أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

"الجوار الآمن": المصالحة الإثيوبية - الإريترية في استراتيجية آبي أحمد

      مصطفى شفيق علام

استيقظت القارة الإفريقية صبيحة يوم 8 يوليو 2018م على وقع زيارة تاريخية غير مسبوقة قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى العاصمة الإريترية أسمرة، وهي الزيارة التي تهدف إلى إنهاء حالة العداء التاريخي بين الجارين اللدودين؛ حيث حظي الزعيم الإثيوبي باستقبال حافل على الصعيدين؛ الرسمي والشعبي، فكان الرئيس الإريتري أسياس أفورقي على رأس مستقبليه في المطار، بينما احتشد آلاف الإريتريين في شوارع العاصمة للترحيب بالضيف الكبير، بالتوازي مع خطاب إعلامي إريتري يَعتبر الزيارة إيذانًا بحقبة سلام وتعاون جديدة بين البلدين الجارين.

 

تاريخ من العداء والحروب 

منذ أن استقلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1991م بعد حربٍ استمرت ثلاثين عامًا، والخلافات بينهما لا تنتهي؛ حيث بلغت تلك الخلافات ذروتها خلال الفترة ما بين 1998 – 2000م، من خلال حرب شاملة بين البلدين، انتهت في مايو من العام 2000م بعد أن تمكَّنت القوات الإثيوبية من السيطرة على نحو 25% الأراضي الإريترية.

وفي يونيو من العام ذاته اتفق الطرفان على التفاوض لإنهاء النزاعات الحدودية بينهما؛ حيث وقَّعَا اتفاقية الجزائر في ديسمبر عام 2000م، أنهت رسميًّا الحرب بين البلدين، واتفق الطرفان خلالها على تشكيل منطقة أمنية مؤقتة على الحدود بين البلدين.

لكنَّ الخلافات بين الجارين اللدودين لم تنتهِ على الرغم من تلك الحرب الدموية التي ألقت بظلالها السلبية على منطقة القرن الإفريقي ككل؛ حيث اندلعت حربٌ محدودة بين الجانبين في نوفمبر 2007م بعد أن تبادلت كلٌّ من إثيوبيا وإريتريا الاتهامات بشَنِّ هجمات عسكرية ودعم لقوى المعارضة والمتمردين المسلحين في كلٍّ منهما لزعزعة الاستقرار والإطاحة بحكومة الطرف الآخر.

وتصاعدت الأمور مجددًا قبل العام 2015م، بعد أن اتهمت إريتريا إثيوبيا بالتهديد بغزوها، واصفة الخطاب الذي يطلقه النظام الحاكم في إثيوبيا بأنه "خطاب حربي"، وأن أديس أبابا بصدد شنّ حرب على إريتريا بضوء أخضر من واشنطن، إلا أن أديس أبابا نفت تلك الاتهامات، ووصفتها بأنها تصريحات دعائية.

وفي أكتوبر من العام 2016م تجددت الخلافات الإثيوبية الإريترية؛ حيث اتهمت إثيوبيا إريتريا بالوقوف وراء الاحتجاجات العنيفة لقبائل الأورومو والأمهرا ليس للإطاحة بنظام الحكم فحسب، ولكن لتفكيك الدولة الإثيوبية ذاتها.

وخلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها أديس أبابا مطلع العام 2018م، اتهمت إثيوبيا إريتريا بمحاولة زعزعة أمنها واستقرارها؛ من خلال دعمها لجماعات، وَصَفتها بالـ"تخريبية"، وذلك في ظل ما تشهده البلاد من حالة طوارئ فرضتها للقضاء على موجة الاحتجاجات الشعبية.

 

آبي أحمد والبحث عن "الجوار الآمن"

بَيْدَ أنَّ هذه الصورة الصراعية التي طالما وَصَمَتْ العلاقات الإثيوبية الإرتيرية شهدت تحولات لافتة منذ تولي رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد آبي أحمد، المنحدر من عرقية الأورومو، سُدَّة الحكم في البلاد، خلفًا لهايلي مريم ديسالين الذي استقال من منصبه في فبراير 2018م على إثر  تصاعد الموجات الاحتجاجية في البلاد.

فمع تولي آبي أحمد مقاليد الحكم بدأ الرجل في تدشين استراتيجية جديدة؛ ينشُدُ من خلالها تحقيق الجوار الآمن لإثيوبيا كمدخل أوليّ لإعادة البناء وتوطين التنمية واستدامتها في البلد الذي يطمح لقيادة شرق القارة الإفريقية؛ بما له من ثقل تاريخي وسكاني كبيرين، انطلاقًا من نهج تصالحي، قائم على تحسين العلاقات مع دول الجوار، والدول التي ترتبط مع إثيوبيا بمصالح إقليمية، وخاصة مصر، مع خلافهما الشهير حول سد النهضة وحصة مصر التاريخية في مياه النيل.   

وتأتي توجهات "آبي" التصالحية مع دول الجوار، انطلاقًا من أبجديات السياسة الخارجية للدولة الإثيوبية والتي تنطلق من أُطُر وطنية تربط بين الشؤون الخارجية والأمن القومي، اتساقًا مع ثلاثة مبادئ رئيسة؛ هي: تأسيس السياسة الخارجية بما يتسق والأمن القومي، وبناء النظام الديمقراطي كأساس للسياسات العامة للدولة، واعتبارات المكانة والشعور بالفخر القومي كأساس للسياسة الخارجية للدولة وأمنها القومي.

ووفقًا لما سلف بيانه من مبادئ رئيسة، تتمثل في: انطلاق السياسة الخارجية والأمنية للبلاد بهدف تهيئة الظروف المواتية لتحقيق الأهداف الإنمائية والديمقراطية، ما يعني أن هدف السياسة الخارجية لأديس أبابا هو تحقيق التنمية والديمقراطية والأمن القومي؛ لأن التعجيل بالتنمية الديمقراطية وتوطيدها في البلاد من شأنه تعزيز وجود إثيوبيا كأمة ذات دور ومكانة إقليمية.

ولأن الاقتصاد هو المقترب السحري لحلحلة الأزمات بين الدول، وتعميق روابط حسن الجوار فقد عمد آبي أحمد إلى توظيف "دبلوماسية الموانئ" لكسب وُدّ كل من إثيوبيا وجيبوتي والصومال، من خلال المكاسب الاقتصادية المشتركة، التي تُخْرِج إثيوبيا من عزلتها كدولة حبيسة لا تمتلك سواحل بحرية تُمَكِّنها من بناء علاقاتها التجارية والاستثمارية مع دول العالم.

ففي شهر مايو 2018م، اتفقت إثيوبيا مع السودان على حيازة حصة في ميناء بورسودان؛ أكبر منفذ بحري للسودان على البحر الأحمر، كما أعلنت إثيوبيا أنها ستستحوذ على حصة في ميناء جيبوتي، منفذها الرئيس للتجارة الدولية، بموجب اتفاق تم التوصل إليه بين البلدين، عقب إنهاء جيبوتي عقد امتياز موانئ دبي العالمية، في وقت سابق من العام الجاري.

كما أصبحت إثيوبيا منذ مارس 2018م، شريكًا استراتيجيًّا مع موانئ دبي العالمية في ميناء بربرة بأرض الصومال، بنسبة 19%، إضافة إلى استثمارها في الِبنَى التحتية اللازمة لتطوير ممر بربرة بصفتها بوابة تجارية إلى إثيوبيا.

أما مصر فقد قام آبي أحمد بزيارة رسمية للقاهرة في يونيو 2018م، التقى خلالها الرئيس المصري، وتعهد أمامه بعدم المساس بحصة مصر المائية جرَّاء بناء سدّ النهضة، مؤكدًا على أنه ملتزم "بحسن الجوار، ويقدر تاريخ وشعب مصر، ويخاف الله، ولا يسمح بإيذاء أيّ دولة لحساب تنمية بلاده".

ثم جاءت زيارة آبي أحمد التاريخية إلى إريتريا لتتوج التحركات التصالحية التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد خلال الشهور القليلة الماضية، بهدف "تصفير النزاعات" مع دول الجوار من أجل إعادة تشكيل إقليم شرق إفريقيا والقرن الإفريقي الكبير على أساس من التعاون بعد عقود من العداء والاضطرابات والحروب والصراعات المسلحة.

 

المصالحة التاريخية.. محفزات الخارج

وفي هذا الإطار، فإن ثمة محفِّزات خارجية كانت دافعًا مهمًّا لإنجاز المصالحة التاريخية بين كل من إثيوبيا وإريتريا، لا سيما مع الاهتمام الدولي المتزايد بالحضور الفاعل في منطقة شرق إفريقيا، من خلال الشراكات الاقتصادية من جهة، والحضور العسكري التنافسي المتمثل في استراتيجية القواعد العسكرية، بشرقي القارة، بين دول أوروبية وآسيوية كبرى، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي خلفية المشهد التصالحي الإثيوبي الإريتري تبدو الظلال الأمريكية حاضرة؛ من خلال دعم جهود دولة الإمارات للدفع باتجاه تطبيع العلاقات الإثيوبية الإريترية، ومنح إثيوبيا دورًا إقليميًّا بمنطقة شرق القارة الإفريقية، لقطع مزيد من التعاون الصيني الإثيوبي؛ حيث أصبحت الصين أكبر شريك استثماري لإثيوبيا، إذ تعمل في أديس أبابا أكثر من 500 شركة صينية، تفوق إجمالي استثماراتها 1,5 مليار دولار أمريكي، كما استفادت إثيوبيا من التكنولوجيا الصينية، في بناء أسرع شبكة اتصالات من الجيل الرابع فى العاصمة أديس أبابا، بالإضافة إلى تدشين البنية اللازمة لخدمات اتصالات الجيل الثالث على نطاق الدولة الإثيوبية.

وكانت الولايات المتحدة قد رحَّبت مبكرًا الولايات الأمريكية بالمصالحة بين إثيوبيا وإريتريا مشيرة إلى أن واشنطن "تتطلع إلى تطبيع كامل للعلاقات، وتحقيق لطموحاتنا المشتركة للبلدين لينعما بالسلام الدائم والتنمية".

وتعليقًا على ذلك قال وزير الخارجية الإثيوبي، ورقينه جبيو: إن الاتفاق التاريخي بين بلاده وإريتريا جاء نتيجة جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، مؤكداً أن البلدين يثمِّنان مساعي الإمارات لإصلاح العلاقات بينهما.

 

إثيوبيا وإريتريا.. آفاق إيجابية للتطبيع

ولقد جاء إعلان رئيس وزراء إثيوبيا خلال زيارته لإريتريا أنه ملتزم ببنود اتفاقية السلام بين البلدين، والتي تم توقيعها في العام 2000م، برعاية جزائرية، وأنه مستعدّ لتسوية النزاع الحدودي بين البلدين الجارين، ليضع حدًّا لواحدة من أطول النزاعات في القارة الإفريقية؛ الأمر الذي من شأنه أن يمنح البلدين مزيدًا من حرية الحركة تجاه دعم استراتيجيات التنمية المستدامة وفتح آفاق جديدة من الشراكة، وتوظيف موارد البلدين في السياسات التنموية بعد عقود من استنزافها في استراتيجيات الحشود العسكرية والعمليات الحربية وإثارة القلاقل والاضطرابات.

كما سيمنح التطبيع الإثيوبي مع إريتريا منفذًا استراتيجيًّا مستقرًّا وقريبًا على البحر الأحمر، ويزيد من فرص التعاون الاقتصادي والشراكة الاستثمارية بين البلدين، فقبيل زيارة "آبي " لأسمرة، أعلنت الحكومة الإثيوبية استعدادها لفتح الباب أمام القطاع الخاص الإريتري للاستثمار في إثيوبيا بشكل فوري وبدون أية عراقيل.

ويزيد من جدية هذا التوجه، اضطلاع آبي أحمد وأسياس أفورقي بالتوقيع على "إعلان أسمرة" للمصالحة بين البلدين، خلال زيارة "آبي " التاريخية لإريتريا، والذي تنص أبرز بنوده على ضرورة تطبيع العلاقات بين البلدين مع فتح الحدود بينهما في وقت لاحق، وانسحاب إثيوبيا من المناطق التي تُسيطر عليها، وإعادة فتح السفارات بين البلدين، وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتفاق البلدين على القيام بعمليات تطوير مشترك لموانئ إريترية على البحر الأحمر.     

كما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أنَّ الخطوط الجوية الإثيوبية ستعيد تشغيل رحلات إلى إريتريا للمرة الأولى منذ عام 1998م، ومن ثَمَّ فإن هذه الخطوات التطبيعية المتسارعة من شأنها أن تقلل من احتمالات نشوب صراع عسكري جديد في منطقة القرن الإفريقي التي باتت موئلاً لتحركات اقتصادية واستثمارية عالمية وإقليمية، تقودها كل من؛ الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين، واليابان، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة.

من جانب آخر، فإن التطبيع الإثيوبي الإريتري من شأنه أن يحدّ من توجهات بعض القوى الإقليمية لتوظيف الصراع بين البلدين للحدِّ من الطموحات التنموية التي تسعى إليها إثيوبيا لتكوين شراكات اقتصادية واستثمارية مع قوى دولية كبرى، والعمل على بناء وتوفير البنية اللوجيستية اللازمة لتعميق تلك الشراكات والاستفادة منها بالشكل الأمثل، بما يؤسِّس لانطلاقة إثيوبية نحو الريادة الاقتصادية في منطقة شرق القارة الإفريقية.

وستستفيد إريتريا من توجهات رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد التصالحية في استعادة الأراضي الحدودية المتنازع عليها إلى سيادتها، سلميًّا، ومن إنهاء حالة الاستنفار الأمني والعسكري الدائم على الحدود بين البلدين، وتفريغ الجهود الإريترية للتنمية، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية للتدفق إلى أسمرة.

ودعمًا لذلك فقد قالت مفوَّضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني: إن "إنهاء الحرب والتوتر الذي ظل لعشرين عامًا، يفتح آفاقًا غير مسبوقة للمصالحة، ويمهد الطريق لتعزيز التعاون الإقليمي والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي"، وأعلنت استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم الدعم اللازم لتعزيز العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا من أجل بناء فرص جديدة للتعاون الإقليمي في المنطقة".    

أخيرًا؛

فإن استراتيجية "الجوار الآمن" التي ينتهجها رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد من شأنها أن تزيد من توجه "آبي" نحو إصلاحات داخلية عاجلة ولازمة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي الداخلي وترميمه على أساس المواطنة لا العرقية، وذلك بعد أن أوصد الباب أمام التحديات الخارجية من خلال الشراكة والمصالحة مع أطرافها، ليتفرغ لحربه الداخلية أمام الدولة العميقة التي طالما سيطرت على مفاصل الدولة الإثيوبية لعقود، واستفادت من حالة الحرب والصراع مع دول الجوار لقمع أيّ تحركات داخلية مطالبة بالديمقراطية والحريات والمساواة بين المواطنين.

ولعل محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها "آبي " في يونيو الماضي خير دليل على ضراوة تلك الحرب الداخلية وخطورتها، ما يجعلها أكبر مهدِّد للنهج التصالحي واستراتيجية "الجوار الآمن" التي يسعى "آبي" إلى ترسيخها في سياسة بلاده الخارجية.

 

كتاب الموقع