدة وتستهدف مصالحها.

بالتالي، فإن إنشاء "الأفريكوم" –يشير "فولمان"- يدخل ضمن جهود واشنطن لوضع استراتيجية كبرى من شأنها مواجهة وإحباط –في نهاية المطاف- جهود الصين، وهو بمثابة تحذير موجَّه إلى بكين؛ أنه ينبغي كبح جماحها أو مواجهة العواقب المحتملة التي ستؤثر على علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى المصالح الصينية في إفريقيا (22).

وردًّا على التساؤل حول مهمة "الأفريكوم" في إفريقيا، فقد جاء عن "فولمان" أنها تتمثل –بادئ ذي بدء- في تنفيذ سلسلة من الأنشطة الهادفة إلى تعزيز قدرة الأنظمة الإفريقية الرئيسة للبقاء في السلطة، فضلاً عن برامج المساعدات الأمنية المختلفة لتعزيز القدرة العسكرية لهذه الأنظمة تحت إشراف الجيش الأمريكي، والتي –يشير "فولمان"- هي غير ديمقراطية، وعادةً ما تكون قمعية، لكنها تسيطر على بلدان غنية بمصادر الطاقة خاصةً النفط، وذكر "فولمان" كأمثلة عن هذه الدول: نيجيريا، أنغولا، تشاد، وغينيا الاستوائية، ومنها أيضًا الجزائر (23).

ويضيف "فولمان" في السياق نفسه، أنَّ واشنطن تُفَضِّل أن تأخذ الأنظمة الإفريقية –الصديقة- المختارة، بزمام المبادرة في مواجهة هذه التحديات، حتى تتجنَّب الولايات المتحدة التورط العسكري المباشر في إفريقيا، خاصةً في الوقت الذي انخرط فيه الجيش الأمريكي بِعُمْقٍ في حربي العراق وأفغانستان، فضلاً عن استعداده لهجمات محتملة على إيران، وهو بالضبط سببُ توفير واشنطن للمساعدات الأمنية لهذه الأنظمة، المستعِدَّة للعمل وفق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً الدول المنتجة للنفط في غرب إفريقيا، ما يُمَثِّل أحد الأسباب الرئيسة التي أدَّت إلى إنشاء "الأفريكوم" (24).

وهو كذلك نفس النهج الذي اتبعته واشنطن في الشرق الأوسط تحت القيادة المركزية "السنتكوم"، التي تم إنشاؤها وفاءً بتعهُّد "جيمي كارتر"، المتمثِّل في أن الولايات المتحدة ستكون مستعِدَّة لاستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر لحماية تدفق النفط من الخليج الفارسي، وهو الذي أصبح معروفًا بـ"مبدأ كارتر"، الذي تتبعه قيادة "الأفريكوم" لحماية تدفق النفط من خليج غينيا.

أما فيما يخص مقر القيادة الجديدة، فقد لاحظ "فولمان" أن الولايات المتحدة على علمٍ بأنه من غير المستحسَن بناء القواعد العسكرية الواضحة للعيان في جميع أنحاء القارة الإفريقية، وأن كل ما تحتاجه هو استخدام المنشآت العسكرية المحلية قدر الإمكان. وتحقيقًا لهذه الغاية، عقدت واشنطن عدة اتفاقيات مع عدد من الحكومات الإفريقية، تُتيح لها إمكانية استغلال مرافقها لإقامة قواعد عسكرية أمريكية عند الضرورة، وهكذا فإنه لن يتم إحراج دولة غانا –على سبيل المثال لا الحصر- إذا ما انتُقِدَتْ بشأن استضافتها لقاعدة عسكرية أمريكية، مما يعني أنه من الناحية التقنية، لن تضطر الحكومة الغانية إلى إخفاء الحقيقة، ولكنها لن تشرح بأنها قد توصلت بالفعل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يسمح لهذه الأخيرة باستخدام قواعدها العسكرية (25).

وهو ما أسمته "إدارة بوش الابن" بالقيادة الموزَّعة؛ نظرًا لمعارضة أغلبية الدول الإفريقية لإقامة قواعد عسكرية أجنبية في القارة، وفي هذا الصدد يقول "فولمان": "إنه حتى في إفريقيا، التي كانت تُعتبر ساحةً يسهل التلاعب والتدخل فيها مِن قِبَل القوى الكبرى، فإن واشنطن لم تَعُدْ قادرة على الاعتماد على الأنظمة الموالية لها فيها"؛ كما صرَّح وزير الدفاع آنذاك "روبرت غيتس" أنه في اعتقاده لا ينبغي أن تضغط الولايات المتحدة على الحكومات الإفريقية (26).

لكن –وكما ذكر "دانيال فولمان"- فإن كل ما تحتاجه واشنطن هو استخدام المنشآت العسكرية المحلية عند الضرورة، علمًا بأن للولايات المتحدة القدرة على إقامة قواعد عسكرية كبيرة جدًّا في غضون 24-48 ساعة، وهذا ما يحدث بالأساس عند زيارة رئيس أمريكي لبلد إفريقي؛ حيث يتم إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية، وذلك طوال مدة الزيارة، ليتم إزالتها مباشرة عند مغادرة الرئيس الأمريكي، الذي يأتي وبرفقته الآلاف والآلاف من مشاة البحرية "المارينز" –على حدِّ قول "فولمان"- بكامل معداتها العسكرية وإمدادات أخرى، فضلاً عن نُظُم ومعدات الاتصال المتطورة للتواصل مع واشنطن.

وبالإضافة إلى توفير أمن الرئيس الأمريكي، لعلمهم أنه لا يمكن الاعتماد على القوات المحلية، فإن هذه القوات الأمريكية تقوم بالتخطيط لحالات الطوارئ، وتستعد للتدخل العسكري المباشر في إفريقيا، ومن الأمثلة المهمة في هذا الشأن، السيناريوهات التي أجرتها في شهر مايو 2008م، والتي شملت كلاً من الصومال ونيجيريا؛ تمهيدًا لتنصيب "الأفريكوم" كقيادة مستقلة، وفي حين أننا لسنا على اطلاع واسع بالسيناريو الخاص بالصومال؛ –يقول "فولمان"- لكن أولئك الذين شاركوا في سيناريو نيجيريا أفصحوا عن الكثير من المعلومات المفصَّلة؛ نظرًا لارتباكهم إزاء التوقعات التي وضعها هذا السيناريو (27).

ولقد تم وضع سيناريو نيجيريا في عام 2013م –أي بعد ستّ سنوات من عام 2008م- وتمثلت توقعات هذا الأخير في أنه بحلول عام 2013م، ستتعطل الإمدادات النفطية الآتية من نيجيريا، مما يعني أن الولايات المتحدة سوف تفقد ما يقارب 10% من وارداتها النفطية، الأمر الذي سيؤدِّي إلى تعطيل اقتصادها مع ما سينتج عن ذلك من عواقب، وأن هذا الانقطاع لن تتسبب فيه "الحركة من أجل تحرير دلتا النيجر" Movement for Emancipation of Niger Delta  (MEND) ، بل سيكون ذلك بسبب انهيار الحكومة النيجيرية التي ستتجزأ، ويتدهور الوضع ليصل إلى صراع على موارد النفط بين مختلف عناصر الحكومة، وأن الجيش النيجيري سيبدأ القتال من أجل السيطرة على منطقة دلتا النيجر، وهو ما سيُوقِف إنتاج نيجيريا من النفط.

ولقد قام هذا السيناريو باستكشاف عدة بدائل؛ مثل تدخُّل جنوب إفريقيا، أو ربما وكالة الاستخبارات الأمريكية Central Intelligence Agency  (CIA)  التي يمكن أن تجد وسيلة للتوصل إلى حلٍّ، ليخلُص السيناريو في النهاية، بتوقع أن رئيس الولايات المتحدة سيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول أن يقف أمام الشعب الأمريكي ويعلن أن لا وجود للبنزين في محطات الوقود، وأنه ليس في وُسْعه القيام بشيء حيالَ ذلك، مما سيكون –بالطبع- بمثابة انتحار سياسي لأيّ رئيس، أما الخيار الثاني، فهو أن تقوم الولايات المتحدة بإرسال 20.000 جندي أمريكي في منطقة دلتا النيجر، على أمل أن تتمكن –بطريقة أو بأخرى- من جعل النفط يتدفق من جديد (28).  

هذا، ولقد وافق "جيريمي كينان" على ما ورد في حديث "دانيال فولمان" فيما يخص تفسيره لأسباب تأسيس "الأفريكوم"، وأن ذلك يتعلق بالفعل بأزمة النفط في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن هذه الأخيرة استخدمت الحرب على الإرهاب كذريعةٍ لإضفاء الشرعية على التدخل العسكري في إفريقيا، ابتداءً من اختلاق التهديد الإرهابي الذي تَركَّز في الجزائر، والذي انتشر بدءًا من عام 2002 و2003م، في أنحاء منطقة الساحل الإفريقي، ليصل في نهاية المطاف إلى نيجيريا في عام 2005 (29). أما فيما يخصُّ الطريقة التي تمَّت بها فَبْرَكَة هذا التهديد، فهو حديثٌ آخر لن نخوض فيه من خلال هذه الدراسة (30).

 

ثالثًا: السياسة الإفريقية في عهد "باراك أوباما"

أصبحت قيادة "الأفريكوم" عملية بالكامل ابتداءً من الأول أكتوبر من سنة 2008م، أي قبل شهر من انتخاب السيناتور "باراك أوباما" Barack Obama  لخلافة الرئيس "بوش الابن"، مما يعني أنه سيعود إلى الرئيس المنتخب أن يقرر ما إذا كان سيتبع نفس المسار الذي ميَّز سياسة "بوش الابن" واستراتيجيته التي تعتمد على استخدام القوة العسكرية في إفريقيا، إرضاءً للإدمان الأمريكي المستمر على النفط، أو رَسْم مسارٍ جديدٍ، يقوم على شراكةٍ دوليةٍ ومتعدِّدة الأطراف مع الدول الإفريقية لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، فضلاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، واتباع نظام طاقوي عالمي جديد يقوم على استخدام الموارد النظيفة والآمنة والمتجددة (31).

إنَّ السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا قد خضَعت لتحوُّلات مهمة على مدى طول فترة حكم "جورج دبليو بوش"، تميزت بتوسع نطاق مصالح الولايات المتحدة، وزيادة تدفق الإمدادات النفطية، وإنشاء عدة مبادرات عسكرية، كان آخرها قيادة "الأفريكوم"، ولقد جاءت هذه التحولات في عهدٍ أصبحت فيه منطقة غرب إفريقيا مصلحة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، لدرجة أن السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا أصبحت من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية (32).

ولقد ورثت الإدارة الجديدة لـ "باراك أوباما" عن سالفتها، زيادة كبيرة للتدخل العسكري الأمريكي في القارة؛ حيث شملت هذه التركة برامج لمكافحة الإرهاب، وتوسُّع هائل لعمليات السلام الأمريكية، وإطلاق القيادة العسكرية الجديدة لإفريقيا "الأفريكوم" التي خضعت لجدال وخلاف عميق (33).

هذا بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من الأزمة المالية الناشئة خلال عام 2009م، مما جعَل من توسيع السياسة الإفريقية أقل احتمالاً، خاصة وأن "باراك أوباما" بالكاد ذكرها أثناء حملته الانتخابية عام 2008م، كما لم يتضمن خطابه في أكرا Accra  خلال زيارته لدولة غانا في يوليو 2009م بعد توليه الرئاسة، أي مبادرات رئيسية جديدة، بل لقد ورد في خطابه أن "مستقبل إفريقيا هو بيد الأفارقة" كإشارة للطموحات المتواضعة لـ"إدارة أوباما" تجاه القارة السمراء، بالتالي بدا وكأن إدارة هذا الأخير، على عكس "إدارة بوش الابن"، قد قللت من تركيزها على القضايا الأمنية في إفريقيا (34).

وهكذا يمكن القول: إن انتخاب أول رئيس أمريكي من أصول إفريقية، قد رافقته توقعات عالية للغاية لسياسة الولايات المتحدة تجاه القارة السمراء، وتفاؤلٌ من أن مقاربته ستكون أكثر تعاطفًا ودرايةً في إدارة العلاقات الأمريكية مع الدول الإفريقية (35).

غير أنَّ هذا التفاؤل الذي أحاط بـ"إدارة أوباما" توقَّف عند مستوى الخطابات الرسمية، فعلى الرغم من الانتقادات، دافعت الإدارة الأمريكية الجديدة على قيادة "الأفريكوم" وأيَّدت زيادة تمويلها؛ حيث تضمَّنت ميزانية "إدارة باراك أوباما" المقترحة للسنة المالية 2010م حوالي 300 مليون دولار مخصَّصة لقيادة إفريقيا، وذلك لمكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الإقليمي والحكم الديمقراطي –حسب الأهداف المُعْلَنَة- كما أكَّد "أوباما" أن قيادة "الأفريكوم" لا تَهْدُفُ إلى تأسيس موطئ قدم أمريكي في إفريقيا، وذلك أثناء خطابه في غانا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تُخَطِّط للحصول على أيِّ قواعد أخرى في القارة.

وفي الوقت نفسه، اقترحت الإدارة الجديدة ميزانيةً إضافيةً لبرامج المساعدات العسكرية التي تستمر "إدارة أوباما" في توفيرها –من خلال "الأفريكوم"- للدول الإفريقية التي تمثل مصلحة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مثل نيجيريا، ولقد بذلت "إدارة أوباما" في هذا السياق جهودًا للحفاظ على علاقات قوية مع الدول الإفريقية المُنْتِجَة للنفط، تجسَّدت في الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية آنذاك "هيلاري كلنتون" Hilary Clinton  إلى نيجيريا وأنغولا في شهر أغسطس 2009م (36).

إنَّ سياسة "إدارة أوباما" تجاه إفريقيا قد تعرَّضت للضغوطات، خاصةً من طرف شركات النفط الأمريكية –اللوبي النفطي- وكذلك بعض خزانات الفكر think tanks وبعض المنظمات غير الحكومية، فضلاً عن مسؤولين في وزارة الخارجية، ووكالة التنمية الدولية ووزارة الدفاع، وبعض الحكومات الإفريقية، بغرض متابعة خطة الأفريكوم التي بدأتها "إدارة بوش الابن"، بالتالي كان من المتوقع أن تستمر "إدارة أوباما" في عسكرة السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا (37).

وهذا يقودنا إلى الحديث عما قد تغيَّر أو لم يتغير في السياسة الإفريقية للولايات المتحدة، منذ تولِّي "باراك أوباما" الحكم، الذي وصل إلى السلطة بعد الافتتاح الرسمي لقيادة "الأفريكوم"، وفي هذا الصدد يرى "دانيال فولمان" أنَّ كل الأدلة تشير إلى أن "أوباما" يواصل على نفس النَّهْج الذي سَلَكَه "بوش الابن"، ففي ميزانيته المقترحة للسنة المالية 2010م على سبيل المثال، طلب المزيد من المال لتدريب القوات الإفريقية، والمزيد من المال لاقتناء الأسلحة التي سيتم إرسالها إلى أنظمة القارة المختارَة للدفاع عن المصالح الأمريكية، والمزيد من المال لتمويل عمليات "الأفريكوم"، والمزيد من المال للعمليات البحرية قبالة خليج غينيا الغني بالنفط.

وأثناء جولة "هيلاري كلنتون" الإفريقية في شهر أغسطس 2009م، قامت وزيرة الخارجية السابقة بتقديم المساعدات العسكرية لدول مثل نيجيريا وأنغولا، مُصَرِّحَة أن "إدارة أوباما" ستفعل كل ما في وسعها للوفاء بتعهداتها، وأنه في حالة ما إذا طلبت الحكومة النيجيرية الحصول على المزيد من المعدات العسكرية لاستخدامها في منطقة دلتا النيجر على وجه التحديد، فإن الولايات المتحدة ستكون على استعداد تامّ لتوفير ذلك. بالتالي لطالما كان تأمين النفط هدفًا أساسيًّا من وراء هذه الزيارات (38).

في حين علَّق "جيريمي كينان" حول سياسة "إدارة باراك أوباما" تجاه إفريقيا، مُعْرِبًا عن شكوكه حول ما إذا كان "أوباما" على علمٍ بما يجري في القارة باسمه؛ وذلك لأن هذا الأخير يُواجِه مشاكل كثيرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه بِغَضِّ النظر عن مدى أهمية إفريقيا بالنسبة لمستقبل الأمن الطاقوي الأمريكي، إلا أنها لن تُشَكِّل أولوية على جدول أعماله، في حين تستمر المشكلات الداخلية (39).

ومن خلال ما تقدَّم، فإنَّ تأثر صُنَّاع السياسة الأمريكية بالعامل النفطي يبقى واضحًا، وينعكس بالفعل على سياسات الولايات المتحدة إزاء دول القارة الإفريقية، التي باتت تُشَكِّل مصلحةً استراتيجية قوية لأمنها الطاقوي، بعدما برزت أهمية منطقة غرب إفريقيا عامة وخليج غينيا خاصة، وذلك رغم الجهود التي تبذلها واشنطن لنفي نيتها في السيطرة على النفط الإفريقي، مؤكِّدة أنه ليس للولايات المتحدة الأمريكية أيُّ أهداف غير مُعْلَنَة في القارة، سوى انشغالها بمساعدة شعوبها على تحقيق التنمية والاستقرار الأمني، أما في واقع الأمر، فإنَّ هذه التصريحات لا تَعْدُو عن كونها نوعًا من الدبلوماسية لطمأنة النفوس وتهدئة المشاعر المعادية للولايات المتحدة الأمريكية، والحقيقة هي أن هذه الأخيرة لا تتردّد في استخدام كل الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية في سبيل السيطرة على هذا المورد الاستراتيجي الحيويّ (40).

 

الإحالات والهوامش

(*) أستاذة محاضرة قسم "ب" - جامعة وهران 2 محمد بن أحمد/ الجزائر

(1)  Lauren Ploch, ‘‘Africa Command : US Strategic Interests and the Role of the US Military in Africa’’, CRS Report for Congress, updated in August 22, 2008, p.1.

(2)  Yves Boyer, ‘‘Le Regain d’Intérêt Américain pour l’Afrique : Quelles Conséquences Militaires et Stratégiques ?’’, Fondation pour la Recherche Stratégique, 8 Décembre 2006, p.7.

(3)  François Raffenne et Jean-Loup Samaan, ‘‘Le Débat Stratégique Américain : Lignes de Partage 2006-2007’’, In. Politique étrangère, N°4, (Hiver, 2007), pp.871, 872.

(4)  Lauren Ploch, Op.Cit, pp.5, 6.

(5)  Ibid. p.7.

(6)  Lyman Princeton N., ‘‘The War on Terrorism in Africa’’, In. John W. Harbeson and Donald Rothchild (Eds), Africa in World Politics : Reforming Political Order, 4th Edition,  (USA : Westview Press, 2009), p.299.

(7)  Abdul Karim Bangura and Billie D. Tate, ‘‘Africa’s Responses to International Terrorism and the War against it’’, In. Jack Mangala (Ed), New Security Threats and Crises in Africa : Regional and International Perspectives, (New York : Palgrave MacMillan, 2010), pp.79, 80.

(8)  Ibid., p.81.

(9)  Princeton N. Lyman, Op.Cit., p.299.

(10)   عبد القادر رزيق المخادمي، قيادة "أفريكوم" الأمريكية: حرب باردة أم سباق تسلح؟، (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2011م)، ص 58.

(11)  Raphael Sam and Stokes Doug, ‘‘Globalizing West African Oil : US Energy Security and the Global Economy’’, In. International Affairs, Vol.87, N°4, (2011), p.910.

(12)  Princeton N. Lyman, Op.Cit., p.298.

(13)  Carmel Davis, ‘‘AFRICOM’s Relationship to Oil, Terrorism and China’’, In. Orbis Foreign Policy Research Institute, Vol.53, Issue.1, (January, 2009), pp.122, 123.

(14)   خيري عبد الرزاق جاسم، "قيادة عسكرية أمريكية جديدة لإفريقيا: فرصة أمريكية ومحنة إفريقية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 21، (فبراير 2009م)، ص97.

(15)  عُقد هذا المنتدى تحت رعاية "مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية" The School of Oriental and African Studies (SOAS)  بجامعة لندن، في نوفمبر 2009م.

(16)  Stephen Chan, Daniel Volman and Jeremy Keenan, ‘‘The Origins of AFRICOM : The Obama Administration, the Sahara-Sahel and US Militarization of Africa’’, In. ACAS Concerned Africa Scholars, US Militarization of the Sahara-Sahel : Security, Space and Imperialism, Bulletin N°85, (Spring, 2010), p.86.

(17)  Daniel Volman,‘‘Obama, AFRICOM, and US Military Policy Towards Africa’’, PAS Working paper Number 14, edited by : David Shoenbrun, USA : Department of History, NorthWestern University, 2009, p.8.

(18)  Stephen Chan, Daniel Volman and Jeremy Keenan, Op.Cit., p.86.

(19)  Carmel Davis, Op.Cit., p.123.

(20)  Daniel Volman, Op.Cit., p.6.

(21)  Ibid., p.7.

(22)  Ibid., pp.10, 11.

(23)  Chan Stephen, Volman Daniel and Keenan Jeremy, ‘‘The Origins of AFRICOM : The Obama Administration, the Sahara-Sahel and US Militarization of Africa’’, In. ACAS Concerned Africa Scholars, US Militarization of the Sahara-Sahel : Security, Space and Imperialism, Bulletin N°85, (Spring, 2010), p.86.

(24)  Daniel Volman, Op.Cit, p.9.

(25)  Stephen Chan, Daniel Volman, and Jeremy Keenan, Op.Cit., pp.86, 87.

(26)  Daniel Volman, Op.Cit., pp.28, 30.

(27)  Stephen Chan, Daniel Volman, and Jeremy Keenan, Op.Cit., p.87.

(28)  Ibid., p.87.

(29)  Stephen Chan, Daniel Volman, and Jeremy Keenan, Op.Cit.,pp.88, 89.

(30)   غير أنه من الممكن المطالعة على سرد "جيريمي كينان" في هذا الموضوع، وذلك من خلال مؤلَّفه الذي يحمل عنوان The Dark Sahara : America’s War on Terror in Africa  بالإضافة إلى The Dying Sahara .

(31)  Daniel Volman, Op.Cit., p.30.

(32)  Jennifer G. Cooke and  J. Stephen Morrison, ‘‘A Smarter US Approach to Africa’’, In. Jennifer G. Cooke and  J.Stephen Morrison (Eds), Beyond the Bush Years : Critical Challenges for the Obama Administration, (Washington DC : Center for Strategic and International Studies, 2009), p.1.

(33)  William Mark Bellamy, ‘‘Making Better Sense of US Security Engagement in Africa’’, In. Jennifer G. Cooke and J.Stephen Morrison (Eds), Beyond the Bush Years : Critical Challenges for the Obama Administration, (Washington DC : Center for Strategic and International Studies, 2009), p.12.

(34)  Nicholas Van De Walle, ‘‘US Policy Towards Africa : The Bush Legacy and The Obama Administration’’, In. African Affairs, Vol.109,N°434 , (2009), p.18.

(35)  Rebecca Burns, ‘‘US Africa Policy Under Barack Obama : A New Direction ?’’, Catholic Parliamentary Liaison Office, Cape Town : South Africa, October, 2010, p.1.

(36)  Laura White, ‘‘What Kind of Change for Africa ?: US Policy in Africa Under the Obama Administration’’, Les Notes de l’Iris, (Avril, 2010), pp.10, 11, 14.

(37)  Daniel Volman, Op.Cit., p.32.

(38)  Stephen Chan, Daniel Volman, and Jeremy Keenan, Op.Cit., p.88.

(39)  Ibid. p.90.

(40)   أيمن شبانة، "النفط الإفريقي: عندما تتحرك السياسة الأمريكية وراء الموارد"، مجلة إفريقيا قارتنا، العدد 2، (فبراير، 2013م)، ص7.

 

كتاب الموقع