أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التنمية الاقتصادية في إفريقيا: الفرص والقيود

 

 

أ. حفيظة طالب (*) 

 

يُعدّ مفهوم «التنمية» من المفاهيم التي حظيت باهتمامٍ كبيرٍ من قِبل الباحثين والأكاديميّين؛ لما له من أهميةٍ بالغةٍ على المستويين الفكريّ والعملي، فدول العالم الثالث عموماً، ودول إفريقيا خصوصاً، قد عرفت عدة مشكلات، مما دفع العديد من المفكرين إلى تجديد علم السياسة من خلال دراسة مواضيع ومناطق كانت متجاهلة قبل خمسينيات القرن العشرين، لذا تعدّ «التنمية الاقتصادية» من المجالات التي أضافت الكثير لعلم السياسة وحقله الخاصّ بالدراسات المقارنة.

فإذا كانت عملية التنمية بمختلف أنواعها تجري بوتيرةٍ مستمرةٍ نحو تحقيق الرفاه والتقدّم في الغرب؛ فإنها في إفريقيا وجدت صعوبةً كبيرةً في التجسيد الميداني، بفعل جملةٍ من العراقيل الداخلية والخارجية.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في تحديد أهمّ العوامل التي جعلت إفريقيا، تلك القارة التي تزوّد العالم وتُنعش اقتصاده بمواردها المتنوعة، قارةً تعاني العديد من المشكلات الاقتصادية داخليّاً ودوليّاً، وتبيان ما إذا كانت مرتبطة بخصوصية البيئة الإفريقية أو بعوامل أخرى؟!

وعلى ضوء ما تقدّم؛ يمكن طرح الإشكالية الآتية: كيف يمكن تفسير العجز الذي تعانيه الدول الإفريقية من حيث التنمية الاقتصادية؟ ولفَهْم وتفسير الظاهرة المدروسة سينطلق البحث من فرضية: أنه كلما تمكّنت الدولة في إفريقيا من تحقيق الاستقرار الداخلي؛ تمكّنت من تبنّي استراتيجيات فعّالة في مجالات التنمية الاقتصادية.

وعليه؛ ستحاول الدراسة تناول «التنمية الاقتصادية» بالمفهوم الشامل، وواقعها في إفريقيا، ومن ثمّ التطرق إلى العوامل المتسبّبة في غيابها، إضافة إلى أهمّ المبادرات الإقليمية والجهود الدولية التي تمّ تبنّيها من أجل تنمية إفريقيا اقتصاديّاً، وستُختم ببعض المقترحات والاستراتيجيات للنهوض بالقارة، والقضاء على مظاهر الفقر والتخلّف فيها.  

 

المحور الأول: مفهوم التنمية الاقتصادية  (Econmic Development):

في البداية؛ لا بدّ من التعرّف على مصطلح «التنمية» بشكلٍ عام، ثمّ في المجال الاقتصادي؛ لأنّ التنمية بمفهومها الشامل تتضمّن عدة مجالات.

أولاً: تعريف التنمية  (Development):

«التنمية» لغة: مصدر الفعل «نمَّى»، «نمَّى» الشيءَ «تنمية»: جعله نامياً  (أي زاده ورفعه)، و «تنمَّى تنمياً»؛ أي الشيء: ارتفع من موضعه إلى موضع آخر (1).

«التنمية» اصطلاحاً: هي سياسة تلجأ لها الدول النامية لكي تتخلّص من التبعية الاقتصادية للأجنبي، وتتحول من الإنتاج البدائي إلى الإنتاج التصنيعي (2).

وهناك مَن يرى أنّ «التنمية» تشمل تطوير القيم والمعايير والهياكل الاجتماعية، وبذلك هي تختلف عن «النمو الاقتصادي»، في كونها ظاهرة نوعية تعمل على تنمية مستوى التعليم، الصحّة، الحريات المدنية والسياسية، في حين أنّ «النمو الاقتصادي» ليس سوى ظاهرة كمّية تعبّر عن تراكم الثروة (3).

و «التنمية» بشكلٍ عام: هي عملية تتضمن تغيّرات عدّة، تشمل مختلف جوانب الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية، تهدف إلى عصرنة وتحديث وتطوير القطاعات بما يتماشى مع متطلبات واحتياجات الواقع الراهن، وهي غير مرتبطة بهدفٍ محدود، وإنما هي عملية مستمرة لا يتوقف مسارها عند مستوى معيّن.

ثانياً: تعريف التنمية الاقتصادية:

ظهور هذا المفهوم كان لأول مرة في كتاب آدم سميث Adam Smith  (ثروة الأمم) عام 1776م، ويعدّ الأطروحة الأولى للتنمية الاقتصادية، بحيث شكّل دراسة منهجية للمشكلات والعمليات التنموية في المجال الاقتصاديّ في دول أمريكا اللاتينية، آسيا، وإفريقيا (4).

وتعدّ «التنمية الاقتصادية» من بين المفاهيم الحديثة التي جذبت استقطاب واهتمام علماء الاقتصاد في بدايات القرن العشرين، خصوصاً في مناطق الدول النامية، لذلك وردت له العديد من التعاريف:

حيث عُرّفت «التنمية الاقتصادية» بأنها: «عملية مهتمة بالتخصّص والاستغلال الكفء للموارد الإنتاجية الموجودة، النادرة والمعطلة، وهي تسعى لتحقيق النمو المتواصل والتنمية المستدامة عبر الزمن» (5).

كما عرّفها قسم التنمية الحضرية بالبنك الدولي بأنها: «تعزيز القدرات الاقتصادية من أجل تحسين مستقبل الدولة الاقتصادي ومستوى المعيشة، فهي عبارة عن عملية يقوم خلالها الشركاء من القطاع الحكوميّ وقطاع الأعمال بالإضافة إلى القطاع غير الحكومي، بالعمل بشكلٍ جماعيٍّ من أجل توفير ظروفٍ أفضل لتحقيق النمو الاقتصاديّ وخلق فرص العمل» (6).

وفي هذا الصدد؛ يرى تشارلز كندلبيرغر Charles P.Kindeleberger وبروس هيريك Bruce Herrick : أنّ مفهوم «التنمية الاقتصادية» هو مفهومٌ متعدّد المتغيّرات، حيث ينطوي على التحسينات النوعية والكمية للاقتصاد في الدولة، بمعنى الانتقال من حالةٍ إلى أخرى، وفي الوقت نفسه يشتمل على التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فجوهر هذا المفهوم ينصّ على توفير الرفاه المادي، خصوصاً للأشخاص الذين يعانون من أدنى مستوى للدخل، وذلك بالعمل على رفعه إلى مستوى أعلى للقضاء على الفقر (7).

في حين يرى آخرون بأنّ «التنمية الاقتصادية» تشير إلى: «الاستثمار في الأفكار الجديدة ونقل المعرفة، وذلك متوقّفٌ على الأداء الجيد للمؤسّسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى التعاون بين القطاعَيْن العامّ والخاص» (8).

وفي هذا الصدد؛ ينطلق الطرح الرأسماليّ للتنمية من فكرة أنّ الاقتصاد هو المكوّن الرئيس لتركيبة الحياة السياسية والاجتماعية، مما يجعل التنمية الاقتصادية والديمقراطية متلازمتَيْن، تكمل إحداهما الأخرى، لأنّ الأولى في أدبيات الطَرْح الرأسماليّ تقود نحو تغيير القيم المجتمعية بما يخدم أهداف الديمقراطية، من حيث: العدالة التوزيعية – المشاركة السياسية – المساءلة والشفافية، حيث إنّ «التنمية الاقتصادية» تؤدّي إلى انتعاش الدخل القومي بما يحقّق الأمن الاقتصادي للمواطنين، وتمكّنهم من الاهتمام بالشؤون السياسية المختلفة. ولكن ما يُعاب على هذا الطَرْح هو نشأة الديمقراطية الغربية التي ظهرت على أنقاض انهيار النظام الإقطاعي وبروز الطبقة البورجوازية التي تولّت إدارة الملفات الاقتصادية، وتقاسمت الأدوار السياسية لخدمة مصالحها الخاصّة على حساب باقي فئات المجتمع (9). 

وفي سياق آخر؛ نجد طَرْحاً مغايراً؛ يربط بين «التنمية السياسية» و «التنمية الاقتصادية» كشرطٍ أساسيٍّ لبلوغ التنمية بمفهومها الشامل والتقدّم في عمليات الديمقراطية، ومن الواضح جدّاً أنّ بلوغ «التنمية السياسية» من شأنه أن يسهّل النمو، ويعجّل سير عمليات «التنمية الاقتصادية» في جميع المجالات، فهي الضامن لتطوير البنية التحتية للدولة، وفي الوقت نفسه اعتراف بمبدأ الديمقراطية واحترام حقوق الأقليات وقبول التنوع الثقافي والعدالة في التوزيع. أما غيابها فسيعيق تحديث البنى التحتية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومنه لن يجد المستثمرون في القطاع العامّ والخاصّ بيئةً مناسبةً لنشاطهم، مما سيعرقل بلوغ التنمية الاقتصادية، ومنه الاستقرار السياسيّ للدولة.

والعمل بهذا الطَرْح يجعلنا نقرّ بأنّ العائق الرئيس المتسبّب في غياب التنمية؛ راجع لانعدام الديمقراطية في معظم الدول الإفريقية، ولكن لو قارنّا نُظُم الحكم في هذه القارة مع نُظُمٍ أخرى، كالصين مثلاً، لوجدنا أنها نظام تسلّطي، ولكنها في الوقت نفسه دولة صاعدة، تمكّنت من تحقيق مستويات مرتفعة في التنمية، من ثمّ نصل إلى مقولةٍ مفادها: أنّ الديمقراطية والتنمية السياسية ليستَا ضروريتَيْن لتحقيق التنمية الاقتصادية؛ لأنّ النظام التسلّطي في الصين نجح في إدماج الشعب في النظام السياسي؛ من خلال استثمار فوائد التنمية الاقتصادية في تعبئة المواطنين اجتماعيّاً (10).

ومنه نستنتج أنّ العلاقة بين «التنمية السياسية» و «التنمية الاقتصادية» هي علاقة تفاعلية، بحيث هنالك تأثيرٌ متبادلٌ بينهما، فالتنمية الاقتصادية تساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي، بفضل ضمانها للاحتياجات الضرورية للمواطنين، وإضفائها لعنصر الشرعية على ممارسات النظام السياسيّ نتيجة قبول سياساته الاقتصادية، بينما غياب ذلك سيؤدي إلى خلق التوتر داخل الدولة، ويهدّد استقرارها، وأمنها السياسي والاجتماعي، والأمر نفسه بالنسبة للتنمية السياسية التي تُعدّ شرطاً أساسيّاً لتحقيق التنمية الاقتصادية.

 

المحور الثاني: واقع التنمية الاقتصادية في إفريقيا:

تُعدّ قارة إفريقيا من القارات التي تغيب فيها التنمية، نظراً لهشاشة بنيتها السياسية والاقتصادية، وشيوع مظاهر الفقر والأمراض، وقبل الحديث عن واقع «التنمية الاقتصادية» في إفريقيا لا بدّ من تقديم بطاقة تعريفية لثروات القارة ومواردها الطاقوية.

فإفريقيا هي القارة التي تمثّل 6% من سطح الكرة الأرضية، تغطي مساحة 304.15873كم2، وتضمّ 54 دولة، ويبلغ سكانها حوالي مليار شخص.

تزخر إفريقيا بمعدلاتٍ ضخمةٍ في موارد النفط والغاز والمعادن، فهي موطن 54% من احتياطي البلاتين العالمي، و 78% من الماس، و 40% من الكروم، و 28% من المنغنيز في حوالي 19 دولة، كما أنّ 46 دولة إفريقية لديها احتياطات من: النفط، الغاز، الفحم، ومعادن أخرى (11), وهذا ما توضحه الخريطة 1.

ويتوزّع النفط بكمياتٍ مرتفعة جدّاً في كلٍّ من: نيجيريا والسودان والجزائر وليبيا ومصر وأنغولا، أما احتياطيّ الغاز فنجده بنسبٍ كبيرة في كلٍّ من الجزائر ومصر، وبنسبٍ أقلّ في نيجيريا وليبيا، إضافةً إلى غنى العديد من الدول بمعدن الذهب المتوفر في كلٍّ من: مالي وغانا وإريتريا وإثيوبيا ورواندا وزامبيا وناميبيا وجنوب إفريقيا، إلى جانب وجود معادن أخرى تشكّل ثروةً ومصدراً مهمّاً للطاقة على غرار اليورانيوم.

وبذلك يتضح أنّ كلّ دولة إفريقية تختصّ بإنتاج موردٍ أو معدنٍ معين.

ولكن برغم كلّ هذه الموارد؛ فإنّ القارة تُصنّف من أفقر المناطق في العالم، وهذا ما يمكن رصده من خلال الرجوع إلى تقارير التنمية البشرية، وتوضيح ذلك عبر ما يأتي:

                                           

الترتيب

الدولة

83

الجزائر

94

ليبيا

96

تونس

108

مصر

110

الغابون

116

جنوب إفريقيا

150

سوازيلاند

140

غانا

158

نيجيريا

167

السودان

 

               جدول 1: يوضح تصنيف بعض الدول الإفريقية ضمن فئات التنمية البشرية لعام 2014م (12)

                  شكل 1: منحنى بياني لترتيب الدول الفقيرة حسب الناتج المحليّ الإجمالي لعام 2014م (13)

 

                                               

بالنظر إلى  (الجدول 1): نجد أنّ الدول الإفريقية لم تستطع حجز مكانٍ ضمن الدول ذات الدرجة المرتفعة من حيث التنمية البشرية، فأعلى مستوى للتنمية البشرية في إفريقيا احتلته الجزائر بالمرتبة 83، أما جنوب إفريقيا ونيجيريا؛ فهي في أسفل الترتيب، برتبة 116 و 158 على التوالي، وفي غالبيتها هي من أغنى البلدان في إفريقيا من حيث الموارد.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك فقط؛ وإنما تجاوزه، فحسب الرسم البياني الممثل في  (الشكل 1) فإنّ دول إفريقيا جنوب الصحراء تُصنف من أفقر الدول عالميّاً، فعدد الأفراد الذين يعيشون تحت خطّ الفقر في تشاد مثلاً يصل إلى 80%، ولكن السؤال المحيّر هو نيجيريا؛ لأنها الدولة الأولى اقتصاديّاً في إفريقيا (14), وعدد سكانها الفقراء يصلون إلى نسبة 42%.

وهذا يعني أنّ الخلل ليس في النموّ الاقتصادي، وإنما يرجع- ربما- إلى التفاوت في التوزيع؛ لأنّ نيجيريا بادرت بمجموعةٍ من الإصلاحات لنظامها الاقتصادي في السنوات الأخيرة، وقامت بإعادة هيكلة نظامها المصرفي الذي كان متأثراً جدّاً بالقروض، وتمكّنت بفضل هذا من رفع متوسط النمو إلى 7% في مستوى الناتج المحليّ الحقيقيّ منذ عشر سنوات تقريباً، بالإضافة إلى نموّ القطاعات الأخرى بشكلٍ متزايد، فكلٌّ من قطاعَي الزراعة والخدمات يساهمان معاً في الناتج المحليّ الإجمالي؛ مثلما يساهم القطاع الصناعيّ الذي يهيمن عليه النفط، ولكن برغم هذه الإمكانات فإنّ الوضع الداخليّ الهشّ جعلها تعاني من عدة أزمات متعلقة بالتوزيع والشرعية، وهو ما عرقل تحقيق مشروع الألفية المتعلق بتقليص عدد الفقراء (15). 

وعليه؛ يمكن القول بأنّ العبرة ليست في امتلاك المورد؛ وإنما في القدرة على استغلاله واستثماره فيما يسمح بتنمية وتطوير اقتصادات هذه الدول، وتحقيق الرفاهية والعيش الملائم لسكانها.

 

المحور الثالث: عوامل غياب التنمية في إفريقيا:

يمكن إرجاع عوامل غياب التنمية ومعيقاتها في إفريقيا إلى عوامل داخلية وأخرى خارجية.

أولاً: العوامل الداخلية:

تتمتع القارة الإفريقية بخصوصيةٍ من حيث: البنية التحتية، تنوّع المناخ، كثرة الموارد، التركيبة السكانية، فهي تضمّ تكوينات مجتمعية مختلفة، وثقافات متعددة، تشتمل على لغات وعادات متنوعة، حيث تمّ استغلال هذه الاختلافات وتعبئتها داخليّاً.

1 - العوامل الطبيعية:

تُعدّ القارة الإفريقية واحدة من أكثر القارات تعرّضاً للتغيّرات والتقلبات المناخية، وهذا ما يتسبّب في غياب القدرة على التكيّف في العديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسة في إفريقيا، مما ساهم في تفاقم حجم الأضرار والتحديات التنموية، كالفقر المدقع ومحدودية الحصول على رأس المال، بالإضافة إلى تدهور النُّظم الأيكولوجية، وبخاصّة الجزء الجنوبي من القارة، والذي شهد في السنوات الأخيرة أعقد الصراعات والنزاعات الداخلية بفعل غياب الأمن الغذائي والبحث عن الموارد، نتيجة تضرّر القطاع الزراعيّ والفلاحيّ في عدّة أجزاء من القارة، كإقليم دارفور بالسودان - مالي- الصومال، وغيرها من المناطق التي تشهد حالة الجفاف والتصحّر في ربوع القارة.

2 - العوامل المجتمعية:

إنّ غياب الدولة ومؤسّساتها هو العامل الأساسي الذي يؤدّي إلى غياب التنمية، والسبب راجعٌ إلى العجز عن توفير الاستقرار السياسي، نتيجة فقدان دَوْرها الأساسيّ المتمثل في تلبية مطالب المواطنين، وهذا ما يدفع بهم إلى التمرّد والدخول في صراعات من أجل الحصول على الموارد؛ نتيجةً للتهميش والشعور بالإقصاء وتردّي شرعية النظام السياسي، خاصّة في الدول المتعددة الأعراق والإثنيات، فعجز هذه الدولة راجعٌ إلى مساهمتها في تغييب عنصر الهوية الجامعة؛ بفعل شخصنة الدولة وتسخيرها لخدمة أقليات وجماعات معيّنة يحتكرون السلطة والثروة.

ولعلّ أبرز مثال على ذلك: ما يحدث من صراعاتٍ داخليةٍ في السودان، مثل نزاع دارفور: هو نزاعٌ قائمٌ على غياب الأمن الغذائي بالأساس، مما دفع بالقبائل غير العربية إلى التمرّد نتيجة شعورها بالإقصاء والتهميش من حيث السياسات التنموية (16), والخلل في ذلك يعود إلى السياسات الاقتصادية الحكومية التي لم تكن في المستوى، وتميّزت بالعشوائية، فبالرغم من ارتفاع معدّل النموّ الاقتصادي من 1995م إلى 2009م بعد اكتشاف النفط بالسودان؛ فإنّ حكومة الدولة لم تستطع الاستفادة من مداخيل صادرات هذا المورد بطريقةٍ فعّالة، نتيجة مواصلة اتباع النموذج الاقتصاديّ الرأسماليّ نفسه الذي ساد أثناء حكم الاستعمار، كذلك دون إهمال تراجع وانخفاض الإنتاج الزراعيّ لصالح الإنتاج الصناعي.

فطبيعة الدولة الإفريقية، بحكم تاريخها الاستعماري، جعلها مجرد نسخة إفريقية لدولة المستعمر، حيث حافظت على مؤسّساته نفسها التي تركها، وأبقت على نخبة سياسية مشبعة بثقافةٍ غربية، حرصت على تنفيذ مخططات التبعية، ومن ثمّ وسّعت الهوّة بين الفرد والدولة، وجعلته يبحث عن هويته وذاته بعيداً عنها، وهذا ما جعل العديد من الدول، على غرار بورندي وإفريقيا الوسطى وكينيا، تعاني من أزمة الهوية وانعدام الاستقرار السياسي.

وباستثناء تنزانيا؛ لم تتمكن دولة في شرق إفريقيا ووسطها من تحقيق التجانس العرقي، ففي الوقت الذي زاد فيه العداء العرقيّ في كينيا؛ نجحت تنزانيا في تحقيق التعايش السلميّ بين المجموعات العرقية والدينية، فتعدد قبائلها، والذي بلغ ما يقارب الـ 100 قبيلة، لم يمنعها من تحقيق المساواة والتداول السلمي للسلطة، والتناوب على الحكم بين المسلمين والمسيحيين، وإنما جعل منها نموذجاً للاستقرار السياسيّ والتعايش الدينيّ في إفريقيا (17), واستطاعت أن تعكس هذا النجاح السياسي والمجتمعي اقتصاديّاً، فاليوم تنزانيا أصبحت من أسرع الاقتصادات نموّاً في إفريقيا الشرقية، حيث بلغ معدّل إنتاجها المحليّ 6.9% في 2014م، كما نجحت في تطوير اقتصاداتها التحويلية والصناعية. وحتى إن لم تنجح في تحقيق مراتب أعلى اقتصاديّاً وتنمويّاً بفعل تآكل بنيتها التحتية وارتفاع معدلات الفقر، فإنّ ذلك لن يعيق مسارها التنموي، ففي السنوات المقبلة ستكون في وضعٍ أمثل؛ لأنّ التحدي الرئيس ومشكلة الهوية وأزمة التوزيع تجاوزته، يبقى فقط مشكلة التكنولوجيا وتطوير البنى التحتية وتوفير فرص العمل والخدمات، وهذا ليس بالأمر الصعب عندما تتوافر الإرادة الحقيقية لبلوغ مستويات أفضل تنمويّاً (18).  

3 - العوامل السياسية:

إنّ السبب الرئيس الذي أدى إلى تغييب عنصر «التنمية الاقتصادية» في القارة؛ راجعٌ إلى انشغال القوى السياسية بالسلطة بدلاً من التركيز في مواضيع ومجالات التنمية الاقتصادية، فلتحقيق غرض الوصول إلى السلطة نفذت العديد من الأساليب؛ من بينها: التمرّد، العصيان المدني، الحروب الأهلية، الانقلابات العسكرية، وهذه الأخيرة تعدّ من سمات القارة الإفريقية، حيث كانت تتمّ الإطاحة بالأنظمة عبر الجيوش وباستغلال الضعف الاقتصادي كسببٍ لتنحية النّخب التي لا تخدم المصالح العسكرية، وهذا ما ساد في كلٍّ من أوغندا في ديسمبر 1999م، وغينيا بيساو 2003م، ومصر 2012م، ومن هنا تظهر سيطرة المصالح الضيقة على حساب مصالح الشعوب ورفاهيتهم الاقتصادية، وتفشّي الفساد ونخره لكلّ الأجهزة السياسية داخل الدول الإفريقية.

وبالعودة إلى انقلاب أوت/أغسطس 2008م في موريتانيا؛ نلاحظ أنه كان عكس الانقلابات السابقة التي شهدتها البلاد؛ لأنّ دلالة الانقلاب ومضمونه تنضوي على إشكاليةٍ عميقة، وهي تهديم العسكر لمشروع الديمقراطية (19), وهذا ما أثّر سلباً على تردي السياسات الاقتصادية في موريتانيا وبالتالي تنامي الفقر، حيث وصلت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خطّ الفقر إلى حوالي 42% في السنوات الأخيرة (20).

كما يمكن إرجاع سبب غياب التنمية الاقتصادية في إفريقيا إلى غياب أحزاب سياسية فعلية، لأنّ الواقع يؤكد أنّ استقرار النُّظم السياسية مرتبط بقوة الأحزاب، وليس بطبيعة النظام الحزبي، فلا يهم إن كان أحاديّاً أو تعدديّاً، ما دام الهدف هو الوصول إلى السلطة، وتحقيق التداول، وتقديم البرامج والبدائل لإيجاد الحلول وتحقيق التنمية بمختلف مجالاتها.

اعتمدت معظم الدول الإفريقية على نظام الحزب الواحد؛ استكمالاً لمسيرة النضال الثوري للحزب الذي ساهم في تحرير البلاد من المستعمر، وبذلك أخذ على عاتقه اتباع الاستقلال السياسي بالتحرّر الاقتصادي، ولكن لم تنجح تلك الأحزاب؛ لا في تحقيق التنمية ولا في ضمان الاستقلالية، وإنما حافظت على نهج المستعمر، وفي الوقت نفسه حقّقت مصالحه بالوكالة.

وفي هذا السياق؛ يمكن الإشارة إلى طبيعة الأنظمة السياسية الهجينة التي تحكم الدول الإفريقية، حيث لم تعد ديكتاتورية ولا ديمقراطية في الوقت نفسه، بل حصرت الدولة في شخص الرئيس وحاشيته والمستفيدين منه، فلغرض الإبقاء على السلطة تمّ تبنّي حيلة تعديل الدستور للاستمرار في الحكم، إضافةً إلى تزوير الانتخابات وتعديل النُّظم الانتخابية وفق ما يتلاءم مع طموحات القادة والنّخب، وهذا ما يستدعي تجديد نمط الثقافة السلطوية، وتبنّي الخيارات الديمقراطية لتجسيد سياسة التوافقات، وفتح المجال لتطوير البنى التحتية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

4 - العوامل الاقتصادية والاجتماعية:

إنّ أكبر معيقات «التنمية الاقتصادية» في إفريقيا ترتبط بعدم توفّر خريطة استثمارية متكاملة توضّح مختلف الأنشطة في مجال الاستثمار، وكذا ضعف البنية التحتية للقارة الإفريقية، وغياب المنشآت والمواصلات الحديثة، فبرغم التحسينات فلا تزال القارة بعيدة عن الوضع الأمثل، إلى جانب عدم الاهتمام الكافي بمستوى التدريب التقني والفني، وبالتالي غياب يد عاملة إفريقية مؤهّلة.

إنّ مؤشر الفقر في البلدان الإفريقية أعلى بكثير مقارنةً ببقية المناطق النامية الأخرى، حيث يُقدّر عدد الفقراء الذين يعيشون بدولارٍ واحدٍ في اليوم حوالي 46% من إجمالي سكان القارة، وهذا بالرغم من التحسينات الكبيرة في نموّ الناتج المحليّ الإجماليّ لإفريقيا في السنوات الأخيرة، ويعود ذلك لفقدان غالبية الشباب لوظائف ومصادر دائمة للدخل، فمن بين التحديات الاقتصادية التي تعانيها إفريقيا نجد انخفاض اليد العاملة في قطاعات النمو، وتمركز معظم العاملين في مجال الزراعة، ولكن نظراً للتقلبات المناخية؛ فإنّ القارة عرفت انخفاضاً في مستوى الإنتاج الزراعي، ومن ثمّ لم تتمكن من توظيف المواطنين، ولا تحسين دخلهم الفرديّ في الوقت نفسه.

ويعود سبب تأثّر الجانب الاقتصادي في القارة الإفريقية إلى: غياب التجهيزات الملائمة للإنتاج الزراعي، وعدم الاستفادة من فرص العولمة، وعدم اهتمام القادة السياسيّين في إفريقيا بتبنّي مشاريع التنمية الوطنية؛ بما في ذلك استراتيجيات الحدّ من الفقر.

ثانياً: العوامل الخارجية:

لا يمكن حصر المعيقات الخارجية للتنمية في الاستعمار التاريخي فحسب، فاليوم لم تعد إفريقيا مستعمرة أوروبية فقط، وإنما هي كذلك محلّ تنافس من قِبل أقطاب دولية أخرى، عبر الشركات متعددة الجنسيات، وضغوط المؤسّسات المالية الدولية بفعل تراكم الديون على الدول الإفريقية، وبهذا أصبحنا نتحدث عن نمطٍ احتلاليٍّ حديث، يتمّ بواسطة الغزو الثقافي والاقتصادي لخدمة مصالح الدول الصناعية الكبرى.

لذا؛ فإنّ إثارة المشكلات، وتعددية النزاعات والصراعات، ومحاربة الإرهاب، ما هي إلا استراتيجيات غربية لتوفير المواد الخام لصناعتها، وتهيئة السوق لسلعها ومنتجاتها؛ بقصد إبقاء دول القارة في استهلاكٍ مستمرٍّ لمنتجات الشركات الغربية، أضف إلى ذلك أنّ الأطماع والاستراتيجيات والمخططات تزداد وتتسع كلما زاد الفقر والجهل والحروب داخل دول القارة الإفريقية (21).

أما مساهمة إفريقيا في التجارة الدولية فتُقدّر بنسبة 2% فقط؛ مقارنةً بآسيا وأمريكا اللاتينية اللتَيْن تساهمان بـ 17% و 5% على التوالي، هنا يتضح فارق تهميش القارة الإفريقية من حيث التجارة الدولية، وهي التي تشكّل نسبة 60% من دخلها، إضافة إلى انخفاض معدل الاستثمار الأجنبي إلى 15% فقط (22). 

وانطلاقاً من ذلك؛ يظهر أنّ كلا العاملَيْن الداخليّ والخارجيّ يساهمان في عرقلة المسيرة التنموية اقتصاديّاً في إفريقيا، فالبيئة الداخلية بطبيعتها وتركيبتها عمّقت من أزمة القارة اقتصاديّاً، زيادة على مخلفات الاستعمار الذي تسبّب في تفكيك البنية التحتية للدولة، وعطّل نموّها، وبالتالي أبقى الدول الإفريقية في مرحلة الإنتاج بدلاً من التصنيع.

 

المحور الرابع: الجهود الإقليمية والدولية لتنمية إفريقيا:

تعدّ تنمية إفريقيا من الضروريات التي أكدتها معظم التجمّعات والتكتلات الإقليمية، وكذا المؤسّسات والمنظمات الدولية.

أولاً: على المستوى الإقليمي:

1 - منظمة الاتحاد الإفريقي  (African Union):

تؤدي دَوْر المنسق والمحفّز للدول الإفريقية؛ بقصد تحقيق التكامل الاقتصادي، وبالتالي محاولة الدفع نحو تحقيق التنمية الاقتصادية لدولها من خلال حثّهم على تجسيد الأهداف التنموية للألفية، وهذا ما شكّل أكبر اهتماماتها في مختلف المؤتمرات والاجتماعات. 

يعمل الاتحاد الإفريقي وفق خطّة استراتيجية تمتد إلى 2063م، تهدف إلى تحقيق النهضة للقارة الإفريقية ومعالجة أزماتها الداخلية، انطلاقاً من اعتماد برامج قارية تقوم على مبدأ الاعتماد على الذات، وتنمية الدول الإفريقية ومؤسّساتها، وإخضاعها للمساءلة. إضافةً إلى تعزيز دَوْر التكتلات الاقتصادية الإقليمية؛ كونها اللبنة الأساسية لبناء قدرات الدول الإفريقية، وترجمتها إلى قرارات فعّالة، على المستوى الإقليميّ أو الدولي، إلى جانب المساهمة في بناء السلام العالمي، وجَعْل القارة الإفريقية بحلول عام 2063م قارةً مزدهرةً بالوسائل والموارد اللازمة لتحقيق التنمية (23).   

2 - النيباد  (Nepad):

هي استراتيجيةٌ لإعادة هيكلة إفريقيا، وتخليصها من التخلّف، وتعزيز التنمية الاقتصادية، ومواجهة التحديات التي تعيقها، كالفقر والتخلّف والتهميش، تمّ تبنّي هذه الصيغة الاستراتيجية رسميّاً في 2001م.

ولتحقيق أهدافها؛ وضعت مجموعة من الإجراءات؛ منها: العمل على مساعدة الوكالات المتخصّصة، ووضع الأطر الخاصّة بتشجيع المنافسة، وزيادة الاستثمارات في البنى التحتية، والشروع في تنمية مؤسّسات وشبكات التدريب لتأهيل اليد العاملة، وتعزيز الشراكة بين القطاع العامّ والخاصّ لجلب المستثمرين.

3 - تجمّع تنمية الجنوب الإفريقي  (SADC):

ارتبط تكوين هذا التكتل بفترة حكم النظام العنصريّ في جنوب إفريقيا، وكانت محاولة منه لتحسين صورته، ضمّ في البداية:  (جنوب إفريقيا، ليسوتو، سوازيلاند، زيمبابوي وبوتسوانا)، ومن أهدافه: العمل على تعزيز القدرة التنافسية لمؤسّسات التجمّع الاقتصادية، وتخفيف حدّة الفقر والجوع، ورفع مستوى المعيشة لشعوب المنطقة، وتعزيز الأمن والسّلم والاستقرار (24).

 وبفضل الجهود التعاونية تمكّن التجمّع من تحقيق التكامل الإقليمي بين دوله، وتحقيق طموحاتها في مجالات التنمية الاقتصادية، ولكن يبقى الخلل واضحاً جدّاً من حيث التفاوت الاقتصاديّ بين دول المنظمة (25).

يبدو أنه لا يزال هنالك عملٌ طويلٌ جدّاً ينتظر هذه الهيئات الإقليمية وغيرها من التكتلات الأخرى، حيث لا بدّ لها من تعزيز حجم التكامل والاعتماد المتبادل بين الأعضاء، ومنه محاولة تجاوز الإطار الشكليّ للتسمية، وتجسيد الأهداف على أرض الواقع؛ عبر تكثيف الجهود وتشارك المصالح.

ثانياً: على المستوى الدولي:

1 - منظمة الأمم المتحدة : (United Nations)

بعدما كانت أولوية الأمم المتحدة تخليص إفريقيا من الاستعمار؛ أخذت على عاتقها كذلك إلزامية تنمية القارة الإفريقية، فبعد برنامجها الإنمائي للألفية تعمل الآن مع بلدان إفريقيا على تحقيق تنمية مستدامة مستقبلاً، بالتنسيق مع مختلف أجهزة القارة وتكتلاتها، وفي هذا الإطار كثّفت جهودها من أجل هيكلة الأمن والسّلم الإفريقيّين، وتقليص عدد النزاعات والتسوية السلمية لها، وتنفيذ الخطّة الشاملة لحقوق الإنسان في إفريقيا، ومحاولة تحسين الوضع الانتخابي وأنظمة الحكم في دول القارة.

2 - البنك الدولي (World Bank) :

شملت مجالات تركيز البنك الدوليّ على رفع الإنتاجية الزراعية، ومجابهة تغيّر المناخ، وتدعيم الدول الهشّة والمتأثرة بالصراعات، وتشجيع تحسين التعليم، وفي هذا الإطار؛ وافق البنك على تقديم 9.3 مليارات دولار لتمويل 109 من مشروعات التنمية في المنطقة الإفريقية للسنة المالية 2016م، من بينها 669 مليون دولار من قروض البنك الدوليّ للإنشاء والتعمير، و 8.7 مليارات دولار من ارتباطات المؤسّسة الدولية للتنمية (26).  

استنتاجاً ممّا سبق؛ يتضح أنّ المبادرة لا تكفي بمفردها مع غياب التزامات قانونية تُجبر المؤسّسات الدولية والدول المانحة على تقديم المساعدات الموكلة إليها تجاه المجتمعات النامية في إفريقيا، فلو تجسّدت هذه المبادرات فعلاً على أرض الواقع؛ لتمكّنت إفريقيا ودولها من التخلّص من مظاهر الفقر.

 

المحور الخامس: نحو استراتيجيات بديلة لتفعيل التنمية الاقتصادية في إفريقيا:

إنّ تنمية إفريقيا اقتصاديّاً يتطلب تكثيف جهود دولها، وتعظيم مصالحهم وأهدافهم المشتركة، وذلك في سبيل تحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد ارتأت الباحثة تبنّي المقترحات الآتية: 

1 - تحديث البنى السياسية والاقتصادية للدولة:

إنّ الدول الإفريقية بحاجةٍ إلى بيئةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ ملائمة، تتطلب إصلاح الأنظمة ومؤسّساتها بما يتوائم ومقتضيات حاجة المواطنين، وإتاحة الفرص لكلّ القطاعات العامّة والخاصّة للاستثمار في جميع المجالات، وضرورة تأهيل العامل البشريّ بما يخدم التنمية الاقتصادية، والعمل على تثبيت مبادئ الشفافية والمساءلة والتوزيع العادل للدخل الوطني.

«التنمية الاقتصادية» تبدأ من الداخل، من خلال استثمار الموارد والاستفادة منها، ولكن كلّ هذا يتوقف على حنكة وإرادة القادة السياسيّين ونضجهم، بغضّ النظر عن ديمقراطيتهم أو تسلّطهم، فاللجوء إلى المؤسّسات الدولية لن يكون الحلّ الأمثل لمعالجة داء التخلّف وغياب التنمية؛ لأنّ كلّ فاعلٍ دوليٍّ يتحرك بناءً على مصلحته وأهدافه.

2 - توسيع الإنتاج الزراعيّ في إفريقيا: 

إنّ الضرورة الملحّة لتطوير إفريقيا تستلزم العثور على طريقةٍ لتوسيع الإنتاج الزراعي؛ لتحقيق الأمن الغذائي والقضاء على الفقر من جهة، وتقوية النموّ الاقتصادي من جهةٍ أخرى بزيادة الإنتاج الزراعي، خاصّةً في دولٍ مثل الصومال، وغيرها من مناطق القارة التي تعاني أزمة ندرة الغذاء، فوجود النفط والغاز ليس الحلّ الوحيد للتنمية الاقتصادية؛ حيث لا بدّ من تنويع المنتج الداخلي، وكذا الصادرات.

3 - تعزيز التنوّع الاقتصادي، وخلق فرص العمل:

ويكون بواسطة الحدّ من عدم المساواة والفقر، وقلّة الفرص، ونقص الخدمات الأساسية، باتباع خطوات التحول الهيكلي، ويُقصد به التغيير في فرص العمل والإنتاج، وتنويع الاقتصاد عبر تنويع السلع المصنّعة، والاعتماد على الصناعات التحويلية، وعدم ربط الاقتصاد الوطنيّ بالمقوّمات الريعية فقط، وهذا ما سيؤدي إلى توزيعٍ عادلٍ وأكثر إنصافاً للدخل.

إضافةً إلى ضرورة تشجيع التكامل الإقليمي، والاستفادة من تجارب الدول الناجحة على غرار دولة جنوب إفريقيا، التي أصبحت من أبرز الاقتصاديات الناشئة في إفريقيا، واليوم تقود وتموّل أنجع التكتلات الاقتصادية  (الساداك)، وذلك بفضل: تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوفير القروض اللازمة للتنمية الصناعية، والاعتماد على التكنولوجيات المتقدّمة، والاستفادة من أيدي العمل الرخيصة، والتركيز على إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات، وعدم الاعتماد على المعادن فقط، والتحديث الذي جعل منها أكبر دولة صناعية في القارة، وإدخال إصلاحات في قوانين الاقتصاد؛ لتمكين مختلف الأعراق في الدولة من المشاركة في عملية التنمية، والاهتمام بقطاعات السياحة، وصناعة الإسمنت، والقطاع البحري، والتي أصبحت من بين القطاعات الواعدة في الدولة.

كلّ هذه الإجراءات سمحت لجنوب إفريقيا بتحقيق التوافق المجتمعي؛ ممّا مكّنها من بلوغ نموذج الديمقراطية التوافقية سياسيّاً، وهو ما أدى إلى تغيّرٍ ملاحظ في السياسات الاقتصادية للدولة، ومن ثمّ النجاح في تقليص مستوى الفقر، وتحقيق مزيدٍ من التنمية والاستقلالية، وبذلك أصبحت نموذجاً ناجحاً؛ يمكن لبقية الدول الإفريقية الأخرى السير على نهجه.

 

خاتمة:

وصلت هذه الورقة إلى أنّ بلوغ «التنمية الاقتصادية» يكون بناءً على معطيات داخلية بحتة، سواء من حيث الاستثمار أو الوعي أو تطوير القدرات، وترجمتها إلى سياسات فعّالة، تعود بالفائدة على دول القارة الإفريقية ككل، فاحترام الخصوصيات الداخلية، وبناء استراتيجيات فعّالة يكون بمعايشة الأوضاع لا بمحاكاة تجارب تبقى دخيلة على واقع البيئة الإفريقية، وفي الوقت نفسه يُعدّ العائق الرئيس وراء غياب التنمية الاقتصادية في إفريقيا هو عدم وجود دولة قوية بمعناها الحقيقي، أي غياب دولة قادرة على التخلّص من فخّ التبعية والمشاركة في الاقتصاد العالمي، ومنافسة الدول الكبرى؛ لأنّ اهتمام نخبها ينصبّ على جمع الأموال، وخدمة الدول الداعمة لها؛ بدلاً من استغلال الفرص، وتحدّي القيود لبلوغ الأهداف؛ التي يُعدّ الاستقرار الداخلي أهمّ مقومات تحقيقها.

وبالتالي يمكن استنتاج النقاط الآتية:

- يتطلب بناء اقتصادٍ وطنيٍّ متكامل، ومستويات عالية من التنمية الاقتصادية، اهتمام الدول الإفريقية بالدولة بدلاً من الديمقراطية، فهذه الأخيرة ما هي إلا شرطٌ من شروط المؤسّسات المالية العالمية لضمان مداخيلها من القارة.

- لا بدّ من التفكير جليّاً في نماذج ومقاربات واقعية من صلب البيئة الإفريقية؛ لأنّ المسألة أعمق من استيراد نماذج أو تلقي مساعدات دولية، فالأزمة هي أزمة بناء وتقنيات أكثر منها مساعدات.

- القارة الإفريقية اليوم بحاجةٍ ماسةٍ إلى بنى تحتية مطوّرة، ويدٍ عاملةٍ مؤهلة، وخبراء تقنيّين ذوي كفاءة عالية، يتمتعون بقدرةٍ تساعدهم على صياغة برامج ومشاريع فعلية، فالمحاولة موجودة طبعاً، ولكن التهميش والتجاهل والعجز المالي يقف عائقاً أمام ترجمة أفكار الأدمغة الإفريقية إلى نماذج عملية.

 

الهوامش الاحالات:

(*) باحثة دكتوراه في العلوم السياسية - مخبر الدراسات السياسية والدولية - جامعة أمحمد بوقرة - بومرداس/ الجزائر.

(1) فؤاد أفرام البستاني: معجم منجد الطلاب، ص (840، 841). 

(2) عبد الوهاب الكيالي: موسوعة السياسة، ج1، د س ن، ص795.

(3) Philippe Deubel, Les stratégies de développement, Analyse économique et historique des sociétés contemporaines, Pearson éducation France, France : 2008, p.463.

(4) Michael P. Todaro and Stephan C. Smith, Economic development, united state: congress cataloging - in- publication data, edition 11. 2012, p07.

(5) هاني حلاوة: الإنماء الاقتصادي والسياسي في الوطن العربي، ص59.

(6) قسم التنمية الحضرية، البنك الدولي: "التنمية الاقتصادية المحلية"، دليل وضع وتنفيذ استراتيجيات تنمية الاقتصاد المحلي وخطط العمل بها، سبتمبر 2004م، ص8.

(7) Maryann feldman and others, «Economic development a definition and model for invesment», Available at: https://www.eda.gov/tools/files/research-reports/investment-definition-model.pdf

(8) « Concept of economic development and its measurement», Available at:

http://shodhganga.inflibnet.ac.in/bitstream/10603/12950/11/11_chapter%203.pdf

(9) عمار علي: "جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية"، مجلة الديمقراطية، العدد 55، 2014، ص4.

(10) رضوان بروسي: "جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية نحو مقاربة غير معيارية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 409، مارس 2013م، ص (19-20).

(11) Kingsley leghbor, «Ressources minières: la fin d’une malédiction?», Magazine Afrique Renouveau, April 2014, Disponibl sur: http://www.un.org/africarenewal/fr/magazine/avril-2014/ressources-mini%C3%A8res-la-fin-d%E2%80%99une-mal%C3%A9diction

(12) المصدر:  www.imf.org

(13) المصدر: برنامج الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية - «التنمية في كلّ عمل»، 2015م، ص39.

(14) حسب التقرير السنوي لصندوق النقد الدولي لعام 2014م: بلغ الناتج القومي لنيجيريا ما يقارب 510 مليار دولار؛ مما سمح لها بتصدّر قارة إفريقيا اقتصاديّاً، ولكن هنالك فئة سكانية كبيرة جدّاً تعيش بأقلّ من 2 دولار، وهذا راجع إلى غياب العدالة التوزيعية والانقسام الإقليمي بين الشمال والجنوب، والذي يعكس وجود صراعات عرقية ودينية، وهو ما يؤثّر على استقرار البلاد وأمنها السياسي والاجتماعي. انظر: حسناء عبد الفتاح، "نيجيريا العملاق الاقتصادي القادم"، مجلة إفريقيا قارتنا، العدد 13، جويلية/يولية 2014م، ص3.

(15) تقرير صادر عن وحدة إيكونومست للمعلومات المحدودة، "نظرة على إفريقيا تطلعات المؤسسة الاستثمارية حتى 2016م"، الرابط:  http://www.investad.com/Portal/africa_addons/InvestAD_EIU_Africa_Report_2012_AR.pdf

(16) «The roots of the conflict (student version)», Available at:

http://www.darfuraustralia.org/files/conflict_roots_student.pdf         

(17) علي جبريل الكتبي: "تنزانيا في إفريقيا: نموذج الاستقرار السياسي والتعايش الديني"، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، أبريل 2015، ص (3-5).

(18) United Nation, united republic of tanzania, «economic commision for africa, contry profile», 2015, p.4.

(19) خيري عبد الرزاق جاسم: التجربة الديمقراطية في موريتانيا دراسة في الإصلاح السياسي، مجلة دراسات دولية، العدد 43، د س ن، على الرابط: http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=60552

(20) خطاري ولد أحمد ولد أبيه: دور السياسات الاقتصادية في مكافحة الفقر في موريتانيا، مجلة جامعة القدس المفتوحة والدراسات الإدارية والاقتصادية، المجلد 01، العدد 03، جوان 2015م، ص182. 

(21) الصادق محمود عبد الصادق: "مقومات ومعيقات التنمية الاقتصادية في إفريقيا: نظرة جغرافية"، مجلة الجامعة الأسمرية، العدد 21، 2011م، ص383.

(22) المرجع نفسه، ص384.

(23) Agenda 2063, «the Africa we want», Final edition, April 2015, p.p.1,2, Available at : http://www.un.org/en/africa/osaa/pdf/au/agenda2063.pdf

(24) "تجمّع التنمية لدول الجنوب الإفريقي، مجلة إفريقيا قارتنا، العدد 8، نوفمبر 2013م، ص (3، 4)، نقلاً عن:

http://www.sis.gov.eg/Newvr/africa/8/8.pdf

(25) المرجع نفسه، ص4.

(26) التقرير السنوي للبنك الدولي لعام 2016م، الرابط:

http://www.albankaldawli.org/ar/about/annual-report

 

 

 

كتاب الموقع