أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التحول الرقمي في إفريقيا والنموذج الهندي

ترجمة:

د. محمد عبد الكريم أحمد

معهد الدراسات المستقبلية- بيروت

لا يزال اقتصاد إفريقيا الرقمي صغيرًا في الحجم؛ مقارنةً ببقية أقرانه في العالم، لكنه شهد نموًّا مطردًا طوال العقد الفائت، وتتوفر لديه الآن إمكانية تطوير اقتصادات القارة ككل. فقد شهدت إفريقيا أسرع معدل نُموّ في استخدام الإنترنت بين أقاليم العالم المختلفة في الفترة 2005-2018م، من 2.1% من السكان إلى 24.4%. كما أن إفريقيا صاحبة النمو الأسرع في نشاط الهواتف المحمولة بنموّ سنوي 20% في الفترة 2005-2017م. ومن المقدَّر أن يكون لنصف سكان القارة اشتراك في خدمة الهواتف المحمولة بحلول العام 2025م.

ورغم هذه المؤشرات؛ فإن ثمة تحديات هائلة يجب التعامل معها؛ لضمان قيام النظم البيئية الرقمية digital ecosystems بدعم فرص النمو الهائلة التي تحتاجها القارة. وعلى الحكومات الإفريقية ومؤسسات التمويل المالية النظر للهند كنموذج، وكذلك التركيز على احتياجات البنية الأساسية المهمة. ويشمل ذلك خفض تكلفة البيانات، وزيادة الوصول للنطاق العريض للخطوط الثابتة fixed line broadband، وتحفيز الشراكات المؤسسية في النظام البيئي التقني للأمام، وتزويد الأفارقة بالمهارات التي يحتاجون إليها للمشاركة في هذا التحوُّل الرقمي.

إن الافتقار لوصول كافٍ للإنترنت في أغلب الدول الإفريقية يُختَزل في حقيقة أن بيانات الهواتف المحمولة مكلّفة للغاية، وأن النطاق العريض للخطوط الثابتة بطيء للغاية وغير متوفر على نطاق واسع. ويكلف ذلك الأفارقة ما متوسطه 7.04 دولار أمريكي أو قرابة 9% من دخلهم الشهري مقابل الحصول على 1 جيجابايت فقط من بيانات الهواتف المحمولة (أو ما يكفي لمشاهدة فيديو مدته 3 ساعات منخفض الجودة على نتفليكس Netflix). ويقارن ذلك بنسبة 3.5% من الدخل الشهري في أمريكا اللاتينية و1.5% فقط في آسيا.

غير أنه يُلَاحَظ وجود تقدُّم في بعض الدول؛ ففي نيجيريا تواصل أسعار بيانات الهواتف المحمولة انخفاضها عقب قرار مفوضية الاتصالات Communications Commission في أكتوبر 2015م بإلغاء الحد الأدنى لأسعار البيانات، وزيادة المنافسة بين شركات الكوابل البحرية.

أما في الهند، فقد لعبت المنافسة بين شركات خدمات الإنترنت دورًا حاسمًا في خفض تكاليف بيانات الهواتف المحمولة، والتي تُعدّ الآن الأرخص في العالم. وتُعَدّ شركة ريليانس جو Reliance Jo -وهي مشغِّل اتصالات يافع مملوك لشركة Reliance Industries Limited الهندية العملاقة، والتي صُنِّفت في العام 2018م كأكبر دافع خاصّ للضرائب للحكومة الهندية- مسؤولة بشكل كبير عن هذا التغير عبر استثمار مبلغ 35 بليون دولار في إنشاء وتطوير شبكة من الجيل الرابع، وتقديم تجارب استخدام بيانات غير محدودة مجانية؛ لجذب مستهلكين جدد. وبينما انتقد البعض ممارسات الشركة، واحتمال ارتفاع أسعار بياناتها لاحقًا، فإن أثر استثمار القطاع الخاص والمنافسة أفاد المواطن الهندي العادي.

وعلى الحكومات الإفريقية المُضِيّ قُدُمًا في تحرير قطاعات الاتصالات بها، وتشجيع المنافسة لتعزيز الاستثمار الخاص في البنية الأساسية التي يمكن التشارك فيها مِن قِبَل مزوّدي الخدمة. كما على منظّمي الاتصالات تتبُّع مسار تكلفة البيانات كمقياس لصحة الصناعة.

وفيما يتجاوز بيانات الهواتف المحمولة؛ فإن على الدول الإفريقية زيادة سرعة إنترنت النطاق العريض للهواتف المحمولة، والمُضِيّ قُدُمًا في تحسين الوصول للإنترنت. وقد أظهر تقرير صادر عن cable.co.uk لقياس سرعات النطاق العريض للخطوط الثابتة بالدول المختلفة أنه لا توجد أية دولة إفريقية تلبِّي السرعات ما فوق 10ميجابايت في الثانية، وهي السرعة الدنيا التي يحتاجها المستهلكون.

وتمثل هذه التقييدات معضلة أمام المراكز والنُّظُم البيئية التقنية المتنامية في إفريقيا؛ حيث تُعتبر سرعة الإنترنت مقيّدًا للشركات الناشئة والمستهلكين. وبينما زادت بعض الدول الإفريقية، بشكل كبير -مثل كينيا- من سرعة بيانات الهواتف المحمولة؛ فإن الشركات ستحتاج إلى سرعات أكبر لتسريع النمو.

ومع تشييد إفريقيا لبنيتها الأساسية الرقمية؛ فإن روّاد الأعمال وشركات التقنية يحتاجون إلى وصول أسرع للتمويل. وفيما تتباين الأرقام فإن WeeTracker -شركة إعلام تقنية عالمية تهدف إلى ربط النظم البيئية البادئة عبر العالم، وإلى أن تكون وسيطًا لمشاركة المعرفة، وتعمل انطلاقًا من إفريقيا لتكون جسرًا لربطها ببقية العالم- تذكر أنه تم استثمار 725.6 مليون دولار في 458 صفقة في العام 2018م، وهو ما يمثل زيادة سنوية مقارنة بالأعوام الماضية، لكنه لا يزال استثمارًا بالغ الضآلة مقارنة بغيرها من مناطق العالم. ويوجد في إفريقيا الآن 618 مركزًا تقنيًّا tech hubs؛ حيث تقود كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر هذا المسار.

وتُعدّ مؤسسات التمويل الدولية والحكومات ومخصصات المشروعات المشتركة عاملاً رئيسًا لنشر الموجة الأولى من نمو مراكز التقنية في القارة، لكن بدون زيادة الاستثمارات والتحول المهني للحاضنين والمسرعين accelerators؛ فإن الشركات الإفريقية الناشئة ستواصل المعاناة جراء هذا القصور.

وبالرغم من وجود مئات من مراكز التقنيات -والتي يُقدر أن ربعها مجرد فضاءات للعمل المشترك بين أفرادها-؛ فإن الشركات البادئة تفتقر إلى شركاء مُؤسِّسين للمساعدة في تحدِّي التراجع على مستوى القارة في سلاسل الإمداد غير التقليدية، وصعوبة التوزيع والوصول المحدود للأسواق المالية.

أما في الهند فإن المشروعات المؤسسية من شركات كبرى مثل تايمس جروب Times Group ومايكروسوفت -التي استثمرت في 134 شركة بادئة في الهند- لا تساعد فحسب على جَسْر فجوة التمويل، بل تلعب أيضًا دورًا مهمًّا في دعم الشركات، بدءًا من المشاركة في مجالات التصنيع إلى إرساء أفضل ممارسات الأعمال. وتتعلق 40% من اتفاقات المشروعات في آسيا بشراكة مؤسسية، مما يساعد في نشر نظام بيئي يمكن تكراره في إفريقيا. ويمكن استخدام نماذج مختلطة من رأسمال مشروعات المؤسسات الحكومية ومؤسسات تمويل التنمية؛ لدعم زيادة الاستثمار مِن قِبَل شركات التقنية العالمية الأقل وجودًا في القارة وجرأة على المجازفة.

وتقرّ الشركات على نحو متزايد بالحاجة إلى تدريب النابهين في القارة. وبدون التزام أكبر بزيادة المهارات الرقمية للأفارقة؛ فإن الدول الإفريقية تجازف بخطر القصور دون التحوُّل الرقمي، وفي جذب رأس المال الكافي للأعمال وروّاد الأعمال الأفارقة. وعلى مؤسسات تمويل التنمية أن ترتّب أولويات الاستثمارات في البنية الأساسية الرقمية وجودة التعليم.

واليوم فإنَّ أقل من 25% من الأفارقة يحقّقون درجات متميزة في تخصُّصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM degrees)  على مستوى التعليم العالي. وهناك حاجة لالتزامات حكومية لزيادة عدد خريجي هذه التخصّصات STEM وللاستثمار في التعليم الرقمي الأساسي. وتقدّم سياسة المواهب الرقمية الوطنية National Digital Talent Policy نموذجًا لاستهداف رفع المهارات في مختلف فئات المجتمع، بدءًا من تكوين "قاعات دراسة ذكية" على مستوى المدارس الابتدائية، إلى تقديم مزيد من درجات التقنية المناسبة في مجالات؛ مثل هندسة الشبكات.

كما يجب على مؤسَّسات تمويل التنمية النظر في الاستثمار في شركات مثل أنديلا Andela أو أكاديمية لامبدا Lambda Academy، وهي أكاديمية تدريبية للمبرمجين عبر الإنترنت، وسَّعَت عملها لإفريقيا في العام 2019م؛ لتقديم تدريب في مجال تطوير البرمجيات عبر شراكة مع "بايستاك" Paystack، وهي شركة نيجيرية مبتدئة في مجال التقنية المالية. ويتلقّى المطوّرون تدريبهم من مقار في إفريقيا، ولا يدفعون رسومًا للبرنامج إن لم يحصلوا على وظيفة في إحدى الشركات المشاركة للأكاديمية في إفريقيا. وسيبدأ الكثيرون من هؤلاء المطورين تكوين شركاتهم المحلية، أو يواصلون العمل لصالح شركات إفريقية، بحيث تبقى هذه المواهب المهمة داخل القارة.

كما تحتاج الحكومات ومؤسسات تمويل التنمية إلى البحث عن نماذج تسهم في تحسين توزيع المهارات، وتقليل خطر استنزاف العقول. وقد أخذت الهند خطوات لمعالجة هذا المأزق؛ حتى قبل فرض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قيودًا على تأشيرات دخول الهنود للأراضي الأمريكية، وشهدت الهند عملية عكسية لاستنزاف العقول مع تزايد عودة المئات من العلماء الهنود إلى بلادهم –مقارنة بالأعوام السابقة- لمواصلة البحوث بها؛ بفضل نمو الفرص التقنية في الهند.

إن البرامج التي تربط بين التعليم والعمل يمكن أن تساعد الدول الإفريقية على بدء انطلاقة للمواهب التقنية.  

وتضم إفريقيا، مثل الهند، سكانًا من الشباب العصريين، وغالبًا ممن يستخدمون الهواتف المحمولة للمرة الأولى. ومن ضمن سكان الهند البالغ عددهم 1.3 بليون نسمة هناك 50% منهم دون سن 25 عامًا. أما في إفريقيا فإن 60% من سكان القارة البالغ عددهم 1.25 بليون نسمة ممن هم دون سن 25 عامًا. وسيستمر ارتفاع عدد المدن المليونية في كلٍّ من الهند وإفريقيا.  كما سيميل سكانهما إلى التوجه نحو الهاتف المحمول، وتفضيل مشاهدة الفيديوهات، وهو ما يتّضح في التبنّي المبكّر لتحويل المال عبر الهاتف المحمول، وشعبية مواقع مثل يوتيوب.

إن الهند، على غير الحال في الصين أو كوريا أو سنغافورة، ديمقراطية فيدرالية شاسعة، وهي نموذج أكثر ارتباطًا بالتحديات التي تواجهها إفريقيا، مقارنة ببقية الدول الآسيوية المذكورة. وبينما لا يمكن القول بتطابق التجربتين (حاليًا أو مستقبلاً بالضرورة)؛ فإن التحول الرقمي الهندي يقدم نموذجًا أفضل لفهم كيف يمكن لإفريقيا التحول رقميًّا والمنافسة عالميًّا.

وتلخيصًا، فإنه بدون استراتيجيات وطنية وإقليمية محدَّدة لمعالجة التغيرات المطلوبة، فإن الدول الإفريقية تخاطر بالسقوط المدوي في التشرذم الرقمي.

.....................

رابط المقال:

 Aurbey Hruby, Africa should look to India for digital inspiration, Financial Times, November 5, 2019

كتاب الموقع