أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

العلاقات الأمريكية الأفريقية بعد تصريحات ترامب المسيئة.... ماهي المسارات والخيارات؟

 

        محمد بشير جوب (*)

في اجتماع له في البيت الأبيض مع أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، للبحث حول قضية الهجرة في الولايات المتحدة الأمريكية صدرت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات تضمنت عباراتٍ مسيئةً تجاه هايتي والدول الأفريقية، حيث وصف فيها ترامب البلدان المصدرة للمهاجرين إلى أمريكا بأنها "حثالة" وأنه يجب جلب المهاجرين من بلدان كالنورويج، وأكد المشرعون الأمريكيون الذين  حضروا الاجتماع عبر وسائل الإعلام أنه بالفعل تلفظ بهذه العبارات المسيئة حرفيا.

رغم أن ترامب تسارع في آخر المطاف في تغريدة له في تويتر للقول بأنه تم تحريف كلامه وتحميله مالم يحتمل وأنكر استخدام ألفاظ مسيئة، إلا أن هذه التصريحات أثارت حفيظة الأفارقة وأخذ المسؤولون الأفارقة هذا الكلام محمل الجد، وبعثوا رسائل قويةً إلى الإدارة الأمريكية يشجبون فيها هذا الكلام المشين من الرئيس الأمريكي.

في السياق الذي وردت فيه هذه التصريحات يحق لنا أن نسأل هل العلاقات الأفريقية الأمريكية ستأخذ منحى جديدا وهل ستتأثر من هذه التصريحات؟ أم كانت مجرد تصريحات عابرةٍ لن تكون لها قيمة في مجرى العلاقات بين القارتين؟

 

مسارات العلاقات الأمريكية الأفريقية

معلوم أن العلاقات الأمريكية الأفريقية بعد استقلال الأخيرة بدأت باردة، فخلال الحروب الباردة ركَّزت أمريكا جهودها في محاولة منع الاتحاد السوفيتي مع أيدولوجيتها الشيوعية من السيطرة على الدول الأفريقية المستقلة حديثا، واستمرت أمريكا على هذه السياسية الاحتوائية التي تتبنى الدفاع دون المبادرة والهجوم، إلى أن جاء الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي لم يكتف بسياسة الاحتواء، بل استشعر المصالح الحيوية التي يمكن أن تستغلها الإدراة الأمريكية للاستفادة من القارة الأفريقية، ففي خطاب له في أكرا عاصمة غانا عام 1998 قال كلينتون:  "أن الغاية المرجوة من هذه الرحلة هى أن نتمكن سويا من وضع الأمور فى نصابها حتى يدرك أحفادنا بعد مائة عام من الآن أننا قد وضعنا أسس النهضة الأفريقية الحديثة وإذا كانت الطيور تظل تعمل بدأب جيئة وذهابا، كى تبنى أعشائها، فإننا نعمل كذلك على مساعدتكم فى بناء أفريقيا الجديدة".

 عمل كلنتون بعد هذا الخطاب على إعادة توجيه السياسة الأمريكية من خلال التركيز على دبلوماسية التجارة كأداة للاختراق، ونجح في ذلك إلى حد كبير، أراد الرئيس الأمريكي جورج بوش صاحب فكرة النظام العالمي الجديد أن يستمر على هذا النهج فوقع مع الدول الإفريقية اتفاقية أغوا The African Growth and Opportunity Act (AGOA) عام 2000 وهي اتفاقية تجارية تسهل التبادل التجاري بين القارتين، ويعفي حوالي 7000 من منتجات 39 دولة أفريقية بما في ذلك المنسوجات والسيارات والفاكهة والنبيذ من رسوم دخول أسواق الولايات المتحدة، وفي ظل إدارة أوباما مد الكونغرس الأمريكي هذا القانون إلى عام 2025 بعد انتهى صلاحيته عام 2015، انشغلت الإدارة الأمريكية في فترة الرئيس الأمريكي جورج بوش بالحرب على الإرهاب، وفسح هذا المجال للصين وبقية الدول مثل فرنسا لتوسيع نفوذهم في أفريقيا على حساب أمريكا.

 جاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليتبنى سياسة التوسع في أفريقيا والمنافسة مع الصين فأعلن عن تعهدات لشركات أميركية بالاستثمار في أفريقيا بقيمته 14 مليار دولار، ويعتبر ذلك مواصلة لمبادرات أميركية بدأتها إدارته في 2013، ودعا بعد ذلك إلى قمة أمريكية أفريقية هي الأولى من نوعها في أغسطس 2014 بمشاركة 50 دولة إفريقية، تحت عنوان "الاستثمار في الجيل القادم" كانت القمة محاولة لتحويل الاهتمام الأميركي من مجرد النظر إلى القارة الأفريقية على أنها منطقة حروب، بل تتمتع بفرص اقتصادية واستثمارية هائلة أغفلتها الولايات المتحدة لمدة طويلة، فمن عهد أوباما بدأت تتبلور لدى الإدارة الأمريكية السياسة الاستراجية الشاملة في أفريقيا، من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

فبموجب قانون النمو والفرص "أغوا" (AGOA)  ارتفع مجموع صادرات الولايات المتحدة إلى أفريقيا 22% أي الى 10.3 مليار دولار، وارتفع إجمالي واردات الولايات المتحدة من أفريقيا بنسبة 40% أي  إلى 50.3 مليار دولار، كما ازداد اعتماد الولايات المتحدة على أفريقيا فى الحصول على مصادر الطاقة، ليصبح مسألة استراتيجية، فلا يخفى أن نحو 15% من البترول الذى تحتاج إليه الولايات المتحدة يأتى من وسط وغرب أفريقيا، وهذا ما أكده والتر كانيستنر مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية حين قال في 2002 "أن النفط الأفريقي أصبح مصلحة استراتيجية قومية لأمريكا" ومن جانب آخر عززت أمريكا وجدها العسكري في القارة بإنشاء قواعد عسكرية في أكثر من دولة بدعوى محاربة الإرهاب بينما هي لحماية المصالح الأمريكية، كما أعطت أمريكا الأولوية في مساعداتها المالية للدول التي تنجز تقدما في احترام القيم الديموقراطية حسب المعايير الأمريكية.

 

 مُنعطف العلاقات الأمريكية الأفريقية في ظل إدارة  ترامب.

لم يكن من المستبعد أن يشكل وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض منعطفا جديدا في العلاقات بين القارتين، فالخطاب الذي تبناه ترامب في حملاته الانتخابية تجاه بعض القضايا مثل الهجرة، والوعود التي قطعها للتعامل معها يمكن وصفها بالرديكالية، كما أن القرارات التي اتخذها فور انتخابه رئيسا كانت قرارت تعسفية، لم يرض الكثيرين، كحظره بعض الدول من هجرة مواطنيها إلى أمريكا والترحيل القسري لبعض المهاجرين الأفارقة.

تعد مسألة الهجرة في أمريكا من المسائل الأكثر حساسية بين أفريقيا وأمريكا، حيث ارتفع عدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى أمريكا ما بين عامي 1980 و 2010، بنسبة 29 %، ففي عام 2015 وصل عدد المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء إلى 1.7 مليون أفريقي وهو ما يمثل 4% من 43.3 مليون مهاجر في الولايات المتحدة، كما يشكلون 83 % من 2.1 مليون مهاجر من أفريقيا، والباقي يأتي من شمال أفريقيا، ويتألف التدفق الحالي لأفريقيا جنوب الصحراء من مهنيين مهرة، وأفراد يسعون للالتحاق بأقاربهم، واللاجئين من البلدان التي مزقتها الحروب.

وتجد الإدارات الأمريكية صعوبة في التعامل مع ملف المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة الأمريكية والذين وصل عددهم إلى 12 مليون بصفة عامة خلال السنوات الست الماضية، ورغم أن نصف هؤلاء ينتمون إلى دول أمريكا الشمالية إلا أن لأفريقيا نصيب منهم، حيث يقدر مركز "بيو" البحثية أن عدد الأشخاص الذين هاجروا بشكل غير قانوني من أفريقيا قد زاد بنسبة 37.5٪، شكل هذا هلعا كبيرا لترامب فضرب سياسة المجاملة التي كانت تنتهجها إدارة أوباما عرض الحائط، وانتهج سياسة الطرد والحظر، فطردت حوالى 326 مواطنا صوماليا فور وصوله إلى السلطة، بالإضافة إلى مئات المهاجرين من غانا ونيجيريا والسنغال ودول أفريقية أخرى وفي عام 2016، تم ترحيل واحد من كل 1087 مهاجر أفريقي من الولايات المتحدة، كما تم حظر دول أخرى من الهجرة إليها منها أربع دول أفريقية هي السودان وليبيا وتشاد والصومال.

وسط هذه السياق تأتي التصريحات المشينة والعنصرية للرئيس الأمركي ترامب، وهي تصريحات تتسق بالفعل مع ماكان يصرح به أثناء حملاته الانتخابية مثل تصريحه "بأن بعض الأفارقة أغبياء وكسالى غير صالحين إلا للأكل والشرب وإشباع غريزة الجنس والسرقة" وقد ورث منهم كثير من الأمريكيين السود تلك الطبائع البغيضة "التسكع والتباكي بدعوى التعرض للتمييز " مستدلا في ذلك بكينيا كنموذج سيئ حيث إن الحكومة الكينية ومعارضيها ينهبون ثروات الدولة للاستثمار في الخارج.

كما انتقد نيجيريا بأشد العبارات قائلا: "لكي نجعل بلادنا كبيرة وقوية مرة أخرى، علينا أن نتخلص من المسلمين، المكسيكيين والأفارقة، وعلى وجه الخصوص النيجيريين، علينا أن نرحّل الأفارقة" هكذا كانت وماتزال النظرة الاستعلائية والعنصرية لترامب تجاه الأفارقة، سواء في دولهم أو في الولايات المتحدة نفسها، ولكنها لم يحظ آنذاك باهتمام الأفارقة باعتبارها أقوالا دعائية أو براغماتية للوصول إلى السلطة، أما الوضع اختلف تماما بعدما صار رئيسا لأقوى دول العالم، فصدمت عباراته التي وصف فيها الأفاراقة بـ "الحثالة" الرؤساء الأفريقيين، وكان الرد سريعا ومنسجما من عدد من الدول الأفريقية، فقد احتجت بوتسوانا وغانا وهايتي وناميبيا والسنغال والاتحاد الأفريقي جميعا على تصريحات ترامب، وطالبوا بسحب العبارات المشينة، فيما عبر الأمم المتحدة عن استيائه البالغ من هذه التصريحات، ومع ذلك لايمكن حصر ملامح السياسة الجديدة لترامب نحو أفريقيا بمجرد هذه التصريحات بل يجب النظر عن الإرث الذي خلفته الإدارات السابقة لإدارة ترامب، وماهي الخطة البديلة لها فيما لو وجدت.

 

ملامح الاستراتيجية الجديدة لترامب نحو أفريقيا

بدعم من الرؤساء السابقين كلينتون، بوش، وأوباما، كان العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وأفريقيا جنوب الصحراء مبنيا على فكرة أن أفريقيا لديها فرص تستحق اهتمام الولايات المتحدة والاستثمار، ففي العقدين الماضيين مرَّر الكونغرس قانون النمو والفرص الأفريقية "أغوا" (AGOA ، وقام أيضا بتمرير مبادرات إغاثية مثل برنامج طوارئ الرئيس للإغاثة من الإيدز (President's Emergency Plan for AIDS Relief)، وأنشأت الإدارة الأمريكية مؤسسة تحدي الألفية (Millennium Challenge Corporation) في 2004، فهذه أهم البرامج التي ورثها ترامب من الإدارات الأمريكية السابقة تجاه أفريقيا.

 لم يرجح كثيرون أن يؤدي انتخاب الرئيس ترامب إلى تغييرات جذرية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أفريقيا، رغم وعود ترمب بإعادة النظر في عدد من الاتفاقيات الخاصة بالسياسة الخارجية الأمريكية، إلا أنه ظهر واضحا أن ترامب لا يرضى بالخطط الأمريكية السابقة التي اعتبرها مكلفة، فقام بخفض المساعدات التنموية الموجه للخارج، و التي تمثل 1% من الميزانية الفدرالية، و كانت حصة إفريقيا من هذه المساعدات مرهونة في الغالب باحترام قضايا حقوق الإنسان و تنمية الديمقراطية، كما ظهر جليا أن الإدارة الجديدة بقيادة ترامب لا تملك أي خطة بديلة شاملة نحو إفريقيا أمام التوسع الصيني والأروبي فيها، وتعكس تصريحات ترامب عن الجهل المطبق لحقائق القارة الأفريقية التي طالما راهنت عليها أمريكا في سد احتياجاتها في مجال الطاقة، كما أن المهاجرين الذين يصفهم بالحثالة يساهمون بشكل كبير في بناء الاقتصاد الأمريكي حيث 43% من المهاجرين الأفارقة إلى أمريكا يحملون على الأقل شهادة البكالوريوس، كما يخفى عليه ربما أن المهاجرين جملة  ضخوا مقدار 1.3 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، وساهموا ب 105 مليار دولار في الضرائب الحكومية والمحلية وما يقرب من 224 مليار دولار من الضرائب الاتحادية في عام 2014.

 

(*) كاتب وباحث سنغالي متخصص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية.

 

 

كتاب الموقع