أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الدولة المحاربة.. تدخّل فرنسا في مالي

بقلم : جمال العبيدي (*)

ترجمة : قراءات إفريقية

 

التدخّل العسكري الفرنسي في مالي ما هو إلا بحث عن أمثال ساحل العاج (كوت ديفوار) وليبيا ومالي، ناهيك عن التزامها الواضح بالتدخّل في سوريا عسكريّاً، ولم يمض على بدء مغادرة القوات الفرنسية أرض أفغانستان إلا وقت يسير، وها هي ذي الآن تتدخّل عسكريّاً - مرة أخرى - في مالي.

وتبدو فرنسا حالياً أكثر دول العالم عدوانية! حتى إن الولايات المتحدة تبدو أكثر تحفّظاً مقارنة بفرنسا في لعب دور الشرطي، ولذا قد تأتي فرنسا في تصنيف عدوانية الدول الكبرى وتعدّيها على الضعفاء في المرتبة الأولى؛ لحماستها وحيويتها في هذا المجال.

وهذا الأمر يبعث على القلق، لتدخّل هذه الدولة مرتين متتاليتين عسكريّاً، مرة في ليبيا، والآن في مالي مع جيوشها على حدود الجزائر ودول المغرب العربي، ويشعر كلّ الجزائريين وكلّ سكان شمال إفريقيا بهذا القلق تجاه هذا التدخّل العسكري الذي قد لا يبقي ولا يذر، والسبب وجود هؤلاء في مواجهة قوّات الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وهي الدولة المحاربة أو الباغية فرنسا.

يحتفل فرانسوا هولاند في فرنسا بأنه «أمير حرب»، ولم يخجل من إعلانه، على مسمع ومرأى كلّ وسائل الإعلام الفرنسية من الصحف وإذاعات الراديو وقنوات التلفاز، أنه «أصبح حقاً الرئيس الآن؛ لأنه بدأ حرباً أو إبادة»، كما قال الرئيس بوش بعد الحرب على العراق، وكذلك الرئيس أوباما أمير الحرب المقدّسة بعد أن قتل أسامة بن لادن، أو كما قال الرئيس ساركوزي بعد الهجوم على ليبيا، يعني هذا بكلّ وضوح أن رئيس الجمهورية لا يحترم ولا يشعر برئاسته حقاً بحلّ الأزمات الاقتصادية، والمشكلات الاجتماعية، أو بأنه رجل سلام، ولكن لأنه أشعل فتيل الحرب!

نبقى متحيّرين أمام هذه الرؤية، وتلك الثقافة العدوانية، تجاه هذه «الحضارة» التي تعيدنا إلى ذلك الوقت الذي كان القياصرة والقناصل في روما يصبحون فيه شرعيين وشعبيين فقط عند العودة من رحلة النصر في حربٍ ما، حيث كان الملوك يعتبرون أنفسهم ملوكاً حقاً بعد احتلال مناطق جديدة، ويطلبون من قادتهم إرسال قوات إلى الحرب، كما تصدر فرنسا الأوامر إلى كلٍّ من تشاد والنيجر والسنغال وتوغو وبنين وساحل العاج، ودول إفريقية أخرى، بالالتفاف في اتحاد مقدّس حول «أمير الحرب» الجديد فرانسوا هولاند!

وهناك الآن إجماع في الطبقة السياسية الفرنسية، ابتداءً من اليسار حتى اليمين المتطرّف الفرنسي، على التدخّل العسكري، مثل هذا الإجماع، وهذه الديمقراطية المنغلقة، يعد توجهاً نحو الديكتاتورية.

ويجد الاشتراكيون الفرنسيون في هذا ذكرى أمجادهم الحبيبة الأولى، وينتشون بروائح التعصب الوطني الساحرة لليسار، وبالرحلة إلى أماكن ذات أسماء غريبة، مثل: تمبكتو وغاو والصحراء، ويتبعهم العديد من المثقفين الفرنسيين! كما حصل في ليبيا أيضاً، مما أحدث عندهم غريزة حربية، وشعور بعاطفة الكبرياء الوطنية عند رؤية طائرات «رافال» تقلع لنشر قواتهم المسلّحة، فيهتف الواحد منهم فرحاً: «على الرغم من كلّ الذين تحدّثوا عن انحطاط الدولة الفرنسية، فها هو ذا دليل على أننا ما زلنا دولة عظيمة؛ لأننا قادرون على التدخّل في بعض الدول عسكريّاً»(1)، ولذا يجد المجتمع المالي نفسه في فرنسا فجأة محاطاً بالرعاية الاجتماعية، حتى شعر بالحرج أمام استمرار هذا التعامل الجيّد، مما جعل وسائل الإعلام الفرنسية ترى أن مدينة مونروي الفرنسية هي المدينة الثانية للماليين بعد بماكو لكثرة عددهم ضمن سكان تلك المدينة.

يرى الحزب الفرنسي، «الجبهة الوطنية»، والقضاة، هذا التدخّل مشروعاً، وخصوصاً «إذا كان الأمر يتعلق»، كما يقول، «بدولة ناطقة بالفرنسية»! ويرون أنه لم يعد المهاجرون الماليون كالمهاجرين الذين اقتحموا فرنسا بغية تناول خبز الفرنسيين، فيما يبدو أنها مقارنة بين العرب والأفارقة وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في الهجرة إلى فرنسا، على أنه من الصعب رفض المغاربة الإفريقيين نظراً لعلاقة التضامن الكبيرة معهم.

وباختصار؛ يقلّ وقع الأصوات التي تندّد في فرنسا بالتدخّل العسكري، أو يصعب سماعها، والانتقاد الأساسي الموجّه إلى الرئيس فرانسوا هولاند حالياً يأتي من قبل زعيم الجبهة اليسارية JF ميلينشون، فضلاً عن ممثلي الحزب الشيوعي الفرنسي والبيئة اليساري، أن عدم عقد جلسة في البرلمان قبل اتخاذ قرار الحرب كان خطأً، والذي ردّت عليه الحكومة الفرنسية، بشكل جميل أو مؤدّب، بأنها لم يكن لديها الوقت الكافي؛ لأن الأمر كان يستدعي «ضرورة التحرّك بسرعة»!

وهذه الحجّة «ضرورة التحرّك بسرعة»، كثيراً ما تكررها الحكومة الفرنسية عبر وسائل الإعلام الفرنسية تجنباً للمساءلة، ويلاحظ أن هذه العبارات هي نفسها التي استخدمتها في القضية الليبية، عندما أطلقت صرخة أو نداءً بـ «ضرورة التدخّل العسكري بسرعة» في بنغازي لمنع وقوع مذبحة، وهم يعرفون كيف ثبت كذب هذه الحجّة، ونعرف الآن من أين تأتي المذبحة حقاً، فعلى ما يبدو في الواقع، أن الجيش المالي قد أطلق عمليات على الطريق إلى مدينة موبتي تجاه مدينة دوينزو ابتداءً من يوم الاثنين 7 يناير عام 2013م(2)، وتم تنظيم هذه العمليات بالتنسيق مع القيادة الفرنسية، وكان الهدف، وفقاً لخبراء غربيين، هو تدمير معدات عسكرية للمتمردين في قواعدهم وفي المدن والريف لتمكين الطيران الفرنسي من التدخّل، تحاول السلطة الرسمية الفرنسية بتسويغ تدخّلها إخفاء الأسباب الحقيقية منه، وستستمر مثل هذه القضايا ما دامت هذه التدخّلات العسكرية تُدار عبر الأكاذيب التي جرت كالمعتاد.

 

مشروعية التدخّل:

ومن اللافت للنظر أن نسمع خطاب الشرعية حول كلّ تدخل عسكري، يعني أنه لا بد من إعلان الشرعية لكلّ تدخّل عسكري؛ سواء للدفاع عن سلطة نظام قائم ضد جماعات متمردة مسلّحة، كما هو الحال في مالي، أو على العكس كأن يكون لدعم جماعات متمرّدة ضد سلطة قائمة، كما كان الحال في ليبيا أو في حالة سوريا.

الحق أن التدخّل هو في الواقع حق الأقوى دون نظر إلى مواءمته أو لا، لكن على أي حال، فإن القوى الغربية المتدخّلة بسبب أو آخر، لا تلقي بالها ولا تعطي اهتماماً كافياً لخدمة الحلّ السلمي والسياسي! بينما يترك التدخّل العنيف دائماً وأبداً الدولة هشّة ومدمرة مادياً ومعنوياً لفترة طويلة.

وهناك أيضاً مقولة تتردد دائماً في سجل «الشرعية»، وهي «التهديد الإرهابي الإسلامي»، لقد استخدم الرئيس بوش عبارة «العدو العالمي الجديد للغرب»، وهذه الحجة كانت صالحة كافية لفعل كلّ شيء، بما في ذلك إقامة تحالفات أيضاً مع «بعض الإرهابيين»، يعني هذا أن السياسة الواقعية تتطلب تسويغ أي شيء عندما يتعلق الأمر بـ «التهديد الإرهابي».

يردد دائماً رئيس الجمهورية الفرنسية، فرانسوا هولاند ووزير خارجيته، أن سبب التدخّل العسكري في مالي هو محاربة «الجماعات الإرهابية الإجرامية»، وتجدر الإشارة إلى وجود حشو ومغالطة في كلامهما لزيادة التضليل، عن طريق المزج بين طرد مختلف الجماعات المتمردة المسلّحة، وبين حجب الأسباب الحقيقية للأزمة في مالي، والحقيقة أن هذا التدخّل الفرنسي هنا، أو في أماكن أخرى، يكمن في السعي، للأسف، لنهب ثروات المنطقة والحفاظ على النفوذ اللازم لهذا الغرض.

التاريخ يعيد نفسه في القارة الإفريقية، حيث ثار الأمير الأمازيغي قيلدون (Gildon)، بين سنتي 397 و 398، ضد هيمنة الحكم الروماني، وتحالف مع المتمردين دوناتيستيز وسيركونسيليونس (Donatists) (Circumcellions)، وأوقف تصدير القمح من شمال إفريقيا إلى روما، فاستخدم الرومان ضده الشاعر الروماني الشهير كلودين (وسائل الإعلام في ذلك الوقت)، نظم هذا الشاعر قصيدة طويلة لمخاطبة الرأي العام عبر الدعاية الرومانية، مثيراً الخوف في الإمبراطورية، حتى اعتقد الناس فعلاً حصول المجاعة! الأساليب هي نفسها إلا أن ثمة تغييراً فقط في التكنولوجيا.

وما زال القادة في الغرب يلوّحون بـ «التهديد الإرهابي الإسلامي» كالرئيس بوش الابن، وقد أصبح هذا الموضوع حديث المدينة في حلقات جميع السياسيين ووسائل الإعلام الفرنسية التي صرفت الشعب الفرنسي عن مشكلاته الحقيقية؛ من الأزمة الاقتصادية الحادة، والاجتماعية، والأخلاقية في المجتمع الفرنسي الحالي، أو العجز التام عن إحداث النهضة المنشودة.

ولكن هذه «الفزاعة» لم تعد مناسبة الآن بشكل ما؛ ومن ثم ظهرت استراتيجية الرئيس أوباما الجديدة تجاه العالم العربي والإسلامي، وهي أن «فزاعة الإسلام» لم تعد كافية بنفسها لإلحاق ضرر ما بشخص ما أو دولة ما، وفي نظر المعلقين الفرنسيين تتناقض هذه الاستراتيجية مع السياسات المتّبعة، عندما يتعلق الأمر بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال فيما يخص «الربيع العربي»، وإدراج الإسلام السياسي ضمن «التهديد الإسلامي».

ونحن في معرض الحديث عن سجل «شرعية التدخّل» في مالي، لا بد من الإشارة إلى قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة في هذا الصدد، والتفاف المسؤولين الفرنسيين أنفسهم في فرنسا كما لو كانو يفعلون ذلك تفانياً في خدمة القانون الدولي، ولكن الحقيقة هي أن فرنسا هي التي دعت إلى عقد مجلس الأمن لاستصدار قرار يجيز التدخّل في مالي، وعلى الرغم من هذا التدخّل؛ قامت أولاً، بمحاولة قوية لإيجاد حلٍّ سياسي لكلّ المطالب المشروعة للطوارق في شمال مالي، إضافة إلى مسألة شرعية السلطة السياسية في مالي التي قُوّضت نتيجة للانقلاب الأخير.

وفي هذا الصدد؛ نقول: كيف تثبت شرعية السلطة التي لا يمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق التدخّل العسكري الأجنبي، والذي هو، بدوره، غير شرعي؟ فإن دلّ ذلك؛ فإنما يدل على ضعف أصالة هذا التدخّل العسكري الفرنسي، ويمكننا أن نتوقع رؤية المزيد كلّما تطورت الأحداث.

 

الإحالات والهوامش:

(*) يمكن الإطلاع على المقال الأصلي من هنا

 (1) نيكولا دوميناس، قناة إيتيلي، عبر برنامج «هذا يجادل»، بتاريخ 12 يناير 2013م.

(2) صحيفة وهران، 9 يناير 2013، ص 6.

 

كتاب الموقع