أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الساحل الإفريقي ضمن الهندسة الأمنية الأمريكية

أ. عربــي بومدين (*)

في الوقت الذي تسعى فيه دول الساحل الإفريقي إلى التحرر من هيمنة القوى الكبرى، وإيجاد توازن في إطار شبكة العلاقات الدولية القائمة والمستقبلية، تأتي مسألة الاهتمام بهذه المنطقة وبروز التنافس الدولي حولها، وذلك في محاولة لإعادة مراجعة مواقف القوى الاستعمارية التقليدية، ومحاولة التموقع من جديد في إطار يضمن لها كسب معركة الصراع حول خيرات هذه المنطقة وبسط نفوذها.

فقد أصبحت منطقة الساحل على مفترق الطرق بين العديد من المبادرات التي نفذتها القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، حيث برز الساحل الإفريقي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م بوصفه منطقة استراتيجية في ظلّ الحملة العالمية للحرب على الإرهاب.

وتُعد منطقة (الساحل الإفريقي)(1) من أهم المناطق التي أصبحت تشهد في السنوات الأخيرة حراكاً سياسياً دولياً متصاعداً، وذلك بسبب انتشار مجموعة من التهديدات الأمنية العابرة للحدود، كنشاطات الجماعات الإرهابية - بحسب المنظور الأمريكي -، وأبرزها نشاط (تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي)، وتزداد هذه الوضعية تعقيداً مع تنامي نشاطات الجريمة المنظمة بكلّ أنواعها؛ كتهريب المخدرات والأسلحة.. إلخ.

من هذا المنطلق؛ فإنّ الساحل الإفريقي طغى عليه منطق الرهانات التنافسية على مناطق النفوذ الاقتصادي؛ إذ لا يمكن حصر اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بتطورات الأوضاع في منطقة الساحل الإفريقي بفعل الدواعي الأمنية فحسب، بل الأمر يتعدى ذلك إلى دواع جيو-اقتصادية لها صلة مباشرة بالتنافس فيما بين القوى الكبرى من أجل الظفر بعدد من الاحتياطيات البترولية والغازية والمعدنية.

انطلاقاً من ذلك وتأسيساً عليه؛ تعالج هذه المقالة أهمية الساحل الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية.

 

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الإفريقية:

تعود أولى بوادر اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بإفريقيا(2) إلى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، من خلال الزيارة التي قام بها ريتشارد نيكسون (نائب الرئيس الأمريكي أيزنهاور آنذاك) إلى عدد من الدول الإفريقية، بما في ذلك المغرب وتونس، في الفترة الممتدة ما بين 28 فبراير إلى 21 مارس 1957م، إذ شكلت نقلة نوعية في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، ويضاف إلى هذا الأمر (تقرير نيكسون) الذي أكد فيه أهمية إفريقيا باعتبارها قوة حيوية في العلاقات الدولية، مركِّزاً في هدفين أساسيين في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القارة الإفريقية، وهما: محاصرة المدّ الشيوعي، ورفض أي وضعية إقصائية على حساب الدول الاستعمارية التقليدية(3).

وعملاً بتوصيات تقرير نائب الرئيس الأمريكي في عام 1957م أوعز الرئيس أيزنهاور بإنشاء (مكتب شؤون إفريقيا) في 2 سبتمبر 1958م، وقد مثّل إنشاء المكتب إيذاناً بالأهمية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلّقها على علاقاتها مع عدد من الدول المستقلة، وما يمكن الإشارة إليه في هذا الإطار - وحسبما ذُكر أمريكياً في تلك الفترة -: «أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تزمع إقامة علاقات مباشرة مع إفريقيا، ولن تتعامل معها بعد ذلك الوقت من خلال حلفائها الأوروبيين»(4)، وقد أعقب ذلك القرار فتح سفارات أمريكية في البلدان الإفريقية حديثة الاستقلال.

وجاء في كلمة (كلوديا أنياسو) مديرة مكتب الدبلوماسية العامة والشؤون العامة لإفريقيا في وزارة الخارجية الأمريكية: «بعد خمسين عاماً بدأت وزارة الدفاع بالتسليم بأهمية إفريقيا الاستراتيجية؛ من خلال إنشاء قيادة عسكرية مكرّسة خصيصاً لاحتياجات إفريقيا الأمنية، ولن يكون لزاماً عليها أن تتعامل مع إفريقيا من خلال ثلاث قيادات عسكرية أخرى(5): هي القيادة الأوروبية (EUCOM)، والقيادة الوسطى أو المركزية (CENTCOM)، وقيادة المحيط الهادئ (PACOM)»(6).

بيد أنّ ذلك لم يكن يعني تمتع القارة الإفريقية بمكانة مهمّة في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما منها منطقتا الساحل الإفريقي والمغرب العربي، غير أنّ التحديات التي رافقت عالم ما بعد الحرب الباردة أظهرت القارة بوصفها منطقة منتجة للأزمات، من فقر، وتخلف، وعدم استقرار سياسي، وغياب تنمية حقيقية، وفشل مسّ جميع مكونات الدولة الحديثة، حيث تنبهت الإدارة الأمريكية إلى هذه المخاطر الأمنية عندما تعرضت سفارتاها في كلٍّ من كينيا وتنزانيا في عام 1998م لهجمات إرهابية من طرف (تنظيم القاعدة)، وسيستمر هذا الانشغال الأمني بخصوص إفريقيا بعد 11 أحداث سبتمبر 2001م، وما تلا ذلك من اهتزاز في العقيدة الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية، وعليه سعت واشنطن للقيام بعدد من المراجعات، مسّت تعريف الأخطار المحدقة بأمنها القومي، ففي وثيقة (الأمن القومي لعام 2002م) تمّ التركيز في مواجهة التهديدات والمخاطر القادمة من الدول الفاشلة، وعلى رأسها بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

وقد كشفت استراتيجية الأمن القومي لإدارة بوش في عام 2002م عن الحاجة إلى نهج استراتيجي أكثر تركيزاً فيما يتعلق بالقارة الإفريقية، ففي إفريقيا، ينتشر المرض، والحرب، والفقر المدقع، وهذا يهدد الهدف الأساسي للولايات المتحدة بالحفاظ على الكرامة الإنسانية والأولوية الاستراتيجية لمحاربة الإرهاب العالمي.

ولمواجهة هذه التحديات أكدت الوثيقة أنّ الاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة يجب أن تركز في أمن الأفارقة وفق منطق التعاون الاستخباراتي والاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف(7)، غير أنّ الاستراتيجية  الأكثر حداثة للأمن الدولي للبيت الأبيض هي التي نشرت في عام 2006م، وعلاوة على ذلك، تعرف إفريقيا بأنها «أولوية عالية لهذه الإدارة»، و «أنّ أمنها يعتمد على الشراكة مع الأفارقة لتعزيز الدول الهشّة والفاشلة، وتعزيز الديمقراطية»(8).

بناءً على ذلك؛ فإن تزايد الاهتمام الأمريكي بالقارة الإفريقية مردّه كون هذه الأخيرة مصدراً رئيساً للموارد الطبيعية، فإفريقيا أصبحت تحتل موقعاً مهمّاً في خريطة إنتاج النفط العالمي، فبحسب اللجنة الإفريقية للطاقة فإنّ 11% من الإنتاج العالمي عام 2005م موجود في القارة الإفريقية، كما أنّ احتياطي القارة من النفط الخام، بحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، قدّر بـ 80 مليار برميل، أي ما نسبته 8% من مجمل الاحتياطي العالمي الخام، ويتمركز النفط في إفريقيا بشكل أساسي في منطقتي غرب إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى، بالإضافة إلى شمال إفريقيا(9).

ولتأمين مصادر الطاقة الآتية من القارة الإفريقية؛ تتحرك الولايات المتحدة الأمريكية وفق ثلاثة محاور أساسية(10):

1 - المحور التجاري: وذلك من خلال دعم التبادل التجاري.

2 - المحور السياسي: والذي يتمثل في رفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك منذ عهد إدارة كلينتون التي رفعت شعار (الديمقراطية) في سياستها تجاه القارة الإفريقية.

3 - المحور العسكري: وذلك عن طريق تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في إفريقيا؛ من خلال أسلوبين: الأول ثنائي، والثاني متعدد الأطراف.

 

ثانياً: المحددات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الساحل الإفريقي:

لا يمكن فهم الدوافع الكامنة وراء اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة الساحل الإفريقي دون الحديث عن الأمن الطاقوي في معادلة الأمن القومي الأمريكي، والذي يُعد المتغير المستقل في توجيه السياسة الأمريكية في هذه المنطقة، ذلك أنّ هذا المتغيّر يأخذ مكانة مركزية في التصور الأمني الأمريكي والحلقة الأهم في سلسلة الترتيبات الأمنية في المنطقة، ناهيك عن متغيرات تابعة على غرار: مكافحة الإرهاب (الحرب على الإرهاب)، والصعود الصيني.

وعليه؛ يمكن ضبط المحددات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الساحل الإفريقي في ثلاث  نقاط أساسية:

 

أ - متغير الطاقة في المعادلة الأمنية الأمريكية:

الجدير بالذكر أنّ الاهتمام الأمريكي بالمنطقة مرده أساساً إلى ما يمثّله الساحل الإفريقي من رهانات اقتصادية، وآفاق جيواستراتيجية واعدة، خصوصاً في ظلّ التنافس الدولي على مصادر الطاقة، كما وجب الإشارة إلى أنّ حجّة (مكافحة الإرهاب) لا تمثّل سوى غطاء لبسط نفوذها على مختلف مصادر البترول وممراته في المنطقة، وهو ما يعني أمننتها، خصوصاً بعد الاستكشافات المهمة المحققة بمنطقة (غرب إفريقيا) والمتاخمة لجنوب الساحل الإفريقي، وبالتحديد في (خليج غينيا)، وهي المنطقة التي توصف مجازاً (بالخليج الإفريقي) لغناها بالبترول، ولما تمثّله من مصادر بديلة في ظلّ نقص إمدادات الطاقة العالمية، وتزايد الطلب عليها، خصوصاً في ظلّ الاضطرابات في الشرق الأوسط، وارتفاع فاتورة استيراده من هذه المناطق البعيدة جغرافياً عن الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى سياسة التنويع التي تنتهجها، خصوصاً في عهد إدارة جورج بوش، وما مثلته هذه المرحلة من ضغوطات داخلية وتحديات خارجية، استمرت تبعاته حتى الآن في إدارة الرئيس أوباما.

في هذا الإطار يكتسب النفط الإفريقي أهمية استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية(11)، فعلى المستوى الرسمي صرّح رئيس (اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي) أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م يجب التعامل في موضوع البترول الإفريقي على أنه «أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي»، كما أعلن الرئيس بوش في خطاب (حالة الاتحاد)(12) في يناير عام 2002م عزم الولايات المتحدة الأمريكية الاستغناء عن 75% من الواردات النفطية من الشرق الأوسط، والحصول عليها من مصادر بديلة بحلول العام 2025م.(13)

ومن جهة أخرى؛ صدرت العديد من التحاليل والتقارير الأكاديمية والإعلامية التي تصبّ في الإطار نفسه، على غرار التقرير الصادر عن صحيفة واشنطن تايمز بعنوان: (في عيون إفريقيا على شبكات الإرهاب، والنفط في إفريقيا)، وكذا تقرير لمجلة الإيكونوميست البريطانية يؤكد أنّ «النفط هو الغاية الأمريكية الوحيدة في إفريقيا»(14)، وتماشياً مع هذا التحليل فإنّ قدرة إفريقيا تتمثّل في تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بنحو  %16من احتياجاتها النفطية، مع توقعات بارتفاع النسبة إلى حدود %25 في آفاق سنة 2015م، خصوصاً أنه على درجة عالية من الجودة لموافقته للمعايير البيئية الأمريكية، فضلاً عن سهولة استخراجه لوجوده على أعماق غير بعيدة(15).

 

ب – مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب:

أخذت منطقة الساحل الإفريقي في السنوات الأخيرة، وبالتحديد بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، بعداً أمنياً، وعسكرة متزايدة، في ظلّ تزايد النشاطات الإجرامية العابرة للحدود، ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى التخوف من أن يصبح هذا الفضاء الجيوسياسي الرابط بين منطقتي (شمال إفريقيا) و (جنوب الصحراء) منطقة حاضنة للإرهاب، وملاذاً حيوياً لمختلف الأنشطة الإجرامية.

وبالرغم من كلّ المسوغات التي قدمتها الإدارة الأمريكية لتسويغ حضورها بالمنطقة؛ فإنه لا يمكن إدراك الدوافع الرئيسة للاهتمام الأمريكي المتزايد بهذه الأخيرة دون ربطها بالفضاء الجيوسياسي لبعض المناطق المتاخمة؛ إذ يتعلق الأمر بمنطقتي (شمال إفريقيا) و (غرب إفريقيا)، وتبعاً لذلك أمننة مصادر الطاقة، وحماية تدفق النفط من (خليج غينيا) الذي برز بوصفه مصلحة حيوية بالنسبة للأمن الطاقوي الأمريكي، والتموقع في الجهة الخلفية لمنطقة شمال إفريقيا لدواعٍ أمنية واستراتيجية، خصوصاً أنّ المنطقة تُعد نافذة مهمّة على البحر الأبيض المتوسط.

وظهر اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة الساحل الإفريقي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وخصوصاً بعد الإعلان عن تأسيس ما يسمّى بـ (تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي) بدءاً من سنة 2007م، ما أعطى لها مسوّغاً حقيقياً وشرعياً للاهتمام بالمنطقة في إطار قيادتها ما أسمته (الحرب على الإرهاب)(16)، وهو ما دفع إدارة بوش لتقسيم القارة الإفريقية إلى عدة مجالات ذات مصلحة مختلفة من أجل سياستها الخارجية، فقد حصل كلّ من (شمال إفريقيا، وشرقها) على أكبر قدر من الاهتمام؛ بسبب القرب من منطقة الشرق الأوسط، واحتضانهما العديد من الجماعات الإرهابية - وفق المنظور الأمريكي -، بالإضافة إلى (الساحل الإفريقي، وغرب إفريقيا) لما تمثله هذه المنطقة من رهانات طاقوية واعتبارات استراتيجية في معادلة الاقتصاد الأمريكي(17).

وقد أصبحت منطقة الساحل الإفريقي الجبهة الجديدة في الحرب العالمية الأمريكية على الإرهاب، خصوصاً بعد بروز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة غرب إفريقيا في السياسة الطاقوية الأمريكية، فالولايات المتحدة الأمريكية تستورد 15% من إجمالي وارداتها النفطية من هذه المنطقة، وهي نسبة سترتفع لتصل إلى 25% مع حلول سنة 2015م.

وبالنظر إلى عدم الاستقرار السياسي والأزمات السوسيواقتصادية والحكومية التي تتعرض لها منطقة الساحل الإفريقي، وخوفاً من أن تصبح هذه الأخيرة ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية التي تهدد مرافق الطاقة الحيوية، أعلنت إدارة بوش (الابن) الحرب على الإرهاب في الساحل، واستجابت لذلك بمضاعفة الإنفاق العسكري بين سنتي 2002م و 2005م، بغية حماية احتياطيات النفط الاستراتيجية في المنطقة، بحيث كانت البداية بمبادرة (بان - ساحل) التي أتبعتها بمبادرة (مكافحة الإرهاب عبر الساحل)(18).

يتضح مما تقدم أنّ (الحرب على الإرهاب) التي أعلنتها الولايات المتحدة في الساحل الإفريقي، ومسألة تأمين إمدادات النفط، هما قضيتان مترابطتان بعضهما ببعض، فالمخاوف الأمنية هي التي جعلت الإدارة الأمريكية تقوم بإدماج منطقة الساحل الإفريقي في الحرب العالمية على الإرهاب، ولقد جاء على لسان (باتريك باترسون) Patrick Paterson – وهو مخطط استراتيجي في قيادة العمليات الخاصة الأمريكية - أنّ الأوضاع الأمنية تزداد تدهوراً في الساحل الإفريقي، وأنه نظراً لعزم الإدارة الأمريكية على تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، وإعلانها أنّ (خليج غينيا) في غرب إفريقيا قد يشكّل المنطقة البديلة، فإنّ الأمر قد يتطلب تدخلاً عسكرياً لحماية إمداداتها النفطية في هذه المنطقة(19).

 

ج - الصعود الصيني:

بالرغم من الأهداف المعلنة من الحضور الأمريكي المكثف في منطقة الساحل الإفريقي؛ يذهب بعض المحللين، وخصوصاً في إفريقيا، إلى أنّ دوافع أكثر واقعية تقف وراء هذا الوجود الأمني والعسكري، ومن أهم هذه الدوافع الصعود الصيني المتنامي في القارة الإفريقية، وما يمثله من تحدٍّ اقتصادي واستراتيجي في ميزان القوى العالمي، وهو ما أكده التقرير الصادر في نوفمبر 2008م من طرف (مجلس الاستعلامات الأمريكية) - الخاص بالتوجهات العالمية الكبرى في آفاق 2025م - من أنّ القوة الأمريكية لن تكون الوحيدة، مع احتمال تراجعها في آفاق 2040م.

وفي هذا الإطار؛ نشير إلى أنّ قيادة (أفريكوم) لم يتم إنشاؤها لمكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي وتأمين موارد النفط وحسب، ولكن أيضاً تحسباً للوجود الصيني في القارة، وذلك بالنظر إلى جهود بكين المتزايدة في سبيل توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء القارة السمراء، وخصوصاً بعد  زيارة الرئيس الصيني الأسبق Hu Jin Tao لهذه الأخيرة، ولقائه رؤساء الدول الإفريقية، وهو ما يشكّل تهديداً على الأمن القومي الأمريكي ومصالح واشنطن التي سعت إلى وضع استراتيجية لمواجهة جهود الصين وإحباطها في إفريقيا من خلال قيادة (أفريكوم)(20).

 

ثالثاً: المشاريع الأمنية الأمريكية في منطقة الساحل الإفريقي:

سوّغت الإدارة الأمريكية عسكرتها لمنطقة الساحل بحجة وجود عدد من الجماعات الإسلامية – على حدّ تعبيرها - التي تنشط في الصحراء التي تربط كلاً من: (موريتانيا، ومالي، وبوركينافاسو، والنيجر، والجزائر، وتونس، وليبيا، وتشاد)، ما يشكل تهديداً كبيراً للمصالح المحلية والدولية، ووفقاً للسرد الأمريكي فإنّ المنطقة تتعرض لتهديد (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) التي أعلنت ولاءها للقاعدة، وحوّلت تسميتها إلى (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، غير أنّ هناك مَن يشكّك في هذه الرواية، أمثال (جيريمي كينان) Jeremy Keenan ؛ وذلك لأنّ الولايات المتحدة لا يمكنها تسويغ مقاربتها العسكرية على أساس المخاوف الناجمة عن الأمن الطاقوي أو التنافس مع الصين؛ ولذلك كان لا بد من تهديد موجود تستخدمه الإدارة الأمريكية ذريعة لوجودها العسكري في القارة(21).

كما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية، في خطوة مهمّة تجاه القارة الإفريقية ومنطقة الساحل الإفريقي على وجه الخصوص، صياغة سلسلة من المبادرات الأمنية من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية، مركّزة في ذلك على العلاقات الثنائية والتعددية، من خلال التنسيق الأمني والعسكري مع دول المنطقة التي تواجه الكثير من التحديات الأمنية، على غرار نشاطات الجريمة المنظمة المتنامية والإرهاب الدولي، بشكل يوحي بأنّ هذه المنطقة ستكون بؤرة توتّر وقوس منتج للأزمات.

ولقد باشرت الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 2002م سلسلة من المبادرات لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، حيث بدأت مع مبادرة (بان – ساحل) ((PSI) Pan-Sahel Initiative ، وهو برنامج بلغ تمويله أكثر من 7 ملايين دولار، وشمل أربع دول في شمال إفريقيا، ألا وهي: (مالي، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا)، وحسب مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية؛ فإنّ الهدف الأسمى من هذه المبادرة يكمن في ضرورة منع الجماعات الإرهابية من استخدام المساحات الشاسعة ضمن الساحل الإفريقي لزعزعة استقرار المنطقة، وتحويلها إلى ملاذ آمن لهم مستغلين هشاشة الحدود(22)، كما تهدف هذه المبادرة إلى تدريب جيوش دول: (مالي، والنيجر، وموريتانيا، وتشاد) في مجال مكافحة الإرهاب، وتعزيز تنسيق التعاون الإقليمي مع التكنولوجيا الأمريكية وتبادل المعلومات.

في هذا الصدد يعلّق الكولونيل فيكتور نيلسون المسؤول عن مبادرة (بان - ساحل) في وزارة الدفاع وشؤون الأمن الدولي عن طبيعة المبادرة بقوله: «إنّ مبادرة الساحل أداة مهمة في الحرب على الإرهاب، كما أنها تمثل فرصة كبيرة لتوثيق وتعزيز العلاقات في منطقة  لطالما تجاهلناها في الماضي، لا سيما مع الجزائر، ومالي، والنيجر، تشاد... فقد قلنا من قبل إنه إذا اشتدت الضغوط على الإرهابيين في كلٍّ من أفغانستان وباكستان؛ فإنهم حتماً سيبحثون عن أماكن جديدة، كمنطقة الساحل الإفريقي والمغرب العربي»(23).

وفي سبيل تحقيق أهداف مبادرة (بان - ساحل)؛ فقد كُلّف الجيش الأمريكي بتدريب البلدان المضيفة للبرنامج في مكافحة الإرهاب وحراسة الحدود، فضلاً عن تجهيز هذه الدول المعنية بالمبادرة بالأسلحة والمعدات العسكرية.

ولقد واجهت مبادرة (بان - ساحل) أهم اختبار لها في سنتها الثانية، وذلك من خلال مطاردة التنظيم الإقليمي المتمثل في (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) بقيادة (عمّار صايفي) المدعو (عبد الرزاق البارا)(24)، خصوصاً مع إعلان هذه الجماعة ولاءها إلى تنظيم القاعدة في سبتمبر من سنة 2003م، وفي هذا الإطار يمكن القول بأنّ مبادرة (بان - ساحل) قد حقّقت نجاحاً معتبراً سنة 2004م، بعدما اشتبكت قوات من النيجر وتشاد - بدعم من القوات الأمريكية -، مع أعضاء من (تنظيم القاعدة لبلاد المغرب الإسلامي)، ولقد أفضى هذا الاشتباك إلى مقتل 43 مسلحاً ينتمون إلى هذا التنظيم .(25)

ومع ذلك؛ فلقد مهدت الولايات المتحدة لتسويغ زيادة وجودها العسكري في منطقة الساحل الإفريقي، عبر نتائج برنامج مبادرة (بان - ساحل)، حيث تبين أنه يحتاج إلى المزيد من التمويل لتكثيف تدريب قوات الدول المشاركة، والتي اتضح عدم قدرتها على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتواصل بفعالية بعضها مع بعضها الآخر، ما سمح لـ (عبد الرزاق البارا) عام 2004م بعبور الحدود والهروب؛ لذلك اضطرت الولايات المتحدة – حسب زعمها - إلى تحمّل المسؤولية أكثر كثيراً مما كان متوقعاً أو مطلوباً منها، إذ كان وجود القوات الأمريكية وطائراتها واضحاً بقوة في أثناء الأزمة، ولقد مهدت هذه العيوب – كما أسلفنا - الطريق لمبادرة جديدة، من شأنها أن تكون أكثر قوة، وتشمل بلداناً أخرى تجاهلتها مبادرة (بان - ساحل)، ألا وهي مبادرة (مكافحة الإرهاب عبر الصحراء) The Trans-Saharan Counter-Terrorism Initiative.

وتوصف مبادرة (مكافحة الإرهاب عبر الساحل) في وثائق الحكومة الأمريكية بأنها استراتيجية متعددة الجوانب، تهدف إلى هزيمة المنظمات الإرهابية من خلال تعزيز القدرات الإقليمية لمكافحة الإرهاب، ومأسسة التعاون بين قوات الأمن في المنطقة، وتعزيز الحكم الديمقراطي والعلاقات العسكرية الثنائية مع الولايات المتحدة(26)، كما يهدف البرنامج إلى تسهيل التعاون والتنسيق بين دول الساحل ودول المغرب العربي (الجزائر، المغرب، تونس) في مجال مكافحة الإرهاب.

هذا، ويمكن تقسيم الدول الإفريقية المشاركة في هذا البرنامج إلى مجموعتين:

1 - دول المغرب العربي: والتي تضم: الجزائر والمغرب وتونس من جهة.

2 - دول من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: والتي تشمل: نيجيريا والسنغال.

ونلاحظ في هذا الصدد أنّ كلّ دولة من هذه الدول المذكورة تُعد شريكاً إقليمياً مهمّاً بالنسبة للولايات المتحدة، وتبعاً لذلك يمكن اعتبارها الدول الهامشية أو الدول المحيطية بالمبادرة الجديدة – أي بمنطقة الساحل-، وذلك لأنها لم تكن معنية بإرهاب (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) - وهنا نخص بالذكر نيجيريا - التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ذريعة لتسويغ المشروع، ومع ذلك فإنّ حجة الولايات المتحدة في ذلك تمثلت في ضرورة التعاون عبر الحدود، وتغطية البلدان المحيطية، وسبيل تجنب انتشار أو امتداد النشاط الإرهابي لهذه الدول(27)      .

وفي الإطار نفسه؛ فإنّ أول اختبار لمبادرة (مكافحة الإرهاب عبر الصحراء) (TSCTI) كان في أثناء عملية (فلينتلوك)  Flintlockالتي انطلقت في 6 يونيو (جوان)، إلى غاية 26 (يوليو) جويليه 2005م، حيث تُعد من أكبر المناورات العسكرية في الصحراء الإفريقية، بمشاركة كلٍّ من: (الجزائر، وموريتانيا، والنيجر، ومالي)، ولقد قادتها قوات العمليات الخاصة التي بلغ عددها 700 مشارك، مدعومة بـ 1200 جندي من الدول المعنية بالبرنامج، بالإضافة إلى مراقبين من ست عشرة دولة إفريقية، وتبلور حول: العمليات الأمنية لمكافحة الإرهاب، وتعزيز العلاقات العسكرية الثنائية الشاملة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية(28).

وبعيداً عن هذه المبادرات المتعددة الأطراف؛ ركزت الولايات المتحدة أيضاً على تعزيز العلاقات الثنائية مع الجزائر التي أصبحت واحدة من شركائها الرئيسين منذ تجديد التزامها بالمنطقة في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001م، كما عززت الولايات المتحدة أيضاً التعاون القوي من أجل الأمن مع المغرب، التي كانت قد شاركت معها في العديد من التدريبات الثنائية لمكافحة الإرهاب، ويستند نهج الولايات المتحدة في المنطقة على مكافحة الإرهاب، والدعم  المالي، والمساعدات الإنمائية، والتي تهدف أساساً إلى بناء القدرات المحلية لمكافحة الإرهاب.

غير أنّ عسكرة السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل يمكن القول بأنها قد بلغت ذروتها، وذلك بإعلان بوش (الابن) يوم 6 فبراير 2007م عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة تخص القارة الإفريقية، لتتولى (أفريكوم) AFRICOM مهامها بصفة رسمية ابتداءً من الفاتح من أكتوبر 2008م(29)، وذلك بغرض الجمع بين جميع البرامج الأمنية الأمريكية في القارة، وتحقيق التنمية (الديمقراطية، الصحة، التعليم)، وتحسين جهود التعاون في سبيل القضاء على الإرهاب.

كما يؤشّر حدث تأسيس (أفريكوم) إلى أمرين مهمين، يتعلق الأمر الأول بإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على دخول دائرة الصراع مع أوروبا وآسيا على المسرح الإفريقي، وهو صراع مرتبط بالدرجة الأولى على الموارد، وفي مقدمتها النفط، في حين يخصّ الأمر الثاني تزايد الأخطار التي بدأت تهدد السفارات والشركات الأمريكية في إفريقيا منذ الهجوم المزدوج على السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998م، ثم تفجير السفينة الأمريكية (كول) في خليج عدن سنة 2000م، وتزايد النشاط الإرهابي في كلٍّ من القرن الإفريقي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا .(30)

وتجدر الإشارة إلى أنّ إنشاء هذه القيادة الجديدة قد أثار الكثير من الجدل والشكوك حول النية الحقيقية للإدارة الأمريكية، والتي واجهت معارضة من أغلبية القادة الأفارقة، خصوصاً بعدما بدأت وزارة الدفاع الأمريكية عملية البحث عن مقرٍّ لقيادة إفريقيا الجديدة، بحيث صرحت جنوب إفريقيا أنها لن تتعاون مع (أفريكوم)، وأنه قرار يتبناه الاتحاد الإفريقي(31)، في حين صرح (محمد بجاوي) – وزير الخارجية الجزائري آنذاك - أنّ الجزائر لن تقبل إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، ولقد أعربت بقية دول المغرب العربي بوضوح عن رفضها في أن يكون مقر القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة في جواره.

في المقابل، وعلى الرغم من هذه المعارضة، فقد صرحت بعض الأنظمة الإفريقية عن رغبتها في استضافة المقرّ، نذكر منها: (مالي، والسنغال، وغانا، وناميبيا، وساوتومي وبرنسيب، وغينيا الاستوائية، وكينيا، وجيبوتي)، وبخاصة ليبيريا التي كانت الأكثر حماسة لاستقبال المقرّ(32)، وبعد عدة مشاورات قررت واشنطن أن تجعل مقر قيادة إفريقيا في شتوتغارت بألمانيا بصفة مؤقتة.

من هذا المنطلق، وبناءً على المؤشرات السابقة، ووفقاً للمنطق الأمريكي الذي يجمع بين القوة والمصلحة، وفي ظلّ ما تمّ عرضه من مصالح اقتصادية ورهانات استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في إفريقيا، وبالتحديد في الساحل الإفريقي وخليج غينيا، فضلاً عن منطقة القرن الإفريقي.. وبالعودة إلى الثنائية المركبة لـ (الأمن القومي الأمريكي) القائمة على الجمع بين محاربة الإرهاب وتأمين مصادر الوصول إلى الطاقة (الأمننة)، فإنه يمكن القول بأنّ هذه المشاريع الأمنية الأمريكية ليست إلا حلقة من سلسلة السياسات والاستراتيجيات الأمنية الأمريكية في الساحل الإفريقي، في ظلّ سياق إقليمي ودولي معولَمَيْن، تتسارع فيهما عملية إعادة تشكيل واسعة للخريطة الجيوسياسية والجيواستراتيجية للمناطق الممتدة من أقصى الشرق إلى الشرق الأوسط فإفريقيا، وصولاً إلى المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي، فقد كانت البداية من الصومال، فأفغانستان، والعراق، والسودان، وليبيا، وأخيراً مالي، بالإضافة إلى موجات ما اصطُلح على تسميته بـ (الربيع العربي)، في مخاض عسير في إعادة تشكيل للشرق الأوسط الكبير وفقاً للرؤية الأمريكية.

 

خاتمة:

يواجه الساحل الإفريقي مجموعة من التحديات الأمنية المترابطة فيما بينها، في مقدمتها ما تثيره علاقة الارتباط الوثيق بين نشوب الصراعات الداخلية في دول الساحل الإفريقي، وامتلاك هذه الأخيرة للموارد الأولية، وهو ما يظهر جلياً في عديد الحالات، على غرار تمرد الطوارق للمطالبة بتوزيع عادل للثروات والاستفادة من عائدات اليورانيوم في النيجر، وفي نيجيريا أدت الموارد النفطية دوراً مغذياً للصراع، فقد شهدت منطقة (دلتا النيجر) أعنف الصراعات وأشدها دموية.

أما في السودان؛ فالأمر كان أكثر خطورة، فقد قامت السلطات الأمريكية وشراكاتها تحت غطاء الدواعي الأمنية إلى تشجيع المتمردين وتمويلهم في جنوب السودان، الأمر الذي كبّد السودان حرباً انفصالية قسمته إلى دولتين، فضلاً عن مآسي إنسانية تمثلت فيما يربو عن (مليوني نسمة) راحت ضحية هذا الصراع.

وفي تشاد؛ كانت تداعيات الصراع والتنافس على الموارد كارثية وجسيمة على حقوق الإنسان، وصولاً إلى مالي، فإنّ الأزمة الأخيرة كشفت عن حقيقة نيات للقوى الكبرى في صراعها على خيرات هذه المنطقة وبسط نفوذها عليها في ثوب استعماري جديد، بدت عواقبه وخيمة على شعوب القارة الإفريقية ومستقبلها.

وفيما يتعلق بمستقبل الساحل الإفريقي في ظل الأمننة الأمريكية المتزايدة، فهناك سيناريوهان:

أولهما: أن تظل العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الإفريقية قائمة على أساس الاستغلال ونهب الثروات، عبر التحالف مع الأنظمة السياسية الفاسدة والنّخب المتغربة، في ظلّ ما تعرفه القارة الإفريقية بما يسمّى بـ (العصبة العسكرية - المدنية)، والتي تحوّلت إلى حالة (مافيوية مالية - سياسية)، أنتجت حالة من الفساد البنيوي، وقتلت مفهوم (الدولة).

ثانيهما: أن تتشكل مقاربات مناهضة لهذه الاستراتيجيات والمشاريع الأمنية لمنع استنزاف ثورات القارة الإفريقية وخيراتها، والوقوف في وجه أي محاولة من شأنها إدخال دول القارة في حلقة التخلّف والفقر والتبعية، أو على الأقل محاولة إيجاد صيغة معينة من شأنها التمكين للاستفادة من هذه الثروات في عملية التنمية، والدفع نحو شراكة عادلة في عالم يزداد تعقيداً وتركيباً وتشابكاً.

خلاصة القول:

يتضح مما سبق أنّ هذه العسكرة المتزايدة لمنطقة الساحل الإفريقي إنما تصبّ في إطار ومنطق التنافس الدولي على القارة الإفريقية، وذلك بهدف استغلال ثروات القارة الإفريقية ومواردها، وعليه فإنه لا مخرج أمام دول القارة الإفريقية عامّة، ودول الساحل الإفريقي خاصة، لمواجهة هذا الاستعمار الجديد وسياسة التهميش والهيمنة، إلا عبر نهج آخر للتعامل والتكيف مع هذا الواقع، نومئ إلى ذلك في:

- ضرورة التنسيق الأمني بين دول الجوار، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ووضع آليات كفيلة لمواجهة هذه التهديدات الجديدة حفاظاً على الأمن الإقليمي.

- العمل على تفعيل آلية دول الميدان وتجمّع دول الساحل والصحراء، بما يحفظ مصالح هذه الدول، وإصلاح البيت داخلياً، بعيداً عن منطق الهيمنة وتكريس التبعية.

- على المنظمات الإقليمية في إفريقيا ممارسة دور مهمّ، وذلك من خلال الدعم والتعاون، والدفع من أجل استراتيجية أمنية وسياسية شاملة ترتكز على البعد التنموي.

- تعزيز الديمقراطية، وإقرار مبدأ الشفافية والمساءلة وترشيد الحكم، بما يضمن الاستقرار والأمن.

- ضرورة الإصلاح السياسي، والعمل على تحقيق التنمية، للخروج من دائرة الفقر والتبعية، بما يضمن استقلالية القرار السياسي.

- العمل على تحقيق التنمية الإنسانية المستدامة، بما يحفظ مستقبل الأجيال القادمة.

 

الإحالات والهوامش:

(*) ماجستير في العلوم السياسية - تخصص العلاقات الدولية والدراسات الأمنية، كلية الحقوق والعلوم السياسة / جامعة وهران - الجزائر، البريد الالكتروني:  arbiboumediene@hotmail.fr

(1) يُعد (الساحل الإفريقي) مصطلحاً من أصل عربي، ويعني من الناحية التقليدية الشاطئ أو الحافة الجنوبية للصحراء، أما من الناحية الجغرافية؛ فهناك مَن يحددها في المنطقة الفاصلة بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، فهي تمتد من البحر الأحمر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وتشمل الدول الآتية: (السودان، تشاد، النيجر، مالي، موريتانيا، السنغال)، وكثيراً ما تتوسع وفقاً لحسابات جيواقتصادية لتشمل: (بوركينافاسو، نيجيريا)، بل حتى (جزر الرأس الأخضر). كما يُعرف (الساحل الإفريقي) بأنه (قوس الأزمات) انطلاقاً من الأزمات المستعصية بالسودان، وتشاد، وصولاً إلى الشروخات الداخلية والتهديدات الأمنية التي تعرفها مالي والنيجر وموريتانيا. نقلاً عن: أمحند برقوق: الساحل الإفريقي بين التهديدات الداخلية والحسابات الخارجية، مجلة العالم الاستراتيجي، الجزائر: مركز الشعب للدارسات الاستراتيجية، العدد 7، نوفمبر 2008م، ص 2.

(2) تُعد القارة الإفريقية من أكبر القارات التي تعرضت للاستغلال والنهب بأبشع الطرق، فهي القارة التي كانت مستهدفة من قِبل القوى العظمى عبر التاريخ، ويعود ذلك بالدرجة الأولى لأهميتها الاستراتيجية؛ حيث تُعد القارة الإفريقية ثاني قارات العالم بعد آسيا من حيث المساحة والسكان؛ إذ تبلغ مساحتها 40,3 مليون كيلو متراً مربعاً، وتعدداها قدّر بأكثر من 1,04 مليار نسمة، حسب إحصاءات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، ممثلة بذلك خُمس مساحة العالم، محتلة بذلك موقعاً استراتيجياً على طرق التجارة الدولية البحرية والجوية، وخطوط نقل النفط، وكذا بها مواني بحرية مهمة. كذلك تطلّ القارة الإفريقية على كل ركن من أركان العالم الأربعة بنافدة، فهي تطلّ على أوروبا عبر نافدة البحر المتوسط شمالاً، وتطلّ على العالم الجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية) عبر نافدة المحيط الأطلسي، ومن خلال نافدة المحيط الهادئ تطلّ على قارة آسيا، فيما تطلّ جنوباً على القارة القطبية الجنوبية عبر المحيط الجنوبي، كما تزخر القارة الإفريقية بموارد طبيعية عظيمة.

(3) سعيد الهوسي: مكانة دول المغرب العربي الأمنية في الاستراتيجية الأمريكية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد33  ، شتاء 2012م، ص 38.

(4) خيري عبد الرزاق جاسم: قيادة عسكرية أمريكية جديدة لإفريقيا: فرصة أمريكية ومحنة إفريقية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 21، فيفري2009 م، ص 89.

(5) تشمل كلٌّ من القيادات الثلاث دولاً إفريقية، حيث ترتكز القيادة الأولى في شمال إفريقيا وغربها، بينما القيادة الثانية تشمل بلداناً ودولاً إفريقية، وهي: (مصر، السودان، إثيوبيا، إرتيريا، الصومال، جيبوتي، ليبيا)، أما القيادة الثالثة؛ فهي منوطة بمهام في إفريقيا، على غرار الوجود البحري في جيبوتي، والسيطرة على منطقة القرن الإفريقي.

(6) خيري عبد الرزاق جاسم، مرجع سابق الذكر، ص (89 90-).

(7) The White House, The National Security Strategy of the United States of America, September 2002. http://www.state.gov/documents/organization/63562.pdf

(8) The White House, The National Security Strategy of the United States of America, March 2006. http://merln.ndu.edu/trasparentpapers/USnss2006.pdf

(9)لحسن الحسناوي: التنافس الدولي في إفريقيا: الأهداف... والوسائل، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 29، (شتاء 2011م)، ص (109 – 110).

(10)  المرجع نفسه، ص (112 – 111).

(11) تعود أهمية النفط الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية إلى عدد من العوامل، من أهمها: حرية الدول الإفريقية المنتجة للنفط بخصوص سياسات الإنتاج والتصدير والأسعار، حيث إنّ معظم هذه الدول لا تنتمي لمنظمة (أوبك)، بالإضافة إلى تراجع إنتاج النفط في عدة مناطق في مقابل دخول دول إفريقية جديدة إلى ميدان إنتاج النفط وتصديره، مثل موريتانيا وتشاد والصحراء الغربية، والاستكشافات المهمة في كلٍّ من مالي والنيجر، فضلاً عن جودة النفط الإفريقي، وانخفاض تكاليف استخراجه ونقله وتأمينه، بسبب قرب منابع النفط من السواحل الشرقية الأمريكية.

(12) هو خطاب سنوي يلقيه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأمريكي، يعرض الرئيس في هذه الخطبة حال الأمّة، ويعرض حالة الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي الدولي، ويقترح جدول أجندة تشريعية للسنة المقبلة، ويتيح هذا الخطاب للرئيس الفرصة كي يشرح للأمّة رؤيته الشخصية.

(13) أيمن شبانة: النفط الإفريقي: عندما تتحرك السياسة الأمريكية وراء الموارد، مجلة قراءات إفريقية، العدد 11، (يناير – مارس 2012م)، ص 81.

(14) المرجع نفسه، ص 81.

(15) منصور لخضاري: الساحل الإفريقي وبناء الأمن الوطني في الجزائر، محاضرات الثقافة العامة 2012م، إصدار: مديرية الاتصال والإعلام والتوجيه، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، 2012م، ص 54.

(16) André Bourgeot, «Sahara de tous les enjeux», Hérodote, 2011/3 n° 142, pp 46 – 47.

(17) Peter J. Schraeder et Ivan Crouzel, «La guerre contre le terrorisme et la politique américaine en Afrique», Politique africaine, 2005/2 N° 98, p 42.

(18) Claire Woodside, ‘‘West Africa: America’s Foreign Policy Post 9 - 11 and the Resource Curse. A Head on Collision’’, In. Journal of Military and Strategic Studies, Vol. 9, Issue 4, (Summer, 2007), p 4.

(19) Patrick J. Paterson, ‘‘Maritime Security in the Gulf of Guinea’’, In. (JFQ) Joint Force Quarterly, Issue 45, 2nd quarter, 2007, p 28.

(20) Daniel Volman, ‘‘Obama, Africom and US Military Policy Towards Africa, PAS Working paper Number 14, USA : Departement of History, North Western University, 2009, p 8.

(21) Jacob Mundy, ‘‘Introduction : Securitizing the Sahara’’, In. ACAS Concerned Africa Scholars, US Militarization of the Sahara-Sahel : Security, Space and Imperialism, Bulletin N°85, (Spring, 2010): pp 1 - 2.

(22) John Davis, ‘‘The Bush Model: US Special Forces, Africa, and the War on Terror’’, In. John Davis (Eds), Africa and the War on Terrorism, (England : Ashgate Publishing Limited, 2007) : p 151.

(23)Pierre Abramovicit, "Activisme militaire de Washington en Afrique", Le monde Diplomatique, Juillet 2004, N° 11376, p 14.

(24) John Davis, Op.Cit, pp152 -153.

(25) International Crisis Group Report, ‘‘Islamist Terrorism in the Sahel : Fact or Fiction ?’’, Africa Report N°92, 31 March, 2005, p.1.

(26) Jacob Mundy, Op.Cit,p.1.

(27) Toby Archer and Tihomir Popovic, ‘‘The Trans Sahara Counter-Terrorism Initiative : The US War on Terrorism in North Africa, FIIA Report 16, 2007, p.33.

(28) André Bourgeot, Op.Cit, pp 46 – 47.

(29) Lauren Ploch, ‘‘Africa Command: US Strategic Interests and the Role of the US Military in Africa’’, CRS Report for Congress, Updated in August 22, 2008, p 1.

(30) أمحمد مالكي: لماذا أفريكوم ولمواجهة من؟، مجلة المغرب الموحد، العدد 5، (17 فيفري 2010م)، ص 37.

(31) Princeton N. Lyman, ‘‘The War on Terrorism in Africa’’, In. John W. Harbeson and Donald Rothchild, Africa in World Politics : Reforming Political Order, 4th edition, (USA : Westview, 2009) : p 299.

(32) Abdul Karim Bangura and Billie D. Tate, ‘‘Africa’s Responses to International Terrorism and the War against it ‘’, In. Jack Mangala, New Security Threats and Crises in Africa : Regional and International Perspectives, (New York : Palgrave MacMillan, 2010), p 81.

كتاب الموقع