أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التّوريث القياديّ العلميّ في غرب إفريقيا .. تجاربٌ وتحدِّيات

 

محمد الثاني عمر موسى  (*)

 

معنى مصطلح  (التّوريث القيادي) وأهميّته:

مصطلحُ  (التّوريث القيادي) مصطلحٌ جديدٌ في الفكر الإسلاميّ، ويعني: عَمليّة نَقْلِ قيادةٍ من جِيلٍ لآخر؛ عن طريق نَقْل السّابق للاَّحق خُلاصَةَ تجاربه القِياديّة؛ ليبدأ اللاَّحق من حيث انتَهى السَّابق، وتكون عن طريق التَّعليم والملازمة، وربما كان السَّبب لها مجرَّد آصرة النَّسب والدَّم والقبيلة.

وقد عَرَّف بعضُ الباحثين (1) مصطلحَ «التّوريث» بأنه: ما يَتركُه السَّابقُ لِلاّحق من خِبْرة، أو تَجربة، أو لوائحَ، أو طرائقَ في مجالٍ مُعيَّن.

وقد أشار القرآنُ الكريم والسُّنة النَّبويّة إلى أهميّة القضيّة، فذكر الله- تعالى- في كتابه عن نبي الله زكريّا أنَه سأل ربَّه- تعالى- أن يَهبه ولداً يَرث منه العلم والحكمة، فقال: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً  (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم : ٥ – ٦]، والمراد بِهَذَا الْإِرْثِ إِرْثُ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ (2).

قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله- (3): «وجهُ خوفه أنّه خشي أن يتصرَّفوا مِن بعده في النَّاس تصرُّفاً سيِّئاً، فسأل اللهَ ولداً، يكون نبيّاً من بعده، لِيسُوسهم بنُبوَّته وما يوحى إليه، فأُجيب في ذلك، لا أنَّه خشي من وراثتهم له ماله، فإنَّ النَّبيَّ أعظمُ منزلةً وأجلُّ قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حَدُّه: أن يَأنف من وِراثة عصَباتِه له، ويسأل أن يكون له ولدٌ فيحوز ميراثَه دونهم. هذا وجه.

الثّاني: أنّه لم يُذكَر أنَّه كان ذا مالٍ، بل كان نجَّاراً يأكل من كَسْب يديه، ومثلُ هذا لا يجمع مالاً، ولا سيّما الأنبياء عليهم السَّلام، فإنَّهم كانوا أزهدَ شيءٍ في الدّنيا.

الثّالث: أنه قد ثبت في الصّحيحين (4). من غير وجهٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  (لا نُورث، ما تَركنا فهو صَدقة)».

ومن هذا الباب أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل : ١٦]؛ أي وَرِثَ منه العلمَ والنُّبوَّة، وليس المرادُ منه وراثةَ المال، فقد كان لداود أبناءٌ آخرون غير سليمان، فلا يخصُّ الميراثَ به، لو كان المرادُ به التركة الماليّة، فدلَّ ذلك على أنَّه أراد وِراثةَ العلم والنّبوَّة (5).

وأمَّا في السَّنة النَّبويَّة؛ فمنه ما أخرجه أحمد وأبو داود والتّرمذي والدّارمي وابن ماجه وغيرهم (6), من حديث أبي الدَّرداء- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً ولا دِرْهَماً، ورّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر).

فهذه وِراثةٌ تُعرف من خلال واقع عُلماء هذه الأمّة من الصَّحابة والتّابعين وأتباعهم، وسائر أئمّة الهدى والعلماء إلى يوم الدّين، حيث تعلَّم الجيلُ الأوَّل من النّبي صلى الله عليه وسلم وتربَّوا على يَديه، واستقوا من معين الوَحْيَين، ثمّ أَورثوا من بَعدهم جيلاً بعد جِيل، وبتَتَابع سلسلةِ هذه الوِراثة النَّبويّة في الأجيال المتلاحقة حفظ الله هذا الدِّين، وحمى العقيدة، وصار يبعث في الأمَّة رُوحَ الإصلاح ومقاومة كلِّ دَخيل فاسد، فانقطاع هذه السِّلسلةُ يَعني انقطاعَ المددَ الرُّوحيّ والإيماني، والعلميّ والفكريّ لهذه الأمّة، وينتج من ذلك انحطاطُ الأمّة وانهيارُ بنائها، وهذا ما وَقع فعلاً لمّا تخلَّت الأمَّة عن هذا الميراث العظيم، وذهبت تبحث في ركام الفلسفات الفكريّة الدَّخيلة المخالفة لروح هذا الدّين وفكره وقِيمه.

 

أَوّلاً: تأصيل التوريث القيادي في الشريعة الإسلامية:

إنّ من أكبر هموم القائد الموفّق أن يطمئنّ أنَّ مشروعَه لن يموت بعده، فيسعى إلى تهيئة مَن يرثه من بعده، ونجدُ ذلك جليّاً في سيرة الأنبياء والرّسل؛ فهذا أبو الأنبياء إبراهيم- عليه السلام- لما بشّره الله بالإمامة للنّاس، فرح وشكر الله، ولكن طلب من ربّه أن تستمر هذه الإمامة في ذرّيته، فبيّن الله له من المواصفات المطلوبة في الوريث ألا يكون ظالماً، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : ١٢٤].

قال الإمام ابن كثير- رحمه الله- (7): «لما جعل الله إبراهيم إماماً، سأل اللهَ أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأُجيب إلى ذلك، وأُخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنهم لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمةً فلا يُقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ...﴾ [الحديد : ٢٦]، فكلّ نبيٍّ أرسله الله، وكلّ كتابٍ أنزله الله بعد إبراهيم؛ ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه»، فالطلب من نبيّ الله وخليله لربّه كان طلباً مشروعاً، واستُجيب له وبُيّنت له شروطه.

وهذ نبيّ الله زكريا؛ يسأل ربّه أن يرزقه وليّاً يرثه في قيادة أمّته من بعده حتى لا يضيع دين الله من بعده؛ لأنه يخاف أن يضيّع بنو إسرائيل الدّين بعده لما رأى فيهم من شقاوةٍ واستدبار؛ قال تعالى حكايةً عنه- عليه السلام-: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً  (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم : ٥ – ٦]، قال الإمام البغوي في تفسير هذه الآيات (8):  (والمعنى: أنّه خاف تَضييعَ بني عمِّه دينَ الله وتغييرَ أحكامِه، على ما كان شاهَده من بني إسرائيل من تبديل الدِّين وقتل الأنبياء، فسأل ربَّه وليّاً صالحا يأمنه، ويرث نبوَّته وعلمه؛ لئلا يضيّع الدين).

ووقع الإرثُ بين داود وسليمان- عليهما السلام-، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل : ١٦]، قال الطبري (9): «﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ أباه ﴿دَاوُودَ﴾  العلم الذي كان أتاه الله في حياته، والملك الذي كان خصّه به على سائر قومه، فجعله له بعد أبيه داود دون سائر وَلَد أبيه».

يدلّ ذلك كلُّه على أنّ التوريث القيادي أمرٌ مرغوب فيه؛ لفوائده الجمّة، والتي من أجلِّها استمرارُ المشروع بعد صاحبه أو أصحابه الذين سهروا عليه.

وإذا كان هؤلاء الأنبياء قد دعوا الله أن يُخلفهم بذريةٍ طيبةٍ تحمل الأمانة بعدهم، فنجد نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وسلم كان يُعِدّ أمَّةً من القادة يحملون الرِّسالة بعده، فالعلماء هُم ورثته، ولذلك كان جيل الصَّحابة جيلاً مُعَدّاً للقيادة؛ كبيرهم وصغيرهم، فعن النّبيّ- صلى الله عليه وسلم- قال:  (عليكم بسنَّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي؛ عضّوا عليها بالنَّواجذ) (10) ، ففي الحديث إشارة إلى أنّ بعده خلفاء يخلفونه في الأمر، ويحملونه من بعده، ويسيرون فيه سِيرةً حسنةً لا تختلف عن سيرته وسنّته صلى الله عليه وسلم، فليقتدوا بهم؛ فالاقتداء بهم اقتداءٌ به.

 

ثانياً: كيف يكون التوريث:

إذا رجعنا إلى مواقف الأنبياء، الّذين طلبوا من ربّهم أن يهيِّئ لهم من يَرثهم في قيادة أممهم، نجد أنهم دعوا أيضاً أن يُوجِدَ الله فيهم شروطَ هذه القيادة، أو أنّ اللهَ بيّن لهم هذه الشّروط، وأنّ مَن لا تتوافر فيه لا ينال هذا الميراث، بل نجد في السِّياق القرآني أنّ هؤلاء الورثة كانوا يُدرَّبون على الأمر قبل ذهاب مُورِّثيهم.

فهذا نبيّ الله إبراهيم- عليه السّلام- لما طلب أن تكون النّبوّة والإمامة في ذرّيته بيّن الله له أنّ الأمر كذلك بشرط عدم الظّلم، فالإمامة لا ينالها الظالمون.

ونبيّ الله زكريا- عليه السّلام- لمّا سأل اللهَ أن يهب له وليّاً يرثه طلب من الله قائلاً: ﴿... وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم : ٦]، قال الطبري (11): «يقول: واجعل يا ربِّ الوليّ الذي تهبه لي مرضيّاً ترضاه أنت، ويرضاه عبادُك ديناً وخُلقاً».

وهذا سليمان قبل أن يرث داود- عليهما السلام- فهَّمه الله طريقةَ الحكم، وأُوتي العلمَ والحكمةَ، وهى من الرّكائز الأساسيّة التي يحتاج إليها الحاكم والموجِّه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء : ٧٨ – ٧٩].

أمّا النّبي محمّد- صلى الله عليه وسلم-؛ فسيرتُه مليئةٌ بتعليمه وتدريبه لصحابته؛ ليكونوا قادةً للأمّة من بعده؛ لذلك لمّا التحق بالرفيق الأعلى كان أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأبو عبيدة- رضي الله عنهم- كلُّهم مهيَّئين للخلافة، كما كان أسامة وطبقته- رضي الله عنهم- مهيَّئين لقيادة الجيوش.. وهكذا.

 

ثالثاً: تجارب في التوريث القياديّ العلمي:

أ - المَنظومة القِياديّة في الإمبراطوريّة الفوديّة:

اتخذت خلافةُ سُوكوتو الإسلاميَّة من الخلافة العبَّاسيَّة نموذَجاً لها في الحكم، كما أنها أقامت نظاماً فريداً من نوعه في غرب القارة الإفريقيّة، استقى من كلّ النُّظم الإسلاميّة.

وتمتاز خلافةُ سوكوتو بأنَّ منشئها لم يكن بطلاً ورجلَ سِياسةٍ فحسب، بل كان عالماً ورجلاً من كبار المفكِّرين المسلمين في عَصره، وقد غَلب على الشَّيخ عثمان بن فودي- رحمه الله- هذا الاتّجاه، فلم يحفل بالعرش الذي كوَّنه، ولا بالمجد السِّياسيّ الذي أحرزه، بل تَرك هذا لابنه محمَّد بلّو، وأخيه عبد الله، وعكف هو على البحث والدَّرس والتَّدريس.

لم تكد مدينةُ  (القَالاوا) عاصمةُ  (غوبر) تَسقط في يد الشَّيخ عثمان بن فودي سنةَ 1808م حتَّى أعلنَ تَنازلَه عن الحكم، وقَسَّم الإمبراطورية بين ابنه وأخيه، وكان عمره آنذاك أربعاً وستين سنة، وعاش بعد ذلك تسعَ سنين، فلو كان الشّيخ عثمان رجلَ سياسةٍ لما تخلّى عن الحكم؛ بل لاستمرَّ فيه ليتمكَّن من تنفيذ مخطَّطاته، وحتى إذا لم تكن له مخططات؛ فإنه لا يخلو من أن تكون له مطامع تَوسُّعيَّة، ولاستطاع أن يوسِّع نطاق الإمبراطورية بالهجوم على  (برنو) مثلاً، ولكنّه لم يفعل، ويدلُّ موقِفُه على أنَّه إنما تنازل عن الحكم في ذلك الوقت لأنَّه شَعَر بأنَّ دَوْره... قد انتهى، وأنَّ دَوْر رجل السِّياسة قد أتى، ولذلك أفسح أمامه الطَّريق (12).

قام الشَّيخ عثمان- رحمه الله- بتقسيم إمبراطوريّته بين ابنه محمّد بلو، وبين أخيه عبد الله بن فوديو، في سنة 1812م، فأسند قِسمها الشّرقيَّ إلى ابنه محمّد بن بلّو ليقوم بإدارته، وقِسْمَها الغربيَّ إلى أخيه عبد الله لهذا الغَرض. وكان القسم الشِّرقي يضمُّ مقاطعات: زنفرا، وغوبر، وكانو، وكشنه، ودَوْرَا، وزاريا، ويضمّ كذلك من المقاطعات التي استولت عليها الخلافة من مملكة بَرنو، وهي: بَوْشِي، وأَدَمَاوَا وأعمالَهما. وأمَّا القسم الغربيُّ، فيشمل مملكة كَبي، وبَرغُو، وجميعَ ممالك إلُورن ونُوفِي.

ويُعدَّ محمَّد بلُّو أعظمَ أمراء المؤمنين وأشجعَهم وأبعدَهم نظراً، وقد أبدى قُدرة فائقةً في تنظيم إدارة مملكته الواسعة، وبَسْط الأمن والعدالة، وشجَّع النَّاس في طلب العلم وعلى الأخصّ أقاربه.

وكان يقول: «إنّ أهل بلاد الحوصَا يضلِّلُون أبناءَنَا؛ إذْ يقولون لهم: إنَّكم من بيت الأولياء وَرثتُم العلمَ والحكمَة، بذلك يثبِّطونهم عن طلب العلم بهذا الكَذب والخطأ، فالعلم لا يتحصَّل عليه إلا بالتعلّم دون الوِراثة».

أثر التّوريث في مَمالك إفريقيا على التّوريث القياديّ الدّينيّ والعلمي:

مما تجد الإشارةُ إليه: أنَّ الشَّيخ عثمان بن فودي- رحمه الله- الذي أسند شؤون مملكته الدعوية والسياسية والإدارية إلى ابنه وأخيه، لم يكن اختياره لهما لمجرّد كونهما لَصِيقَيْن به من جهة النّسب، وإنما كان ذلك أيضاً لكونهما أهلاً لقيادة الأمَّة؛ فقد أصقلتهما التّربية الإسلاميّة، ونالاَ من العلوم الشَّرعيّة ما كان كافياً لتأهيلهما لهذا المنصب وغيره.

فقد كان أخُوه عبد الله بن فودي- رحمه الله- عالِماً من الطِّراز الأوّل في عصره، بل يُعدّ أحد عُلماء هذه الأمّة الإسلامية، ضليعاً بالمعارف الإسلامية والفنون العربية، ومَن طالع مؤلَّفاته سلَّم له بذلك، بل أعدُّه  (أنا)- على الأقلّ من خلال النَّظر في مؤلَّفاته ومنظوماته العلميَّة- أعلمَ بمراحل من أخيه الأكبر الشّيخ عثمان بن فودي. ثمّ إنّه قد لازم أخَاه وتربَّى على يَدْيه، وشاركه في الجهاد، وأبلى فيه بلاءً حسناً، وكان عالماً بما تتطلَّبه السِّياسةُ الشَّرعية من حِكمةٍ وحُنكةٍ وتجربةٍ، فاختيارُ مثلِه وإسنادُ الأمر إليه اختيارٌ موفَّق وإسنادٌ للأمر إلى أهله.

وكذلك الشَّيخ محمّد بن بلّو بن الشّيخ عثمان، كان اختياره في محلّه، يُنظر إليه من جهة كونه عالماً شرعيّاً، وقائداً ميدانيّاً ومحارباً شُجاعاً، أخذ من علم أبيه وعمِّه شيئاً كثيراً، وتربَّى عندهما، واستلهم منهما الرُّوح القياديّة، والتّضحية بالغالي والنّفيس في سبيل المبادئ العادلة، فكان اختيارُ والده إيَّاه لمنصبه القيادي يُعدّ أحدَ مُوافقات الشّيخ وحنكته السياسية، التي حافظ بها– بعد توفيق الله تعالى– على تماسك الدّولة واستمرارها.

فالملحظُ الشَّرعيّ العلميّ قد رُوعي في اختيارهما ليكونا قِياديَّيْن رئيسَيْن في هذه المملكة، فالتَّوريث القياديّ في حقّهما بدأ علميّاً قبل أن يكون سياسيّاً.

فقد ورث الشّيخ نفسُه هذه الرّوح التّجديديَّة من شيخه جبريل بن عمر الأَغْدَسي، الذي كان قد  (بَلغ الغاية في الاشتغال بالكتاب والسنّة، وحضّ النَّاس عليهما) (13) ، وتأثّر الشّيخ عثمان جِدّاً بشيخِه هذا الّذي قد لازَمَه مدَّةً في بلاد  (آهير)، واستفاد منه منهجَه في الدَّعوة والتّغيير.

ويكفي لتصوير هذه التّأثّر الإيجابيّ قولُ الشّيخ عثمان بن فودي في شيخه جبريل شعراً (14):

إنْ قِيلَ فِيِّ بِحُسْنِ الظَّنِّ مَا قِيلا   فَمَوْجَةٌ أَنا مِن أَمْواج جِبريـلا

فهذه الموجَةُ الّتي حظي بها الشّيخ عثمانُ من بحر شيخه اللجِّي هي التي حوَّلها وورَّثها مَن حَوله مِن تلاميذه، فَرَبَّاهم على العلم والإيمان وحُبِّ الإصلاح؛ ومن بينهم أخوه عبد الله وابنُه محمّد بلّو، وأصحاب الألوية من أمرائه على الممالك الّتي استولى عليها، وقد عَبَّر الشَّيخ محمّد بلُّو عن هذا التّوريث العلميّ الفكري، حيث وصف ملازمةَ الشَّيخ عبد الله لأخيه عثمان- رحمهما الله-، فقال (15): «رَمى بسهامٍ في كلِّ فنٍّ وأصاب، وهو العَجب العجاب، صَحب الشَّيخَ مِن صغره، وقرأ القرآنَ وتعلَّم العلم منه، وأخذ عن الشَّيخ جبريل، والشَّيخ أحمد غار، وغيرِهم.

ووازَر الشَّيخَ وخَدم له، وكَفَاه المهمَّات من أمره، وجاهد في الله، وقام بأمواله، لا تأخذه في الله لومة لائم، وسار سِيرةً حسنة، ووصل الأرحام، وشفَى الأسقام، فالله يجزيه عن الإسلام خيراً، وكفاه من كلِّ شرِّ وضَير».

ثمَّ وصف ملازمتَه هو أيضاً لأبيه الشّيخ عثمان، وما وَرِث منه من العلم، والتربية، والقدوة الحسنة، فقال (16): «كُنت منذ نشأتُ وقرأت القرآن، وتعلَّمت العلمَ، لازمت الشَّيخ، أتصفَّح أحوالَه، وأستمع إلى مقاله، وأنا غلامٌ حَتىَّ حصل لي من بركة الشَّيخ ما سار به الركبان، وحدّث به السُّمَّار في العمران... »، إلى آخر ما قال عن نفسه رحمه الله.

والجدير بالذّكر هُنا: أنّه قد رُوعي أيضاً في تعيين المناصب الدّينيّة والقضائيّة التّقدّم العلميّ والمعرفي، مع الملازمة والجهاد.

وإن كان يقال: إنَّ عدداً ممن تمّ تعيينُهم للمناصب القضائية كان ممن لهم علاقةُ النَّسَب، ووشائج القربى للشّيخ عثمان، من مثل القاضي محمّد سمبو الذي كان ابنَ عمِّ الشّيخ، وقد عُيّن لمنصب الإمام الأكبر، ورئيسَ القضاة، وكان كبيرَ قضاة قريةِ  (سِيفَاوا) هو أبو بكر رامي، وهو أيضاً من أقارب الشّيخ.

لكن هناك غيرُ واحدٍ ممن عُيِّن لمثل هذا المنصب نظراً لأهليَّته وكفاءته العلميّة فحَسْب، منهم القاضي بِيعَالي الّذي صار رئيسَ القضاة  (1837م-1842م)، والقَاضي محمّد بن محمد بَنْدَوُوا الذي هو من عائلةٍ علميَّة كبيرة، وليس له علاقة نسب بالشيخ عثمان، وإنّما كان الشّيخ عثمان تلميذاً لوالده، وقد وَازَر أخُوه الأصغر السُّلطانَ محمّد بلو، ومنهم القاضي سمبو بن غَبَنْدَا الذي كان من نَسل أحد العلماء الكبار.

وهناك قضاةٌ آخرون لا يَنتمون إلى الشّيخ من جهة النّسب، وإنما من جهة العلم والمعرفة، ومنهم مَن كانوا من مشايخ محمّد بلو، مثل محمّد بن أَغَاغي، وأحمد، والحسن بن أحمد، رحمهم الله جميعاً (17).

ونجد هذه الرعاية وتلك العناية في بقية المناصب التي تُسند إلى الكفاءات والأهليّة، ولا سيّما المناصب الدينيّة والعلميّة.

ب - نموذجٌ للتوريث القياديّ العلميّ في العصر الحديث:

وأمّا إذا عدنا إلى العصر الحديث؛ فإنّنا نرى مثل هذا التّوريث القياديّ العلميّ مُتمثِّلا في مسيرة الدَّعوة الإصلاحيّة التي أسّسها فضيلة الشّيخ أبو بكر محمود جومي- رحمه الله تعالى-؛ فقد كان الشّيخ جومي يُعدّ– بحقٍّ– رائداً من روَّاد المدرسة السَّلفية في نيجيريا، وامتداداً لدعوة الإصلاح الّتي قام بها الشّيخ عثمان بن فودي منذ أكثر من قرنَيْن.

برز الشّيخ أبو بكر محمود جومي في النّصف الثّاني من القرن العشرين ليجدِّد معالم هذه الدَّعوةِ الإصلاحيّة؛ فحارب الشِّركيَّات والخرافات، ونَابذ البدع والخُزَعْبَلات، وقاوَم التَّيَّارَ الصُّوفي الطَّاغي على السّاحة الإسلاميّة آنذاك، وأَبلى في ذلك بلاءً حسناً.

اتَّخذ الشَّيخ جومي- رحمه الله تعالى- أسلوبَ الدَّعوة والتَّعليم والتَّأليف طريقةً لنشر دعوته، وبثِّ آراءَه الإصلاحيَّة، ومن أوائل مؤلَّفاته في هذا رسالته:  (العقيدةُ الصَّحيحة بموافقة الشَّريعة)، التي وضعها لبيان بعض المزالق والأخطاء الكبيرة الوَاقعة في تعاليم الطّرق الصوفية ومعتقداتها، ورَدَّ كثيراً من الأباطيل التي يمارسها أتباعها، وتصدَّى للردّ عليه غيرُ واحدٍ من علماء الصُّوفيَّة ولم يُفلِحوا.

وأكثر الوسائل تأثيراً في دعوة الشّيخ أبو بكر محمود جومي- رحمه الله- هو التّعليم العام الّذي كان يقوم به في مسجد السّلطان بلّو في مدينة كدونا، يحضرها أتباعُه وتلاميذُه والمعجبَون به، وكانت دورسُه تُبثّ في إذاعة كدونا الفيدراليّة، ويتلقَّفها المستمعون في شتّى الأماكن والبقاع في نيجيريا بإعجابٍ ورضًى، حتّى كثر أتباعُه والمعجَبون بآرائه الإصلاحيّة، وكثر كذلك مناوِئُوه وشانِئوه، وازدادت إِذايتُهم للشَّيخ وأتباعه، واضطهدوهم غايةَ الاضطهاد، وأصبح المؤمنون بدعوته والمقبلُون على مواعظه وتعليمه يزدادون كثرةً يَوماً بعد يَوم.

وفي أثناء ذلك؛ بَرزَت شخصيَّةُ شابٍّ متحمِّس، تأثَّر بالشَّيخ، وسرَت إليه رُوح دعوة الإصلاح التي كان يقوم بها الشّيخ، كما تأثّر بدروسه الّتي يلقيها في بيته وفي مسجده، وكان يحضرها هذا الشَّاب كغيره من المحبِّين لتلك الدُّروس، واسمُه إسماعيل إدريس زكريا- رحمه الله-، كان جُنديّاً يعمل في السِّلك العسكري، وخريجَ مدرسة العلوم العربيَّة بكانو، وهي المدرسةُ التي تَخَرَّج فيها الشّيخ نفسُه أيَّام دراسته في كانو.

عَرف هذا الشّابُ الشَّيخَ جومي، وعَرف دعوتَه، وانضمَّ إلى تلاميذه، وما مضى زمنٌ حتى أصبح هذا الشَّاب أحدَ دعائم دعوة الشّيخ في حياته، ووريثَ قِيادة دعوة الإصلاح بعد وَفاته، لقد أضاف بروزُ شخصيَّة هذا الشّاب المتوقِّد ذكاء بُعْداً جديداً لدعوة الشّيخ جومي، حيث أصبح يَصيح بها بصوته الْمُجَلْجِل وَسط الجماهير النَّاقمة، لا يخاف في الله لومة لائم، ويَلقى من أجل ذلك صُنوفاً من الأذى والاضطهاد.

وسعى إلى إيجاد وسيلة أخرى لنشر دعوة شيخه بين الأمَّة، فأسَّس جماعة  (إزالةَ البدعة وإقامة السنّة) عام 1978م، وانضوى تحت لوائها عددٌ من الدّعاة، صاروا يخرجون إلى شتَّى أنحاء نيجيريا للدّعوة إلى التّوحيد، ونَبْذ الشِّرك والبدع والخرافات والعوائد الذميمة، ونالهم نصيبَهم من الأذى في سبيل ذلك، حتَّى كتب اللهُ لهم النَّصر، وكثر أتباعُ هذه الدّعوة، وانتشرت في جميع البلاد.

ويمكننا القول: إنَّ الشَّيخ إسماعيل إدريس كان خِرِّيج دعوة الشّيخ جومي، ووريثَه في حمل الدّعوة الإصلاحيّة في حياة الشّيخ وبعده، وسببُ هذه الوراثة لم يكن سوى التّلقِّي من الشَّيخ مباشرةً، والتَّتلمُذ عليه وملازمته، وليس بَين الشيخ وبينه رابطة نسب، بل ليس بينهما رابطةُ البلد أو النّشأة، فالرَّابطة التي ربطت بينهما وسبَّبت هذه الوراثة هي العلم والملازمة.

 وكان ممن ورث دعوة الشَّيخ جومي، وعمل على نشرها بين الأمَّة في حياة الشّيخ وبعد وفاته، الشَّيخَ «لَوَنْ أبُو بكر»، وهو وإن كان يُعدّ من الجيل الّذي ينتمي إليه الشّيخ جومي، ويُعدّ من أقران الشّيخ من حيث السِّنّ، إلا أنّه يَعدّ نفسَه من تلامذة الشّيخ الذين لازموه، وأخذوا عنه الكثير من علمه وهديه وسمته.

كان الشَّيخ «لَوَنْ أبو بكر» شخصيةً معروفةً في أوساط المجتمع؛ فدرُوسُه الأسبوعيّة في الأحاديث النّبويّة تُبثّ عبر إذاعة كَادونا الفيدراليّة، ويتلقّفها المستمعون بشَغفٍ بالغٍ، واشتُهر الشَّيخ من خلالها بصوته الرَّخيم، وتعبيره الهادئ، وعباراتِه اللّطيفة الّتي تسري إلى قلوب المستمعين إليه، كَسَريان الماء البارد في بطن ظمآن، ممّا كان له الأثرُ البالغ في نشر السّنن النبويّة، وتحبيب أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى القلوب.

وقد آلت إلى الشّيخ «لَون أبو بكر» وراثَة حَلَقات «أبو بكر جومي» العلميّة بعد رحيله، فخَلفه في دروس التفسير والحديث وغيرهما في مسجد السلطان بلو، ولم تَكن تربط بينه وبين الشيخ آصرةُ نسبٍ أو قرابة إلا الملازمة والتَّلقِّي والأُسوة، وهي أقوى الروابط والأسباب في التّوريث القياديّ العلمي.

 

رابعاً: التّحديّات القياديّة في غرب إفريقيا:

إنّ قيادة العمل الإسلاميّ والمسيرة الدعويّة الإصلاحيّة في غرب إفريقيا تواجه تحديّات عديدة، تنذر– إن لم تُتدارك- بفراغٍ علميٍّ وفكريٍّ ودعويٍّ كبير في مستقبل الدعوة والعلم في تلك البقاع من العالم، وأبرزُ هذه التحديات ما يأتي:

1) قلّة الوعي بأهميّة التّوريث القيادي:

يُعاني كثيرٌ من العلماء والدّعاة مِن قلَّة الوعي بأهميّة الإعداد العلميّ والمعرفيّ والقياديّ لنوابغ تلاميذهم الذين إليهم سَتؤُول قِيادة المسيرة الدّعوية بَعد رحيل قادتها، فأصبحوا لا يُعيرون هذا الجانب كبيرَ اهتماماتهم، ولا يُولونه عنايتَهم التَّامّة، فينشغلون بأمور العامّة، وتَطغى على جهودهم ونشاطاتهم، ولا يُعنون عنايةً كبيرةً بحلقات العلم الَّتي تُخرِّج طلبةَ العلم النَّابهين، في فنون المعرفة وأصول العلم وفروعه، فصار الإخلال بهذا الجانب الكبير يُنذر بتَرك ثغراتٍ في بناء الدّعوة، تظلّ ردحاً طويلاً من الزَّمن دون أن تجد مَن يسدّها ويملأ فراغَها.

2) ضعفُ الإمكانيّات لدى كثيرٍ من العلماء والدّعاة:

صَرف كثيرٌ من العلماء وقادةُ العمل الإسلاميّ في غرب إفريقيا جلّ أوقاتهم إلى البحث عن لقمة العيش لهم ولعوائلهم، فلا يجدون فراغاً كافياً من الوقت للعناية بدروس الطُّلاب الخاصّة، وإعدادهم إعداداً علميّاً وفكريّاً وقياديّاً.

وقد أضحت الحياةُ في العصر الحاضر تختلف عن حياة العصور السّالفة؛ فما كان من أمور المعيشة من جنس الحاجيَّات؛ أصبح اليومَ بسبب التّطور المذهل للحياة البّشريّة من جنس الضَّروريّات.. وهكذا،  ومع ذلك كلّه فقد كان كثيرٌ من العلماء في عهد السّلف يجدون مَن يكفلون لهم ولعائلاتهم الحياة الكريمة؛ ليتفرغوا للتّعليم والتّأليف، وتربية الأمّة، قال موسى بن حبان: عُوتِبَ ابْنُ المُبَارَكِ فيما يُفَرِّقُ مِنَ المَالِ فِي البلدان دون بلده، فقال: «إِنِّيْ أَعْرِفُ مَكَانَ قَوْمٍ لَهُم فَضْلٌ وَصِدْقٌ، طَلَبُوا الحَدِيْثَ، فَأَحْسَنُوا طَلَبَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِم، احْتَاجُوا، فَإِنْ تَرَكْنَاهُم ضَاعَ عِلْمُهُم، وَإِنْ أَعَنَّاهُم بَثُّوا العِلْمَ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لاَ أَعْلَمُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَفْضَلَ مِنْ بَثِّ العِلْمِ» (18).

وكان- رحمه الله- يتّجر في البَزّ، ويقول: «لولا خمسةٌ ما اتَّجرتُ، فقيل له: يا أبا محمّد مَن الخمسة؟ فقال: سفيان الثّوري، وسفيان بن عُيينة، والفُضيل بن عياض، ومحمّد بن السَمَّاك، وابنُ عليّة»، وكان يخرج فيتّجر إلى خراسان، فكلّما ربح شيئاً أخذ قوت عياله ونفقة الحجّ، والباقي يصلُ به إخوانَه الخمسة (19).

وكانَ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ يَصِلُ مَالِكاً بِمائَةِ دِيْنَارٍ فِي السَّنَةِ (20)، وكَتَبَ مَالِكٌ إِلَى اللَّيْثِ: «إِنِّيْ أُرِيْدُ أَنْ أُدخِلَ بِنْتِي عَلَى زَوْجِهَا، فَأُحِبُّ أَنْ تَبْعَثَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ عُصْفُر»، فَبَعَثَ إليه بثَلاَثِيْنَ حِمْلاً عُصْفُراً، فَبَاعَ مِنْهُ بِخَمْسمائَةِ دِيْنَارٍ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ فَضْلَة (21).

وأَعْطَى اللَّيْثُ ابْنَ لَهِيْعَةَ أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَأَعْطَى مَالِكاً أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَأَعْطَى مَنْصُوْرَ بنَ عَمَّارٍ الوَاعِظَ أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَجَارِيَةً تَسْوَى ثَلاَثمائَةِ دِيْنَارٍ (22).

3) ضعف الهمّة وسيطرة الخمول والكسل على كثيرٍ من طلبة العلم:

قد يكون العالم مجدّاً في عمله، مهتمَّاً بتربية مَن معه من الطّلاب، إلا أنّ الله لم يُقَيِّض له تلاميذ يقومون بعلمه، ويهتمّون بتعلّمه ونشره اهتمامَ شيخهم، كما قال الشافعي- رحمه الله- قديماً في شأن اللّيث بن سعد: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَه لَمْ يَقُوْمُوا بِه» (23).

وقد يعود سبب هذا الفُتور في بعض الطَّلبة، مع حبّهم للعلم وشغفهم به، إلى انشغالهم بطلب ما يسدّون به حاجتَهم اليوميّة، وحاجةَ عوائلهم الضّروريّة، وليس لِشيخهم ما يمدّهم به من مَعونةٍ مادّيّةٍ تخفّف عنهم من قَسوة الحياة، فتمنعُ أحدَهم حاجتُه الإنسانيّة من ملازمة شيخه والأخذ عنه، وقد كان قديماً يتكفّل بعض العلماء بنفقات تلاميذهم ليفرِّغوهم للعلم والتّربية، فقد قال زياد بن سعد يوماً لشيخه الزهري: «إنّ حديثك لَيُعجبني، ولكن ليست معي نفقة فأتّبعك. فقال له الزهري: اتّبعني أحدِّثْكَ وأَنْفِقْ عليك» (24).

وكان عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثّقفي تبلغ غَلَّتُه في كلّ سنة ما بين أربعين ألفاً إلى خمسين ألفاً، فكان إذا أتى عليه السّنة لم يُبق منه شيئاً، كان يُنفقها على أصحاب الحديث (25).

4) قلّة الاستفادة من الدّعاة والعلماء:

ومن التّحديّات القياديّة القائمة: قلّة الاستفادة من الدُّعاة والصّالحين والعلماء؛ إذْ إنّ جمهرةً كبيرةً من الدّعاة والصّالحين والعلماء يُغادرون هذه الحياة دون أن تَستفيد منهم الأجيال بوراثةٍ مفيدةٍ قائمةٍ على أصولٍ علميَّةٍ واضحة، ولذلك يَفقد العالمُ الإسلاميّ بهذا كنزاً ثميناً لا يعوّض غالباً إلاّ أن يشاء الله تعالى، فلو كانت هناك مؤسَّسات مهمّتها استقاءُ ما عند أولئك الدّعاة والعلماء والصّالحين، وتتبُّع أوضاعهم، وتَسقُّط أخبارهم، وتسجيل المهمّ من خبرتهم وأحوالهم؛ لكان ذلك أمراً حسناً يدلّ على عناية الأمّة بالخيرة من أبنائها والعظماء منهم (26).

5) التّوريث القياديّ باعتبار آصرة النّسب:

ومن التحديات القيادية أيضاً: تَسنُّم مركزِ القيادة الدينيّة أو العلميّة عن طريق التّوريث الأُسري، فكلَّما مات عالمٌ أو رَحَل داعيةٌ أقيم واحدٌ من أبنائه أو أحد أقاربه مقامَه، ولو كان غيرَ كفؤٍ وغير مُؤهّل علميّاً أو إداريّاً لتلك القيادة، فيؤدّي هذا التّوريث إلى تقديم الجهّال على العلماء، وقد عدّ الشاطبيّ هذا الصّنيع من موارد البدع العاديّة، لا سيما عندما يؤدّي الحال إلى تولية الجاهل على النّاس (27).

لكن من الجدير بالذّكر: أنّ هذه الظّاهرة لم تكن إلى الآن منتشرة إلا بين أصحاب الطّرق الصوفيّة، فكثيراً ما يقوم الابنُ مقام أبيه في الزّعامة الدينيّة بعد رحيل أبيه، مع أنه قد يوجد من بين تلاميذ أبيه من هو أجدرُ بتلك الزَّعامة منه، من حيث العلمُ والسّنّ، والملازمة والتّجربة، لكن لا يُولَّى تلك الزّعامة، ولا تُسند إليه تلك القيادة، وإنما تُسند إلى الابن الذي قد يكون غِرّاً لا يعلم من العلم شيئاً ذَا بال، وهذه الآفة لم تَستفحل بين المنتسبين إلى السنّة الدّاعين إلى منهج السلف الذي يقوم على تقديم المتقدّم وتأخير المتأخّر، وأنّ الزَّعامة العلميّة والدينية لا ينبغي أن تَنبني على آصرة النّسب والدّم، فهذا من نعمة الله- تعالى- على هذه الدّعوة السّلفيّة، ومن بركة الالتزام بمنهج السّلف واتّباعه.

6) انتشارُ التّعالم وبروزُ المتعالمين:

من التحديات القياديّة القائمة: انتشارُ التّعالم، واستفحالُ أمر المتعالمين في السّاحة العلميّة والدّعويّة، الذين ملَؤوها بالصّياح والعويل، وأوجدت لهم وسائلُ الإعلام التّجاريّة وغير التجارية منابرَ يرفعون منها عقيرتَهم بالجهل المطبَق، وتُبرزهم على أنّهم قادةُ العلم الشّرعي، ونوابغُ الفكر الإسلامي.

وتَعمل بعض المؤسّسات الدّعوية التي تفتقد ضوابطَ علميّةً صحيحةً، ومقاييسَ شرعيَّةً متّزنة، في السِّياق نفسه، فيطغى صوتُ هؤلاء المتعالمين على أصوات العلماء العامِلين المتمكِّنين من ناصية العلوم والمعارف، فيتخذ النّاسُ المشاهيرَ الجهّالَ قدوةً وقادةً، وينصّبونهم مُفتين يفتونهم بغير علم، فيَضلّون ويُضلّون؛ كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

الخاتمة:

هذه الأمور تمثّل أبرز التّحديات التي تواجه التّوريث القياديّ في غرب إفريقيا، وتحتاج إلى وقْفةٍ جادَّة من المؤسّسات الدَّعوية الكبيرة، ومن أصحاب النّفوذ والقرار، ومن أغنياء المسلمين لمواجهتها والعمل على إزالتها أو تقليلها؛ فقد علّق شيخنا الأستاذ الدّكتور محمّد بن مطر الزَّهراني- رحمه الله- على موقف الإمام ابن المبارك المذكور سابقاً بقوله: «إنّ أعداداً كثيرة من خريجي الجامعات العربية والإسلامية من أبناء المسلمين في إفريقيا وآسيا بحاجةٍ ملحّة إلى مَن ينفق عليهم؛ ليتفرغوا للدعوة إلى الله ونشر العقيدة الصّحيحة بين المسلمين وغيرهم، في تلك الديار المقفرة من الدعاة إلا من النزر اليسير، إنهم بحاجةٍ إلى عشراتٍ من أمثال عبد الله بن المبارك ليتفقدوا أحوالهم، ويعينوهم على بثّ العلم لأمّة محمّد- صلى الله عليه وسلم-؛ لشدّة حاجة الأمّة إلى علمهم، لا سيما وهي تصارع الشّرك والخرافة والتَّنصير والمبادئ الهدامة، من علمانيَّة وقاديَانيَّةٍ وبهائيةٍ ورافضةٍ وباطنيّة، وغيرها» (28).

فلمواجهة هذا التّحدِّي لا بدَّ للمؤسّسات الكبيرة أن تَعي أهميَّة هذا الدَّوْر، وأن تهتمّ بالعلماء العاملين والدّعاة البازرين ضِمنَ برامجها العمليّة، وتخفّف عنهم بعض الأعباء المعيشيّة، وتوفِّر لهم جوّاً ملائماً، كي يتفرّغوا لتربية القيادات النّاهضة، وإلاّ سيبقى رَحيلُ كلّ عالمٍ وكلّ داعيةٍ يَترك مَكاناً شاغراً لا يجد من يملؤُه ممن يأتي بعده.

كما يجب على العلماء أنفسِهم أن يَعُوا دَوْرهم في تربية الأمّة، وإعداد النّاشئة، ويخوضوا معركة البناء والتّوجيه لتلك الناشئة الّتي ستتولَّى القيادة العلميّة والدّعوية من بعدهم، وبهذا يمكن أن تَتكامل عمليّةُ البناء، ويتحقَّقَ للأمّة طموحُها، ويكون للإسلام مستقبَلٌ باهرٌ على هذه الأرض، يُبشِّر بعودةِ الخلافة فيها على منهاج النّبوّة مرّةً أخرى، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال : ١٠].

 

الهوامش والاحالات :

(*) مدير مركز الإمام البخاري للأبحاث والتّرجمة، كانو – نيجيريا.

(1) الشريف، مُحَمَّد بن حَسَن بن عقيل: (التوريث الدعوي)، دار الأندلس الخضراء، السعودية، ط1- 1422هـ/2002م، ص20.

(2) الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة، ط1- 1420هـ/2000م، (18/146)، وابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1- 1406هـ/1986م، (4/224).

(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي سلامة، دار طيبة، ط2 - 1420هـ/1999م (5/212-213).

(4)  صحيح البخاري (6730)، وصحيح مسلم (1758).

(5) تفسير القرآن العظيم، (7/64).

(6)  مسند أحمد (21715)، سنن أبي داود (3641)، وجامع الترمذي (2682)، وسنن الدارمي (354)، وسنن ابن ماجه (223)، وصححه ابن حبان (88)، والحاكم، وحسن حمزة الكناني، وقال الحافظ ابن حجر: (له شواهد يتقوى بها)، انظر: فتح الباري (1/160)، واللفظ لأبي داود.

(7) تفسير القرآن العظيم، (1/410).

(8) البغوي: معالم التنزيل في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1- 1420هـ، (3/126).

(9) جامع البيان، (19/437).

(10) جامع الترمذي (2676)، ومسند أحمد (17142).

(11) جامع البيان، (18/147).

(12) أحمد، محمد لواء الدين: الإسلام في نيجيريا ودور الشيخ عثمان بن فودي في ترسيخه، دار الكتب العلمية، (2009م) لبنان، ص (136-137).

(13) ابن فودي، محمد بلو بن عثمان: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، ط. محمد طن أغي، بلا تاريخ، ص (54).

(14) ابن فودي، محمد بلو بن عثمان، المصدر السابق، ص (55).

(15) ابن فودي، محمد بلو بن عثمان، المصدر السابق، ص (212).

(16) ابن فودي، محمد بلو بن عثمان، المصدر السابق، ص (212).

(17) Last, Murray, The Sokoto Caliphate, Longman, London, 1977, p.49.

(18) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الفكر – بيروت، (10/160).

(19) المصدر السابق، (6/235).

(20) الذهبي: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، (8/148).

(21) تاريخ بغداد (13/7، 8)، وفيات الأعيان (4/130)، حلية الأولياء (7/319).

(22) تاريخ بغداد، (13/8).

(23) سير أعلام النبلاء، (8/156).

(24) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، بيروت، ط1- 1415هـ/1995م، (55/379).

(25) تاريخ بغداد، (11/19-20)، وانظر: المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، (18/507).

(26) التوريث الدعوي، مرجع سابق، ص (14-15).

(27) الشاطبي: الاعتصام، دار ابن عفان، السعودية، ط1- 1412هـ/1992م، (2/571-572).

(28) الزهراني، محمد بن مطر: من أعلام السنّة والجماعة: عبد الله بن المبارك، مكتبة الصديق، السعودية، ط1- 1411هـ، ص (32-33).

 

 

                                                                                   

 

كتاب الموقع