أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الشيخ محمد عبد الله حسن.. العالم الصومالي المجاهد

قراءات إفريقية

سجّل المسلمون في إفريقيا ملاحم جهادية بطولية كثيرة، وانتصارات باهرة على جيوش المعتدين، حيث تصدوا للغزاة دفاعاً عن شرف الإسلام وكلمة التوحيد، ومما أغفل التاريخ ذكره العديد من بطولات الجهاد الإسلامي ثورة الشيخ محمد عبد الله حسن في الصومال، الذي قاد الجهاد ضد المستعمرين من الأحباش والإيطاليين والبريطانيين، حيث ظلّ الشيخ يحمل سيفه، ويقود بلاده من نصر إلى نصر، مدة عشرين عاماً أو تزيد، حتى عام 1920م، حيث استخدم المستعمرون الطيران لأول مرة في قمع حركته والحركات الوطنية.

نشأته:

وُلد الشيخ محمد عبد الله حسن في 17 من أبريل عام 1864م، في قرية «قوب فردود» (qoob fardood)، القريبة من مدينة «بوهودلي» في إقليم «توطغير» شمال الصومال، وكان الشيخ محمد عبد الله مولعاً في صغره بركوب الخيل والرمي.

وفي السابعة من عمره التحق بالخلاوي القرآنية، فتعلم حتى أصبح مساعداً للمعلم في الثالثة من عمره، وفي التاسعة عشر من عمره حاز لقب «الشيخ»، وهو لقب لا يناله إلا من كان على ثقافة دينية رفيعة، ومرتبة عالية من التقوى.

وبعد أن ترعرع وتزوَّد بالعلوم الشرعية في وطنه ذهب ماشياً على قدميه في صحبة ثلاثة عشر شيخاً وصديقاً إلى أرض الحجاز، حيث مكث ست سنوات في تحصيل علوم الشرعية، وزار مصر، وجاور الأزهر الشريف، وصاحب علماء مصر، وحمل هداياهم من الكتب وعاد إلى بلاده بها.

وقد تأثر وهو في مكة بالشيخ محمد صالح السوداني الذي بثّ فيه شمائل الإمام محمد أحمد المهدي في السودان، وبيّن له كيف أن حركته كانت تهدف إلى تخليص وادي النيل من النفوذ الأجنبي، وبعد أن عاد الشيخ محمد عبد الله إلى الصومال في 1895م استقر في بربرة بوصفه خليفة لشيخ الطريقة الصالحية محمد صالح، حيث انتسب لهذه الطريقة على يديه، وأخذ في تعليم الأهالي أصول العبادة والتقرب إلى الله.

جهاده:

كان السبب المباشر لقيام الشيخ محمد عبد الله حسن بثورته ضد المحتلين أنه التقى ذات يوم بمجموعة من الأطفال الأيتام وهم في طريقهم إلى مدارس البعثة الكاثوليكية الرومانية في بربرة، ولما علم أن البعثة تقوم بتغيير أسمائهم إلى أسماء مسيحية قام على الفور بإرسال شكوى إلى المقيم السياسي البريطاني في بربرة يطالبه بإبعاد المبشرين عن أرض الصومال المسلمة، وكان ذلك عام 1904م.

وزاد الأمر اشتعالاً حادثة القس الذي كان يسكن بجوار أحد المساجد في بربرة، وكان الأذان يؤرّق مضجعه، فقام بإطلاق النار على المؤذن، وقد ترك هذا الحادث أثراً عميقاً في نفوس الناس، وفي نفس الشيخ محمد عبد الله، ومن هنا بدأت حركة المقاومة ضد الأوروبيين، وظهرت طلائع الجيش الثوري في الصومال.

لقد رأى الشيخ محمد عبد الله حسن أن الاستعمار المسيحي لبلاده يسعى إلى هدم العقيدة الإسلامية للشعب الصومالي، وكان هذا هو الذي فجّر فيه الطاقات الوطنية الكافية في أعماقة، فأخذ يسعى جاهداً للحصول على أكبر عدد من المؤيدين له، وأخذ يُلقي الخطب في المساجد والطرقات، ويُعلن للحشود الخطر الداهم الذي يهدّد الصومال، وأخذ يطالب الشعب بالمكافحة صفاً واحداً لطرد «الكفار الإنجليز وإرسالياتهم».

وفي عام 1898م وبعد مضايقة السلطات البريطانية له توجّه إلى مسقط رأسه وموطن أخواله، حيث بنى هناك مسجداً، وأقام مركزاً للطريقة الصالحية، ولم يكن الإنجليز قد وصلوا بعد إلى تلك المنطقة الداخلية.

وفي عام 1899م أعلن الشيخ محمد عبد الله الجهاد ضد الاستعمار البريطاني والإيطالي في الصومال، وسعى جاهداً إلى استمالة القبائل الصومالية للجهاد، فوقعت مصادمات مع بعض القبائل المتحفظة على المشاركة.

أسّس الشيخ محمد عبد الله في قرية «قريو ويني» (qoryo weyne) حركته المشهورة بالدروايش عام 1897م، وقد امتدت دولة الدراويش إلى شرق الصومال حتى مدينة «أيل» الساحلية، وقد بدأت المعارك بين قواته وبين القوات البريطانية الأكثر تسليحاً، والتي كثفت الغارات على معاقل الدراويش، حتى وقّعت اتفاقية لوقف إطلاق النار بين عامي 1905م – 1907م، وثارت انتفاضات في الجنوب ضد المستعمر الإيطالي، فعادت الحرب في عام 1908م، وكان أشدها حرب 1913م التي لقي فيها الضابط البريطاني كورفيلد مصرعه، وقد أنشد السيد محمد قصيدته المشهورة في مقتله.

وفي أكتوبر عام 1919م عقد مجلس الوزراء البريطاني اجتماعاً غير عادي، قرّر فيه شنّ هجوم واسع للقضاء على الشيخ محمد وأتباعه الدراويش مهما كانت التكلفة، وفي عام 1920م شنّت بريطانيا هجوماً مركَّزاً بالقوات الجوية والبحرية والبرية ضد الدراويش، واستخدمت فيها الطائرات الحربية البريطانية لأول مرة، وكانت الهزيمة في هذه المرة محققة، فقد ضربت القوات الجوية البريطانية قلعة «تليح»، فاضطر الشيخ محمد إلى اللجوء إلى هضبة الصومال الغربي، حيث استطاع أن يعيد تنظيم رجاله المشتتين من جديد.

وفي 21 يناير 1920م في أثناء قصف الطائرات الحربية لمواقع الدراويش في «مديشي»، انفجرت إحدى القنابل في خيمة الشيخ محمد نفسه، وأدت إلى استشهاد عمه عامر حسن نور، وبعض زعماء الحركة، ولكن الشيخ محمد ترك المكان، واستمر القصف الجوي ثلاثة أيام، بالإضافة إلى المدفعية التي أحرقت قلاع الدراويش في «مديشي»، وأدت هذه العمليات الحربية والقصف الوحشي إلى تفكك القيادة الإسلامية، وانتشار الرعب.

وفاته:

لجأ الشيخ محمد إلى غرب الصومال بعد اشتداد الضربات الجوية على «تليح» وما حولها، وقد توغل البريطانيون إلى مناطق الأوغادينيين لتعقّبه، وقد مات معظم الدروايش بسبب البيئة السيئة والبعوض، واستطاع الشيخ محمد عبد الله حسن الإفلات من البريطانيين مع قليل من أتباعه، وتوقف مع عدة مئات من أتباعه في منطقة «إيمي» (iimey) قرب منبع نهر «شبيلي» في أكتوبر 1920م، وبدأ ينظم المقاومة من جديد على الرغم من تفشي المجاعة والمرض في معسكره.

وفي أثناء جمعه وترتيبه لقوات المسلمين أصابه المرض، ومات الشيخ محمد عبد الله حسن في 21 ديسمبر 1920م، ودفنه أتباعه في كوخ ومقبرة صغيرة في «إيمي»، ولمّا علم تلاميذه أن الإنجليز يبحثون عن جثته ليمثلوا بها انتقاماً لمصرع كورفيلد؛ قاموا بفتح القبر ونقلوا الجثمان إلى مكان مجهول، رحمه الله رحمة واسعة.

المراجع:

- المسلمون والاستعمار الأوروبي لإفريقيا، د. عبد الله عبد الرزاق، عالم المعرفة – الكويت، رقم 139، نقلاً عن المجتمع الإسلامي المعاصر (إفريقيا)، د. جمال عبد الهادي، أ. علي لبن، ص (23 - 25).

- شبكة الشاهد الصومالية، (محمد عبد الله حسن.. مناضل وشاعر وعالم صومالي مشهور).

كتاب الموقع