أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التداعيات الداخلية والإقليمية لتنحي جامي عن السلطة بغامبيا

سيدي عبد المالك (*)

استقطبت جمهورية غامبيا -على مدار الأسابيع الستة الماضية- اهتمام الرأي العام الإقليمي والدولي، بعد دخولها أزمة سياسية معقدة إثر رفض الرئيس الخاسر يحيى جامع تسليم السلطة للرئيس الفائز آداما بارو، وذلك بعد أن اعترف الأول بهزيمته قبل أن يتراجع ويطعن في نتيجة الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 1 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

صحيح أن الأزمة التي أخذت أبعادا إقليمية ودولية ليست سوى انعكاس وترجمة لحالة ديمقراطية مشوهة، كانت تعيشها البلاد في ظل نظام الدكتاتور جامي الذي حكم البلاد بالنار والحديد لمدة 22 سنة.

فالوضع الداخلي لم يكن مهيأ لانتقال سلس بحكم تحكم جامع في مختلف مفاصل الحياة وسعيه لبناء نظام بوليسي وفردي، مع أن اعترافه في البداية بالنتائج وتهنئته للرئيس الفائز كان بمثابة قلب للطاولة في وجه معارضته الداخلية و”أعدائه” الخارجيين.

لكن الرجل -المعروف بالتقلبات في المواقف والأفكار- سرعان ما تراجع عن الاعتراف بهزيمته تحت طائلة هواجس الملاحقة والمساءلة التي باتت عناوين كبيرة لتساؤلات تتعلق بمصيره، خاصة أن المنظمات الحقوقية الأفريقية والدولية تصفه بأنه أسوأ حاكم في غرب أفريقيا، وتتهمه بارتكاب جرائم قتل وإخفاء قسري وإعدامات خارج القانون وبالتضييق على الحريات.

 

حاضنة للديمقراطية

إن أهم ما تميزت به الأزمة الغامبية هو سرعة تحرك الأفارقة عبر المنظمة الاقتصادية لتنمية دول غرب أفريقيا (إكواس) للتدخل في أصغر بلد من بلدانها الأعضاء، وذلك انتصارا للشرعية ووقوفا إلى جانب الرئيس المنتخب بارو، مما جعل الأزمة تتجاوز السياق المحلي إلى السياق الإقليمي.

“الوضع الداخلي بغامبيا لم يكن مهيأ لانتقال سلس بحكم تحكم جامع في مختلف مفاصل الحياة وسعيه لبناء نظام بوليسي وفردي، مع أن اعترافه في البداية بالنتائج وتهنئته للرئيس الفائز كان بمثابة قلب للطاولة في وجه معارضته الداخلية و”أعدائه” الخارجيين”

فالمنظمة -التي أصبحت تتطلع لبناء ديمقراطيات متناغمة ومتقاربة في الشكل والأنماط مع بعض النماذج الديمقراطية الناجحة نسبيا في المنطقة- سعت بكل جهودها لإقناع جامي بالتخلي عن السلطة، باعتبار أن بقاءه في الحكم سيشكل استمرارا لحالة نشاز في منطقة تتطلع لهبوب المزيد من رياح الديمقراطية والتناوب السلمي.

لقد كانت “إكواس” تمتلك كل الأدوات لإسقاط جامع بعد أن استنفدت خيارات التسوية السلمية بإرسالها وفودا رئاسية لإقناعه بترك السلطة مقابل خروج آمن.

وقد ساعدت في ذلك ظروف داخلية تتمثل في التلاشي التدريجي لنقاط ارتكاز قوة جامي التي بدأ يفقدها بانقسام مواقف قادة الجيش بخصوص دعمه، ونزيف استقالات وزرائه وسفرائه، وعدم تجاوب قضاة المحكمة العليا مع الطعون الانتخابية التي تقدم بها، وتراجع شعبيته.

إن دخول الوساطة الموريتانية مدعّمة بالوساطة الغينية على خط المبادرات المتعلقة بتسوية الملف -الذي كاد يحسم باللجوء للخيار العسكري بعد أن تحركت القوات الأفريقية بشكل فعلي ودخلت الأراضي الغامبية- كان من العوامل التي ساهمت في الإسراع بإقناع جامي بالرحيل بعد أن بات في مرمي النيران الأفريقية.

يجسد الدرس الغامبي واقعا إقليميا بات يتعزز مع الوقت وهو أن “إكواس” أصبحت تساهم بشكل كبير في نزع فتيل المشاكل الداخلية للدول الأعضاء فيها، مما يُعطي قوة جديدة للدبلوماسية الأفريقية تجعل بمقدور الأفارقة حل خلافاتهم دون اللجوء لأطراف أجنبية، تتحرك في الغالب انطلاقا من أجندات محكومة بخلفيات استعمارية أو مصالح إستراتيجية واقتصادية.

لقد تماشت التسوية السياسية بغامبيا مع رغبة الشعب الغامبي الذي قرر القطيعة مع نظام جامي بتصويته للرئيس الجديد بارو، كما  أنها انطلقت من نصوص ومواقف وتوجهات المنظمة التي أصبحت تتشدد في رفض الاستيلاء على السلطة بالقوة، وتشجع ظاهرة تقييد مأموريات الرؤساء في الحكم، وتتدخل دائما لتوفير مخارج للأزمات السياسية للدول الأعضاء وفق مقاربات سياسيات تنحاز في الغالب الأعم للخيار الديمقراطي ولتطلعات الشعوب.

وحفز التناوب السلمي على السلطة في غانا -الذي تزامن مع الأزمة الغامبية- قادة “إكواس” للإصرار على إجبار جامي على ترك السلطة مهما  كلف ثمن.

 

لعبة زرع الألغام

لا تبعث الحالة الداخلية في غامبيا على الارتياح؛ فظروف التأزم السياسي والإعلامي التي سبقت رحيل جامي عن السلطة تطرح شكوكا حول قدرة الرئيس الجديد على الاستمرار في السلطة دون سند داخلي وإقليمي.

فجامي خلق حالة من تجييش العواطف قد تسمم في المستقبل العلاقة بين الرئيس بارو وشعبه، باعتباره “دمية” في أيدي جهات خارجية، وذلك في إشارة إلى السنغال التي احتضنت بارو وأدى اليمين الدستورية على ترابها.

“أعلن الرئيس الجديد بارو من داكار أنه يتسلم السلطة في بلد خزائنه مستنفَدة، في تأكيد ضمني لتصريحات سابقة أدلى بها مستشاره أحمد آما فاتي قال فيها إن جامي سرق مبالغ تقدر بـ11.3 مليون دولار أميركي من الخزانة العامة في الأسبوعين الأخيرين من حكمه، وذلك في بلد تقدر كلفة المرتبات السنوية لموظفيه بنحو 4.4 ملايين دولار أميركي”

كما أن تردد قائد الجيش الغامبي عثمان بادجي -وهو مقرب اجتماعيا من جامي- منذ البداية في إعلان دعم صريح وثابت للرئيس الجديد بارو حتى تم التوصل لاتفاق التسوية، قد يترجم عدم استقرار بوصلة ولاء المؤسسة العسكرية للرئيس المنتخب ديمقراطيا.

ويدعم هذا الطرح كون المؤسسة العسكرية تتكون بشكل رئيسي من أفراد قومية “جولا”، وهي القومية التي ينتمي إليها جامي، وساهمت فتراتُ حكمه في تغلغلها وتنفذها في الأجهزة الأمنية والعسكرية، بعد أن كانت من أكثر القوميات تهميشا.

ويَتهم النظامُ الجديدُ الرئيسَ المتنحي جامع بترك متاريس اقتصادية في وجه خليفته بارو، عبر إنهاك اقتصاد البلاد المتردي أصلا بسرقة مبالغ من خزينة البلاد. فقد أعلن الرئيس بارو من داكار أنه يتسلم السلطة في بلد خزائنه مستنفَدة، في تأكيد ضمني لتصريحات سابقة أدلى بها مستشاره أحمد آما فاتي قال فيها إن جامي سرق مبالغ تقدر بـ11.3 مليون دولار أميركي من الخزانة العامة في الأسبوعين الأخيرين من حكمه، وذلك في بلد تقدر كلفة المرتبات السنوية لموظفيه بنحو 4.44 ملايين دولار أميركي.

ثمة عامل اقتصادي آخر يضاف للائحة الأزمات الاقتصادية في البلاد، فالنظام الجديد سيكون مضطرا لضخ كميات جديدة من العملة الورقية المحلية “دلاسي”، وذلك للتخلص من العملة القديمة التي تحمل صورة جامي من أجل طي صفحة الرجل، ومحو أثره وطمس صورته في غامبيا الجديدة.

كما أن تزامن الأزمة السياسية مع انطلاق موسم السياحة في البلاد سيؤثر حتما على الوضع الاقتصادي، باعتبار أن قطاع السياحة -الذي يوفر فرص عمل لآلاف الشباب، ويفتح لهم فرص الهجرة للغرب، ويساهم في الناتج المحلي بحوالي 18%- بدأ يتضرر بشكل ملحوظ بعد هروب السياح الأجانب.

 

التداعيات الإقليمية

قد تفسر الوضعيةُ الحالية لغامبيا وجها من أوجه أسباب ودوافع التدخل العسكري لدول “إكواس” بغامبيا، رغم أن اتفاق التسوية -الذي تنحى بموجبه جامي- اشترط من بين أمور أخرى عدمَ دخول قواتها إلى غامبيا.

فـ”إكواس” -التي دخلت في توتر دبلوماسي مع الطرف الراعي للاتفاق (موريتانيا وغينيا) بحجة خرقها لاتفاق انتقال السلطة- لا تريد لبارو  الجلوس على كرسي ملغوم قابل للانفجار في أي لحظة، بسبب انفلات أمني محتمل قد تسببه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي خلفتها تركة جامي.

وبالتالي فتدخلها يأتي من باب تأمين استلام بارو للسلطة، وتحييد كل الظروف والمطبات التي قد تهيئ للحكم عليه بالفشل وعدم الأهلية لقيادة البلاد، خاصة أن الرجل -الذي ما زال يقيم بالسنغال خوفا على أمنه- يفتقر إلى ظهير اجتماعي داخل الجهازين الأمني والعسكري.

ولا تتوقف دواعي التدخل العسكري لـ”إكواس” على حماية القضايا المبدئية للمنظمة كالشرعية والديمقراطية، فلحسابات المصالح أولوياتها أيضا في أجندة التدخل العسكري.

“أبرز التحديات التي تواجه مستقبل الاستقرار الأمني والسياسي بغامبيا تكمن في قدرة اللاعبين الكبار على التخلي عن فكرة تحويل غامبيا إلى حظيرة خلفية لتصفية خصومات إقليمية معقدة على بلد لا تتجاوز مساحته 11.3 ألف كلم مربع، ويعاني تركة مثقلة من المشاكل الأمنية والسياسية والاجتماعية”

فالسنغال -التي تعتبر أهم متحمس للتدخل العسكري بغامبيا- ترى في النظام الجديد فرصتها الذهبية لترميم علاقتها الدبلوماسية مع غامبيا التي تصدعت طوال فترة حكم جامي، الذي كانت داكار تعتبره أكبر داعم لمتمردي “حركة القوى الديمقراطية لكازامانس”، التي تسعى لاستقلال منطقة كازامانس في جنوبي السنغال.

لذا فالعلاقة الوطيدة بين انعكاسات التحولات السياسية الداخلية بغامبيا على الجوار الإقليمي تجعل من السنغال أكبر مستفيد من رحيل دكتاتور غامبيا، بحكم أن التخلص منه سيكون بمثابة قطع رأس أفعى التمرد، وهو ما يضمن لها تحقيق أمنها القومي.

وانطلاقا من هذه الخلفية بادرت السنغال لوضع يدها على الثكنة العسكرية في كانيلاي مسقط رأس جامي، وذلك باعتبار أن هذه الثكنة تشكل قاعدة خلفية لمتمردي الحركة، في خطوة قد تريد منها داكار ضبط القنوات التي يتزود منها التمرد، وتفكيك شبكاته وتجفيف المصادر التي يتغذى منها.

أما نيجيريا -التي برزت في طليعة القوات المتدخلة في غامبيا- فتدفعها أطماعها الاقتصادية المتمثلة في تأمين استثماراتها الضخمة بغامبيا، والمنتشرة في العديد من القطاعات الحيوية كالقطاع المصرفي مثلا.

ثمة بعد آخر قد يقف خلف التدخل العسكري لـ”إكواس” بعد تنحي جامي، ويتمثل في سعي السنغال لتحجيم دور الوساطة الموريتانية/الغينية، ويتجلى هذا الأمر في نفي داكار -على لسان وزير خارجيتها مانكير ندياي- وجود أي اتفاق يمنح الحصانة لجامي.

وتتعارض هذه التصريحات مع ما تعتبره نواكشوط وكوناكري شروطا مكتوبة تنازل بموجبها جامي عن السلطة. وقد ردت الوساطة الموريتانية على التدخل العسكري في غامبيا بالاحتجاج على موقف “إكواس” باعتباره يشكل خرقا وتنكرا لشروط التسوية.

لا يُستبعَد أن يستبطن الموقفُ السنغالي من خرق الاتفاق نكاية بنظام نواكشوط الذي تعتبره السنغال “الحليف المثالي” لجارها المشاكس جامي طيلة حكمه، والذي كانت تستخدمه نواكشوط كشوكة في حلق داكار في فترات التأزم الدبلوماسي بين موريتانيا والسنغال؛ فسقوط جامي بالنسبة لداكار يمثل خسارة نواكشوط لإحدى أوراق الضغط الرئيسية على داكار.

ويأتي هذا الموقف في سياق يُخيم فيه الفتور الدبلوماسي على علاقات الجارتين (موريتانيا والسنغال) بسبب خلافاتهما حول عدة ملفات، من أبرزها تدشين نواكشوط قبل حوالي شهرين لقاعدة بحرية على الحدود مع السنغال، وهو موقف قد ترى فيه داكار محاولة من نواكشوط للهيمنة على حقول الغاز المكتشفة هناك مؤخرا.

إن أبرز التحديات التي تواجه مستقبل الاستقرار الأمني والسياسي بغامبيا تكمن في قدرة اللاعبين الكبار على التخلي عن فكرة تحويل غامبيا إلى حظيرة خلفية لتصفية خصومات إقليمية معقدة على بلد لا تتجاوز مساحته 11.3 ألف كلم مربع، ويعاني تركة مثقلة من المشاكل الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.

فالتدخل العسكري وصراع الأجندات الإقليمية واستعراض نشوة الانتصار لا تخدم الشعب الغامبي بشيء، الأمر الذي يحتم على “إكواس” والمجتمع الدولي العمل على مساعدته في بناء تجربته الديمقراطية بمقاربة شاملة تدعم الاقتصاد المنهار، وتُرمم اللُّحمة الوطنية الممزقة، وتساهم في بناء منظومة عسكرية وأمنية متصالحة مع مبادئ الديمقراطية وقيم الجمهورية وثقافة حقوق الإنسان.

 

(*) باحث وكاتب مهتم بإفريقيا

 

 

كتاب الموقع