أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا: المبادئ، الأسس والتطورات

 

   

           أ. سمير قط (*)

 

تشكِّل إفريقيا فضاءً جيوسياسيّاً بالغ الأهمية والحساسية بالنسبة للسياسة الخارجية الجزائرية، وقد اكتشف صنّاع القرار الجزائريّين ذلك منذ الاستقلال، لذلك شدّدوا على حضور الجزائر في هذا المجال على جميع الصُّعد.

غير أنّ السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا عرفت تحوّلاتٍ من حقبةٍ لأخرى، فقد ميّزها في فترة الستينيات والسبعينيات البُعد الأيديولوجيّ في إطار الاستقطاب العالميّ شديد الحدّة بين الشرق والغرب.

وفي منتصف السبعينيات تميّزت المرحلة بانفجار قضية الصحراء الغربية، والتي مثّلت متغيّراً جديداً يحكم السياسة الخارجية الجزائرية في مجالها الإفريقي، ثم دخلت السياسة الخارجية الجزائرية، في التسعينيات خصوصاً، في حالةٍ من الأفول عالميّاً وإفريقيّاً، بفعل عوامل عدة.

لكن مع وصول نخبةٍ جديدةٍ للحكم في الجزائر، بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي عمل جاهداً على بَعْث الحضور الجزائريّ في القارة على أُسسٍ جديدة، بسبب متغيّراتٍ مختلفة، ولا سيما الأمنية منها، نجح الرئيس بوتفليقة في الكثير من مساعيه تلك.

 

مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية: ثبات في ظلّ التحوّلات:

تبنّت الجزائر، منذ استقلالها 1962م، سياسةً خارجيةً قائمةً على عدة مبادئ رسّختها الثورة الجزائرية، وقد حافظت الجزائر على هذه المبادئ برغم التطورات التي حصلت في النظام الدولي، ولعلَ أخطرها ما يعرفه المحيط الجيوسياسيّ للجزائر، سواء المغاربي، أو الساحليّ الصحراويّ، في الوقت الراهن، إلا أنّ الجزائر لا تزال تصرّ على إدارة كلّ هذه التحوّلات والأزمات بمبادئ الثورة الجزائرية.

تتلخص مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية في:  (دعم حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، التسوية السّلمية للنزاعات)، وقد تبلورت في إطار برنامج طرابلس في جوان/يونيو 1962م، المقترح غداة الاستقلال من طرف المجلس الوطنيّ للثورة، الذي كرّس التزام الدولة الجزائرية في سياستها الخارجية بمهمّة الكفاح ضدّ الإمبريالية، ومساندة حركات التحرير في العالم.

وساهمت الثورة الجزائرية في إصدار القرار الأمميّ رقم 1514، المتعلّق بحقّ الشعوب في تقرير المصير والاستقلال، وذلك في 14 ديسمبر 1960م. كما ضُمَن- بعد ذلك- دستور 1976م، ثمّ دستور 1986م، مبدأَي عدم الانحياز وعدم المشاركة في أيّ تدخلٍ عسكريٍّ خارج الحدود الجزائرية، وظلّت هذه المبادئ توجّه السياسة الخارجية الجزائرية طيلة عقودٍ بعد الاستقلال.

وبفضل مَن مثّلوا الدبلوماسية الجزائرية وقتها، خاصّة في عهد الرئيس بومدين، صارت الجزائر أحد أقطاب العالم الثالث بفعل خطابها الثوري، ما دفع الزعيم الإفريقيّ الثائر «أميلكار كابرال» إلى التصريح بأنه «إذا كانت مكّة قبلة المسلمين، والفاتيكان قبلة المسيحيّين، فإنّ الجزائر تبقى قبلة الثوار والأحرار»، لقد كان هذا- فعلاً- زمن العصر الذهبي للسياسية الخارجية الجزائرية.

 غير أنّ السياسة الخارجية الجزائرية في بداية الثمانينيات بدأت تتراجع، لتصل إلى حدّ الانكفاء على الذات مع نهاية الثمانينيات، بسبب نهاية الحرب الباردة والحرب الأهلية التي عرفتها، فقد طرأت تطورات، على صعيد العلاقات الدولية، ومنها انهيار النظام ثنائي القطبية، ضيّقت من هامش مناورة الجزائر الخارجية.

وتقوقعت الجزائر على نفسها، بانشغالها بأوضاعها الداخلية السياسية والأمنية، لتزداد الأوضاع تعقيداً في الوقت الراهن، خاصّة ما تعلق بجوار الجزائر المضطرب، مع تبعات الربيع العربيّ والساحل الإفريقيّ بأزماته المتعددة، والتزام الجزائر بشراكاتٍ استراتيجيةٍ وأمنيةٍ مع القوى الكبرى.. دفعت البعض إلى الاعتقاد بأنّ الجزائر قامت/عليها أن تقوم بمراجعة مبادئ سياستها الخارجية (1) التي لم تعد تناسب الأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية التي تعيش الجزائر في خضمّها.

 

1- أُسس السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا:

أهمية البُعد الإفريقيّ للجزائر، على الصُّعد كافّة، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية والأمنية، ليست جديدة، فالجزائر أدركت أهمية الدائرة الإفريقية لحركتها الجيوسياسية منذ الثورة؛ حيث شكّلت القارّة قاعدةً خلفيةً لها في سياق التضامن الثوريّ الذي ساد بين دولها، فقد مارست الدول الإفريقية دَوْراً مهمّاً في إجبار فرنسا على الاعتراف باستقلال الجزائر. 

تجد السياسة الإفريقية للجزائر أساساتها في الجغرافيا والتاريخ، فقد أدرك صنّاع القرار الجزائريون  أهمية الدعم الإفريقيّ منذ مؤتمر باندونغ 1955م، وسنوات الستينيات والسبعينيات، التي شكّلت العصر الذهبيّ للسياسة الخارجية الجزائرية، تميّزت بتكثيف حركتها في إفريقيا، وتُرجمت هذه التصورات في النصوص الأساسية للدولة والحزب الجزائريّين، والتي كان بعضها في غمار الثورة الجزائرية- كما أشرنا-، ومن خلال تحليل ميثاق طرابلس، دستور 1963م، ودستور 1976م؛ يمكن استخلاص عدّة أسس حكمت هذه العلاقات، لخّصها «سليمان الشيخ» في:

أولاً: التضامن السياسي: في إطار كفاح الدول الإفريقية من أجل التحرّر، ومحاربة التمييز العنصري والإمبريالية.

ثانياً: المتغيّر الأيديولوجيّ والسياسيّ كان المحدّد الأساسيّ الذي دفع الجزائر للتركيز في إفريقيا في سياستها الخارجية (2), فبرغم أنّ النصوص الأساسية- المشار إليها أعلاه- وضعت إفريقيا في المرتبة الثالثة بعد المغرب العربيّ والعالم العربي، لاعتبارات الدين واللغة.. بيد أنّ الملاحظ أنّ الحركة الدبلوماسية الجزائرية كانت نشطة أكثر على الصعيد الإفريقي، ويمكن تفسير ذلك؛ بأنّ الجزائر كانت مدركة لضيق مجال حركتها عربيّاً ومغاربيّاً بسبب هيمنة مصر  (عبدالناصر) على الشؤون العربية، فكما يلاحظ بهجت قرني: أنّ الفكر القوميّ كان مشرقيّاً أصلاً؛ عبر الفكر الناصريّ والبعثيّ في سوريا والعراق، فضلاً عن الصراعات العربية-العربية التي دفعت الجزائر نحو إفريقيا كمجال حركة جيوسياسيٍّ مفضّل (3).

ثالثاً: وظّفت الجزائر دَوْرها الرياديّ في القارة الإفريقية- في أحيانٍ كثيرة- لمطالب اقتصادية؛ خاصّة باستكمال دول العالم الثالث لاستقلالها الاقتصاديّ واستغلال مواردها بنفسها، وإعادة النظر في النظام الاقتصاديّ العالمي، من هنا تأكّد للجزائر الدَوْر الدبلوماسيّ الإفريقي، فقد طبقت قاعدة: «دولة-صوت».

تجلّى النشاط الدبلوماسيّ الكثيف للجزائر إفريقيّاً في الكثير من المسائل، فالجزائر كانت من بين الدول الإفريقية القليلة التي نفّذت القرار الوزاريّ لمنظمة الوحدة الإفريقية الصادر عام 1965م، القاضي بقطع العلاقات مع لندن عقب إعلان روديسيا الاستقلال من طرفٍ واحد، كما كانت الجزائر مسرحاً للعديد من لقاءات منظمة الوحدة الإفريقية، وكذلك المؤتمرات الإفريقية غير الحكومية، مثل المهرجان الثقافيّ الإفريقيّ 1969م، كما أدت الجزائر دَوْراً نشيطاً في لجنة التحرير بالمنظمة منذ نشأتها، فضلاً عن أنها كانت المقرّ الرئيس لعددٍ كبيرٍ من حركات التحرير (4).

العلاقات المتوترة بين  (الجزائر والمغرب) كان لها حضورٌ كذلك في القارة الإفريقية، استغلته الجزائر لصالحها، فبعد تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية بأشهر؛ واجهت النزاع الحدوديّ بين الجزائر والمملكة المغربية، بسبب توغل القوات المغربية في الأراضي الجزائرية، ومن ثمّ أعلنت الجزائر في أكتوبر 1963م عن رغبتها بأن تتكفل المنظمة بتسوية النزاع، واستطاعت المنظمة أن تتوصل إلى وقف إطلاق النار، وتكوين لجنةٍ عسكريةٍ لمتابعة انسحاب القوات المغربية، كما شكّلت المنظمة لجنةً خاصّةً في باماكو لمتابعة النزاع في 15 يناير 1969م.

وانتهى النزاع بتوقيع اتفاقية «ايفران» بين الرئيس الجزائري بومدين وعاهل المغرب الحسن الثاني، وفي القمّة الإفريقية الثامنة في الرباط عام 1972م؛ أعلن الملك المغربي توصّل البلدَيْن إلى تسوية النزاع الحدوديّ فيما بينهما.

 

2- قضية الصحراء الغربية وأثرها في السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا:

سنة 1975م، التي ميّزها انفجار قضية الصحراء الغربية، شكّلت متغيّراً جديداً في سياسة الجزائر نحو إفريقيا: فقد انقسمت إفريقيا بين دولٍ مؤيدةٍ للموقف المغربي، وأخرى مساندة لمطلب الشعب الصحراويّ  (الموقف الجزائري) بالاستقلال، ففي قمّة «فريتاون» 1980م؛ أصبحت «الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية» الدولة 51 في منظمة الوحدة الإفريقية.     

موقف الجزائر من القضية الصحراوية كان موقفاً مبدئيّاً، فقد جاء في الميثاق الوطنيّ لجبهة التحرير الوطني: «الجزائر بلدٌ إفريقي، تندرج سياسته الخارجية في نطاق التضامن الإفريقيّ من أجل التحرّر السياسيّ للقارة، ونهوضها الاقتصاديّ والاجتماعي...» (5).

فبالإضافة إلى الدعم الماديّ الذي كانت تقدّمه الجزائر إلى جبهة البوليساريو؛ فإنها بدأت في حملتها الدبلوماسية لجلب الاعتراف بحكومة «الجمهورية العربية الصحراوية»، وعزل المغرب عن العمق الإفريقي، مستخدمةً في ذلك نفوذها في إفريقيا والعالم الثالث، وكانت نتيجة هذه الجهود قبول انضمام «الجمهورية العربية الصحراوية» رسميّاً خلال القمّة العشرين لمنظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا يوم 12 نوفمبر 1984م، وهو اليوم الذي انسحبت فيه المغرب من المنظمة احتجاجاً على ذلك، ولم تتمكن الرباط من إحداث اختراقٍ إفريقيٍّ مضاد.

هكذا استطاعت دبلوماسية الثورة أن تؤدي أدواراً مؤثّرة وحاسمة على الساحة الإفريقية، ليأتي بعدها دَوْر الجزائر المستقلة، فاعلاً أساسيّاً على الساحة الإفريقية، ووقوفها وراء الحركات التحررية، ليؤدي ذلك الموقف إلى التوتر بينها وبين جارتها المملكة المغربية، لتتمكن في الأخير من فرض العزلة عليها إفريقيّاً.

عقد الثمانينيات  (عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد 1979م - 1992م): برغم بقاء القضية الصحراوية مركز اهتمام السياسة الخارجية الجزائرية؛ فإنّ البُعد الإفريقيّ للجزائر قد شهد نوعاً من التراجع النسبيّ في سلّم اهتمامات صانع السياسة الخارجية.

ويمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات، خاصّة بالنسق الدوليّ عموماً، والإقليميّ المتعلّق بإفريقيا وبالجزائر أخيراً، فبفضل الانفراج الذي شهدته العلاقات بين المعسكرَيْن المتصارعَيْن؛ تراجعت كثيرٌ من مواضيع العلاقات الدولية، مثل قضايا التحرّر، ومكافحة الإمبريالية.. وفقدت مضمونها أحياناً، وتكيّفت الجزائر مع هذا الأمر، فقد لطّفت من حدّة خطابها بشأن الحوار شمال-جنوب، وعدم الانحياز  (التي كانت تمثّل جوهر علاقة الجزائر بإفريقيا)، فقد قام الرئيس الأسبق بن جديد بأول زيارة رسمية لرئيسٍ جزائريٍّ لفرنسا في 1983م، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1985م (6).

تميّزت التحوّلات الإقليمية بتطبيع العلاقات الجزائرية-المغربية، ورغبة الجزائر في بَعْث مشروع التكامل المغاربي، وسعيها لحلّ مشكلة الصحراء بشكلٍ وديٍّ مع المغرب، وبالتالي لم يعد الدعم الإفريقيّ للموقف الجزائري ذا أهمّية تُذكر.

وظهر في تلك الفترة مدى الخلل البنيويّ للاقتصاد الريعي الجزائري، وحجم الفشل الذي مُني به النموذج الاشتراكي، خصوصاً بعد انهيار أسعار البترول، كلّ هذه التطورات المحلية دفعت الجزائر للانشغال بأزماتها الداخلية أكثر؛ على حساب سياستها الخارجية.

 

3- الأزمة الجزائرية وأفول السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا:

عرفت فترة التسعينيات ما يُمكن أن نصفه بأفول– تقريباً- الدَوْر الجزائري في إفريقيا، هذه المرحلة شهدت خلالها الجزائر أزمةً متعددة الأبعاد، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثم استحالت أمنية، بسبب الحرب الأهلية، وتميّزت بعزلةٍ دوليّةٍ شديدةٍ للجزائر، وأضحت الدبلوماسية الجزائرية تعتمد على ما يسمّيها سعيد حداد: «الدبلوماسية الدفاعية»؛ أي الدفاع عن النظام الجزائري، وتبييض صورته دوليّاً، والتي تضررت كثيراً، حيث التصق بالجزائر تهمة إنتاج الإرهاب وتصديره (7).

هذه الفترة تميّزت كذلك بتضخم أهمية البُعد المتوسطيّ للحركة الجيوسياسية للجزائر، والتي تفوقت على البُعد الإفريقي، وقد انعكس ذلك في دستور 1996م؛ حيث ورد في ديباجته: «إنّ الجزائر أرضُ الإسلام، وجزءٌ لا يتجزأ من المغرب العربي، وأرض عربية، وبلاد متوسطية وإفريقية» (8), نلاحظ هنا أنّ إفريقيا تراجعت لأول مرة، منذ الاستقلال، إلى المرتبة الرابعة بعد المتوسط، وذلك بفضل تطوّر بناء الاتحاد الأوروبي، وتوجّهه إلى العناية أكثر بتخومه الجنوبية، وتأطير علاقاته بها عبر مشاريع استراتيجية طموحة: الشراكة الأورو-متوسطية، الاتحاد المتوسطي... بمجموعها؛ جعلت الجزائر تولي أهمية أكبر لبُعدها المتوسطي للخروج من عزلتها الدولية، وكسر الحظر المعنويّ الذي ضُرب عليها طيلة عقدٍ كامل، ومن ثمّ أصبحت أوروبا وسيطاً بين الجزائر وعمقها الإفريقي.

قضية الصحراء الغربية:

أدى تراجع النشاط الخارجيّ للجزائر إلى تراجع العديد من الدول، ومن بينها بعض الدول الإفريقية، عن اعترافها بالصحراء الغربية، بل أصبحت تسعى لإنهاء عضويتها في منظمة الوحدة الإفريقية، ومن هذه الدول: بوركينافاسو، جمهورية إفريقيا الوسطى، الكاميرون، كوت ديفوار، غينيا كوناكري والسنغال.. والتي على ما يبدو قائدة هذه المجموعة (9), ولا يمكن أن يفسّر سعي هذه الدول لإعادة بَعْث الجدل في هذه المسألة إلا تحت تأثير الموقف الفرنسي، بسبب العلاقة المتوترة مع الجزائر، لذلك؛ فهي تدعم المغرب بالسلاح، وتضغط على هذه الدول لتدعيم الموقف المغربي، باعتبار أنّ معظمها مستعمرات سابقة لها، وبسبب الخدمات التي تقدّمها لهذه الدول.

وبرغم هذه الجهود التي تقوم بها فرنسا، والجهود التي يقوم بها المغرب، في إطار منظمة الساحل والصحراء، والتي لم تنضم إليها الجزائر بسبب إنشائها بمبادرةٍ ليبية، وكانت قد نسخت عنها هذه الفكرة، بعد تنظيم الجزائر لندوتَيْن لدول الساحل والصحراء لإنشاء إطارٍ للتعاون. إضافة إلى تحفّظها على السلوك الليبيّ الذي كان داعماً للإرهاب، كما كان داعماً لحركات التمرد الطارقية، التي تمثّل تهديداً للأمن القوميّ الجزائري، وهذا ما أراد أن يستغله المغرب، لمراجعة الموقف الإفريقيّ من القضية الصحراوية، فإنّ الجزائر استطاعت التقرب إلى نظام بريتوريا وإقناعه بالاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وعملت مع نيجيريا في إطار مبادرة نيباد، وقد حقّق الحرص على ثبات موقفها من القضية انتصاراً آخراً (10).

قضية الطوارق:

كانت قضية الطوارق من أبرز محدّدات الحركة الدبلوماسية الجزائرية في إفريقيا فترة الأزمة، فبعد انفجارها سنة 1990م؛ أدركت الجزائر أنّ تطورات الوضع تنذر بتهديدٍ قويٍّ للأمن القوميّ الجزائري.

تربط دول الساحل والصحراء بالجزائر روابط تاريخية واقتصادية ودينية وسياسية-أمنية في وقتنا الراهن، ففضلاً عن العلاقات الحضارية والدينية، وذلك باتباع كثيرٍ من شعوب الساحل المسلمة، خاصّة وسط الصحراء للطرق التيجانية والقادرية التي تحظى باحترامٍ كبير، وتجد أصولها في الجزائر عبر الزوايا، ولا سيما الزاوية القادرية في «توات»، وزاوية تيماسين التي يتوافد إليها الطلاب من دول الساحل لتلقّي تعاليم هذه الطرق.

في العقود الأولى التي تبعت استقلال الجزائر كانت منطقة الساحل والصحراء تُعتبر منطقة نفوذ سياسيٍّ واقتصادي، غير أنه منذ عقدَيْن تقريباً بات الاهتمام الجزائريّ بهذه المنطقة يأخذ أبعاداً أمنية أكثر فأكثر، ولا سيما عقب أحداث سبتمبر 2001م، واندلاع «الحرب العالمية على الإرهاب الدولي»، الذي وجد في هذه المنطقة ملاذاً لنشاطاته، فضلاً عن تفاقم النزاع في مالي والنيجر بسبب المطالب الانفصالية للطوارق، والذي حتّم على الجزائر التحرك لإدارة النزاع، ودرء أيّ احتمالاتٍ تعرّضها لتداعياته.

وإدراك الجزائر لأهمية الدائرة  (الساحلية-الصحراوية) لأمنها القوميّ فرض عليها القيام بدَوْرٍ رياديٍّ في المبادرات الأمنية الإفريقية، سواء في مجلس السّلم والأمن في إفريقيا، أو الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الإرهاب، ولذلك أولت منطقة الجنوب اهتماماً شديداً، بإعداد برنامج للتنمية فيه، وتخصيص 35 مليار دينار لتمويل المشاريع السياحية والري.

وبالتوازي مع ذلك؛ قامت الجزائر بمساعي الوساطة بين حكومتَي النيجر ومالي والمتمردين الطوارق، لتسوية النزاع، إلا أنّ التدخّل الفرنسيّ والليبيّ القوي جعل الوساطة الجزائرية في موقفٍ ضعيف، خصوصاً أنّ الأزمة الداخلية كانت في أوج اشتعالها، ولذلك؛ فإنّ حجم الدَوْر الذي قامت به الجزائر في قضية الطوارق، التي تحمل دلالات تهديدٍ للأمن القوميّ الجزائري في عمقه الإفريقي، كان ضعيفاً.

 

4- السياسة الإفريقية للجزائر في عهد بوتفليقة: الانبعاث من جديد:

لقد كان الشغل الشاغل للرئيس بوتفليقة، منذ تولّيه رئاسة الجمهورية في الجزائر،  (وهو وزير خارجية سابق في عهدَي بن بلة وبومدين)، هو استعادة العصر الذهبيّ للسياسة الخارجية الجزائرية، وخصوصاً في القارة الإفريقية.

ويُعدّ بوتفليقة، في بدايات عهده، الممثل الوحيد للسياسة الخارجية الجزائرية، فوزراء الخارجية الذين تعاقبوا على هذا المنصب، في ذلك الوقت، لم يكن لديهم دَوْرٌ يُذكر.

نظّمت الجزائر قمّة منظمة الوحدة الإفريقية في منتصف 1999م، وشارك بوتفليقة في الجمعية العامّة للأمم المتحدة في السنّة نفسها، كما كان كثير الحضور في وسائل الإعلام الدولية (11),  كلّ ذلك كان بغية حشد دعمٍ واعترافٍ دوليَّين، وخصوصاً من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، بأنّ الجزائر حليفٌ يمكن الاعتماد عليه في الحرب على الإرهاب، ولجذب مستثمرين أجانب، فقد أراد بوتفليقة إعادة بريق السياسة الخارجية الجزائرية الذي عُرفت به في الستينيات والسبعينيات، في إفريقيا تحديداً، فقد استضافت الجزائر القمّة السنوية لمنظمة الوحدة الإفريقية  (الاتحاد الإفريقي اليوم)؛ ما جعل منه تلقائيّاً رئيساً للمنظمة للسنة التالية، وهو ما ساعد الجزائر في المفاوضة على وقف إطلاق النار خلال الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، وأصبح بوتفليقة على إثرها أحد المحرّكين البارزين للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (12).

سعي بوتفليقة لإحياء دَوْر الجزائر الرياديّ في إفريقيا؛ يُعزى لعدّة أسباب، أهمّها:

أولاً: رغبة الجزائر- كما أشرنا- في الخروج من القوقعة التي فُرضت عليها طيلة عقد التسعينيات.

ثانياً: مجابهة التطلعات المصرية والمغربية والليبية في القارة، فقد تجسّدت هذه التطلعات- مثلاً- في مبادرة ليبيا بإنشائها تجمّع دول الساحل والصحراء، الذي تعتبر الجزائر الغائب الأكبر فيه، والذي انضمت إليه المغرب  (برغم أنها ليست بلداً ساحليّاً) أساساً لسعيها لتطويق الجزائر إقليميّاً.

ثالثاً: بروز إرهابٍ من نوعٍ جديدٍ في منطقة الساحل والصحراء، يهدّد الأمن الجزائري، والمصالح الغربية على حدٍّ سواء، لذلك فالجزائر تسعى جاهدةً لإقناع القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، بإمكانية قيامها بدَوْرٍ مركزيٍّ في مكافحة هذه الظاهرة في الساحل.

وقد تجلّى سعي الجزائر لبعث دَوْرٍ رياديٍّ لها في القارة الإفريقية في استحداثها، لأول مرة منذ الاستقلال، لمنصبٍ وزاريٍّ للشؤون المغاربية والإفريقية، ودَوْرها كذلك في تسوية العديد من النزاعات في القارة- كما أسلفنا-. 

وعملت الجزائر لبعث دَوْرها في إفريقيا من جديد، من خلال محورَيْن:

الأول: حشد الجهود الإفريقية لمكافحة الإرهاب، فقد تمكّنت الجزائر من إقناع الدول الإفريقية بالتعاون لمكافحة الإرهاب، حيث أعدت مشروع اتفاقية مكافحة الإرهاب، وهو المشروع الذي صادق عليه وزراء عدل الدول الإفريقية بالإجماع، وحمل اسم: «الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الإرهاب» (13).

والثاني: الاهتمام بالتحديات والمشكلات التي تعانيها إفريقيا، والعناية بالجانب التنموي، وقد تجلّى ذلك من خلال دَوْرها المحوريّ في تأسيس مبادرة النيباد.

السياسة الخارجية الجزائرية الراهنة في إفريقيا: هيمنة البُعد الأمني:

ما يميّز السياسة الخارجية الجزائرية في إفريقيا، في السنوات الأخيرة، غلبة البُعد الأمنيّ عليها، فالجوار المباشر للجزائر، سواء المغاربيّ أو الساحليّ الصحراوي، عرف تحوّلات سياسيةٍ واضطراباتٍ أمنيةٍ خطيرة، فرضت على الجزائر وضع هذه المنطقة في سلّم أولويات أجندة سياستها الخارجية.

 

التحولات السياسية والأزمات الأمنية في الجوار المغاربي: كُلفة الربيع العربي:

لقد كان «الربيع العربي» مفاجئاً للجزائريّين، فقد كانوا يتوقعون التهديد- حصراً- من قِبل الإسلاميّين، لذلك أذهل السقوط غير المنتظر لبن علي، ومبارك ثم القذافي، صنّاع القرار في الجزائر، وأدخلهم في حالةٍ من الاضطراب في سلوكهم الخارجي، فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة تهديدات جديدة شلّت الحكومة في التعامل مع المطالب المجتمعية الداخلية من جهة، وتحديد موقفٍ واضحٍ بخصوص هذه التطورات الإقليمية، ويتضح ذلك بجلاء من خلال الفجوة بين الخطاب والفعل، فغالباً ما عبّر النظام الجزائريّ عن دعمه لخيارات الشعوب، والتحوّل نحو الديمقراطية في أي بلد عربي، غير أنّ واقع الحال لم يكن كذلك.

تونس:

الثورة التونسية حملت معها جملةً من التحديات السياسية والأمنية؛ فقد أفرزت زخماً للتيار الإسلاميّ ممثلاً في حزب النهضة، والذي رأى فيه النظام الجزائريّ تهديداً له، فقد وضع في الاعتبار إمكانية عودة ظاهرة «صعود الإسلاميّين» في الداخل الجزائري الذي كانت له معها تجربة دموية للغاية؛ في إطار ما عُرف بـ«العشرية السوداء».

التحدي الثاني الذي فرضته التحوّلات السياسية في تونس هو تحدٍّ أمني، فالاضطرابات التي صبغت المرحلة الانتقالية في تونس، وما ترتّب عليها من ضعف الأجهزة الأمنية، جعلت الحدود الجزائرية-التونسية تشهد انكشافاً خطيراً، بانتشار الجماعات الإرهابية  (في جبال الشعانبي)، وأبرز هذه الحركات المتطرفة/الإرهابية: هي «حركة أنصار الشريعة».

وفضلاً عن انتشار الإرهاب في تونس؛ فقد انتعش التهريب  (من الجزائر إلى دول الجوار) على الحدود التونسية-الجزائرية، وهي ظاهرة ليست جديدة، غير أنها تفاقمت بشكلٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة، مع التداعيات السلبية للربيع العربي، وانكشاف الحدود البرّية للكثير من الدول المجاورة للجزائر، ومنها تونس، فالحدود الجزائرية-التونسية، وبسبب تهالك الجهاز الأمني التونسي، باتت تعرف حركة كثيفة جدّاً للتهريب بكلّ أشكاله، وبخاصّة الوقود والمواد الغذائية، ولعلّ السبب الأساسي إلى جانب جملة من الأسباب التي ذكرناها؛ ترجع أساساً إلى ضعف التنمية المحلية في المناطق الحدودية، سواء بالنسبة للجزائر أو لتونس.

ليبيا:

ظلّت الجزائر- رسميّاً- محايدة بشأن الثورة ضدّ نظام القذافي، وإن اتهمها البعض بمساندة النظام السابق خشية وصول الربيع العربي إليها، لكن بعد القضاء على القذافي؛ سارعت الجزائر للاعتراف بالمجلس الوطنيّ الانتقالي.

وفي أعقاب النزاع الذي حدث بين مختلف المكوّنات السياسية في ليبيا؛ عملت الجزائر جاهدة على البحث عن حلولٍ سياسيةٍ بين الفرقاء السياسيّين، تكون متراساً أمام أية محاولةٍ لصعود الجهاديّين الإسلاميّين  (العدوّ اللدود للنظام الجزائري)، وفي وجه كلّ التدخلات الأجنبية، والمساعدة في إعادة بناء قدرات ليبيا لمراقبة حدودها؛ خاصّة بعد انهيار الجهاز الأمنيّ الليبي.

تُعدّ الجزائر من أكثر المتأثرين مباشرة بالأزمة الليبية، خصوصاً على الصعيد الأمني، بحكم التماس الجغرافي، فالحدود بين البلدَيْن طويلة جدّاً  (حوالي 900 كم)، وصعبة السيطرة، ما خلق انعكاسات أمنية وسياسية خطيرة على الجزائر، فقد تفاقمت عمليات التهريب بشتّى أنواعها من طرف طوارق ليبيا؛ خاصّةً نحو الجزائر ومالي، وشهدت المنطقة، وبخاصّةً إليزي وطاسيلي، تسلّل الكثير من العناصر الإرهابية والإجرامية، التي شكّلت انشغالاً بالغاً للجزائريّين، وبرغم التصريحات المتبادلة من سلطات البلدَيْن حول تأمين الحدود؛ فإنّ غياب الثقة بدَا واضحاً بين الجانبَيْن، ولا سيما الطرف الليبي، بسبب غياب قوةٍ واحدةٍ مسيطرةٍ على الوضع في ليبيا، فالأمر رهنٌ بصراع الميليشيات.

ويبدو أنّ الليبيّين، بمختلف تلوناتهم السياسية، مقتنعون بجدوى الوساطة الجزائرية، لعدة اعتبارات؛ أولاً: لاحترافية الدبلوماسية الجزائرية في مجال الوساطات وحلّ النزاعات في المنطقة، وثانياً: لضعف التأثير الدبلوماسيّ المصريّ في المنطقة، بسبب المشكلات المصرية الداخلية، ورفض بعض التشكيلات السياسية الإسلامية في ليبيا، الموالية لجماعة «الإخوان المسلمون»  (ذات البُعد الدولي)، لأية وساطة بقيادة الرئيس المصري السيسي، وثالثاً: لأسبابٍ أمنية، تتعلق بتخوّف الليبيّين من تحوّل ليبيا إلى ملاذٍ لتنظيم «داعش»؛ خصوصاً أن مؤشرات كثيرة أثبتت ذلك (14).

سعت الجزائر لإطلاق مبادرة لحلّ الأزمة الليبية، تضع حدّاً للاقتتال، وترسي أُسس العملية السياسية، لكن هناك مَن يرى أنّ الجزائر أخطأت لانخراطها بمفردها في الأزمة الليبية، فيرى- مثلاً- الأستاذ الدبلوماسي عبدالعزيز جراد: أن تكفّل الجزائر وحدها بالملف الليبي قد يفتح عليها صراعات مع دولٍ لها مصالح في ليبيا، ويقترح أن تنضوي مبادرتها، لحلّ الأزمة سياسيّاً، ضمن إطارٍ إقليميٍّ عربيٍّ أو إفريقي.. (15).

تواجه الوساطة الجزائرية تحدّيات جمّة، وبخاصّة ما تعلّق بتعقيدات الوضع الأمنيّ والسياسيّ الليبي، وصعوبة جمع الفرقاء المتناحرين على طاولةٍ واحدةٍ للحوار، خصوصاً أنّ بعض التشكيلات غير متحمّسة للدَوْر الجزائري، خاصّة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والفريق الموالي له، فضلاً عن الموقف السلبيّ لبعض دول الجوار، كمصر (16), وما يُشاع من دعمها وبعض دول الخليج لحفتر، بالإضافة إلى فرنسا الساعية دوماً لإضعاف الوساطة الجزائرية وإجهاضها، والتي تلمّح دائماً إلى إمكانية توجيه ضربةٍ عسكريةٍ بذريعة «مكافحة الإرهاب» (17).  

أزمات الساحل: غموض السياسة الخارجية الجزائرية والبحث عن التموضع:

يرى الكثير من المتابعين أنّ الجزائر تسعى للهيمنة على الفضاء الساحلي.

 

تعتمد الجزائر في علاقاتها بدول الساحل على مقاربتَيْن:

المقاربة الأولى: ثنائية الأطراف:

 تعتمد فيها على تطوير علاقاتها بدول المنطقة سياسيّاً ودبلوماسيّاً وأمنيّاً، فعلى الصعيد الاقتصادي؛ كان هناك حضورٌ لشركة سوناطراك Sonatrach الجزائرية في شمال مالي بشكلٍ خاص، وبرغم أنّ مالي ليست بلداً نفطيّاً فإنّ حوض تاودني يعتبر واعداً، وقد بدأت سوناطراك بعمليات الحفر والتنقيب في حوض تاوندي الغني بالنفط منذ 2007م (18).

وسعياً منها لتحسين علاقاتها بجيرانها «الجدد»؛ قامت الجزائر  (قبل الانقلاب على أمادو تومانو توري) بتقديم 10 ملايين دولار منحةً لمالي في 2011م؛ للمساهمة في تنمية شمالها، وعقب انهيار نظام بن علي قدّمت الجزائر 100 مليون دولار مساعدات لتونس، فضلاً على ذلك؛ مسحت الجزائر ديون 14 دولة إفريقية، معظمها من دول الساحل الإفريقي، بلغت 902 مليون دولار.

أما على الصعيد العسكري؛ فقد عملت الجزائر في نهاية 2011م بتنفيذ تمارين تكوينية لقوات خاصّة مالية ونيجيرية، كما أرسلت الجزائر قوات خاصّة لتدريب قطاعات من الجيش المالي؛ غير أنّ المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO عرقلت العملية (19).

المقاربة الثانية: متعددة الأطراف:

تعمل من خلالها الجزائر على تشكيل أطرٍ استراتيجية، وتنخرط في مبادرات أمنيةٍ إقليمية، سواء إفريقية المنشأ، أو المقترحة من طرف القوى الكبرى الغربية.

فبغية المساهمة في أمن المنطقة الساحلية-الصحراوية؛ تنخرط الجزائر في كلّ الترتيبات الأمنية في هذا الفضاء الجيوسياسي، بل تقود بعضها، وبخاصّة استراتيجية «دول الميدان»، والتي تضمّ كلاًّ من: مالي والنيجر وموريتانيا برعايةٍ جزائرية، وضعت هذه الاستراتيجية التنسيق فيما بين هذه الدول الأربعة كهدفٍ لها لمواجهة التحديات الأمنية بالمنطقة، وبخاصّة الإرهاب عبر الوطني، مع ربطها بالتنمية كشرطٍ مسبقٍ للأمن في هذا الفضاء.

علاوةً على انخراط الجزائر في مختلف الأطر الاستراتيجية الموجودة في الساحل، والتي تصوغها القوى الكبرى، وبخاصّة مبادرة عبر الساحل لمكافحة الإرهاب-TSCTI  (لملاحقة التنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي) التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في 2005م، وتضمّ العديد من دول الساحل، من بينها الجزائر.

وتواجه كلّ هذه الترتيبات الأمنية والأطر الاستراتيجية صعوبات ميدانية عدّة حدّت من فعاليتها، لعلّ في صدارتها غياب الثقة بين بلدان المنطقة، والضعف الشديد الذي تعانيه كلّ دول الساحل باستثناء الجزائر، خصوصاً على الصعيد العسكري، وفشل أجهزتها الأمنية، ما يجعل الجزائر مجبرة على بذل مجهوداتٍ مضاعفةٍ من أجل تأمين نفسها.

 

الأزمة في شمال مالي: وساطة جزائرية ناجحة في خضّم التحديات:

يعكس موقف الجزائر من تطورات الأزمة في شمال مالي مدى تمسّك الجزائر بمبادئ سياستها الخارجية؛ إذ رفضت التدخّل الفرنسي، وحاولت مقاومته إلى الرمق الأخير، كما رفضت المشاركة في ملاحقة الجماعات الإرهابية بشمال مالي؛ متذرعةً بمبدأ عدم مشاركة الجيش الجزائريّ في أية عمليات عسكرية خارج التراب الوطني.

غير أنّ هذا الموقف الأخير نتج عنه ردود أفعالٍ داخليةٍ ودولية، طالبت الجزائر بضرورة مراجعة هذا المبدأ والتخلّي عنه، وذلك نظير التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية المغاربية والساحلية، وانتشار الإرهاب والتهريب على حدودها، والذي لم تعد تكفي معه الحلول الوطنية المنفردة؛ بقدر ما يتطلب تعددية الأطراف والتعاون الإقليمي.

في بداية الأمر، وبخصوص ما حدث في 2012م من تمرّدٍ جديدٍ للطوارق، عبّر المسؤولون الجزائريون أنهم يتبنّون موقف «الحياد الإيجابي»، وتُرجع الباحثة «لورنس عايدة عمور» هذا الموقف إلى اعتبارات داخلية؛ بحكم أنّ الجزائر في تلك الفترة كانت تشهد انتخابات تشريعية عام 2012م، وبصدد التحضير لانتخابات رئاسية في 2014م (20), لذلك لم تول أهمية بالغة لما حدث في شمال مالي، غير أنها سرعان ما غيّرت موقفها جذريّاً  (بعد تعقّد الأمور)، حيث عرضت وساطتها بين الفرقاء السياسيين. 

انطلق المسار التفاوضي بين الحكومة المالية ومنسقية الحركات الأزوادية، في جويلية/يوليو 2014م، في الجزائر، بمشاركةٍ دوليةٍ مشكّلةٍ من: المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، منظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى: بوركينافاسو وموريتانيا والنيجر وتشاد؛ بوصفهم أعضاء في فريق الوساطة.

واجهت الوساطة الجزائرية في الأزمة في شمال مالي صعوبات وعراقيل عدة، لكن برغم كلّ الصعاب يمكن القول بأنّ الجزائر قد نجحت في مساعيها هذه؛ إذ تُوّجت وساطتها بتوقيع اتفاق عام 2015م، فما قامت به الدبلوماسية الجزائرية، يُعدّ نجاحاً سياسيّاً للجزائر، وإيذاناً بعودتها إلى الساحة الإفريقية من بابها الواسع.

       

خاتمة:   

مما سبق؛ يمكن القول بأنّ إفريقيا كانت على مرّ تاريخ الجزائر المستقلة، وإلى يومنا هذا، هي موضع قدم السياسة الخارجية الجزائرية، وعمقها الطبيعي، وفضائها الجيوسياسي الأنسب لتمارس عليه الجزائر حركتُها الدبلوماسية ونشاطها الخارجي، خصوصاً أنّ دول القارة السمراء أثبتت دائماً دعمها لخيارات الجزائر ومواقفها الخارجية.

لكن إذا أرادت الجزائر فعلاً تعزيز أمنها القومي في هذا الفضاء الإفريقي؛ فعليها العمل جديّاً في إطارٍ إقليميٍّ مغاربي، أي الاندماج الحقيقيّ في اتحاد المغرب العربي، والتنسيق مع باقي أعضائه لبناء صرح مغاربيٍّ متكامل، قادر على مجابهة الأخطار الأمنية المحدقة من جناحه الجنوبي، أيّ من الساحل الإفريقي من جهة، وبإمكانه من جهةٍ أخرى التصدي لمشاريع القوى الكبرى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والحلف الأطلسي، فضلاً عن الصين، والوقوف بندّية عند التفاوض معها، بما يضمن لها فرصاً أكبر للاستفادة من المكاسب، وتجنّب الضغوط التي تفرضها.

الهوامش والاحالات:

(*) أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية - جامعة محمد خيضر – بسكرة/ الجزائر.

(1) Arslan chikhaoui, «Les paradigmes de la politique étrangére de l’algerie», Friedrich ebert stiftung, 2015. p 64.

(2) Slimane chikh, «La politique Africaine de l’Algérie», Annuaire de l’Afrique du nord, Vol.17, éditions du CNRS, 1979 . pp (3-5).

(3) بهجت قرني: السياسة الخارجية الجزائرية من الثورية إلى الانكفاء على الذات؛ في بهجت قرني وعلي الدين هلال: السياسات الخارجية للدول العربية، مركز البحوث والدراسات السياسية - القاهرة، 2002م، ص 215.

(4) Saïd Haddad, «Entre volontarisme et alignement : quelques réflexions autour de la politique africaine de l’Algérie», Dynamique internationales, No 7, octobre,2012. pp (2-4).

(5) الميثاق الوطني لجبهة التحرير الوطني، الجزائر، مصلحة الطباعة للمعهد التربوي الوطني، 1976م.

(6) Saïd Haddad. Op cit. p 6.

(7) Said haddad. Ibidem.

(8) دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية – 1996م.

(9) مبادئ وتطور السياسة الخارجية الجزائرية، الأهرام اليومي، 24/08/2011م.

(10) المرجع نفسه.

(11) Ibidem.

(12) رشيد تلمساني: الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة الوطنية، كارنيجي الشرق الأوسط، 07 - 10 – 2008، الرابط: www :CarnegieEndowment.org

(13) انظر: نصّ الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الإرهاب (النسخة الفرنسية).

https://treaties.un.org/doc/db/Terrorism/OAU-french.pdf.

(14) Le jeune independant, 25/08/2014.

(15) الشروق - 10/10/2014م.

(16) استنكرت الجزائر بشدّة غارات مصر على مدينة درنة الليبية ردّاً على إعدام تنظيم داعش 21 عاملاً مصريّاً، فالجزائر ترفض مطلقاً التدخلات العسكرية لحلّ الأزمات، خاصّة بعد طلب الرئيس المصري السيسي استصدار قرار من الأمم المتحدة يسمح بالتدخل العسكريّ في ليبيا.

(17)الخبر - 18/09/2014م

(18) الفجر - 02/03/2016م.

(19) Salim Chenna, «Le sahara et le sahel dans la politique algerienne ; territoires menacés, espaces menacants», Recherches internationales, N° 97, octobre-decembre 2013. pp (141-142).

(20) Laurence Aida Ammour, «L’Algérie et les crises régionales: entre velléité hégémoniques et repli sur soi», disponible sur le lien: www.jfcconseilmed.fr/.../13-04---Ammour--L-Algérie-et-les-crises-regio.

 

 

كتاب الموقع