أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الحكومة الغانية تدعو إلى تبنِّي الفرنسية كلغة رسمية ثانية.. ولكن على حساب ماذا؟

كانت اللغة هي النقطة الأولى التي دائمًا ما يتمحور حولها النقاش حول "الفراغ الشاسع" الموجود بين شعوب دول غرب إفريقيا الناطقة بالإنجليزية وشعوب دول المنطقة الناطقة بالفرنسية. فالبوركينابيّ لا يعرف كثيرًا عما يحدث في ليبيريا إلا في حالة فهمه للغة الإنجليزية أو اللغة المحلية هناك، والنيجيريّ لا يتابع كثيرًا ما يجري في مالي؛ لأنه لا يفهم الفرنسية أو اللغات المحلية الماليَّة.

وهذا ما دفع البعض إلى اقتراح ضرورة تعزيز تعلّم اللغات الأجنبية الرسمية (الإنجليزية، الفرنسية) في هذه البلدان؛ لتعزيز التعاون بين شعوبها، فقد أكدت دراسات على أن أساس المشكلة ليس في تعلّم اللغات الأجنبية المستخدمة في المنطقتين الأنغلوفونية والفرنسية، ولكن في ضعف التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين بلدانها، وعدم وجود رغبة حقيقية في التكامل الإقليمي الذي سيؤدي تلقائيًّا إلى فهم اللغات الإفريقية المحلية أو الأجنبية حسب حاجة الشعوب.

علاوة على أنّ الدعوة إلى جعل الإنجليزية أو الفرنسية لغة رسميَّة دائمًا ما تكون على حساب اللغات الإفريقية التي انقرض بعضها والباقي منها في حالة يرثى لها؛ بسبب "التاريخ الاستعماري" لمعظم الدول الإفريقية، وعدم الاهتمام من الحكومات التي تتعذّر بأن نيّتها وراء قرارات تعزيز اللغات الأجنبية هي المصالح الاقتصادية، وتقوية العلاقات الدبلوماسية، بينما الجانب الآخر يستخدم هذه القرارات لتقوية نفوذه الاقتصادي والسياسي. ويكفي دليلاً على هذا أنّ دولاً مثل كينيا وأوغندا وجنوب إفريقيا قد أدخلوا مؤخرًا لغة الماندرين الصينية في مناهجهم الدراسية.

وتشترك غانا ونيجيريا -شقيقتها التاريخية– في الكثير من الأمور. فكلتا الدولتين من المستعمرات البريطانية السابقة؛ حصلت غانا على استقلالها عام 1957م لتكون أول دولة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مستقلة من "الاستعمار" الأوروبي، بينما استقلت نيجيريا عن بريطانيا في عام 1960م، واللغة الإنجليزية ضمن اللغات الرسمية في الدولتين. ففي نيجيريا وغانا يتعلم معظم السكان الإنجليزية -إلى جانب لغاتهم الإقليمية-، بعد مرورهم بمستوى معيّن من التعليم الرسمي، أو بممارسة الأنشطة التجارية في مدن الولايات والأقاليم الاقتصادية.

وقد انتقد عددٌ من الكُتَّاب النيجيريين تصريحات سابقة لمسؤول من الحكومة النيجيرية بمساعي إدارته لإحياء تعلّم الفرنسية في مدارس العاصمة النيجيرية أبوجا. فالرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" –في برنامجه الطموح الجديد- يريد لأعداد كبيرة من النيجيريين أن يتواصلوا مع بعضهم البعض باللغة الفرنسية. وتعهّدت السفارة الفرنسية في نيجيريا أيضًا بالاستثمار في البرامج الرياضية والتعليمية للترويج لثقافة التحدُّث بالفرنسية في نيجيريا؛ لأنّها محاطة بدول ناطقة بالفرنسية كلغاتها الرسمية (بنين، نيجر، كاميرون وتشاد).

"إن فرنسا سعيدة دائمًا بالأشخاص الذين يتعلمون اللغة الفرنسية، ونحن دائمًا على استعداد لتقديم المساعدة في المدرسة وفي المعهد الفرنسي"؛ هكذا قال السفير الفرنسي في نيجيريا "جيروم باسكيه" الذي كشف عن أن حوالي 11000 طالب يدرسون اللغة الفرنسية في أبوجا سنويًّا، وأنّ بمقدور الطلاب النيجيريين الراغبين في الدراسة في الخارج اختيار فرنسا لاكتساب المزيد من المهارات اللغوية والثقافية الفرنسية.

 

رئيس غانا وتعزيز تعلّم اللغة الفرنسية

قد يستغرب البعض من موقف الرئيس الغاني "نانا أكوفو-أدو" الذي دعا الغانيين مؤخرًا إلى تعلُّم اللغة الفرنسية، ولكنَّ المتابع للشؤون الغانية يدرك أنّ "أكوفو-أدو" رغم انتقاداته العلنية ضد تاريخ فرنسا واستراتيجيتها في إفريقيا، قد كان منذ توليه المنصب الرئاسي في عام 2017م يحثّ رعاياه على تعلُّم الفرنسية، وجعلها لغة رسمية ثانية للبلاد. هذا بالرغم من أنه ينحدر من أرستقراطية سياسية في غانا لها علاقات طويلة مع بريطانيا، وتلقَّى جزءًا من تعليمه في إنجلترا. والرئيس أيضًا يتحدث الفرنسية بطلاقة حيث عاش في باريس في السبعينيات وتعلَّم فيها.

"هدفنا هو أن نعيش في المستقبل في غانا ثنائية اللغة، أيْ اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إلى جانب لغاتنا الأصلية"؛ هذا صرَّح "أكوفو-أدو" الذي أعلن عن خطط لجعل اللغة الفرنسية مادة إلزامية لطلاب المدارس الثانوية في خطابٍ ألقاه بالكامل باللغة الفرنسية في قمة الفرانكوفونية عام 2018م.

وتفيد تصريحات وزيرة الشؤون الخارجية الغانية "شيرلي أيوركور بوتشواي" الشهر الماضي حول أولوية الترويج للغة الفرنسية في المدارس الغانية، بأنّ الفرنسية ستحتل مكانة بارزة في مناهج المدارس الأساسية الجديدة في البلاد والتي ينتظر إعلانها في الأسابيع القادمة.

وفي حين تتفاءل إدارة الرئيس "أكوفو-أدو" بهذا القرار، فقد أبدى الكثير من الغانيين اعتراضهم الشديد له؛ لأنه يتعارض مع تطوير اللغات الأصلية والأولويات الوطنية. ويعني هذا أيضًا تفضيل لغة أجنبية على 50 لغة محلية في غانا التي يموت بعضها بالفعل.

وقد أشارت دراسة أجراها "Jonas N. Akpanglo-Nartey" و "Rebecca A. Akpanglo-Nartey" عام 2012م إلى أن ما لا يقل عن اثنتي عشرة لغة غانية قد انقرضت خلال القرن الماضي، وأن عدد متحدثي حوالي 12 لغة أخرى في البلاد أقل من 1000 شخص. وبحسب الباحثين؛ ساهمت سياسة حكومة غانا تجاه اللغة (خاصة في التعليم) في جعل "الكثير من اللغات الأصلية في غانا في خطر، ويمكن فقدانها في الأجيال القليلة القادمة".

هذا وقد عبر الفنان الغاني "أوكيامي كوامي" عن استيائه تجاه هذه القضية عبر سلسلة من التغريدات، مؤكدًا بأنَّ "تبنّي اللغة الفرنسية كلغة (رسمية) ثانية لا يحترم فخرنا وثقافتنا، ويكفينا سُوءًا أن لغتنا الأولى (الإنجليزية) هي لغة شخص آخر. ما الخطب في جعل إحدى لغاتنا المحلية لغتنا الأولى؟!"

ولتوضيحٍ أكثر عن تغريداته التي أثارت النقاش حول الموضوع، أعطى "أوكيامي" مثالًا قائلاً: "عندما تتحدَّث معي بلغة تِوِيْ (لهجة للغة أكَنْ الغانية)، فإن مقدار المعرفة الذي أعِيْه (كبيرٌ) لأن اللغة ليست كلمات تخرج من فمك، فهي مزيج من تاريخ مشترك وثقافة مشتركة، ولذلك من المهم ألا نكتفي بالتحدث بلغتنا فقط، بل نتعلم [و] نفهم التعابير والأمثال والألفاظ الكامنة وراء لغتنا وعندها نتطوَّر". وأضاف الفنان ذو الشعبية الكبيرة في غانا أنه "لا يمكننا التطور بهذه الطريقة الحالية باستخدام لغة شخص آخر، (لغة أجنبية) واحدة تكفي، أما لغتان أجنبيَّتان؟ فهذا أكثر من اللازم (تخطِّي الحدود)".

 

اللغة الفرنسية واستراتيجية "ماكرون" في إفريقيا

يتَّضح مستوى ما تحتفظ به فرنسا من قبضة شديدة بإمعان النظر في مستعمرات فرنسا السابقة في القارة، بدءًا من استخدام عملة "فرنك س ف ا" (فرنك إفريقي)، وشركات اتصالات فرنسية كبرى، والبنوك وعمالقة تجارة التجزئة المنتشرة في منطقة نفوذها، فضلاً عن تأثيرها السياسي الكبير في تلك الدول.

ولذلك عندما وصف الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" إفريقيا بأنها "قارة المستقبل"؛ فهو يدرك تمامًا أنّ سمعة بلاده في القارة سيئة، ولكنّه أيضًا يقصد أنّ إنقاذ لغة بلاده بيد إفريقيا. فاللغة الفرنسية تعاني تراجعًا كبيرًا وتدهورًا واضحًا في كل أجزاء العالم باستثناء قارة إفريقيا.

بل بفضل شباب إفريقيا وبفضل الملايين من الإفريقيين الذين يتحدثون بها كل يوم، أصبحت اللغة الفرنسية خامس أكثر اللغات تحدثًا في العالم (بعد الصينية، الإنجليزية، الإسبانية والعربية)- وفقًا لتقرير صادر عن المنظمة الدولية للفرانكفونية. وسيكون 80٪ من الناطقين بالفرنسية بحلول عام 2050 الذين يبلغ عددهم 700 مليون شخص من إفريقيا.

"بما أن فرنسا لا تمثل سوى جزء بسيط من الناطقين بالفرنسية النشطين؛ فإن البلاد تعرف أن مصير اللغة الفرنسية ليس عبئًا على عاتقها وحدها"؛ هكذا قال الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" في مارس 2018م في باريس أثناء إطلاق برنامجه لنشر اللغة الفرنسية وزيادة عدد متحدثيها.

وبالتالي، فإن دعم كل من المسؤولين في الحكومتين النيجيرية والغانية للغة الفرنسية يصبُّ في صالح الاستراتيجية الجديدة التي تتبنَّاها فرنسا داخل القارة، ويعطي نجاحًا نسبيًّا لمجهودات "ماكرون" الذي يبحث عن دفعة قوية لزيادة نفوذ بلاده داخل إفريقيا عبر رفع مكانة اللغة الفرنسية في جميع أنحاء القارة؛ بدءًا من المستعمرات الفرنسية السابقة.

ولذلك ناشد "ماكرون" الطلاب أثناء زيارته لبوركينا فاسو بعدم التخلي عن الفرنسية لصالح الإنجليزية، وحثّهم على المشاركة في نشر الفرنسية، وجعلها "اللغة الأولى في إفريقيا، وربما اللغة الأولى في العالم".

وبغضِّ النظر عن حبّ الرئيس الغاني للفرنسية، وعلاقته الشخصية بهذه اللغة، فقد أشار مؤيدو هذا القرار إلى أنّ غانا –كنيجيريا- محاطة بجيران مباشرين لا يتحدثون سوى اللغة الفرنسية كلغة رسمية، وأنه في "المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا -الكتلة الإقليمية المعروفة أيضًا بـ "أيكواس" توجد 8 دول ناطقة بالفرنسية- من أصل 15 دولة. ما يعني أنّ تبنّي غانا للفرنسية كلغة ثانية -وهي دولة ذات الموقع الاستراتيجي- سيُمَكِّنها من الاستفادة اقتصاديًّا من علاقاتها الوثيقة مع الجيران.

 

ولكن، هل الغانيون سيقبلون اللغة الفرنسية كلغة ثانية؟

الوقت وحده سيقرر، ولكنَّ الآباء الغانيين حاليًا لا يزالون يفضِّلُون لأبنائهم التحدُّث بالإنجليزية بطلاقة، رغم أن الفرنسية تُدَرَّس في العديد من مدارس البلاد مرة واحدة في الأسبوع. وقد اعترفت الحكومة الغانية بأنها لا تملك قدرًا كافيًا من معلمي اللغة الفرنسية في مدارسها لتنفيذ المقترحات الجديدة، وأنها تأمل الاستفادة من "الموارد" التي وعد بها الرئيس الفرنسي "ماكرون". 

كتاب الموقع