أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الشيخ علي الكوماسي.. عالمٌ ضدّ تيّار بيئته

د. محمّد الثّاني عُمر مُوسى (*)

أسهم كثير من علماء بلاد الهوسا في مسيرة الدّعوة إلى الله، والدعوة إلى تنقية الإسلام من الشرك والبدع والعوائد المخالفة لتعاليم الكتاب والسنّة، كما أسهموا في دفع عجلة العلوم الإسلاميّة والمعارف الدينيّة في أوساط مسلمي إفريقيا، وكانوا بحقٍّ قادةً دينيين، وعلماء ربّانيين، تركوا آثارهم شاهدةً على جهودهم، وناطقةً بجهادهم، وأثْروا بأفكارهم وتقييداتهم ومؤلّفاتهم المكتبة الإسلاميّة.

لكن مع الأسف الشّديد أنّ كثيراً من هؤلاء غابوا عن الميدان، ونُسوا كأنْ لم يقدّموا في حياتهم شيئاً مذكوراً، فلم تتناولهم أقلامُ الكتّاب بالدّراسة، ولم تنل جهودُهم حظاً من التقدير كما ينبغي لها.

ومن هؤلاء العلماء الكبار الّذين نالهم هذا التّعتيم الشّيخ العالِم عليّ بن محمّد الكوماسي الكنويّ، فقد أُسدل على هذا العالم ستار الصّمت من قِبَل الباحثين والكتّاب من بنّي جنسه، حتى بعض الّذين كتبوا عنه لم يتناولوه إلاّ بشيءٍ من عُموميّات أو عبارات لا تَفي بحقّ هذا الشّيخ الّذي كرّس حياته في سبيل العلم (1)، ولم يضن بثمار جهوده، ولم يبخل بها، بل حاول أن يسجلّها لتكون نبراساً يستضيء به جيلُه والأجيال القادمة، وبخاصّة في اعترافه بما للخصم من الفضائل، في حين يتقزّز بعض الناس من ذلك، بل يُشجّعون طلابهم أو مريديهم على عدم الاستماع إليه (2).

وأخيراً قام الباحث الدّكتور إسماعيل إدريس حسن بكتابة رسالته في الدّكتوراه حوله، وطُبعت الرّسالة، وهي أوفى دراسة قُدّمت في هذا العالم، ومع ذلك فلا تزال خفايا شخصية الرّجل تحتاج إلى إبرازٍ وخدمة، وإلقاء الأضواء حول جهوده ومؤلّفاته، فأردنا أن نُدلي بدلونا في هذا، ونُوقف القرّاء على بعض أحوال هذا العالم، والله من وراء القصد، وهو هادي السبيل.

أوَّلاً: نشأته وأسرته:

هـو: عليّ بن محمّد بن آدم بن أبي بكر البرناويّ الأصل، الكوماسي المولد، الكنويّ الموطن.

وُلد الشّيخ عليّ بن محمد الكوماسي في مدينة كوماسي في جمهورية غانا عام 1334هـ / 1915م تقريباً.

تُوفيت أمّه وهو في الثّانية من عمره، فنشأ تحت رعاية والده حتى بلغ تسعَ سنين.

كان أبوه من حفّاظ القرآن كجدّه، وكان عالماً بالفقه والحديث والتّفسير وغير ذلك من العلوم الإسلاميّة، وإلى ذلك كان تاجراً يسافر ببضاعته إلى مدينة لاغوس النيجيريّة للتّجارة.

أرسله والده محمّد بابلي إلى كنو ليتعرف أصل عشيرته، وهو في التاسعة من عمره برفقة شقيقته الحاجّة هُريرة، فكان ذلك سبب استيطانه لمدينة كنو، إذ تزوّجت أختُه بأحد التجّار يُدعى « شيخو نَأَبّا»، فعاش الشّيخ علي تحت رعاية أخته وزوجها، ولم يسافر إلى « غانا» منذ ذلك الحين إلى أن تُوفّي والده عام 1352هـ / 1932م فذهب إليها مُعَزيّاً.

ثانياً: حياته العلميّة:

مما ساعد الشّيخ عليّ الكوماسي على سعة أفقه الثّقافي، ورزانته العلميّة، وتسامحه مع مخالفيه، كثرةُ شيوخه، وتنوّع مصادر ثقافته، فإنّه من العلماء القلائل الّذي درسوا على عديد من العلماء في علوم وفنون مختلفة، فأعطاه ذلك سعةً في العلم، وتوازناً في الفكر.

وهذا عرض لبعض شيوخه:

1) الشّيخ حمزة: الّذي لا تَنسبه مصادر ترجمته، إلاّ أنه من المعروف أنّ الشيخ عليّ بدأ دراسته القرآنيّة على يديه.

2) الشّيخ إبراهيم رمضان تُدُونْ نُفَاوَا: الّذي أتم الشّيخ عليّ على يديه حفظ القرآن الكريم، وواصل دراسة بقية العلوم الإسلاميّة عليه، فدرس عنده (مختصر الأخضري) للشّيخ عبد الرّحمن الأخضري، وهي رسالةٌ صغيرةٌ في الفقه المالكي، وبها بدايةُ طالب العلم الشّرعيّ عادةً في هذه البلاد.

3) الشّيخ شعيب غُورَامْ: عالمٌ استوطن مدينة كنو، فتعلّم على يديه عديدٌ من طلبة العلم، من بينهم الشّيخ علي الكوماسي، حيث قرأ عليه (منظومةَ القرطبي) في الفقه المالكي ليحيى القرطبي، و (منظومة ابن عاشر) للشّيخ عبد الواحد بن عاشر الفاسي الأندلسيّ، ودرس عليه أيضاً (منظومةَ ابن رشد)، وهي أيضاً في الفقه المالكي، ثم بعضَ القصائد في المديح النبويّ الّتي كانت منتشرةً آنذاك في الأوساط العلميّة في بيئته، والقصدُ من دراسة هذه القصائد ليس بسبب ما حوته من المدائح النّبويّة فقط، وإنما كان ذلك لأنها ذخيرةٌ لغويّة لطالب العلم في ذلك الزّمن.

4) الشّيخ محمّد غومبي: الّذي كان الشّيخ عليّ الكوماسيّ يجلّه ويقدّره جدّاً، وقد درس عليه اللّغة العربيّة دراسةً متقدِّمة، فقرأ عليه (مختارات الشّعر الجاهليّ) لأبي الحجّاج يوسف بن سليمان بن عيسى النّحويّ، و (تحفة ابن الوردي) لعمر بن الورديّ، وهي منظومة في النّحو العربي، و (شذور الذّهب في معرفة كلام العرب) لابن هشام الأنصاري، و (ألفية ابن مالك) و (لامية الأفعال) لابن مالك أيضاً.

5) الشّيخ محمّد الرّابع: الذي أخذ عنه علمَ التّجويد، فقرأ عليه من كتب التّجويد: (هداية المستفيد)، و (هداية الصّبيان)، و (نظم في التّجويد) للشيخ سعيد بن سعيد بن نبهان، وشرح زكريا الأنصاري على متن الجزريّة في علم التجويد، كما قرأ عليه شيئاً من كتب النّحو والصّرف، وأجازه الشّيخ محمد الرابع بإسناده في قراءة نافع برواية ورش.

6) الشّيخ عبد الله سلغا: من علماء كنو وفقهائها دَرس عليه كتابَ (مختصر خليل) في الفقه المالكي.

7) الشّيخ أبو بكر مِجِنْيَوَا: من علماء كنو، ومن المتبحرّين في اللّغة العربية، فقرأ عليه (الكافية الشّافية) لابن مالك، و (عُقود الجمان) في البلاغة للسّيوطي.

كما درس على غير هؤلاء من علماء كنو.

ثالثاً: ما يمثّله عهد الكوماسي في المسيرة العلميّة في كنو:

«أمّا عهد الشّيخ الكوماسي؛ فإنّه يمكن القولُ بأنها فترةٌ تمتاز بالتّقويم والنّماء للبحث الفقهي واللّغويّ والمنطقي في آنٍ واحد، بل المناظرات في مجال الدّراسات الإسلامية قاطبة، كما تمثّل الفترةَ التي نَشطت فيها حركة البحثِ والتّأليف الفقهيّ بظاهرة النّقاش حتى بين أصحاب المذهبٍ الواحد، وإن شئت سَمِّهَا: المدرسةً الواحدة، وذلك بقصد الخروج بنتيجة قويّة ودقيقة، وهذه الفترة تمثّل اتجاهات علماء كنو في فهم الأشياء والقبول بها والرضا بها، وكيف يدافعون عمّا تبنّوه من الأفكار، ولو كان صادراً من أبعد النّاس إليهم، ثم بالتّالي كيف يهاجمون كلّ من يريد الوقوفَ في سبيل ذلك، ولو كان من أقرب النّاس إليهم»(3) .

كان الشّيخ عليّ بن محمد الكوماسي شخصيةً علميّة متوازنة ومعتدلة، سعى بجهده لتكوين شخصيّته الحرّة، بعيداً عن التّأثر بالثّقافة السّائدة حوله، كما حرَّر فكرَه من التّقليد الأعمى، وحَرّر فكرَه من أسر الهوى والأنانيّة المقيتة، ولا أدلّ على ذلك من تمكّن الرّجل من الانسلاخ مما كان سابقاً يمارسه بنشاطٍ وتفانٍ، وكأنّه أمرٌ ذو صلة بفرعٍ من فروع الدّين، ونتيجة القراءة والتنقيب في الكتب، والرّحلات العلميّة الثقافيّة أدرك الشّيخ الكوماسي أنّ ما هم عليه لا علاقة له بمنحى مؤسِّس طريقتهم، ومن ثَمّ ربَط ذلك بما يراه من الاختلاط الفاحش، وبما يسمعه من الأحاديث والأناشيد الرّنانة في صورة ذكر الله، ولكن لا تكاد تفرّق بين عباراته في ذكر الله وعبارات تُقال في الغزل، وسرعان ما تكوّنت لديه فكرة الانسلاخ فانسلخ منها، ورأى أنها منافيةً لتعاليم الدّين الإسلاميّ وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم لما فيها من الاختلاط، ولم يكتف بذلك فحسب، إذ ترك مخطوطةً دوّن فيها رأيه ذلك، ربما لتكون حجّة له أمام الله يوم القيامة(4) .

رابعاً: علاقته بالتّصوّف:

كان الشّيخ عليّ الكوماسي منتمياً في التّصوّف إلى الطّريقة القادريّة، وهي إحدى الطّرق الصّوفيّة المنتشرة في نيجيريا، وتتركّز بشّكل أساسي في مدينة كنو، وكان الشّيخ عليّ يُعد أحدَ أقطابها وعلمائها في كنو، وأوّل من لقّنه ورْدَ القادريّة هو الشّيخ آدم نَمأَجِي، وأخذ عنه السّلسلة القادرية الّتي يفتخر بها كلّ رجل قادري المشرب.

أ - إنكاره بدعةَ ضربِ الدّفوف والمهرجان السّنويّ للقادريّة:

من أساسيّات الطّريقة القادريّة في مدينة كنو الّتي كان يتزعّمها الشّيخ محمّد ناصر كبرا (ت 1996م) بدعةُ المهرجان السّنويّ الّذي يسمّونه «الموكب»؛ حيث يخرجون بقضّهم وقضيضهم، رجالاً ونساءً، شبّاناً وشابّاتٍ، يضربون الدّفوف، وينشدون الأناشيد، ويتوجهون إلى المقابر، حيث يزعمون وجودَ رجال القادرية الّذين يرون فيهم «ولاية الله»، فتحدث بجانب البدع منكرات ومعاص وذنُوب، وأكبرُ من ذلك ما يحدث من الإشراك بالله، من دعاء غير الله، والاستغاثة بأولياء الله – زعموا -.

كان الشّيخ محمّد ناصر كَبَرا يغذّي هذه البدع، ويدعو إليها بشدّة، ويحثّ أتباعَه على التمسّك بها والسير على دربها، وهم يتّبعونه متابعةً عَمياء، لا يسألون عمّا قال بُرهاناً، ولا يطلبون عليه سنّةً ولا قرآناً!

ورجلٌ بعلم الشّيخ عليّ الكوماسي وثقافته لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يظلّ سائراً على هذه الطّقوس الظّاهرة القُبح، الواضحةِ الشّناعة، فلم يبلث أن خرج عليها مُنكِراً، يطلب من زعماء القادريّة وعلمائها إنكارَها وإبطالها أيضاً.

وقد تنوّعت الرّوايات عن سبب خروج الشّيخ علي الكوماسي على هذه البدعة بالرغم من أنها من أركان الطّريقة القادريّة في كنو، ومن أبرز طقوسِهم التي تموت القادريّة هنا بموتها، فمن هذه الروايات:

 الرّواية الأولى: أنّ الشيخ زار بغداد موطن الشّيخ عبد القادر الجيلاني الّذي تُنسب إليه «الطّريقة القادريّة»، فسمع من بعض المنتسبين إلى هذه الطّريقة هناك: أنّ الشّيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله لم يكن يتّخذ من الدّفوف قربةً يتقرّب بها إلى الله، فرأى إذا كان هذا هو موقف الشّيخ عبد القادر زعيم الطّريقة نفسه من الدّف؛ فلماذا يستمرّ عليه باعتباره جزءاً من تعاليم الطّريقة؟! فرأى وجوبَ الإقلاع منه(5) .

الرّواية الثّانية: ذكر بعض تلاميذ الشّيخ بأنّ الّذي دفع الشّيخ علي الكوماسي إلى الإقلاع عن الدّفّ هو الاختلاط الفاحش بين الشبّان والشّابّات؛ فقد عقد اجتماعاً مع شيوخ القادريّة بجامع التّاجر الحاج سنوسي طَنْ تَاتَا، وصارحهم برأيه في الدُّف والمهرجان السّنويّ للقادريّة، فتابعه على ذلك عددٌ من الحاضرين؛ منهم: شيخُه الشّيخ أبو بكر رمضان تُدون نُفاوا، والتّاجر الحاج سُنوسي الحسن طَنْ تَاتَا، والأستاذ الدّكتور عيسى هاشم، المحاضر بجامعة بايرو كنو، وأصرّ غيرهم على التّمسّك بشرعيّة ضرب الدّفوف والخروج في المهرجان السّنويّ، على رأسهم زعيم القادريّة في كنو الشّيخ محمّد ناصر كبرا، وتلميذه الشّيخ يوسف مكوراري.

الرّواية الثّالثة: تقول: إنّ موقف الشّيخ عليّ الكوماسي لم يصدر عن رأيه واجتهاده، وإنما كان نتيجةً لتأثّره بآراء الأستاذ الدّكتور عيسى هاشم الّذي تأثّر هو بدوره بآراء الشّيخ أبي بكر محمود جومي إبّان إقامته بمدينة كادونا، فإنّه كان تلميذاً وصهراً للشّيخ الكوماسي، فأوعز إلى الأخير أن يتمرّد على الشّيخ محمّد ناصر كبرا بحجة أنّ خروجَه في المهرجان السنوي إنما هو لزيارة قبر والده وجدّه فقط دون غيره من الأولياء.

وهذه الرّواية أضعف الرّوايات كلّها، ويرفضها الأستاذ عيسى تماماً، ويعتبرها ظلماً في حقّه، كما يرفضها غيره من تلاميذ الشّيخ عليّ الكوماسي كالشّيخ عيسى أَرْزَيْ، وأصرّوا على أنّ سبب إقلاع الشيخ الكوماسي عن الدفوف والمهرجان السنوي للطائقة القادرية إنما كان نتيجةً لقناعةٍ ذاتيّة، وعلمٍ بالمخالفات الشرعيّة الواضحة التي تحدث في أثناء الطقوس.

ب - حالة علماء الصوفية مع مريديهم، وبروز القاضي أبي بكر جومي، وموقف الشّيخ عليّ الكوماسي من دعوته:

قام مشايخ الصوفيّة بنشر عقائدهم ودعوة النّاس إليها، وتربية العوام على طقوسها، وتقديس أشخاصها، حتّى أصبح أتباعُهم يخشونهم كخشيةِ الله أو أشدّ خشيةً، ويحبونهم كحبّ الله أو أشد حبّاً، فاستغلّ ذلك مشايخهم فجعلوا يُمْلُون عليهم ما أرادوا، ويَشحنون عقولَهم بالخرافات والخزعبلات والأساطير، ثم يحرّمون عليهم مناقشتَهم وسؤالهم، وإلاّ فلن يفلحوا إذاً أبداً!

فأصبحت أفكارُ التصوّف «أبعدَ أثراً في تشويه حقائق الدّين، وأشد منافاةً لروحه، وأقوى تأثيراً في تفريق كلمة المسلمين، لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضةٍ مبهمة، تستّرت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة والتجرّد من الأسباب والعزوف عن اللّذّات الجسديّة، والتّظاهر بالخصوصيّة، وكانت تأخذ منتحليها بشيءٍ من مظاهر المسيحيّة، وهو التّسليم المطلق، وشيءٍ من مظاهر البرهميّة، وهو تعذيبُ الجسد وإرهاقُه توصّلاً إلى كمال الرّوح – زعموا -، وأين هذا كلُّه من روح الإسلام وهَديِ الإسلام!»(6) .

وفي ظل هذه الأوضاع المزرية والأجواء المظلمة بَرز الشّيخ الدّاعية رائدُ السّلفيّة في نيجيريا القاضي أبو بكر محمود جومي (ت 1412هـ) رحمه الله تعالى، وتحرّك لتصحيح الأوضاع القائمة، ودعوة النّاس إلى صحيح الإسلام، وتنقية العقيدة عمّا شابها من الشّرك والخزعبلات، وتصفية العبادات من البدع والعوائد المخالفة لروح الدّين، فثارت ثائرةُ أولئك المشايخ على الشّيخ جومي، وأقاموا عليه الدّنيا ولم يُقعِدوها، واعتبروا ما يدعو إليه هَرْطَقةً يجب محاربتُها، كما عدّوه مفرِّقاً لكلمة المسلمين، ومكفِّراً لهم دون سنَدٍ شرعي، ومن ثَمّ بدؤوا في تحذير أتباعهم منه، ومنعهم من الاستماع إلى آرائه، بل ذهب بعضُهم إلى أبعد من ذلك، حيث طفقوا يحرّضون العوام على النّيل منه وإيذائِه، بل قتلِه إن تمكّنوا منه؛ لأنه – حسب رؤيتهم – عدوّ لدود وخصم عنيد لأولياء الله!

ومن الجدير بالذكر أنّ الطّرق الصوفيّة قبل بروز الشّيخ القاضي أبي بكر جومي كانت متقاتلةً فيما بينها، كلّ حزب بما لديهم فرحون، فالقادريّة يفضلّون زعيم القادرية (الشيخ عبد القادر الجيلاني - رحمه الله -) على كلّ ولي عاش فوق البسيطة، بينما يرى أتباعُ الطّريقة التّيجانيّة أفضليّة زعيمهم ومؤسّس طريقتهم (الشّيخ أحمد التّيجاني) على كلّ ولي في الدّنيا، وأتباعها فوق أتباع كلّ طريقةٍ إلى يوم القيامة، وكان هذا الخلافُ والنّزاع يصلُ أحياناً إلى فسخ الرّوابط الزّوجيّة وقطع الأرحام!

وأمّا الشّيخ عليّ الكوماسيّ رحمه الله فبالرّغم من انتسابه إلى الطّريقة القادريّة، فإنّه قد وافق الشّيخ أبا بكر محمود جُومي في كثيرٍ من المسائل الفقهيّة وغيرها، وإن كان يأخذ عليه التّسرّع في الإجابةٍ عما يُلقى عليه من الأسئلة، ويعتذر له بشدّة حرصه على حمل النّاس على السّنة؛ فقال: «يريد الشيخ أبو بكر جومي أن يحيي السّنن التي ماتت في زمننا، غير أنّه لا يتريّث في الإجابة عن المسائل، كان يجبُ عليه أن لا يُسرع بإجابة كلّ مسألة قبل ضبطها وتحريرها، لأنّه ليس كلّ ما كُتب يُفتى به».

ويقول الشيخ يحيى أحمد: «لما سألت الشيخ عليّ بن محمّد الكوماسيّ لماذا يُسرع الشّيخ أبو بكر محمود جومي عن الإجابة؟ أجاب: ربما يَرجع إلى شوقه الشّديد في أن يَحمل النّاسَ على السنّة الصّحيحة.

فقال له الشيخ يحيى أحمد: لكنَّ كثيراً من العلماء يهاجمون الشّيخ (أبو بكر جومي)؛ هل ترى لهذا النّوع من الهجوم وجهاً من الصحّة؟

أجاب الكوماسي: ذلك ناتجٌ عن حميّة الطّريقة فقط، ولمجرّد هوى النّفس لا لدليلٍ قاطعٍ مأخوذٍ من الكتاب والسنّة»(7) .

فالشّيخ الكوماسي إنما يرى التريّث قبل الإجابة عن بعض الفتاوى والمسائل، ويأخذ على الشيخ أبي بكر جومي جرأتَه في ذلك، وإن كان يَمدح الشيخ جومي بالحرص الشديد على السنّة، ويصف خصومَه بالحميّة الطُرقيَّة وهوى النّفس من غير دليل من الكتاب والسنّة.

كما أخذ على الشيخ أبي بكر محمود جومي التسرّع في إطلاق كلمة الكفر على تصرّفات خصومه (8)، ومع ذلك يرى أنّ الصواب بجانبه، وأنّ خصومَه لو قبلوا مواجهته علميّاً لباؤوا بالإخفاق الذّريع، ومن أجل ذلك كانوا يمنعون أتباعهم من الإصغاء إلى ما يقول؛ فقد سأل الشيخ يحيى أحمد عن مدى تخيّله لنجاح (جومي) إذا تمّ الحوارُ؟ فأجاب الشّيخ عليّ الكوماسي بأنّ النّجاح سيكون في كفّة (جومي) لا محالة، بدليل أنّ معارضيه لا يريدون أن يستمعَ العوام إليه، وأبى العوامُ إلاّ أن يستمعوا إليه، وهذا يدلّ على أنّه لو أُجريت مناظرةٌ عَلنيّة لحسم النّزاع لكان النّجاحُ في كفَّته»(9) .

والشّيخ الكوماسيّ بالرغم من كونه صوفيّاً فَخوراً بتصوّفه إلا أنه حاول من خلال رسائله أن يُبرز ما يراه تَصوُّفاً صحيحاً، وأن يربط التّصوّف بالتقوى والورع والزّهد، وينأى به عن الغلوّ والتّطرّف، والخرافات، فألّف رسالته الموسومة بـ «التّصوّف الصّحيح»، حاول فيها إبرازَ التّصوّف في تلك المعاني الجميلة الّتي جاء بها الإسلام، ناقلاً من عبارات المشايخ العُبّاد المتقدّمين في ذلك؛ مثل مَعروف الكرخي، والفضيل بن عياض، والجنيد بن محمّد، وغيرهم.

وكلّ من يقرأ في ترجمة هذا العالِم، ويَعرف الوقت الذي عاشَ فيه، من حيث سيطرةُ التّصوّف والبدعِ والخرافات، والتّقاليد والعوائد المخالفة للشّرع، ويجده مع ذلك يخرج من بين هذا الرّكام، ويُعلن تبرأه من بعض البدع الرّئيسة في شجرة التّصوف الّتي ينتمي إليها، كلّ من يقرأ ذلك سيعرف قَدْر ما أوتي هذا العالِمُ من جرأةٍ في الحقّ، وإخلاصٍ ظاهرٍ في طلبه، وسعَة في العلم.

خامساً: تأثّره بشيخ الإسلام ابن تيمية في بعض آرائه الفقهية:

ومما يُقضى منه العجب تحرّره حتّى في علمه وثقافته، فرجلٌ عاش في تلك الفترة ولم يُحفظ عنه أنّه سكن دولة من الدّول العربيّة فترةً من الزمن، ومع ذلك نجد من بين مصادر معارفِه كُتباً لا تكاد تُوجد عند نظرائِه في وقته وبيئته، من مثل كُتب شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله، بل كُتب بعض علماء مصر؛ كتفسير المنار للشّيخ محمّد رشيد رضا، وقد رأيتُ مما حوت مَكتبته - بعد وفاته وبيعِ كتبه في السوق مِن قِبَل بعض ورثَته الجهَلة بالعلم - بعضَ هذه الكتب، وفي هذا أكبر دليل على أنّه كان واسعَ الاطّلاع، كثيرَ القراءة، حتّى في كتب من يُعدَّون خصومَ الصّوفيّة، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يُعدّ مجرَّدُ ذكر اسمه في تلك الأيّام وفي الأوساط العلمية ذنباً يُلام عليه الإنسان.

من ناحية أخرى؛ نجد أنّ الشّيخ الكوماسي لم تكن صلتُه بكتب ابن تيمية صلةَ الاطلاع والقراءة فيها فحسب، بل وصلت إلى تبنّي بعض آرائه المثيرة للجدل، والّتي امتُحن بسببها في عصره، وهي فتاواه بعدم وقوع الطّلاق الثّلاث في كلمةٍ واحدة، أو في مجلسٍ واحد، فقد دخل الشّيخ الكوماسي معركةً علميّة فقهيّة مع فقهاء بلده بسبب تبنّيه لهذا الرّأي الذي خرج به على المذهب المالكيّ السّائد المنتشر في أوساط العامّة والخاصّة ببلده، حتى هدّده خصومُه بمحاكمته أمامَ أمير كنو، ونفيِه من البلاد، لكن لم يتمّ لهم ما أردوا، وكَتب في ذلك مُدافعاً ومناضلاً لإقامة الأدلّة الدّامغة ضدّ خصومه، ناقلاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يؤيّد به وجهةَ نظره، ويردّ به على مخالفيه (10) .

خاتمة:

لسنا نُريد القول هنا بأنّ الشّيخ الكوماسي تخلّص من جميع  البدع والأخطاء التي سيطرت على ثقافة عصره، فإنّ هذا القول بعيدٌ كلَّ البعد عن الحقيقة والواقع، لكنّ الجرأةَ العلميّة التي كان يتمتّع به الكوماسي، وإنصافه لخصمه، وقُدرتَه على السِّباحة ضدَّ تيّار بِيئتِه بشجاعةٍ بالغةٍ، هو ما جعله طرازاً وحيداً مبايناً لعلماء الصّوفية في وقته وبيئته، وهو ما يجعل الإشادةَ بمواقفه، وإبرازَها لدى القرّاء أمراً في غاية الأهميّة، ولعلّ فيما سطّرنا ما يكفي لتسليط الضّوء على هذه الشّخصية المحترمة الجريئة المنصفة، نسأل الله أن يغفر لنا وله، ويتجاوز عنّا وعنه، ويجعل الجنة مثواه. آمين.

الإحالات والهوامش:

(*) مُدير مركز الإمام البخاريّ للأبحاث والترجمة – كنو – نيجيريا.

(1) انظر: حياة الشيخ محمد بن علي الكوماسي الكنوي وآثاره؛ للدكتور إسماعيل إدريس حسن، ص 7.

(2) المصدر السابق، ص 17.

(3) حياة الشيخ علي بن محمد الكوماسي، ص 19.

(4) انظر: المصدر السابق، ص 19.

(5) انظر: حياة علي الكوماسي،  ص (161 - 162).

(6) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي،  (1 / 168).

(7) انظر: الشيخ الحاج علي الكوماسي، بحث تكميلي قدّمه الشيخ يحيى أحمد في كلية بايروا، جامعة أحمد بلو (1974)، ص 53، نقلاً عن حياة الشيخ علي بن محمد الكوماسي، ص 36.

(8) هي تهمة طالما ردّدتها ألسنةُ مناوئي أهل السنّة والجماعة في كل زمان ومكان، ومنهم أخذها الشّيخ عليّ الكوماسي على رائد السّلفيّة، وإلاّ فساحتُه بريئة من الحكم على معيّن بكفرٍ دون تحقّق، وإنما يحكي في كلامه أحكامَ الكتاب والسنّة في الأفعال المخالفة لهدي الإسلام، فيتأولّها الأعداءُ بأنها تكفيرٌ لعموم المسلمين!!

(9) انظر: المصدر السابق، ص 36 ، نقلاً عن: حياة الشيخ علي بن محمد الكوماسي، ص (38 - 39).

(10) انظر: حياة الشيخ علي، ص (133 - 135).

كتاب الموقع