أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الشيخ عثمان بن فودي.. والطريق لاستعادة الهوية

 

د. محمد الثاني عمر موسى (*)

الحديث عن الشيخ عثمان بن فودي - رحمه الله - يعني: الحديث عن غرب إفريقيا الإسلامي بكلّ ما تدلّ عليه هذه العبارة من معان، وما تحتمله من حيثيات.

فحينما يعتبر كثير من الكتاب والمؤرّخين «القرن التاسع عشر عصر انحطاط»؛ فإن هذه العبارة إن صحّت من الناحية العلمية على قلب العالم الإسلامي وأطرافه الشرقية والجنوبية والشمالية؛ فإنها لا تنسحب على ما يتعلق ببلاد السودان الأوسط والغربي، أو ما اصطلح عليه جغرافياً في الآونة الأخيرة «غرب إفريقيا»، فهذا القطر من العالم قد شهد في أوقات متعددة قيام عديد من ممالك حكمت شعوبها باسم الإسلام، وأقامت نظم حكمها على أسسه ومبادئه وتعاليمه، ومن بين هذه الممالك «مملكة صكتو الإسلامية» في القرن التاسع عشر الميلادي.

فقد قاد هذه الخلافة رجل اتّسم بكلّ معاني الشهامة والشجاعة مع الدين والورع والتقوى، وقام بمحاربة الفساد العقدي والسلوكي والسياسي، وواجه عدداً من المشكلات التي يعيش فيها مجتمع بلاد «الهوسا» آنذاك.

 

1 - دخول الإسلام إلى بلاد الهوسا:

فبلاد «الهوسا» التي دخلها الإسلام من وقت مبكّر جدّاً كانت التجارة تربط بين بعض مدنها وبين بعض بلاد شمال إفريقيا، وذلك منذ بداية القرن السابع الميلادي، «إذ قام التجار العرب الوافدون من شمال إفريقيا بدور فاعل ملموس، فنشروا تعاليم الإسلام بين أبناء بلاد «الهوسا»، ودخل الناس في الإسلام على أيديهم»(1).

‏وقد تغلغل الإسلام في غربي إفريقيا بوجه عام، وفي بلاد «الهوسا» بوجه خاص لأسباب؛ منها(2):

1 - ما استشعره العلماء والدعاة من مسؤولية الدعوة إلى الله وتبليغ دين الله أنّى حلّوا، لأنه ليس في الإسلام طبقة متخصّصة بحمل الدين والدعوة إلى الله، مثل: طبقة الكهنوت في الديانات الأخرى والسماوية وغير السماوية.

2 ‏- بساطة العقيدة الإسلامية وسماحتها، فهي عقيدة تتفق مع الفطرة السليمة، وتدركها العقول بسهولة ويسر، وليست بحاجة في شرحها وتوضيحها وإقامة براهينها إلى مصطلحات فلسفية أو أدوات منطقية أو تعبيرات أدبية، يدركها الصغير والكبير على حدٍّ سواء، فهي سهلة الفهم في مقدماتها ونتائجها، فلا يجد أحد صعوبة في إدراك صدق هذه العقيدة واتفاقها مع كلّ المقدمات والنتائج العقلية.

3 ‏- دور بعض العلماء والفقهاء الذين وردوا على بلاد «الهوسا»، ومكث بعضهم فيها طويلاً واتصل بالحكام، وصار لهم خير معين على تنظيم شؤون البلاد وفق تعاليم الشريعة الإسلامية، فقد وفد من الشمال الإفريقي من أمثال محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني (ت 909ه)، وهو من أعلام الإسلام في القرن التاسع الهجري، وقد جاء إلى بلاد السودان، ودخل مدينة «تكدة»، ومكث بها وأخذ عنه علماؤها، ثم جاء إلى مدينة «كشنه»، واجتمع بسلطانها وانتفع به أهلها، ثم جاء إلى مدينة «كنو»، وتولّى القضاء والإفتاء بها، وأخذ عنه علماؤها، ونزل ضيفاً على أسكيا الحاج محمد (سلطان سنغاي)، وكتب له فتاوى دينية ووصايا سياسية(3)، وكان له دور كبير في عهد محمد رمفا الذي يعتبر من أتقى ملوك «كنو» قبل جهاد الشيخ عثمان بن فودي - رحمه الله(4).

كما نزل هذه البلاد جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ومكث في مدينة «كسنه» و «كنو»، وترك آثاره بها، ولم يزل اسمه مذكوراً ومشهوراً بين أهلها(5).

4 - كما تركت تيارات إسلامية أخرى آثارها الحسنة على هذه البلاد، فقد وفد إليها علماء وفقهاء من مالي من «الونغراويين»، وجاء تيار آخر مصدره بلاد «برنو» في الشرق، ثم تيار ثالث على رأسه تجار من «تنبكتو» و «جنى» الذين كانوا يترددون على أسواق «كنو» و «كسينا» في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجريين (الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين) إبّان انتعاش ممالك «الهوسا»، واستقرار أولئك التجار في هذه البلاد، والقيام على تدريس علوم الدين الإسلامي، ونشر المذهب المالكي(6).

فهذه الأجواء العلمية والدينية ساعدت على إيجاد لفيف من العلماء والفقهاء في هذه البلاد الذين أسهموا في نشر الإسلام وبث ثقافته، ومن بين هؤلاء العلماء الذين برزوا في هذه الحقبة من الزمن(7):

1 ‏- القاضي محمد بن أحمد التادخي: من علماء «كسينا»، لقي المغيلي وزكريا الأنصاري وعبد الحق السنباطي واللقاني وغيرهم، توفي سنة 930ه.

2 -  الشيخ عبد الله ثقة الفلاني الكشناوي: رحل إلى «أغدر» و «فان» و «تكده» في طلب العلم، ثم رجع إلى «كسينا»، وتصدى للتدريس بها، له منظومة في المواعظ والحكم في نحو ألف وخمسمائة بيت أسماها (عطية المعطي)، ويقال: إنه أول من حفظ الكتب الستة في هذه البلاد.

3 ‏- الشيخ هارون الزكزكي: شيخ شيوخ زمانه، أخذ عنه العلم عدد لا يحصى من العلماء.

4 ‏- الشيخ علي جب: وهو عالم جليل، شرح (لامية الأفعال لابن مالك)، أخذ عنه الشيخ جبريل بن عمر وغيره.

5 ‏- الشيخ جبريل بن عمر: شيخ شيوخ زمانه، وهو الرجل الذي أثر في الشيخ عثمان بن فودي، وكان له دور وجهد بارز في محاربة البدع والفساد في بلاد «الهوسا».

 

‏2 - نشأة الشيخ عثمان بن فودي:

جاء الشيخ عثمان بن فودي امتداداً طبيعياً لهذه الحركة العلمية الدينية التي شهدتها بلاد «الهوسا»، كانت ولادته عام (1168ه / 1754م) في أرض «غوبر».

ونشأ في أسرة علمية، وفتح عينيه على العلم منذ نعومة أظفاره، تعلم على يد والديه وجدّته، ثم أخذ العلم عن فقهاء بلاده، ودرس على علماء زمانه، وتأثر جدّاً بشيخا جبريل بن عمر، الذي لازمه مدة في بلاد «آهير»، واستفاد منه منهجه في الدعوة والتغيير.

كانت حياة الشيخ عثمان - رحمه الله -  في إمارة «غوبر» التي تعتبر أقوى إمارات «الهوسا» يومها، وشاهد ما يسود مجتمعه من فساد ديني وخلقي وسياسي، وبرغم أن بلاد «الهوسا» قد دخلها الإسلام في وقت مبكّر- كما قدمنا -، وعمل بعض سلاطينها على تحكيم الإسلام في شؤون حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإنه مع مرّ الزمن بدأ تيار وثني يصاحب حركة التحول الواسعة التي شهدتها البلاد إلى الإسلام عبر مراحلها المختلفة، ويؤيد ذلك الشيخ محمد بلو إذ يقول: «لقد حدثونا أن لسلاطينهم وأمرائهم مواطن يركبون إليها، ويذبحون بها، ويرشون بالدماء على أبواب قريتهم، ولهم بيوت معظمة، فيها حيات وأشياء يذبحون لها، ويفعلون للبحر كما كانت تفعل القبط للنيل أيام الجاهلية، ولهم في ذلك أعياد يجتمعون فيها هم وقراؤهم وسلاطينهم وعامتهم لا يحضرها غيرهم، ويسمّون ذلك عادة البلد، ويزعمون أن ذلك صدقات، ليستعينوا بها على جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا لم تفعل تلك العادة بطلت معايشهم، وقلت أرزاقهم، وضعفت شوكتهم، وتوارثوا هذه العوائد كابراً عن كابر»(8) .

 

‏3 - منهج الشيخ عثمان في الدعوة:

أ - تقسيم سكان بلاد الهوسا:

قسم الشيخ عثمان بن فودي - رحمه الله - في كتابه (نور الألباب)(9) سكان بلاد «الهوسا» إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

القسم الأول: من يعمل أعمال الإسلام، ولا يظهر منه شيء من أعمال الكفر، ولا يسمع منه شيء مما يناقض الإسلام، وأكد صحة عقيدة هذا النوع من الناس.

‏القسم الثاني: مخلّط، يعمل أعمال الإسلام، ويظهر أعمال الكفر، يسمع من قوله ما يناقض الإسلام، فحكم على هؤلاء بالكفر.

‏القسم الثالث: هم الذين لم يشمّوا رائحة الإسلام، فهؤلاء كفار بالأصالة، ولا تجري عليهم أحكام الإسلام.

ب - محاولته لإصلاح هذه البلاد، وإقامة الدولة:

لقد اتبع الشيخ عثمان بن فودي في محاولته لإصلاح الأوضاع الدينية والسياسية في هذه البلاد منهجاً علمياً دقيقاً، وذلك بالتركيز في ثلاث قضايا رئيسة:

الأولى: العناية التامّة بتعليم العامّة أصول الدين ومسائل التوحيد، وإبعادهم عمّا يناقض هذه الأصول أو ينافي كمالها، فحذّر من عادات جاهلية وممارسات وثنية، كالسحر ونحوه.

الثانية: التحذير من البدع الشيطانية والعادات المخالفة للشرع الإسلامي الحنيف.

الثالثة: محاربة فساد سلاطين بلاد «الهوسا»، ورفع الظلم والحيف عن الشعوب المغلوبة.

ولقد سعى الشيخ عثمان في سبيل تحقيق هذه القضايا إلى تكوين مجموعة من الأتباع المخلصين، كان معظمهم من غير قبيلته - كما يذكر أخوه عبد الله بن فودي(10) -، لنشر أفكاره وآرائه وتعاليمه الإصلاحية، ودحض دعاوى المناوئين من علماء السوء.

وكان للشيخ مجلسان للعلم:

أحدهما للتدريس: يخرج إليه بعد صلاة العصر والعشاء، يدرس التفسير والحديث والفقه والسلوك وسائر فنون العلم.

والمجلس الآخر للوعظ والتذكير: يخرج له كلّ ليلة جمعة، ويحضره خلق كثير، رجالاً ونساء.

كما كان يخرج إلى الآفاق القريبة والبلدان المجاورة للإفادة والوعظ أياماً، ثم يرجع إلى بلده، حتى صار له صيت وشهرة، وصار يقصده الداني والقاصي، وتكوّنت من المستمعين إليه والحاضرين لمجالسه فئة منتظمة سمّاها «الجماعة»، وهم الذين صاروا له أنصاراً في دعوته الإصلاحية(11).

المرحلة الأولى من دعوة الشيخ عثمان بن فودي:

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ وجماعته قد اتبعوا في بداية دعوتهم أسلوب الابتعاد عن الاحتكاك بالسلطات السياسية، وعدم الاختلاط بها لكيلا تفرض عليهم هيمنتها وسطوتها السياسية ومنهجها الذي يخالف الشريعة الإسلامية، وحتى لا تدخل أيضاً حالة من المواجهة مع هذه السلطات يكون ضحيتها الشيخ وجماعته، وتعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الأولى من المراحل التي مرّت بها دعوة الشيخ عثمان بن فودي، وهي تحديداً ما بين (1774م – 1803م).

«ومن السمات المميزة لهذه الفترة تركيز الشيخ عثمان بن فودي على دعوة الناس بكافة طبقاتهم إلى الله، وتعليمهم المبادئ الأساسية للإسلام، ومحو الأمية الدينية ورفع مستوى الوعي الاجتماعي»(12)، ويأتي في سياق هذه المرحلة مطالبة الشيخ عثمان بن فودي لحاكم غوبر (باوا جن غورزوا) في أول لقاء معه بعد صلاة عيد الأضحى في الفترة 1889‏م بما يأتي:

1 ‏- أن يحترم الحاكم أصحاب العمائم (العلماء).

2 - ألا يقف في طريق أي شخص أو جماعة تريد الاستجابة لدعوته.

3 - أن يطلق سراح المسجونين.

4 ‏- أن يمتنع الحاكم عن فرض الضرائب الباهظة على رعاياه.

ويرمي الشيخ من وراء هذه المطالب إلى أهداف سياسية بعيدة المدى، وليس في استطاعته أن يقوم بأكثر من الدعوة إلى الله، ثم إن مستوى التفكير والاعتقادات الدينية المخلوطة بالعادات الوثنية الجاهلية لا تسمح له بالخطاب السياسي في تلك الآونة، لأن عامّة الناس تحتاج في تلك الفترة إلى تربية إسلامية صحيحة، تبين لهم طبيعة الدين الإسلامية وأركانه، ثم إنّ الدخول في معركة خاسرة مع دولة «غوبر» القوية وبقية ولايات «الهوسا» تعني انتحار حركة الشيخ عثمان بن فودي قبل نضوج بذرتها، ويعني إخفاقها في الوصول إلى الأهداف السياسية التي رسمتها من قبل(13).

المرحلة الثانية من دعوة الشيخ عثمان بن فودي:

والمرحلة الثانية التي رافقت دعوة الشيخ عثمان - رحمه الله - تبدأ من (1804م – 1810م)، وبدأت بدخول الشيخ معركة مع سلاطين «الهوسا» بعد أن قويت شوكته، واستجاب لدعوته الشعب المقهور.

وكان الشيخ عثمان لا يتصل بالملوك في أول أمره، ولا يزورهم، لكن لمّا سمع أمير «غوبر» بأمره وبكثرة جماعته أرسل إليه يستحضره في جملة من العلماء، فحضره في جملة مَن حضره، ووعظه، وطالبه بإقامة العدل بين رعيته، وتطبيق أحكام الشريعة، فاستجاب له الأمير، وأدناه وقلّده منصب الإفتاء(14).

وبد بعض العلماء يضمرون له العداء والكراهية لما ناله من حظوة ومكانة عند الأمير، لكن مع ذلك استمر أمر الشيخ يترقّى عنده، وتزداد جماعته، ويزداد تقديرهم له وطاعتهم إياه، حتى بدأ الأمير يتوجس منه خيفة، فبدأ يغري الشيخ بالمال، ويستهويه بالعطاء، لكن الشيخ أبى أن ينساق وراء ذلك(15)، فحاول اغتيال الشيخ في يوم عيد بعد أن استدعاه وبعض جماعته إلى قصره، لكن الله كفاهم شره، فنجوا منه سالمين(16)، إلا أن الملك استمر في استفزاز الشيخ للدخول معه في معركة مسلحة، وهاجم جماعة عبد الله الفلاني أحد أتباع الشيخ، ونكّل بهم، وقتل منهم الكثير، ونهب أموالهم، وهدّد الشيخ بأن يفعل به مثل ذلك(17)، إلا أنه توفي عام 1789م، فخلفه ابنه يعقوب، وبعد وفاته سنة 1794م ورث عرش الإمارة ابنه «نافاتا»، ولم يخف هذا الأخير عداوته للشيخ إلى حدّ التفكير في قتله، لكن الله دحض خطته، وعاجلته منيته عام 1801م، وخلفه ابنه «يونفا»، وهو أشد عداء لمنهج الشيخ الدعوي وأكثر كراهية للإصلاح، فأعلن عداءه السافر للشيخ، وطالبه بالجلاء هو وجماعته، فخرج الشيخ مع جماعته من قرية «طغل» عام 1218ه إلى قرية «قدو» ومعه خمسة آلاف، ثم تتابعت الهجرة إلى الشيخ حتى بلغوا خمسة آلاف شخص(18).

فأرسل الأمير إلى الشيخ يعلن عليه الحرب، فبايعت الجماعة الشيخ، فأصبح قائداً وأميراً بعد أن كان إماماً موجهاً، ومن هنا بدأ يدخل حروباً مع هذا الأمير إلى أن كتب الله له النصر، وأقام دولة إسلامية عاصمة خلافتها «صكتو»، وأذعنت له باقي إمارات «الهوسا»، بعضها عنوة وبعضها سلماً، وبقي يحكم بلاد «الهوسا» حتى توفي عام 1817م(19).

واستمرت هذه الدولة بخلفائها وأمرائها مائة عام، حتى أسقطها الاحتلال البريطاني عام 1903م، لتدخل كلّ نيجيريا تحت هذا الاحتلال، وتظلّ فيه سنين عديدة.

 

4 - الاحتلال الإنجيلزي ومحاولاته لطمس الهوية الإسلامية:

ومنذ سقوط دولة «صكتو» الإسلامية على يد الاحتلال الإنجليزي، والتي أسسها الشيخ عثمان، وأقامت الدين والقيم والأخلاق، بدأ الإنسان المسلم في شمال نيجيريا يواجه حرباً من نوع آخر، يواجه تهديداً لقيمه وحضارته الإسلامية المتأصلة، يواجه أنماطاً من الحياة يحاول الغازي المحتل فرضها عليه، يواجه عراكاً بين تقاليد وعوائد كان قد ألفها في حياته بحكم صلته الوثيقة بالدولة الإسلامية البائدة وتقاليد غربية تحاول تغييره وقطع حاضره بماضيه، فأصبح المسلم النيجيري الذي يعيش وسط أنقاض الدولة (الفودية الإسلامية) يجد نفسه مشدوداً إلى ماضيها المشرق، ويشعر بأنه محاصر بين تراث تلك الدولة، لا يكاد يجد منفذاً يخرج منه إلا وينظر إليه المجتمع نظرة استنكار واستغراب، ويعيش بعضهم في الغرب سنين عديدة، يمسي ويصبح بين تقاليدهم وعاداتهم حتى يستمرئ حياتهم، ويكتب الله له العودة إلى الحياة في مجتمعه، ويحاول أن ينقل تلك العوائد وتلك العادات الغربية التي عاش فيها ردحاً من الزمن، فيصطدم بحواجز اجتماعية ودينية، هي من آثار ذلك الماضي المشرق، فيعود أدراجه خائباً، فلا يمكنه العيش إلا مختفياً أو يعود إلى سلامة فطرته.

‏بعد أن أرسى الاحتلال دعائمه في شمال نيجيريا، وتمّت له السيطرة عليه لاحظ وجود مجتمع محافظ، له قيم وحضارة أصيلة، ونظام حكم شامل متّبع، وشعر بأنّ مهمته في تحويل هذا المجتمع إلى عبيد وقطعان تتبعه عملية عسيرة جدّاً، ولا يمكن أن يتم له ذلك إلا بقطع صلة هذا المجتمع بماضيه الإسلامي، وتجفيف الينابيع التي تمده بتلك الحياة الأبية، فكان منه ما يأتي(20):

1-  إرساليات تنصيرية:

‏عندما كان الجنوب يموج بإرساليات تنصيرية ونشاطات القساوسة الإنجليز، منذ فترة ما قبل الاحتلال بسنين عديدة، كان الشمال يعيش خلواً من كلّ حركة تنصيرية حتى في فترة الاحتلال، ثم حاول المحتلون إرسال أول وفد للتنصير بقيادة «مطران تجويل Bishop Tugweel» الذي كان قد درس شيئاً من العربية ولغة «الهوسا» في طرابلس ليبيا، ودرس الموقف هناك قبل أن يقود الوفد إلى نيجيريا، ويتجه صوب مدينة «كنو الإسلامية» عام 1900م، ولم يكد يسمع بخبره أمير «كنو» حتى قام بطرده، فرجع خاسئاً خائباً(21).

وخلافاً لما كان يعتقد على نطاق واسع من أن الاحتلال البريطاني كان يعارض الأنشطة التنصيرية في شمال نيجيريا؛ فإنّ الحاكم للإقليم الشمالي آنذاك «فريدريك لوغرد Fredrick lugard» ‏كان على وفاق تام مع هذه الأنشطة، بل كان يؤيدها بقوة إلى درجة أنه كان يتمنّى أن يتنصّر جميع المسلمين في الشمال، لكن يعلم علم اليقين أن ذلك ليس أمراً ممكناً، بل لم يستطع أن يحكمهم حكماً مباشراً، وإنما حكمهم عن طريق الحكام المحليين native rulers))، وتتضح رغبته الأكيدة في تنصير المسلمين في الشمال من خلال تحالفه مع المسيحي المتطرف «ولتر مللر walter miller»(22).

2 ‏- فتح المدراس لأبناء العلية المسلمة:

‏ظلّ المحتل يفكّر في طريقة أخرى لبلوغ مقصده والوصول إلى غايته، فلم يجد أمامه إلا فتح المدارس لأبناء العلية من مسلمي الشمال، فبعد ثلاث سنين من تقويض خلافة «صكتو الإسلامية»، وبالتحديد عام 1909‏م، قام خلَف «تجويل»، وهو «ولتر مللر walter miller‏» بتقديم مشروع لحكومة الاحتلال لإقامة مدرسة، فيها قسم داخلي لتربية أبناء الملوك والرؤساء المسلمين، وقسم غير داخلي للكبار الذين نالوا شيئاً من الثقافة الإسلامية، فوافقت الحكومة على المشروع، وفتحت أول مدرسة لذلك في مدينة «زاريا» سنة 1907‏م، ولكن المشروع باء بالإخفاق، ولم يحقّق أهدافه لأسباب منها:

‏أ - كون الثقافة الغربية في ذلك الزمن ثقافة مسيحية صرفة تحت إشراف طائفة من المنصّرين، تهدف إلى تغريب عقول أبناء المسلمين، وطمس هويتهم الإسلامية، ونشر الديانة النصرانية بينهم، وقطع صلتهم بماضيهم الإسلامي المشرق.

‏ب - كون المسلمين يعتزون بثقافتهم الإسلامية التي خلفتها لهم تلك الدولة المسلمة المنكوبة، فظلوا يتمسكون بها برغم الضربات التي تلقوها من قِبل المحتل، ولم يروا مسوّغاً لتركهم لها والأخذ بثقافة أجنبية تحملها إليهم أيدي القساوسة والمنصّرين.

‏ج - كون المحتلين قد عقدوا معاهدات بينهم وبين ملوك المسلمين ورؤسائهم عندما احتلوا الشمال المسلم؛ بأنهم لا يسمحون بدخول المنصّرين أراضي المسلمين إلا بموافقة الملوك والرؤساء.

‏د - ما كان المحتلون أنفسهم يخافون منه من ثورة عارمة تقوم ضدهم، وتستعصي على الإخماد والقضاء إذا ما سمحوا للمنصّرين أن يدخلوا أراضي المسلمين، ويثيروا مشاعرهم ضد الاحتلال.

3 ‏- أوجد فرص تعليمية أخرى تتوافق مع مخططات المحتل وأهدافه السياسية:

‏لمّا رأت الحكومة أن إرساليات التنصير لم تكلل بالنجاح في الشمال فكّرت أن تقوم بتنفيذ مشروع آخر، يهدف إلى إيجاد فرص تعليمية أخرى تتوافق وخطة طمس الهوية الإسلامية أو إضعافها بين المسلمين.

ففي يوليو سنة 1908‏م نقل «هنس بيشا hannssvische» الذي كان يعمل إدارياً ‏إلى حقل التعليم ليقوم بتنظيم التعليم في الشمال وفق مقتضيات الاحتلال الرامية إلى إضعاف الهوية ‏الإسلامية، وقبل أن يشرع «بيشا» في تنظيم التعليم الحديث رأت الحكومة أن ترسله أولاً إلى بعض البلاد المسلمة التي كان الإنجليز يحتلونها حين ذاك، فرحل إلى مصر وإلى السودان، وشاهد نظام التعليم، وكيف استطاع الاحتلال هناك أن يقوض من أسس العلوم العربية والدينية، ويجعلها في المناهج شيئاً غير ذي بال، فكتب تقريراً يقترح على الحكومة أن تفتح مدرسة حكومية في «كنو» فوافقت الحكومة، وفي شهر سبتمبر 1909‏م بدأ «بيشا» بفصل لتدريب المدرسين من الوطنيين الذين يمكنهم أن يساعدوا في التدريس بعد فتح المدارس، ثم بعد بضعة أشهر فتح فصلاً آخر ابتدائياً للأولاد، وأنشئت مثل هذه المدرسة في «صكتو» و «كسينا».

‏وبرغم أن حكومة الاحتلال أدرجت اللغة العربية ومادة الدين في مناهج المدراس الحكومية استجابة لرغبة الأمراء واستدراجاً للآباء أن يرسلوا أبناءهم إليها، فإنها لم تقم بفعل شيء يعطي لهاتين المادتين أية أهمية من بين المواد التي تدرس في المدارس، فلم تضع لهما مناهج ومقررات، بل أوكلت أمرهما إلى المدرس يدرس ما يشاء وكيف شاء، واستمرت الحالة هكذا حوالي ربع قرن من الزمن، فأصبحت اللغة العربية ومادة الدين ينظر إليهما نظرة احتقار ودونية لعدم تشجيعهما من قِبل الحكومة.

‏وفي عام 1938‏م عقد أول مؤتمر لوضع المناهج لتلك المادتين بعد أن أصابهما شلل قاتل، فرسمت لهما المناهج من باب ذرّ الرماد بالعيون، لكن مع ذلك جعل تطبيق هذه المناهج اختيارياً وليس إجبارياً، كما أنه من المحتمل ألا تستطيع المدارس تخصيص الوقت الخاص للحصص المقررة لهما، ففي هذه الحالة يترك الأمر لتقديرها.

‏وكلّ هذا لتقويض أسس الجدية في تدريس هاتين المادتين، لا سيما إذا علمنا أن جلّ من يختار ‏لتدريسهما أناس لا خبرة لهم بالتدريس، ولم يتلقوا تدريباً لطريقة التدريس، فاستمروا في تدريس ما شاؤوا كما شاؤوا، واستمر الأولاد ينظرون إليهم والى ما يدرسون نظرة احتقار واستهزاء.

ويصف الدكتور «شيخو غلادنثي» الطريقة التي سلكها الاحتلال البريطاني في سعيه إلى تحطيم دور اللغة العربية ومادة الدين في المدارس الحكومية، فيقول: ‏«لم تهتم الحكومة في تلك الفترة بتدريب مدرس اللغة العربية والدين، في حين أنها كانت تدرّب غيرهم من مدرسي المواد الأخرى، فكانت النتيجة أن أكثر مدرّسي هاتين المادتين كانوا غير أكفاء، وخاصة إذا قورنوا بأقرانهم في المواد الأخرى ويذهب المدرس إلى المدارس وهو في نفسه غير راض عن نظام التعليم الجديد، وربما يعتقد أن تعلم اللغة الإنجليزية كفر، لأنها لغة الكفار، ومثل هذا المدرس يلتجئ إلى زاوية في المدرسة ولا يختلط بغيره من المدرسين، وإذا جاءت حصته قام وتوضأ وأحسن الوضوء، وأخذ سوطه، ثم دخل الفصل، وربما يعقد الدرس خارج الفصل تحت الشجرة».

‏ويتحدث الدكتور «غلادنثي» عن الفروق التي أوجدها الاحتلال بين مدرسي اللغة العربية وبين غيرهم في الرواتب والمقررات الدراسية لإضعاف عزيمة من تسوّل له نفسه الالتحاق بهذا الصنف من المدرسين فيقول: ‏«وجود فرق كبير في الرواتب بين مدرسي العربية وغيرهم، فهؤلاء ليست لهم شهادات تؤهلهم للتدريس، ولذلك لا يمكنهم أن يتقاضوا راتباً كرواتب أولئك الذين أخذوا تدريباً مهنياً في التدريس، أضف إلى ذلك كله عدم وجود كتب مناسبة لتدريس المادتين، في حين أن التلاميذ كانوا يجدون كتباً حديثة منظمة على الطريقة التربوية الحديثة في المواد الأخرى، وعلى مستواهم العقلي، كانوا لا يجدون ذلك في اللغة العربية والدين، إذ إن المدرس هو الذي كان يكتب لهم الدرس على السبورة، فينقلونه في كراساتهم، ثم يحفظونه عن ظهر قلب، فكانت هناك هوة واسعة تباعد بين هاتين المادتين والمواد الأخرى، وكلما تقدمت الأيام اتسعت الهوة، وكلما قارنهما الطلبة بالمواد الأخرى ازدادوا كراهية لهما واشمئزازاً منهما»(23).

هكذا استمرت الحال عقوداً من الزمن تعاني اللغة العربية ومادة الدين تهميشاً وتجفيفاً على يد المحتل إلى الخمسينيات، لمّا بدأ النيجيريون يشاركون في وضع سياسة التعليم، فانبرى الشماليون في الجلسات البرلمانية ينتقدون سياسة الاحتلال المتصلة بالتعليم بعامّة والتعليم العربي بخاصة، ويطالبون بتوسيع مجال التعليم العربي وتطويره في الشمال، وتمّ لهم ما أرادوا بشكل واسع، فصارت هناك مدارس عربية حكومية منظمة، وبعثات حكومية إلى بلاد عربية للدراسة والتدريب هناك، فتحسنت الحال كثيراً، وارتفع شأن التعليم العربي والديني في شمال نيجيريا(24).

4 - محاولة إقصاء المسلمين عن إدارة سياسة البلاد بعد الاستقلال:

‏إن الاحتلال البريطاني قد حاول فرض سيطرته الدينية والأخلاقية على شمالي نيجيريا بتطبيق سياسة التهميش والتسييب، وذلك أنه قد وجد في الجنوب أرضاً خصبة لنشر التنصير وتحويل بعض أبنائه إلى المذاهب المسيحية، وتمّ له ما أراد، فارتقى بعض هؤلاء إلى مناصب القساوسة والأساقفة، ومنهم من أهّلته معلوماته الحديثة التي استفادها من مدارس المنصّرين لولاية الوظائف الحكومية والاختلاط بالرؤساء البريطانيين، وسائر النزلاء.

‏في حين أنه أهمل المنطقة الشمالية، فلم يذلل صعوباتها الجغرافية، ولم يعن بتثقيف أبنائها بالثقافة الحديثة، وذلك للحذر من التقريب بين عشائرها من جهة، وقلّة اطمئنان «الاحتلال» إلى رؤسائها المسلمين من جهة أخرى.

‏إضافة إلى ذلك أنّ مسلمي الشمال ذوو نزعة إسلامية قوية، أنفوا من إرسال أبنائهم إلى «مدارس التبشير» لانتظام علاقاتهم السياسية والاجتماعية بالعادات والتقاليد الإسلامية الموروثة من تراثهم الحضاري والسياسي، فحافظوا على هويتهم الإسلامية في كلّ ما يتصل بشأن الحجاب، والزواج، والطلاق، والأسرة، والميراث، فكانت الآداب الإسلامية في الشمال أقوى وأهم من الآداب الوطنية أو النزعة القومية التي كانت تسود الجنوب، حيث تشتد المطالب الوطنية، وتضعف المقاومة الدينية.

‏لكن مع ذلك اضطر المحتل أخيراً إلى اتباع النظم الدستورية، والتعاون مع الزعماء الوطنيين الذين تنتخبهم شعوبهم، ولا يتأتى للحاكم الأجنبي أن يتخطاهم مهما يبلغ من تلفيق الدساتير وتزوير الانتخابات، فكان الاعتراف بزعماء المسلمين قضاء محتوماً لا سبيل إلى اتقائه بغير حيلة «المحاسنة»، وكان من أساليب هذه «المحاسنة» أنهم أخذوا يرحبون بأبناء العلية الأولين، ويشجعونهم على إتمام دروسهم بالجامعات الإنجليزية، وثابروا عدة سنوات على اختيار أربعة من طلاب الجامعات في كلّ سنة يتكفلون بهم، ويسندون إليهم كبار المناصب بعد عودتهم إلى بلادهم، ومنهم السيد «أبو بكر تفاوابليوا» أول رئيس وزارة تولّى رئاسة الحكومة الاتحادية بعد إعلان الاستقلال.

‏وقد أراد «الاستعمار» أمراً وأراد الله غيره، فكان أسبق النيجيريين إلى ولاية الحكم بين أبناء وطنهم أولئك الذين أقصاهم الاحتلال عنه، ودبر ‏بالأمس تدبيره الطويل لنفيهم عن الكبير والصغير من وظائف الدواوين(25).

‏5 - استبدال الإنجليزية باللغة العربية:

‏أدرك الاحتلال البريطاني أهمية اللغة العربية في الشمال، فهي اللغة الرسمية والثقافية، فحاول بكلّ ما يستطيع من قوة أن يستبدلها بلغته، فجعل اللغة الإنجليزية هي الرسمية، فأصبحت الدواوين والمكاتب الحكومية كلّها ما عدا المحاكم الشرعية تستعملها بدلاً من العربية، بل سعى حثيثاً إلى استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية في كتابة بعض اللغات المحلية، مثل «الهوسا» و «الفلانية»، وكان هدفه قطع صلة المسلمين بماضيهم المشرق الذي تمثله الدولة (الفودية المسلمة)، فيجد الدارس للغة العربية نفساً غريباً في وطنه، فلا يجد من مواطنيه مَن يتحدث بها، وليس لها وجود ولا حضور في الصحف اليومية والإعلانات التجارية فيهجرها المسلمون، وبهجرها يجهلون كلّ ما يتصل بها من الدين والعلم والثقافة، فيتم للمحتل ما يريد.

6 ‏- إقصاء الشريعة الإسلامية والاجتزاء بتطبيق ما يتعلق بالأحوال الشخصية:

‏لقد أقيمت دولة «صتكو الإسلامية» على أسس الشريعة الإسلامية، فقد كتب قادة هذه الدولة كثيراً من الكتب التي تتحدث عن السياسة الشرعية ونظم القضاء في الإسلام، واعتمدوا في سياساتهم وأقضيتهم على الفقه المالكي.

وشهد غير واحد من الرحالين الإنجليز لنجاح هذه الدولة في تطبيق الشريعة الإسلامية، وفي هذا الصدد يقول «كلابرتون clapperton» الرحالة البريطاني في ملاحظاته: ‏«إنّ شريعة القرآن في عهد «محمد بلو» كانت تطبق بكلّ قوة، فجميع البلاد عندما تكون في غير حالة حرب فإنها تعيش أماناً، حتى كان يقال بأن المرأة يمكنها أن تعبر من أقصى طرف البلاد إلى الآخر حاملة تابوتاً مملوءاً ذهباً».

‏وهذه الملاحظة تأكدت في سياق شهادة شاهد عيان في عهد أمير كنو (إبراهيم دابوا) فيقول محمد زنغي (أحد قضاة كنو): ‏«لقد أقام العدل، وأمر الناس بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأباد المتمردين وقطّاع الطرق، وقطع أيدي السراق، وهدم دور الدعارة واستتب الأمن في بلده حتى كان الناس لا يغلقون أبواب بيوتهم في الليل، وتتحرك ا‏لمواشي من دون رعاة إلا في مواسم الأمطار، وأمن الله الطرق في عهده حتى إن الفتاة لتسير من مدينة كوكاوا إلى كوارا من دون أن تتعرض لأذى»(26).

‏وقد كان تطبيق الشريعة الإسلامية قائماً في مدينة «كنو» من وقت مبكّر قبل مجيء الشيخ «عثمان بن فودي»، منذ زمن الشيخ «محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني» الذي هو أول من أدخل كتاب (مختصر خليل) إلى هذه البلاد، وكتب لأمير «كنو» كتاب (تاج الدين فيما يجب على الملوك)، وذلك في القرن التاسع الهجري.

‏لكن عمل حاكم الاحتلال «لورد لوغرد lord lugard» بكلّ قوة على حصر دور الشريعة الإسلامية وإزاحتها من الحياة السياسية والقضائية للبلاد، ففي عام 1900‏م أصدر ما يسمّى «إعلان المحكمة المحلية»، فكانت قراراته حولها كالآتي(27):

1 ‏- للمحتل أن يؤسّس محكمة مدنية في المقاطعة التي تحت احتلاله، وذلك بموافقة أمير المقاطعة أو العمدة، وبموافقة المفوض السامي.

2 ‏- من صلاحية هذا المحاكم رعاية القوانين المحلية والعرفية المنتشرة في مجال القضاء في تلك المقاطعة فيما يتعلق بالشؤون المدنية والجنائية، وفي يدها الموافقة على تنفيذ أية عقوبة، كما أن لها الصلاحية في قبول ما يعتمده القانون المحلي أو العرفي، ما عدا العقوبات المتعلقة ببتر الأطراف أو التعذيب أو أية عقوبة تستهجنها العدالة والإنسانية، وليس من صلاحية هذه المحاكم تنفيذ ما يتعلق بحكم الإعدام، ويشمل القانون المدني والعرفي القانون الإسلامي (يعني: الشريعة الإسلامية).

3 ‏- للأمير أو العمدة أن يعين القضاة بعد اعتماد المحتل عليهم، وحيث لا يوجد أمير ولا عمدة فإنّ المحتل هو الذي سيقوم بتعيينهم.

4 ‏- للمحتل صلاحية الدخول في هذه المحاكم وإجراء التفتيش فيها، كما أن له صلاحية نقل أية قضية من محكمة إلى أخرى، وله أن يراجع نتائج المحكمة، وأن يأمر بإعادة الحكم، وتعديل أي حكم صادر أو أي قانون مقرر.

5 ‏- تطبيقات وإجراءات المحاكم لا بد أن تتماشى مع القانون المحلي والعرفي وفقاً للضوابط التي يضعها المفوض السامي.

‏وبهذه القرارات أزيحت الشريعة الإسلامية عن واقع حياة المسلمين في شمال نيجيريا، ولم يعد لها وجود إلا فيما يسمّى بالأحوال الشخصية فقط (مثل النكاح وتوابعه، والميراث)، بل أراد بعض أذناب الاحتلال إزالة هذا القليل الموجود، فقد سجّل لنا المؤرخ «جون فادن john N. paden‏» ما جرى من معركة أدبية وسياسية شديدة(28) في عام 1955م حول وضع المحاكم الشرعية في شمال نيجيريا، وانقسم الكتاب والساسة تجاهها إلى فئتين:

فئة كانت تدعو إلى ضرورة إزالة هذه المحاكم، بحجة أنها هي التي ولّدت الفساد والرشوة وغياب القيم المثلى في المجتمع، وتدعو إلى أن ينهج الشمال نهج المصريين في إلغاء دور هذه المحاكم، وتعزز هذه الفئة موقفها بدعوى أن المصريين أعلم بالإسلام من مسلمي شمال نيجيريا بحكم كونهم عرباً، وأنّ على المسلمين في شمال نيجيريا أن يحذو حذوهم، ويأخذوا بطريقتهم، ويقود هذه الفئة «مالم أ. ك. ميتدين».

‏بينما رفض شرذمة من الكتاب والساسة هذا المبدأ، بعضهم رفض ذلك ليس لأنه يرى في هذه المحاكم ما  يسوّغ بقائها، وإنما - في رأيه - لعدم وجود بديل قائم في حال إلغائها، ويمثل هذا الاتجاه «عبدل ج ف رزاق».

‏ورفض بعضهم مبدأ إلغاء الشريعة الإسلامية بشدّة، واعتبره إجحافاً بحق المسلمين، وأكد أنه ليس كلّ ما يكون صالحاً للمصريين يكون كذلك صالحاً لشمال نيجيريا، ورفض أية دعاوى بأن المصريين أعلم بالإسلام من مسلمي شمال نيجيريا، وحاجج بأن الإسلام ليس محصوراً فقط في شعائر تعبدية، وإنما هو منهج حياة شامل، ويقود هذا الاتجاه الكاتب السياسي «نوح باملي».

‏وهكذا انتهت المعركة بفوز الداعمين لبقاء هذه المحاكم الشرعية التي اختزلها المحتل البريطاني في الأحوال الشخصية فقط، وحاول فيما بعد عن طريق أذنابه أن يزيلها من الوجود كلياً ولم يفلح.

‏يقول د. عبد الرحمن عمر الماحي ملخصاً ‏محاولات «الاستعمار» لقطع دابر المسلمين ومحو آثارهم الإسلامية: ‏«لما استقر المستعمرون الأوروبيون أدخلوا نظمهم السياسية وفلسفاتهم الحضارية في إفريقية، وقضوا على الممالك الإسلامية، وفرضوا العزلة على البلاد، وقطعوا صلاتها بالدول الإسلامية الأخرى، وحاربوا الإسلام واللغة العربية، وفرضوا اللغات الأوروبية على الإفريقيين، وأنشؤوا المدارس التي ثبتت ثقافتهم وأفكارهم، وقد حرص المستعمرون على طمس معالم الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي في إفريقية، وادّعوا بأن إفريقية كانت مجهولة وغير متحضرة، وأن رجال «الاستعمار» الأوروبي أمثال: (لفنجستون، وبكرك، وستانلي ووبرازا) هم الذين اكتشفوا إفريقية، مع أنها كانت معروفة، وللمؤرخين والرحالة المسلمين أبحاث مسجلة عنها، وكذلك عمدوا إلى نقل التراث الإسلامي إلى العواصم الأوروبية رغبة في إخفائه والاستفادة منه ثم القضاء عليه»(29).

 

‏5 - الطرق لاستعادة الهوية:

‏بعد كلّ هذه الموجات التغريبية والمحاولات التي قام بها الاحتلال لطمس الهوية الإسلامية في مجتمع شمال نيجيريا وإيجاد أرضية قوية تخدم أغراضه، وتمارس أدواره بعد رحيله ربما أكثر من ممارساته هو، برغم كلّ ذلك صمدت في وجه هذا الطغيان الجارف القيم الإسلامية والتراث الإسلامي الذي خلّده العلماء والفقهاء عبر تاريخ الإسلام، والذي جددته الحركات الإصلاحية عبر القرون، ومنها حركة الشيخ «عثمان بن فودي» وغيره من المصلحين.

‏لقد أصبحت «الدولة الفودية» الإسلامية في جسم الأمة المسلمة في شمال نيجيريا محركاً قوياً، يوقظها كل مرة اعترتها غفوة الزمن وأخذها سبات الغفلة.

‏والناظر في حياة المسلمين في شمال نيجيريا يجد ما يدفعه إلى الأمل والتنبؤ بالخير، فعلى الرغم مما تعيش فيه الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم اليوم؛ نجد مبشرات الخير تتصاعد بين أنقاض تلك الدولة الإسلامية البائدة، ومن ذلك:

1 ‏- إقبال الناس بكلّ فئاتهم وتياراتهم على الإسلام إقبالاً منقطع النظير، شاهده في تجمعات المسلمين يوم الجمع والعيدين، وفي أماكن الوعظ والإرشاد، وفي الدروس والحلقات العلمية، حيث يحتوي مجلس واحد أحياناً على ثلاثة آلاف مستمع أو يزيدون.

2 ‏- إقبال الشباب والشابات على التعليم العربي والإسلامي، فما من مدرسة تقام أو دورة علمية تعلن إلا ويهرول نحوها مئات منهم يرغبون في التسجيل والمشاركة، ويلحّون على القبول، ويبكي مَن لم يجد بغيته منهم، وما ذلك إلا آية صدق النية وإخلاص العزيمة.

3 ‏- إقبال المثقفين بثقافة غربية على التعليم العربي والإسلامي بعد أن كانوا حيناً من الدهر يترفعون عنها أنفة واستكباراً بسبب ما نالوا من ثقافة الغرب، ففي كلّ يوم تزداد نسبة الذين يسافرون إلى البلاد العربية، كالسودان، وموريتانيا، ومصر، رغبة في تعلم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وليس هذا محصوراً في الطبقات الدنيا من المثقفين، بل هي ظاهرة أكثر بروزاً وانتشاراً في كبار الموظفين والمحاضرين في الجامعات والعاملين في البنوك وغيرهم، ولا تكاد تجد تفسيراً مقنعاً لهذا الاندفاع إلا ما تشهده الساحة من موجة الإقبال على التعليم الإسلامي، بحيث صار الآخذ بقسط منه في موضع فخر واعتزاز.

4 ‏- الالتزام بالحجاب بين النساء آخذ في التزايد كلّ يوم، وقد كان ذلك في الماضي محصوراً على المتزوجات، فكن يعرفن بخمرهن على جيوبهن، والآن صارت الفتيات غير المتزوجات يتسابقن في ارتداء الحجاب، ما بين آخذة بفتوى تغطية الوجه، وبين قاصرة على رأي القائل باستثناء الوجه والكفين، وهي ظاهرة حتى في الجامعات التي أقيمت على أسس العلمنة والانحراف.

5 ‏- الدعوة والمطالبة القصوى بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي مطالبة كانت في جميع ولايات الشمال «وهي 19 ‏ولاية»، واستجيب لها رغبة أو رهبة في «12 ولاية»، وأقرت في مجالس التشريع لتلك الولايات، فأصبحت هي نظام الولاية.

‏وهذا الإنجاز التاريخي برغم خلوه من التطبيق في أكثر هذه الولايات؛ فإنه يعد في نظري انتصاراً للدعوة الإسلامية، إذ فتح لها مجالاً أرحب، وصار الدعاة والعلماء والخطباء يتكلمون باسم القانون والنظام المعترف به، وأصبح الجو العام مشحوناً بالقضايا الإسلامية والإصلاحية، بحيث لو تفطن الدعاة لاستغلوا  الحماس المتأجج في صدور الناس، وحولوه إلى طاقة إيمانية تصلح لبناء أرضية إسلامية قوية لمستقبل البلاد، وتعيد للأمة المسلمة المنهوكة مكانتها التليدة، وهي فرصة ذهبية لاستعادة ما تم تقويضه من هويتهم الإسلامية في فترة الاحتلال وما كان بعده على يد عملائه، وهو أمل يمكن تحقيقه بجهود متواصلة، ينتظمها عمل جماعي مخلص، وتحفّها حكمة رشيدة وحنكة سياسية متزنة، ولعلّ الله ييسر سبيلها عمّا قريب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الإحالات والهوامش:

(*) أكاديمي وباحث نيجيري من كانو .

 (1) انظر: الدعوة الإسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل، للدكتور عبد الرحمن عمر الماحي، ص (85 ، 88).

(2) يراجع: حركة التجارة والإسلام في التعليم الإسلامي في غربي إفريقية، للدكتور مهدي رزق الله، ص (125 ، 129).

(3) الإسلام في نيجيريا، لآدم عبد الله الآلوري، ص (88 – 89).

(4) انظر: the historical ,social ,cultural ,economic and political Background to shaykhuth- man B. Fodueye's life .By Dr .Omar Bello

(5) انظر: المصدر نفسه، ص 89.

(6) انظر: حركة التجارة، ص 389.

(7) يراجع: الإسلام في نيجيريا، ص (61 – 68).

(8) إنفاق الميسور، للشيخ محمد بللو، ص 34.

(9) انظر: تزيين الورقات، ص 33.

(10) انظر: تزيين الورقات، ص 33.

(11) انظر: الإسلام في نيجيريا، ص (104 ، 105).

(12) انظر: حركة الجهاد الإسلامي في غرب إفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي، للأستاذ أحمد محمد كاني، (ضمن بحوث الندوة)، ص 21.

(13) انظر: المصدر نفسه، ص (18، 19)، وانظر أيضاً: الدعوة الإسلامية في إفريقية، ص (127 ، 129).

(14) انظر: تزيين الورقات، للشيخ عبد الله بن فودي، ص (10 ، 11).

(15) انظر: المصدر نفسه، ص 15.

(16) انظر: المصدر نفسه، ص 48، والإسلام في نيجيريا، ص 10.

(17) انظر: الإسلام في نيجيريا، ص 108.

(18) انظر: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، لمحمد بللو، ص 96.

(19) انظر: المصدر السابق، ص 190.

(20) انظر: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، للدكتور شيخو غلادنثي، ص (76 - 79).

(21) المصدر نفسه، ص 88.

(22) انظر: إبراهيم أدو:  Sharia and the Press in Nigerra، ص (242 – 243).

(23) حركة اللغة العربية، ص (82 ، 83).

(24) انظر لتفاصيل ذلك: المصدر السابق، ص (83 ، 88).

(25) انظر: الإسلام والحضارة الإنسانية، للعقاد، ص 114.

(26) انظر: (sharia and the press in Nigeria)، ص 280.

(27) انظر: المصدر السابق، ص (291 – 292).

(28) انظر: ahmad Bello Sardaula of Sokoto، للكاتب البريطاني جون فادن، ص (205 - 207).

(29) الدعوة الإسلامية في إفريقية، ص 226.

كتاب الموقع