أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الانقلابات العسكرية وأثرها على انتقال السلطة في جمهورية أفريقيا الوسطى

    أ. محمد زكريا

كاتب وباحث  من إفريقيا الوسطى- ماجستير في الإدارة المالية، الجامعة الإسلامية العالمية، كوالالمبور- ماليزيا

تقع جمهورية أفريقيا الوسطى على بُعد حوالي 500 ميل (805 كم) على شمال خط الاستواء، وهي دولة غير ساحلية (حبيسة)، تَحُدّها الكاميرون وتشاد والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكونغو الشعبية.

بدءًا من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر تَعَرَّضَ سُكانُ هذه المنطقة للاضطهاد مِن قِبَل تُجار الرقيق كباقي دول القارة الإفريقية آنذاك. وتُشَكِّل مجموعات الباندا، والبايا، والسارى، والزاندي والمانجا وغيرها أكبر المجموعات العرقية.

في الفقرات القادمة، سوف نسرد باختصار شديد آليات انتقال السلطة في جمهورية أفريقيا الوسطى، وأثر الانقلابات العسكرية منذ استقلالها في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وحتى لحظة إعداد هذا المقال.

احتل الفرنسيون منطقة وسط إفريقيا في عام 1894م تحت مسمى مستعمرة أوبانجي شاري، وفي عام 1905م أصبحت جمهورية أفريقيا الوسطى متَّحدة جغرافيًّا مع جمهورية تشاد. وفي عام 1910م انضمت إلى الجابون والكونغو الشعبية (برازافيل) لتصبح إفريقيا الاستوائية الفرنسية. في عام 1946م -أي: بعد الحرب العالمية الثانية- أجبرت الانتفاضات الشعبية الفرنسيين على مَنْحِ الحكم الذاتي لتلك الدويلات.

في عام 1958م صوَّت إقليم أوبانجي ليصبح دولة تتمتَّع بالحكم الذاتي داخل المجتمع الإفريقي الفرنسي الاستوائي.

وفي 13 أغسطس 1960م تحديدًا أعلن الرئيس دافيد داكو (David Dacko) استقلال الدولة عن فرنسا، وانفرد بالحكم عن طريق حزبه "حركة التطور الاجتماعي" لأفريقيا السوداء (ميسان)[1]، ثم نقل داكو البلاد سياسيًّا إلى مدار بكِّين، الصين الشيوعية. هذه النقلة بالإضافة إلى بعض توجهاته السياسية لم تعجب فرنسا؛ مما سبَّب له أزمة دبلوماسية وحدوث اضطرابات سياسية، وبعد فترة أطاح به العقيد جان بيديل بوكاسا (Jean-Bedel Bokassa) -ابن عم الرئيس داكو، وهو الذي عيّنه رئيسًا لأركان الجيش آنذاك- في انقلاب عسكري بتاريخ 31 ديسمبر 1965م، وهذا يعتبر أول انقلاب تشهده البلاد[2].

في 4 ديسمبر 1976م، أصبحت الدّولة تُعرَف باسم إمبراطورية إفريقيا الوسطى؛ حيث نصَّبَ المارشال جان بديل بوكاسا -الذي كان يحكم البلاد منذ توليه السلطة في عام 1965م- نفسه إمبراطورًا للبلاد، وسمّى نفسه الإمبراطور بوكاسا الأول.

بعد مُضِيّ 14 سنة من تاريخ استقلال البلاد حدث انقلاب ثانٍ أطاح بعرش الإمبراطور بوكاسا في 20 سبتمبر 1979م؛ ليعود الرئيس السابق دافيد داكو إلى السلطة مجددًا، وعلى إثر هذا الانقلاب تم تغيير اسم البلد مرة أخرى من إمبراطورية أفريقيا الوسطى إلى جمهورية أفريقيا الوسطى؛ لكن الرئيس المنقلِب (دافيد داكو) لم يَدُمْ حكمه طويلاً، فبعد عامين تقريبًا انقلب عليه الجيش وخلعه مرة أخرى بقيادة أندريه جيودونيه كولينجبا (André-Dieudonné Kolingba)؛ وذلك في تاريخ 1 سبتمبر 1981م، وذلك بعد حدوث فوضى قام بها بعض المجرمين في بعض الأماكن العامة بتساهل من قوات الأمن، فنُهِبَتْ المتاجر والمكاتب، ودُمِّرَت كثيرٌ من المرافق العامة قُبيل لحظة الانقلاب.

في واقع الأمر، سلّم الرئيس داكو السلطة بسهولة وطواعية للجيش عن طريق الاستقالة المؤقتة -حسب رأيه-، وائتمن أندريه كولينجبا عليها، حسب توقعاته المستقبلية، وخشيته من انزلاق البلاد في فوضى عارمة، فلا بد من تفويض السلطة للقوة العسكرية حتى تَضبط الأمور. لكنَّ أتباعه ومناصريه غضبوا ولم يعجبهم ذاك القرار، مما جعله يخسر سمعته السياسية للأبد تقريبًا[3]. ومن هنا أصبح دافيد داكو يُلقّب بالرئيس الجبان في الأوساط السياسية![4] لكنَّ عملية انتقال السلطة هذه صُنِّفت بالانقلاب العسكري حسب آراء المراقبين المحليين والدوليين المتابعين للمشهد السياسي آنذاك.

أعطى الرئيس كولينجبا الأولوية لحزبه، وحكم البلاد بنظام لم تتضّح طبيعته الدستورية، ولا ملامحه السياسية، ولا أبعاده الدّبلوماسية؛ فلا هو حُكْمٌ إمبراطوريٌّ محضٌ، ولا دكتاتوريٌ بحْتٌ؛ بل وليس حكمًا يرجع لإرادة الشعب والتقاليد الاجتماعية. فخلال عشر سنوات من الحكم المتذبذب فشل في إدارة الدّولة وتراكمت مستحقات موظفي الدّولة المدنيين والعسكريين على حدّ سواء، مما شكَّل غضبًا اجتماعيًّا واسعًا شمل جميع أنحاء البلاد.

وفي عام 1991م أعلن الرئيس أندريه كولينغبا -تحت الضغوطات الدّولية- تحركًا نحو الديمقراطية البرلمانية؛ فترشّحت عدة شخصيات من بينها رئيس الوزراء الأسبق آنج فيليكس باتاسي (Ange-Félix Patassé) المدني، وتفوق باتاسي على الرئيس العسكري كولينجبا في الانتخابات التي أُجريت في أغسطس 1993م، وبذلك أصبح أول رئيس مدني منتخب للبلاد. حظي باتاسي بشعبية كبيرة؛ وذلك بتركيزه الشديد على تأصيل مبدأ المواطنة، وتعهُّده بسداد رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين المستحقة على الدّولة.[5]

شَهِدَتِ البلادُ تحسُّنًا اقتصاديًّا وحرية في التعبير والمشاركة في القضايا السياسية بشكل نسبي؛ لكن التحسن الاقتصادي الذي حدث في عام 1994م كان طفيفًا جدًّا بحيث لم يتمكن بشكلٍ فعَّال من تحسين الحالة المالية الكارثية للشعب الأفرووسطى التي خلَّفها نظام كولينجبا السابق.

ولم يتمكن باتاسي من دفع الرواتب المستحقة لموظفي الدّولة التي وعد بها في برنامجه السياسي، فظهر تمردٌ عسكريٌّ في عام 1996م بقيادة عددٍ من قوات الجيش الوطني، أغلبهم من قبيلة الياكوما[6]؛ وهي قبيلة الرئيس السابق الجنيرال كولينجبا، والذين يدينون بالولاء التام له، مما جعل الرئيس باتاسي يفكر بتغيير تركيبة الجيش؛ فاستبدل أغلب القيادات بعناصر من قبيلته (السارا)؛[7] بل وكثير من الجنود الموجودين في العاصمة والمدن الكبرى.

وبناءً على طلب من الرئيس باتاسي؛ قامت القوات الفرنسية بقمع الانتفاضة التي قامت بها قوات الجيش الوطني، وشاركَت القوات الفرنسية الموجودة في بعض مستعمرات فرنسا كتشاد والسنغال والغابون وكونجو برازافيل وغيرها في الحملة القمعية؛ مما أدّى إلى اتساع رقعة الصراع، وتزعزع الأمن القومي بشكل كبير.

وفي عام 1998م، أرسلت الأمم المتحدة قوات حفظ سلام إفريقية إلى البلاد، وكلَّفت الاتحاد الإفريقي بإدارة الملف.

وفي سبتمبر 1999م أُجْريت انتخابات رئاسية وسط اتهامات واسعة النطاق وُجِّهتْ للحكومة بالاحتيال الجماعي وسيطرة قبيلة الرئيس على مفاصل الدّولة.

في هذه المرة هَزَم باتاسي بسهولة الرئيس الأسبق كولينجبا والأحزاب المعارضة الأخرى، وفاز بفترة رئاسية ثانية. لكن أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب الجينيرال كولينجبا لم يرتاحوا ويستسلموا للأمر الواقع؛ فقاد الجينيرال كولينجبا انقلابًا عسكريًّا في يوم مارس عام 2001م، لكن الانقلاب فشل ونجا باتاسي بأعجوبة لم يصدقها الكثيرون. فنكَّل بالرئيس كولينجبا وقبيلته؛ ممَّا جعلهم يفرون خارج البلاد، ودخل رئيس أركان الجيش الجينيرال فرانسوا بوزيزي في صراع مع الرئيس على خلفية الانقلاب الفاشل؛ مما جعله يلجأ إلى تشاد كلاجئ سياسي وزعيم معارضة مسلحة على حدود البلدين.

حينها تعاقد الرئيس باتاسي مع المعارض الكونجولي جان بيير بيمبا (Jean Pıere Bemba) لتتم مبادلة الجنود والعتاد العسكري بحفنة من الأحجار الكريمة (ألماس) حتى يواجه الخطر الذي يواجهه من قبل بوزيزي وجارته الشقيقة دولة تشاد. إلا أن جنود بيمبا ارتكبوا انتهاكات ضد الإنسانية في المناطق التي حرروها من معارضة بوزيزي في بعض أجزاء العاصمة والمدن والقرى في شمال شرقي البلاد.[8]

بعد عامين تقريبًا، وفي مارس 2003م أطاح الجنرال فرانسوا بوزيزي بالرئيس باتاسي بمباركة فرنسا ومساعدة لوجستية وعسكرية من جمهورية تشاد، وهو الانقلاب الرابع في تاريخ البلاد.

حكم الجينيرال بوزيزي البلاد عامين تقريبًا حكمًا عسكريًّا، ثُمّ أُجْرِيت انتخابات رئاسية شبه شكلية، وفاز بوزيزي في الانتخابات التي وصفها المراقبون الدوليون بأنها انتخابات حرة ونزيهة. إلا أن الصراعات الداخلية كانت شَرِسَة للغاية؛ حيث وصف المعارضون لبوزيزي سياسته بأنها سياسة انتقائية وتُفَضِّل قبيلته (البيايا) على جميع الأطياف السياسية والاعتبارات الوطنية، مع عدم مراعاة الصالح العام للبلاد. وفي خِضَمّ هذه الصراعات استقال رئيس الوزراء إيلي دوتي وحكومته في كانون الثاني (يناير) 2008م، أي قبل يوم واحد من عقد البرلمان جلسة لمناقشة اقتراح انتقامي ضده. عُيِّن فوستين آركانج تواديرا خلفًا له ليصبح رئيسًا للوزراء.

جدير بالذكر أن جان بيير بيمبا (Jean Pıere Bemba) نائب الرئيس السابق للكونغو بدأت محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2010م. وهو متَّهم بإصدار أوامر لميليشياته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك الاغتصاب والقتل والتعذيب في جمهورية أفريقيا الوسطى في عامي 2002م و2003م خلال الاضطرابات المدنية التي أعقبت محاولة الانقلاب على الرئيس باتاسي.[9]

في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أوائل عام 2011م فاز فرانسوا بوزيزي بإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية بنسبة 64.4 في المائة من الأصوات. في مارس 2013م خُلع بوزيزي من قبل المتمردين الذين انطلقوا أساسًا من الجزء الشمالي من البلاد. لكن في هذه المرة كثرت الانتقادات الموجهة للرئيس، وتشكلت أحزاب معارضة ضده جُلّها حمل السلاح، وخاصة أهالي المدن في شمال البلاد التي شهدت مناطقها تهميشًا سياسيًّا وتنمويًّا لمدة عقود طويلة من الزمن؛ لكنها تفاقمت أثناء حكم بوزيزي.

فتشكَّلت حركات مسلحة تطالب بحقوقها، وجلسوا على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية، واتفقوا على بنود عديدة، أهمها: المشاركة السياسية، وتخصيص حصص تنموية للمدن الشمالية، وتوفير مستشفيات ومدارس، وتعبيد الطرق الرئيسة. إلا أن الحكومة لم تَفِ بعهودها فقرَّر المعارضون أن يتحدوا ويُغيّروا النظام بالقوة. خاض المتمردون -كما يسميهم الحزب الحاكم والإعلام، ومعظمهم من المسلمين والمعروفين باسم سيليكا، وهو يعني التضامن أو التحالف باللغة المحلية- معارك ضخمة مع القوات الحكومية، وأطاحوا بوزيزي في مارس 2013م؛ بحجة أنه فشل في متابعة اتفاقات السلام السابقة. كانت فترات رئاسة بوزيزي قد شابتها مزاعم بالفساد والمحسوبية.[10]

تولى ميشيل دوتوجيا -زعيم الانقلاب- السلطة وعلّق الدستور، وحلّ البرلمان تأسّيًا بقيادات الانقلابات السابقة. في منتصف أبريل أنشأ مجلسًا وطنيًّا انتقاليًّا، والمجلس عَيَّنَ دوتوجيا رئيسًا مؤقتًا. أدّى اليمين الدستورية كرئيس للدولة في شهر أغسطس، ووعد بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في غضون 18 شهرًا. نتيجة لهذه الممارسات علّق الاتحاد الإفريقي عضوية البلاد ردًّا على الانقلاب، ورفض الاعتراف بميشيل دوتوجيا كرئيس للبلاد.

وعلى أعقاب هذا الانقلاب، تمرد الجيش الوطني وكثير من الإداريين والموظفين، ورفضوا المشاركة في إدارة هذه الفترة غير معترفين بالحكومة الجديدة، خاصة قبيلة الرئيس المخلوع التي كانت تسيطر على مفاصل الدّولة ومناصريهم. فأكثرهم حملوا السلاح وانضموا إلى مجموعات مسلحة في أكثر المدن التي تقع جنوب شرقي البلاد تحت مسمَّى الدفاع الذاتي؛ لكنه في الواقع كان تمردًا عسكريًّا منظمًا، اشتركت فيه بعض قيادات الكنيسة والجيش التابع لبوزيزي المتكون من أكبر قيبيلتين هما البايا والمانجا. وبدأت سلسلة من موجات العنف تضرب البلاد؛ لكنها موجهة ضد المسلمين فقط؛ كون أغلبية الحزب الحاكم كانوا مسلمين منحدرين من قبائل مسلمة شتَّى.

لم يتمكن دوتوجيا من وقف العنف في البلاد، وانزلقت جمهورية إفريقيا الوسطى في الفوضى الخلاقة. حيث اضطر مسلحو السيليكا إلى الدفاع عن المدنيين العزّل الذين يتعرضون لهجمات الميليشيات المسلحة. وكحقيقة مرة، لم يستطع الرئيس ميشيل دوتوجيا التحكّم في كثير من قيادات جيشه؛ مما جعل المجرمون منهم ينتهزون الفرصة لتصفية الحسابات القديمة، ومارَس بعضهم عمليات السرقة والسطو على الممتلكات التي طالت جميع المواطنين مسلمين ونصارى (مسيحيين) وغيرهم.

على إثر هذه الأحداث، شكّل المعارضون أيضًا ميليشياتهم الخاصة للانتقام، واستخدموا الميليشيات المسيحية كدروع وغطاء ليمارسوا أعمال عنف واضطهاد ضدّ المسلمين المدنيين في جميع مدن جنوب وشرقي البلاد؛ بحجة الدفاع عن أنفسهم، وكانوا أكثر وحشية وفظاعة.

عمّت الفوضى العارمة أكثر أجزاء البلاد، ونزح حوالي مليون شخص من أصل 5 ملايين نسمة، أغلبهم نزح إلى الكاميرون وتشاد والكونغو، وكان العديد من الفارين من المزارعين والرعاة والتجار من المسلمين ومن غيرهم، فخشي المراقبون الدّوليون أن يؤدي غيابهم إلى مجاعة.

في أكتوبر 2013م قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: إن البلاد شهدت انهيارًا تامًّا للقانون والنظام، وطالب بنشر قوات حفظ السلام فيها. وفي ديسمبر من العام نفسه قرر الاتحاد الإفريقي زيادة حجم قواته من 3500 جندي إلى 6000 جندي. ونشرت فرنسا 1600 جنديّ في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ بحجة أنها مستعمَرة سابقة لها. وخشي الكثيرون من أن جمهورية أفريقيا الوسطى وصلت على مشارف الإبادة الجماعية -حسب زعمهم-؛ وذلك بترويج من الإدارة الفرنسية آنذاك.

في أبريل 2014م، سمحت الأمم المتحدة بنشر قوة قوامها 12000 جندي لحفظ السلام، واكتمل عددهم في شهر ديسمبر من العام ذاته[11]؛ إلا أن الأمر ازداد سوءًا، وعمَّت البلاد سلسلة من الاضطهادات بسبب انتشار الأسلحة في أيدي جميع الشعب تقريبًا، ووصلت الاضطرابات إلى العاصمة. كما دخلت كميات كثيرة من المخدرات إلى البلاد؛ واعتبر كثير من المواطنين أن القوات الدولية هي السبب في انتشار الأسلحة والمخدرات، وغيرها من الأمور غير المحمودة.

بناءً على تلك المشاهد، طالب القادة الإقليميون باستقالة الرئيس دجوتوديا؛ بسبب فشله في وقف العنف المتصاعد بين النصارى (المسيحيين) والمسلمين؛ وهو الأمر الذي ترك البلاد في حالة يُرْثَى لها. فاستقال دوتوجيا في العام 2014م في أنجمينا عاصمة تشاد، تاركًا وراءه جنوده ومسلمي أفريقيا الوسطى بأكملهم وبعض النصارى -الذين رحّبُوا بمجيئه- إلى مصير مجهول.

ثمّ انتَخَبَ المجلسُ الانتقاليُّ الوطني -المؤلَّف من 135 عضوًا- كاثرين سامبا بانزا -وسيط التأمين وعمدة العاصمة بانغي- رئيسًا مؤقتًا للبلاد في شهر يناير من العام نفسه. اشترط البرلمان آنذاك أن تكون الفترة الانتقالية لمدة عام واحد فقط حتى يتم إجراء الانتخابات الرئاسية في يناير 2015م، ولن يسمح للرئيس الانتقالي وبعض وزرائه بالترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة. كما عَيَّنَ المجلسُ أندريه "نزابايكي" رئيسًا للوزراء. وكان كلٌّ مِن الرئيس المؤقت ورئيس الوزراء من النصارى.

في يوليو 2014م وُقِّعت اتفاقية وقف إطلاق النار بين الميليشيات المسلحة المسيحية ومسلحي السيليكا ذات الأغلبية المسلمة المتنافسة فيما بينها، لكن الاتفاقية فشلت بعد أسبوعين فقط. وفي شهر أغسطس من العام نفسه عُيِّن السيد محمد كَمُّون رئيسًا للوزراء ليشكّل حكومة انتقالية، وبذلك أصبح أول رئيس وزراء مسلم في تاريخ البلاد. عمل كمّون سابقًا في حكومة دوتوجيا، لكنه يتمتع بكفاءة إدارية وخبرة مهنية عالية.

في فبراير 2016م أُجْرِيت انتخابات رئاسية، وفاز فيها فوستين أركانشج تواديرا (Faustin-Archange Touadéra) رئيس الوزراء السابق في حكومة فرانسوا بوزيزي، وذلك بعد حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى من التصويت، ثم حصل على دعم أغلبية المرشحين المهزومين للجولة الأولى، والتي فاز بها بنسبة 62٪ من الأصوات، وأدى اليمين الدستوري في 30 مارس 2016م. وفي خطابه بهذه المناسبة، تعهَّد بالسعي إلى نزع السلاح، وجعل جمهورية إفريقيا الوسطى دولة موحدة، دولة سلام، دولة تواجه قضايا التنمية بشكل فعَّال.[12] وتم تعيين تواديرا سيمبليس سارانجي (Simplice Sarandji) رئيسًا للوزراء، وذلك في 2 أبريل 2016م. وكان سارانجي مدير حملة تواديرا خلال الانتخابات، فكأنه كافأه بذلك المنصب.[13]

جدير بالذكر أنه بعد أن أدّى الرئيسُ اليمينَ الدستورية، أكدتْ فرنسا أنها ستُنْهِي تدخلها العسكري في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ إذْ كان عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في البلاد وقت ذاك حوالي 2500 جندي كجزء من عملية سانجاريس، ودعمت حوالي 10000 جندي من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام. في واقع الأمر، إن فرنسا هي مَن خطَّط لمجيء تواديرا على رأس السلطة، وبدون دعمها يواجه تواديرا تحديات مباشرة تتمثل في الحفاظ على الأمن في المدن الكبرى، تشكيل حكومته وتأمين الغذاء.[14] وحتى لحظة تسطير هذه المقالة لم تنسحب القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام من البلاد بعد.

وهناك صراعات وإشكاليات كثيرة تُواجه الرئيس تواديرا على جميع الأصعدة؛ إلا أنه ما زال يحكم البلاد بالدعم الفرنسي الكامل والشامل رغْم أنه لم يستطع أن يُحْكِم سيطرته على أكثر المدن والأقاليم، ولم يستطع إنهاء الصراع المسلح ونزع الأسلحة من أيدي الميليشيات والجماعات المختلفة التي تقوم بأعمال عسكرية وإجرامية ضد المدنيين وتهدد عرش تواديرا نفسه؛ خاصةً عند اقتراب انتهاء فترة ولايته الحالية وهو على استعداد لخوض انتخابات قادمة مرة أخرى.

فهل ستستمر سلسلة الانقلابات العسكرية، ونشهد انقلابًا سادسًا لينقل السلطة إلى شخص آخر؟ أم أنّ الحكومة الحالية تستطيع تمديد ولاية الرئيس تواديرا إلى خمس سنوات أخرى؛ إذا باركتها الإدارة الفرنسية ورضيت عنها؟!

الهوامش والإحالات : 

 

[1] http://perspective.usherbrooke.ca/bilan/servlet/BMEve?codeEve=562

[2] World Statesmen. "Central African Republic." Accessed 29 Mar 2014.

[3] https://catalogue.bnf.fr/ark:/12148/cb155470785

[4] Richard Bradshaw and Juan Fandos-Rius, Historical Dictionary of the Central African Republic (Scarecrow Press, 2016).

[5] World History at KMLA. "Central African Republic". Accessed 29 Mar 2014.

[6] الياكوما هي مجموعة عرقية في جمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديموقراطية. تشكل نسبة 4٪ من سكان جمهورية أفريقيا الوسطى. اسم القبيلة مشتق من اسم لمدينة تسمى ياكوما التي تقع عند التقاء نهري ويلي (Welle) وامبوبو (Mbobou). تنتمي قبيلة الياكوما لفصيلة البانتو Bantu، لكنهم يتحدثون لهجة مميزة تعرف أيضًا باسم Yakoma، وهي مشابهة لـ Sango. كان الرئيس أندريه ديودونيه كولينجبا من أبناء هذه القبيلة، والذي حكم البلاد منذ عام 1979م إلى عام 1993م. انظر: JournalDeBangui.com: A lire: «La Maltraite des Veuves» dAdrienne Yabouza". Retrieved 2 December 2016.

[7] السارا هي قبيلة تنحدر من أعالي النيل. يقيمون في الغالب في جنوب تشاد، والمناطق الشمالية الغربية من جمهورية أفريقيا الوسطى، والحدود الجنوبية لشمال السودان. يتحدثون لهجات السارا التي هي مجموعة فرعية من عائلة نيلو-الصحراء (Nilo-Saharan). الرئيس آنج فيليكس باتاسي ينتمي إلى هذه القبيلة. انظر: (Sara people, Encyclopædia Britannica)

 

كتاب الموقع