أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

التجنيد في إرتريا.. السخرة والاستعباد الجنسي واجب وطني

 

 

أجرى التحقيق / محمد سرحان

"ساوا" اسم يعرفه كل إرتري كما يعرف أبناء الصحراء العقارب والحيات السامة، وكما يعرف السجين غرفة الإعدام، فهو معسكر التدريب العسكري أو سمّه إن شئت البئر الذي يبتلع أعمار الشباب في إرتريا من بنين وبنات، فيعمل الشباب في السخرة وتستعبد الفتيات جنسيا، في سبيل الوطن

وهربا من جحيم "ساوا" وخدمة التجنيد التي تستمر مدى الحياة، يهرب الشباب إلى الخارج حتى أن تقارير أممية تحدثت عن فرار نحو 5 آلآف شخص شهريا من إرتريا، كما أن كثير من الأسر تضطر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة تجنبا لإلحاقهن بمعسكر "ساوا" وخدمة التجنيد.

 

ما هو هذا المعسكر الذي يثير الرعب وماذا يحدث في داخله؟ 

يقع "ساوا" على (315 كم ) شمال غرب العاصمة الإرترية أسمرا، تجمع الحكومة فيه آلاف الطلاب والطالبات سنويا من كل مدن إرتريا بحجة الخضوع لتدريبات عسكرية وأداء امتحانات الثانوية وهو معسكر مغلق حيث يبيت فيه النزلاء ويقضون عاما كاملا بالمعسكر دون زيارة عائلاتهم.

عام كامل يقضيه الشباب والفتيات معا في اختلاط تام في فصول الدراسة أو التدريبات، يدير المعسكر ضباط ومجندون، يستعملون الشباب في أعمال السخرة، ويغتصبون الفتيات رغما عنهن، دون أن تملك الفتاة حق الشكوى أو الرفض وإلا فمصيرها التعذيب بما لا تطيق.

كثير من التقارير المتعلقة بمعسكر "ساوا" أو خدمة التجنيد في إرتريا صدرت من الأمم المتحدة أو منظمات حقوقية تتحدث عن مخالفة هذا المعسكر لكل الأعراف والمواثيق الدولية وأن ما يجري داخل هذا المعسكر من اغتصابات وإذلال هي أعمال ترقى إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية.

التقينا بأشخاص مروا بذات التجربة المريرة، وهذا انطلاقا من الإيمان بأن سرد التجربة أقرب في توصيل المشاعر وكم الألم على سنوات العمر التي تضيع سدى تحت مزاعم "سبيل الوطن".

 (م . ع) إريتري يقيم في إحدى الدول الأوروبية، واحد ممن دخلوا معسكر "ساوا" في الفترة من (أغسطس 2008 - يوليو 2009)، وكان ممن حالفهم الحظ وأعلن نجاحه في اختبار الثانوية، والتحق بكلية العلوم الصحية، سألناه عن مسارات الاختبار في "ساوا" والدرجات وكيف يمكن أن تنقذ نتيجة النجاح إنسانا من حياة الاستعباد، وكيف يمكن أن تتسبب ذات النتيجة إذا لم يكن اسمه ضمن كشوف الناجحين في أن يكون مستعبدا لدى القادة والضباط مدى الحياة.

يقول (م . ع): "حاليا إرتريا لا توجد به جامعة بعد إغلاق النظام الحاكم "جامعة أسمرا" منذ عام 2002، بعد تظاهرات للطلاب وقتها، وبقي في البلاد بعض الكليات، منها كلية العلوم الصحية في "أسمرا" وكلية العلوم والتكنولوجيا في "ماي نفحي"، وكلية الزراعة، كلية العلوم البحرية في "مصوع" والتجارة في حلحلي.

بالعودة إلى نتائج الاختبار في معسكر "ساوا"، يقول (م .ع) : "مجموع السنة أو الشهادة من 4 درجات مقسمة كالآتي: من يحصل على 2 أو أكثر يتم إلحاقه بـ"degree  " أي دراسة البكالوريوس، ومن أقل من 2 حتى 1 يُلحق بدراسة الدبلوم، أما من يحصل على 8،0 يتم إلحاقه بمعهد "تيتآي" يدرس فيه تدريس حسب اللغة الأم التي درسها الطالب في الابتدائية (اللغات المحلية متعددة مثل العربية والتجري والتجرنية) ومن أقل من هذه النسبة (وهم الأغلبية) يدخل الجيش سواء شاب أو فتاة كمجند مدى الحياة.

خلال السنة التي قضاها (م . ع) في معسكر "ساوا"، كان بالمعسكر حوالي 14 ألف طالب وطالبة، أعلن في نهاية العام نجاح أقل من 3 آلاف فقط من كل هذا العدد، الناجحين يتم توزيعهم للدراسة حسب درجاتهم بين الكليات والدبلوم، أما الراسبين فيتم إلحاقهم بالعسكرية وهنا يبدأون رحلة حياة جديدة من الذل والعبودية والسخرة دون مقابل وكله تحت اسم خدمة الوطن، وكانت كثير من الفتيات تصاب بمرض يسمى في اللغة التجرنية "لوَط"، أي "تغيير اتجاه" ناهيك عن حالات الانتحار هربا من جحيم المعسكر.

 

من حكايات معسكر ساوا 

إرتيري آخر الحروف الأولى من اسمه (س . ج) سرد حكايته مع معسكر "ساوا" قائلا: " حكايتي مع هذا المعسكر بدأت عام 2010، وبعد انتهائي من دراسة الصف الـ11، وقتها عمري كان بين الـ16 و الـ17 عاماـ ولابد من الالتحاق بمعسكر "ساوا" لدراسة الصف 12، وبجانب الدراسة نخضع لتدريبات عسكرية.

تابع (س . ج): "كنا حوالي 18 ألف طالب وطالبة ومنذ أول يوم لنا بالمعسكر، كان يتم التعامل معنا بالسب والضرب والعقاب والتعذيب حتى مع الفتيات كأننا في حياة عسكرية تامة، الشهر الأول تدريبات لياقة وجرى والتدريب على السلاح، وبالنسبة لتناول الطعام كان بمواعيد محددة ولدقائق معدودة وبمجرد ما إن تسمع الصافرة عليك التوقف فورا عن الطعام.

يضيف (س . ج) في المعسكر اختلاط تام وتمنع الفتيات حتى المسلمات منهن من ارتداء الحجاب، وبعد حوالي شهر من التدريبات، بدأنا دراسة الصف لمدة 6 أشهر بجانب التدريبات المعتادة، كل حياتنا داخل المعسكر لا خروج منه طول العام، كان الضباط يتعمدون إذلالنا بعقوبات لا تطاق مثل جمع الحطب في وقت الظهيرة أو التعرض للشمس وقت الظهيرة يوميا ولمدة 10 أيام حيث يتم ربط الشاب أو الفتاة من يديه من الخلف ووجهه للأرض ويظل طول ساعات الظهيرة تحت أشعة الشمس.

ويواصل سرده قائلا: " أتذكر وقتها أنه في هذه السنة التي قضيتها في "ساوا" مات 12 شخص من زملائي في المعسكر مما كنا نتعرض له، وليست هناك أي مشكلة للمسؤولين فهم يتخلصون من جثث الموتى ويرسلون بالبريد لعائلاتهم يخبرونهم فقط بوفاة ابنهم او ابنتهم، كما أتذكر كيف كان الضباط يجبرون الفتيات على الخضوع لهم جنسيا تحت التهديد بالتعذيب، حتى تصبح الفتيات مجرد رقيق للجنس، وأذكر أنه في هذا العام أعلن نجاح 4 آلاف من إجمالي 18 ألفا.

واختتم (س . ج) بقوله: " أعلنت النتيجة وكنت ممن حالفهم الحظ بالنجاح فتم إلحاقي بدراسة دبلوم الزراعة، وبعد إنهاء دراستي وزعوني للعمل بالتدريس مقابل 700 نقفة شهريا وهو مبلغ لا يكفي مواصلات أسبوع، وبجانب عملي في التدريس لفترتين صباحية ومسائية، أعطوني سلاحا وكلفوني بالحراسة ليلا دون أدنى حقوق. 

 

معسكر "ساوا" يعد البوابة الرئيسة للتجنيد في إرتريا، فماذا عن خدمة التجنيد ذاتها؟

يتناول المواطن الاريتري  (ع . ت ) خدمة التجنيد،  قائلا : " كنت في الـ 17 من عمري اقتادوني عنوة من أحد شوارع مدينة "تسني" وتم ترحيلي الى سجن  "عد عمر" مكثنا فيه 3 أيام جمعوا خلالها حوالي 400 شخص، ثم رحلونا الى معسكر " خورمنع" خضعنا فيه للتدريب 6 أشهر بعدها تم توزيعنا على معسكرات للجيش.

وأضاف : "كان نصيبي أن أكون في منطقة "هيكوتة" وكانت مهمتي القيام بالحراسة ليللا حتى الساعة 4 فجرا ثم أعود للمعسكر أتناول شربة ماء، ثم أخرج لحراسة الشركات من الساعة 5 فجرا، والعمل نهارا في حراسة الشركات والتجول مع فريقها حيث ذهبوا، قضيت 3 أشهر من التعب والإذلال ثم تمكنت من الهرب وبعد شهرين من الاختباء ألقوا القبض علي مجددا وخضعت لشهر سجن ثم أعادوني إلى العمل السابق في الحراسة ليللا وحراسة الشركات نهارا.

وتابع (ع . ت ) قائلا: "بعد ذلك نقلوني إلى معسكر "حشفراي" خضعت لأربعة أشهر من التدريب ثم أعادوني إلى منطقة "هيكوتة" وبعد شهرين تمكنت من الهرب مجددا إلا أنه بعد فترة تم اعتقالي مرة أخرى".

وقال: "اقتادوني إلى سجن "بريمكنتري" بمدينة بارنتو، قضيت فيه شهر سجن، ثم تم ترحيلي إلى سجن العاصمة "عدي ابيتو"، قضيت فيه ستة أشهر، لك أن تتخيل أنه خلال هذه المدة لم أستحم سوى مرتين، وكان لنا وجبتين فقط يوميا عبارة عن كسرة خبز جافة وكوب شاي الساعة 7 صباحا، وكسرة خبز وكوب عدس الساعة 3 عصرا.

يكمل (ع . ت ) حكايته قائلا : "بعد 6 أشهر رحلوني مجددا  إلى "حشفراي" حيث كانوا يبنون سجنا جديدا تحت الأرض، وكانوا يجبروننا على العمل في الحفر لمدة شهرين لإنشاء السجن، كنا نعمل بدون حذاء في وقت الصيف حتى من كان يموت أثناء العمل يتم التخلص من جثته، أو حتى من يشكو من آلام ليللا لا يهتم به أحد ولا تفتح علينا الزنزانة حتى الصباح، وهؤلاء الذين يموتون كل ما يتم معهم أن إدارة المعسكر قد تتكرم وترسل ورقة بالبريد لأسرته أن نجلكم قد مات فقط، هذا كل ما في الأمر، حتى بعض الأفراد لا يهتموا بإخبار عائلاتهم.

واختتم قائلا: "ثم أعادوني إلى معسكر "هيكوتة" بقيت فيه حتى نهاية عام 2012 إلى أن تمكنت من الهرب خارج البلاد، ثلاث سنوات كاملة قضيتها في الخدمة ما بين سجن أو خدمة بالمعسكر وخلال كل هذه الفترة لم يسمحوا لي بزيارة أهلي ولو لمرة واحدة كأجازة ولو ليوم واحد، وكيف كنت أرى استغلال الضباط للمجندات الفتيات معنا وإجبارهن على ممارسة الجنس معهم كخدمة للوطن، لتضيع زهرة شباب إرتريا باسم الوطن ولأجل نظام يتاجر بالوطن.

 

 

كتاب الموقع