أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الإسلام والمسلمون في الأدب الإثيوبي المدوّن بالجعزية

أما الديانات؛ فنجد الإسلام والمسيحية واليهودية، إلى جانب بعض المعتقدات المحلية، وقد دخلت اليهودية إثيوبيا منذ عصور قديمة، تُرجعها الأساطير الإثيوبية إلى عهد النبي سليمان عليه السلام في القرن العاشر قبل الميلاد، ولكن المرجَّح أن اليهود وصلوا إثيوبيا على إثر تفرقهم في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، حين خرّب بختنصر البابلي بيت المقدس، وشتّت بني إسرائيل([3])، أما المسيحية؛ فقد دخلت إثيوبيا في القرن الرابع الميلادي، هذا، وقد عرفت إثيوبيا الإسلام مع بداياته منذ هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة.

وتبلغ نسبة المسلمين حوالي 45 % من عدد السكان، بينما تصل نسبة النصارى إلى 40%، وغالبية نصارى إثيوبيا يتبعون الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، وهناك حوالي 12% من السكان يعتنقون الديانات التقليدية([4]).

أما اليهودية؛ فقد تناقص عدد معتنقيها بشكل كبير، خصوصاً بعد عمليات تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل، حيث لم يتبق إلا عدد قليل يقدّره بعض الباحثين بنحو 2000 شخص([5]).

وبالرغم من التفوق العددي لمسلمي إثيوبيا فإن زمام الأمور السياسية والاقتصادية يُدار منذ القدم بأيدي النصارى، الأمهرة في الأساس ثم التيجراي، تلك القوى المسيحية ذات التراث التاريخي والحضاري والثقافي الأبرز في تاريخ إثيوبيا.

وقد تميزت العلاقة بين هذه القوى وبين مسلمي إثيوبيا بالتوتر والشد والجذب، بل الصراع الحربي في بعض الأحيان، وذلك في فترات غير قصيرة من تاريخ إثيوبيا، كما سادها السلم والتعاون في إطار كيان سياسي واحد في فترات أخرى، ولم ينل المسلمون حقوقهم السياسية والاجتماعية والدينية كاملة؛ على الرغم من الانفراج النسبي الذي حدث منذ تولي النظام الحالي السلطة في العقد الأخير من القرن العشرين، وذلك بعد عصور من الاضطهاد والتهميش التي عانوا فيها الشدائد من قبل النُّظم المختلفة التي حكمت البلاد على مرّ العصور([6]).

تهدف هذه الدراسة إلى: رصد علاقة المسلمين بالمسيحيين (النصارى) في إثيوبيا، في الفترة الممتدة من بدايات ظهور الإسلام حتى القرن التاسع عشر، وذلك من خلال استعراض صورة الإسلام والمسلمين في الأدب الإثيوبي، في محاولة لتوضيح أبعاد هذه الصورة عبر عرض وجهات النظر المختلفة التي ترد في عدد من الأعمال الأدبية المدوّنة باللغة الجعزية  Gee’z، وهي اللغة الأدبية التاريخية لإثيوبيا، والتي استمرت لغة للأدب الإثيوبي حتى القرن التاسع عشر، واندثرت بصفتها لغة تخاطب منذ القرن الحادي عشر تقريباً، واكتفت بالقيام بدور ديني بوصفها لغة الكنيسة الإثيوبية منذ ذلك التاريخ.

وتجدر الإشارة إلى أن اللغة الجعزية هي أقدم اللغات السامية التي عرفتها إثيوبيا، وهي تنتمي للفرع الجنوبي للغات السامية الذي يضم معها بقية اللغات السامية الإثيوبية (الأمهرية، والتيجرينية، والتجرية، والجوراجية، والأرجوبا، والهررية، والجفات)، واللغات العربية الجنوبية المنقرضة (السبئية، والمعينية، والقتبانية)، واللغات العربية الجنوبية المعاصرة (المهرية، والحرسوسية، والسوقطرية)، إلى جانب اللغة العربية الشمالية أو العربية الفصحى([7]).

وهناك صلات قرابة لغوية وثيقة بين الجعزية واللغات العربية الجنوبية القديمة بشكل خاص؛ حيث تتعدد عناصر التشابه بينها في مختلف المستويات اللغوية، سواء على المستوى الصوتي أو الصرفي أو النحوي أو على المستوى المعجمي، الأمر الذي دعا بعض علماء الساميات إلى القول بأنها تفرّعت من لغات جنوب الجزيرة العربية، ولكن الرأي الأرجح أن الجعزية واللغات العربية الجنوبية تنحدر من لغة سامية قديمة.

وقد بدأ تدوين الجعزية منذ تاريخ مبكر يعود إلى عام 250 ق م([8])، وتستخدم اللغة الجعزية الكتابة المقطعية؛ أي أن الصامت يُكتب بشكل ملازم للصائت، وكلّ رمز كتابي يعبّر عن مقطع؛ وذلك بخلاف معظم اللغات السامية الأخرى التي تستخدم الكتابة الألفبائية في كتابة لغاتها.

ويتفق معظم الباحثين على أن الجعزية أخذت رموزها الكتابية عن الخط المسند([9]) الذي استعملته اللغة السبئية، غير أن الإثيوبيين أدخلوا عليه بعض التعديلات والتغييرات([10]).

وتبدأ الدراسة: بتمهيد حول الأدب الإثيوبي التقليدي (الأدب الجعزي)، ومن ثم تنتقل للحديث عن موضوعها الرئيس، وهو صورة الإسلام والمسلمين في الأدب الإثيوبي، من خلال استعراضها لبعض نماذج من الأعمال الأدبية الجعزية التي عرضت للإسلام والمسلمين في إثيوبيا، وتنتهي الدراسة بخاتمة تعرض أهم النتائج التي توصلت إليها.

تمهيد: الأدب الإثيوبي التقليدي «الأدب الجعزي»:

يُقصد بالأدب الإثيوبي بشكل عام، وبالأدب الإثيوبي التقليدي بشكل خاص، «الأدب الجعزي»، وهو الأدب المكتوب باللغة الجعزية، وقد كانت الجعزية بمثابة اللغة الرسمية ووسيلة التعبير الأدبية في إثيوبيا في العصور القديمة، ولكنها توقفت عن أن تكون لغة حديث في الفترة ما بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين([11])، وبالرغم من ذلك فقد ظلت تحتل مكانة أدبية رفيعة، حتى بدأت اللغة الأمهرية في الظهور على الساحة الأدبية في القرن الرابع عشر الميلادي لتنافس الجعزية على الصدارة، واستمرت اللغتان في تنافس حتى القرن التاسع عشر عندما أُعلنت الأمهرية لغة رسمية لإثيوبيا، واكتفت الجعزية بالانزواء جانباً لتقوم بدور ديني لغة للطقوس الدينية في الكنيسة الإثيوبية، وهي لا تزال لغة الكنيسة الإثيوبية حتى الآن.

وللغة الجعزية أدب ثري، وهو أدب ديني في معظمه، يتميز بارتباطه الشديد بالمسيحية، حيث بدأ تدوينه مع تاريخ دخول المسيحية الحبشة، ولم يثبت وجود أدب مكتوب في إثيوبيا قبل دخول المسيحية، باستثناء بعض النقوش القليلة؛ أهمها نقشان للملك «عيزانا»، يُرجّح أنهما يرجعان للنصف الأول من القرن الرابع الميلادي([12]).

وقد دخلت المسيحية إثيوبيا في القرن الرابع الميلادي عن طريق أحد التجار المصريين (فرومنتيوس)، الذي رسمته الكنيسة المصرية بعد ذلك مطراناً للكنيسة الإثيوبية، وبعد ذلك صار تعيين مطران الكنيسة الإثيوبية يصدر عن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وظل ارتباط الكنيسة الإثيوبية بالكنيسة المصرية وثيقاً منذ دخول المسيحية إثيوبيا، وحتى منتصف القرن العشرين حين انفصلت الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة المصرية، وقد أعطى هذا الأمر ميزة خاصة للأدب الجعزي الذي نشأ في أحضان الكنيسة، ألا وهي اعتماده على الأدب الديني المسيحي المصري، حيث كان يُنقل ويُترجم إليه كثير من الأعمال الدينية، سواء عن القبطية أو عن العربية فيما بعد.

ويختلف الأدب الجعزي عن الآداب الحديثة، سواء من حيث الشكل أو المضمون، فهو من حيث الشكل لا يضم الأشكال الإبداعية الحديثة، كالرواية أو المسرحية أو القصة القصيرة، بالمعنى المتعارف عليه، أما من حيث المضمون فنجد أن غالبية الأعمال تنحصر في أعمال دينية مترجمة أو أصيلة.

ويمكننا أن نقسم الأدب الإثيوبي من حيث مضمونه والموضوعات التي يعالجها إلى قسمين:

الأول: أدب ديني: ويمثل الجزء الأكبر من الأدب الإثيوبي.

والثاني: أدب علماني أو دنيوي: والذي غالباً ما يصطبغ بصبغة دينية يصعب معها تمييزه بشكل تام عن الأدب الديني.

ويضم الأدب الديني أسفار الكتاب المقدس القانونية، وأسفار الأبوكريفا «الأسفار الخارجية»([13])، وأدب سير القديسين وآباء الكنيسة وكتاباتهم، وكتب الصلوات وخدمة القداس والأعمال اللاهوتية، كذلك يمكن أن نضم لهذه الأعمال كتب السحر؛ بالرغم من أنها غالباً ما تقع في منزلة وسطى بين الكتب الدينية والكتابات الدنيوية.

أما الأدب الدنيوي؛ فيتكوّن أساساً من الأعمال التاريخية التي تتناول إثيوبيا والأجزاء الأخرى من العالم، ومن أهمها حوليات chronicles ملوك إثيوبيا، كما يضم أيضاً بعض الأعمال اللغوية والقانونية والعلمية.

صورة الإسلام والمسلمين في الأدب الإثيوبي:

تميزت العلاقة بين مسلمي إثيوبيا ومسيحيها، في الفترة موضع الدراسة، بالتوتر والشد والجذب، بل الصراع الديني والصدام الحربي، وذلك في فترات غير قصيرة من تاريخ إثيوبيا، كما سادها التعايش السلمي والتعاون في فترات أخرى قصيرة نسبياً.

وقد انعكست هاتان الحالتان على صفحات الأدب الإثيوبي، فبدت صورة الإسلام والمسلمين مشوَّهة وبشعة في الكتابات التي دُوّنت في عصور الصراع، وكلما اشتدت وطأة الصراع اشتدت البشاعة وتجسدت الكراهية والعداء في الكتابات الأدبية، وكلما خَفَتَ وهج الصراع والعداء تحسّنت صورة الإسلام والمسلمين نسبياً في الكتابات الإثيوبية المسيحية، فقد رافق الصراع الحربي والسياسي بين الجانبين سجال أدبي مناظر ومواز للسجال السياسي والعسكري، وأخذ كلٌّ من الفريقين في العمل على رسم صورة ذهنية معيّنة عن نفسه أو عن الآخر.

وفيما يلي سنعرض لكيفية تصوير الأدب الإثيوبي للإسلام والمسلمين في ظل تلك العلاقات المتشابكة والمتباينة.

وفي هذا السياق؛ يمكن تقسيم الأدب الإثيوبي إلى قسمين أساسيين، هما:

الأول: الأدب الإثيوبي المترجم: ويضم الأعمال المنقولة عن لغات أخرى.

الثاني: الأدب الإثيوبي الأصيل: الذي وضعه الإثيوبيون بأنفسهم.

أولاً: صورة الإسلام والمسلمين في الأدب الإثيوبي المترجم:

يُلاحظ أن الأدب الإثيوبي المترجم يكاد يخلو من أي ذكر للإسلام أو المسلمين؛ وذلك لأنه غالباً ما يتناول أعمالاً دينية، كأسفار الكتاب المقدس، أو بعض كتب الصلوات وخدمة القداس والأعمال اللاهوتية، وبعض الشروح والتفاسير، وهي أعمال غالباً ما تبتعد عن تناول العلاقات الاجتماعية والصراعات السياسية؛ لذلك فهي لم تتطرق للعلاقة مع الإسلام وأتباعه.

وبالرغم من ذلك؛ فهناك بعض الأعمال الجعزية المترجمة التي جاءت على ذكر الإسلام والمسلمين، وبخاصة الأعمال التاريخية التي وُضعت بعد ظهور الإسلام، ومن أشهر هذه الأعمال مخطوط «يوحنا النقيوسي»، ويعود تدوين هذا العمل إلى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أو مستهل القرن الثامن الميلادي، وقد نُقل هذا العمل من النسخة العربية إلى الجعزية في القرن السابع عشر الميلادي([14]).

وتجدر الإشارة إلى أن النص العربي فُقد، ولم يتبق سوى الترجمة الحبشية، والمؤلف الأصلي لهذا العمل هو «يوحنا النقيوسي» أحد الرهبان المصريين الذي كان معاصراً للفتح الإسلامي لمصر، وقد قام راهب إثيوبي بترجمة هذا العمل عن العربية إلى الجعزية وختمه بقوله:

«وترجمنا باهتمام كبير هذا الكتاب من العربية إلى الجعزية، أنا المسكين الحقير عند الناس، الضئيل في القوم، الدياقون غبريال المصري بن الشهيد يوحنا القليوبي، بأمر اثناسيوس رئيس جيوش إثيوبيا، وبأمر الملكة مريم سنا»([15]).

ويعرض هذا الكتاب تاريخ العالم وأحداثه، منذ بدء الخليقة وحتى الفتح الإسلامي لمصر، في مائة واثنين وعشرين باباً؛ لكنه يهتم بالحديث عن مصر وفضائلها، وينتهز كلّ فرصة سانحة للتحدث عن مصر ومجدها وخيرها وعلو أخلاق أهلها، حتى ينتهي به المطاف إلى قصته الرئيسة، وهي فتح المسلمين لمصر([16])، ويورد المخطوط أحداثاً مهمة حول فتح المسلمين لمصر، وما قام به جيش المسلمين في مواجهة الرومان، وموقف المصريين من تلك الأحداث.

تزخر الحوليات الملكية الإثيوبية بتفاصيل الصراع بين أتباع الإسلام وأتباع المسيحية في إثيوبيا

وتتمثل أهمية هذا المخطوط في أنه يُعد أحد أهم المصادر التي تتحدث عن الفتح الإسلامي لمصر من وجهة نظر مسيحية، ويزخر المخطوط بالحديث عن صفات المسلمين الفاتحين ومعاملتهم لمسيحيي مصر في تلك الفترة، ففي أحد المقاطع نجده يصوّر معاملة المسلمين الفاتحين لأهل مصر فيقول:

 «وظل عمرو قائد المسلمين اثني عشر عاماً [شهراً] يحارب المسيحيين في شمال مصر، ولم يستطع أن يفتح مدينتهم، وفي العام [الشهر] الخامس، ومع حلول الصيف ذهب إلى مدينة «سخا» و «طوخ دمسيس» وهو غاضب لقتال المصريين قبل أن يفيض ماء النهر، ولم يستطع أن يلحق بهم سوءاً، واستعصت عليه مدينة دمياط أيضاً، فأراد أن يحرق زروعهم بالنار، وسار إلى قواته التي كانت في حصن بابليون بمصر ووهبهم كلّ الغنائم التي استولى عليها من مدينة الإسكندرية، ودمّر بيوت السكندريين الذين هربوا، وأخذ أشجارهم وأخشابهم وحديدهم، وأمر بأن يشيّدوا طريقاً من حصن بابليون إلى أن يصلوا به إلى تلك المدينة ذات النهرين حتى يحرقوا تلك المدينة بالنار، وعندما سمع أهل هذه المدينة ذلك أخذوا أموالهم وتركوا مدينتهم قفراً، وأما المسلمون فقد أحرقوا تلك المدينة بالنار، وكان أهل هذه المدينة يأتون ليلاً ويطفئون النار، وأما المسلمون فقد ساروا إلى المدن الأخرى ليحاربوها، فاستولوا على أموال المصريين وفعلوا بهم السوء»([17]).

وهكذا؛ نجد الصورة السلبية التي يصوّر بها المخطوط المسلمين، وكيف يعملون القتل والتخريب في المدن المفتوحة، كما يُلاحظ هنا أن الحرق والتنكيل يحدث للمصريين وليس لقوات الروم التي كانت تحتل مصر في ذلك الوقت، وتستمر أبعاد الصورة ترتسم بهذا الشكل، ففي موضع آخر نجده يصوّر استيلاء المسلمين على مدينة نقيوس بعد هروب الجيش الروماني من المدينة فيقول:

«أتى المسلمون بعد ذلك إلى نقيوس، واستولوا على المدينة، ولم يجدوا فيها جندياً واحداً يقاومهم، فقتلوا كلّ من صادفهم في الشوارع وفي الكنائس، الرجال والنساء والأطفال، ولم يرحموا أحداً، وبعد أن استولوا على تلك المدينة توجّهوا بعد ذلك إلى بلدان أخرى وأغاروا عليها وقتلوا كل من وجدوه فيها، وتقابلوا في مدينة صا باسكوتارس ورجاله - الذين كانوا من عائلة القائد تيودور - داخل سياج كرم فقتلوهم، وهنا فلنصمت لأنه يصعب علينا ذكر الفظائع التي ارتكبها الغزاة عندما احتلوا جزيرة نقيوس»([18]).

ويستمر الحال على ذلك المنوال في مواضع كثيرة من المخطوط، فنطالع على سبيل المثال: «أن العرب استولوا على إقليم الفيوم وبويط، وأحدثوا فيهما مذبحة هائلة»([19])، وكذلك يذكر في فتح المسلمين لأتريب ومنوف: «أن عَمْراً قبض على القضاة الرومانيين، وقيّد أيديهم وأرجلهم بالسلاسل والأطواق الخشبية، ونهب أموالاً كثيرة، وضاعف ضريبة المال على الفلاحين، وأجبرهم على تقديم علف الخيول، وقام بأعمال فظيعة عديدة»([20]).

ويعقّب صاحب المخطوط على فتح الإسكندرية بالقول: «ويستحيل على الإنسان أن يصف حزن وأوجاع المدينة بأكملها، فكان الأهالي يقدّمون أولادهم بدلاً من المبالغ الضخمة المطلوب منهم دفعها شهرياً، ولم يوجد من يقوم بمساعدتهم، وقد تخلّى الله عن المسيحيين ودفعهم إلى أيدي أعدائهم»([21]).

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فنجد صاحب المخطوطة يتطاول على قائد جيش المسلمين «عمرو بن العاص» رضي الله عنه، ويتهمه بتحميل المصريين ما لا يطيقون، ويطابق بينه وبين فرعون الذي أثقل كاهل بني إسرائيل فحكم عليه الرب حكم الحق وأغرقه مع كلّ جيشه في البحر الأحمر، ويصفه بأنه أفظع من فرعون، ويتمنى أن يلقى نفس مصيره؛ لأنه ألحق الخسران ببلاد مصر([22]).

لكن هناك أمراً لافتاً للنظر، وهو يدل على تناقض كاتب المخطوطة، فعلى الرغم من أنه أفاض في كثير من المواضع في تصوير ظلم الفاتحين المسلمين وقائدهم وبشاعتهم؛ فإننا نجده في بعض المواضع الأخرى يصوّر المسلمين وقائدهم بصورة إيجابية تتسم بالرحمة والعدالة والتسامح! فنجده  - مثلاً - يصف كيف استقبل أهل الإسكندرية دخول المسلمين مدينتهم بعد هروب الروم منها، فيقول: «وفي العشرين من شهر مسكرم قام تيودور مع كل الجنود والرؤساء وسار إلى جزيرة قبرس، وترك مدينة إسكندرية، ومن ثم دخل عمرو رئيس المسلمين دون تعب مدينة إسكندرية، واستقبله أهل المدينة بتعظيم، لأنهم صاروا في فقر وبلاء شديد»([23])، فلو كان المسلمون قتلة ما استُقبلوا بهذا الترحاب العظيم!

الأدب الإثيوبي في تلك الفترة كان يمثّل وجهة النظر الرسمية الإثيوبية التي كانت تدين بالمسيحية

وفي موضع آخر من المخطوطة نجده يذكر كيف أمَّن عمرو بن العاص بطريرك الأقباط بنيامين الذي هرب من اضطهاد الرومان واختفى لمدة ثلاثة عشر عاماً، وأعاده إلى منصبه، وأمّنه على نفسه وعلى رعيته، وردّ إليه الكنائس والأديرة التي كان الرومان قد اغتصبوها من الأرثوذكس، كما يرد في المخطوطة حين قال: «وعاد الأنبا بنيامين بطريرك المصريين إلى مدينة الإسكندرية بعد هروبه من الروم لمدة ثلاثة عشر عاماً، وسار إلى كنائسه وزارها كلها، وكان الناس يقولون هذا النفي وانتصار الإسلام بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين على يد البابا كيرس، وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر»([24]).

وفي موضع آخر؛ يتحدث عن أمانة عمرو بن العاص، وعدم مساسه بأموال الكنيسة وأملاكها، بل حفاظه عليها حين قال: «ولم يأخذ عمرو شيئاً من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئاً ما سلباً أو نهباً، وحافظ عليها طوال أيامه»([25]).

ويفسّر الدكتور عمر صابر عبد الجليل ذلك التناقض الواضح  بين ما عرضه النص عن تسامح المسلمين وعدلهم، وعما وجهه إليهم من سباب وذم؛ برده إلى تدخّل المترجم الحبشي بالنصّ، وإظهار تعصّبه ضد المسلمين؛ فيذكر أن المترجم الحبشي قد زاد على النصّ متأثراً في الغالب بروح العداء ضد المسلمين، وذلك لأن الكتاب تُرجم في القرن السابع عشر، والذي يمثّل فترة الصراع الكبير بين المسلمين والمسيحيين في إثيوبيا، ومن ثم يبدو تعصّب المترجم الحبشي الذي سمح لنفسه أن يُقحم في النصّ عبارات من عنده تنم عن تعصّبه ضد الإسلام!

ويضيف أيضاً أن المترجم الحبشي قد عبث بنصّ «يوحنا النقيوسي»، خصوصاً فيما يتصل بالجزء الأخير منه، وهو الخاص بالفتح الإسلامي لمصر؛ لأن أسلوب النصّ فيما قبل ذلك­) حين يتحدث عن الإمبراطور دقلديانوس أشهر معذبي الأقباط)­ لا يبدو فيه مثل هذه الشتائم الواردة في الجزء الخاص بالفتح الإسلامي، فضلاً عن أنه يتضح من الاستشهادات الواردة في المصادر المسيحية اللاحقة لكتاب النقيوسي الأصلي، مثل كتاب ساويرس بن المقفع وغيره، أن نصّ النقيوسي الأصلي لم يكن يتضمن هذا الهجوم السافر على المسلمين، والذي ينم عن تعصّب مقيت ضد الإسلام.

كذلك؛ فإن المصادر المسيحية الأولى في مصر، مثل كتب ابن البطريق وساويرس بن المقفع تُجمع على أن المسلمين عاملوا الأقباط معاملة حسنة إبّان الفتح، وهو ما أدى إلى تقديم القبط المساعدة للمسلمين والترحيب بهم، وهو ما نجده في كتاب النقيوسي أيضاً، وهو ما ينم عن أن المترجم الحبشي، بالرغم من ظهور تعصّبه الشديد ضد المسلمين، لم يكن ذكياً حيث لم يحذف كل ما يشير إلى تلك المساعدات، وعلى هذا فإن التناقض البادي في تأرجح النصّ المترجم بين المدح والقدح للمسلمين الفاتحين؛ إنما يرجع إلى تصرّف المترجم الحبشي، وعبثه بالنصّ الأصلي([26]).

ثانياً: صورة الإسلام والمسلمين في الأدب الإثيوبي الأصيل:

يتميز الأدب الإثيوبي الأصيل، الديني والعلماني، الذي وضعه الإثيوبيون - إذا ما قورن بالأدب المترجم - بالثراء من حيث ذكره وتصويره للإسلام والمسلمين؛ لأنه غالباً ما يكون انعكاساً لمتطلبات وأمور حياتية أو اجتماعية، تتعامل مع المستجدات على الساحة السياسية والاجتماعية والدينية التي يتطلبها المجتمع الإثيوبي، الأمر الذي يفتح المجال للحديث عن الإسلام والمسلمين، وذلك بوصفهم شريحة مؤثرة في المجتمع الإثيوبي.

ويمكننا أن نقسم الأعمال الأدبية الإثيوبية الأصيلة التي تناولت موضوعات تمس الإسلام والمسلمين إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

يضم أولها: الكتابات التي تتناول الأعمال السحرية أو كتب السحر.

ويضم الثاني: الكتابات التي وُضعت دفاعاً عن المسيحية ضد الشبهات والانتقادات التي وجهت إليها من قبل المسلمين، بالإضافة للأعمال التي وُضعت لمهاجمة الإسلام ونقده، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «أدب المعارضة».

أما القسم الثالث والأخير: فيضم الكتابات التاريخية، وتشمل الأعمال التي تتناول تاريخ إثيوبيا وأجزاء أخرى من العالم، كما يضم أيضاً سير ملوك وأباطرة إثيوبيا، والتي تُعرف باسم الحوليات الملكية chronicles.

وسيحظى القسم الأخير بالعناية الأكبر في هذا السياق؛ لأنه يمثل الجزء الأكثر وفرة وانتشاراً من ناحية، ولأنه الأكثر ارتباطاً بموضوع الدراسة من ناحية أخرى.

فيما يتعلق بالكتابات في موضوع السحر وما شاكله:

يجب أن نشير بداية؛ إلى أن هذه الكتابات تُعد أعمالاً محرّمة ومحظورة من قِبل الكنيسة الإثيوبية، ولا تحظى باعترافها، كذلك فإن الإسلام حرّم السحر، ودعت كلتا الديانتين لمحاربة كلّ أشكال السحر والدجل والشعوذة.

وعلى الرغم من ذلك الحظر والتحريم فقد وُضعت العديد من كتب السحر باللغة الجعزية، كما انتشر بين الإثيوبيين عمل التمائم والأحجبة التي تحتوي على تعويذات لتمنع عنهم الشر وتجلب لهم النفع والخير، والمفارقة اللافتة للانتباه في هذه الأعمال، سواء كتب السحر أو التمائم، هو استخدام بعض العبارات العربية([27]) الإسلامية في تلك الكتابات خارج سياقها وبعيداً عن معانيها المعروفة، فكثيراً ما ترد في تلك الكتابات جمل وعبارات عربية هي في الأصل آيات قرآنية أو أدعية إسلامية؛ باعتبارها تمتمات أو تعويذات سحرية ترتبط بقوى الظلام وعالم الأرواح الشريرة، وهذه الجمل والفقرات ترد أحياناً بصيغها العربية نفسها دون تغيير فيها باستثناء كتابتها بالحروف الإثيوبية، وفي أحيان أخرى نجدها ترد مبتورة أو مشوّهة بحيث يصعب معرفة أصلها.

ومن الأمثلة ذات الصيغة العربية الواضحة نطالع:

“… walahamdulella rabbil almin …”

«... والحمد لله رب العالمين ...»([28])

“warabbiw rahem rahman ... alim kwello šai’n”  

«وربي رحيم رحمن ... عالم كل شيء»([29])

“… tawakkalna alek bihor matutuk salomon qawla nabirahim …” 

«... توكلنا عليك بحرمتك سليمان قول نبي رحيم ...»([30])

“… walahawla walaqawta…” 

«... ولا حول ولا قوة ...» ([31])

“… gemi’aw men’ard layazulu Abadan Abadan …”

«... جميع من الأرض لا يزول أبداً أبداً ...»([32])

وبعض هذه العبارات محرّف بشكل أكبر ولكن يسهل التعرف على أصلها، مثل:

“lahillilla hillalla rabbi rabbi rabbi …”

ويبدو أن أصلها هو «لا إله إلا الله ربي ربي ربي ... »([33])

وبعض هذه العبارات ترد محرّفة بشكل كبير، يصعب معه تفسيرها أو ردها لأصلها، ولا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها عبارات ذات أصول عربية، وذلك بالنظر إلى تركيبتها الصوتية، مثل:

 “habayn ansrain qasar fala qolo bata’ agbi na’am qumaman layqufa hadina”([34])

وبالإضافة إلى ذلك ترد بعض العبارات العربية المسيحية الصريحة، وبالرغم من ذلك استخدمها بعض الكتاب، مثل:

 “…la’ab wala ebn wa’eruh alqeddus ilahen wahed…” 

«... الأب والابن والروح القدس إله واحد...»([35])

والأمر اللافت للنظر هو أن استخدام تلك التعبيرات العربية، الإسلامية أو المسيحية، يبدو محصوراً في الأعمال المتعلقة بالسحر فقط، ويبدو أن قيمة هذه العبارات العربية لدى واضعي هذه الكتب تعود لقيمتها السحرية المفترضة في مثل تلك النصوص، والتي يبدو أنها تُستمد من عدم معرفتهم بالعربية؛ لذا فأي تمتمات غير مفهومة للعامة من مسيحيي إثيوبيا تبدو مناسبة تماماً في هذا الإطار، وخصوصاً إذا ما كانت ذات صلة باللغة الدينية لأعداء مسيحيي إثيوبيا من المسلمين الذين ينظرون إليهم بوصفهم كفاراً ومارقين، ومن جنود الشيطان، وأعداء المسيح والمسيحية.

أما الأعمال التي تندرج تحت أدب المعارضة الدينية:

فنجدها تهدف بشكل أساسي للدفاع عن المسيحية ضد الشبهات والانتقادات التي وجّهت إليها من قِبل المسلمين، وبعضها تجاوز هذا الهدف واتخذ موقفاً هجومياً وناقداً للإسلام، وقد ظهرت الحاجة لهذا النوع من الكتابات في أوقات الصراع الشديد بين أتباع الديانتين، وبشكل خاص في فترة ثورات الإمام أحمد بن إبراهيم، والتي تحوّل فيها كثير من المسيحيين الإثيوبيين إلى الإسلام، فرأت الكنيسة ورجالها أن الحاجة ماسة لهذه الكتابات لمواجهة التحدي الديني والثقافي الإسلامي، ناهيك عن التحدي السياسي والحربي.

ومن أشهر الكتب التي وُضعت لهذا الغرض كتاب (بوابة الإيمان Anqasa Amin)، ومؤلف هذا الكتاب هو «إنباكوم»([36])، وهو أحد المتنصرين؛ ونظراً لأنه كان ملمّاً بكلتا الديانتين، فقد استطاع أن يكتب ذلك الكتاب، والذي كرسّه خصيصى للدفاع عن المسيحية ضد الإسلام، ولقد لقي هذا العمل الدفاعي ترحيباً خاصاً في فترة تدوينه، منتصف القرن السادس عشر، التي شهدت إحدى أكثر فترات الصراع تأججاً بين الديانتين.

وقد قام «إنباكوم» في هذا العمل بالرد على كثير من اتهامات المسلمين ودعاويهم ضد المسيحية ومنها، على سبيل المثال، ما يتعلق بالدعاوى المثارة حول عبادة الأيقونة وتقديسها، وهو يدافع عن ذلك فيذكر أن المسيحيين لا يعبدون الأيقونة نفسها، بل يعبدون ويقدسون قوة الرب وقدرته التي تسكن المذبح أو الأيقونة، وكذلك رد على شبهات حول تعدد الآلهة في المسيحية أو الشرك، فأوضح عبر تشبيهات عديدة أن مفهوم التثليث لا يناقض فكرة وحدانية الرب!!

ولم يكتف «إنباكوم» بذلك الموقف الدفاعي عن المسيحية، بل اتخذ موقفاً هجومياً مضاداً للإسلام، واستطاع أن يوظف معرفته السابقة بالقرآن والإسلام لهذا الغرض، كما أنه ضمّن كتابه بعض الافتراءات عن الإسلام والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم([37]).

وباستثناء الحالات السابق ذكرها؛ فإن الأدب الديني الإثيوبي لم يُشر للإسلام إلا بشكل عابر ومختصر، ويبدو الأمر كما لو أن هناك اعتقاداً سائداً بين الكتّاب بأن ذكر الإسلام أو الإشارة إليه مباشرة في الأعمال الدينية سينتهك أو يدنس قداستها.

وفيما يتعلق بالقسم الثالث الذي يضم الكتابات التاريخية:

نجد أن أهم هذه الكتابات يتمثّل في الحوليات الملكية التي تؤرخ لحياة ملوك إثيوبيا، والتي تفصّل في ذكر مآثرهم وإنجازاتهم وحروبهم وانتصاراتهم حتى هزائمهم، وقد حرص الإثيوبيون على تدوين هذه الحوليات باللغة الجعزية منذ اعتلاء «يكونو أملاك» العرش في القرن الثالث عشر، والذي استحدث منصباً من مناصب القصر الملكي، وهو منصب «تصحاف تئزاز»، ومهمة صاحبه تسجيل الأحداث الملكية وكل ما يتصل بحياة الملك من وقائع، وهي مدوّنة على شكل حوليات، تبدأ بالسنة الأولى من حياة الملك، وتنتهي بانتهاء عهده([38])، وقد كفل هذا التقليد وجود كثير من الوثائق التي أرّخت لتاريخ إثيوبيا، ولكن لسوء الحظ أن قسماً كبيراً آخر من هذه الوثائق فُقد، حيث أتت عليه الحروب الطاحنة التي شهدتها إثيوبيا لفترات طويلة عبر تاريخها.

وتزخر الحوليات الملكية الإثيوبية بتفاصيل الصراع بين أتباع الإسلام وأتباع المسيحية في إثيوبيا، والذي امتد لقرنين ونصف القرن من الزمان، تخللهما بعض فترات الهدوء، وتؤرخ بداية هذا الصراع باندلاع ثورة «صبر الدين» سلطان «إيفات» ضد الإمبراطور «عمدا صهيون» (1314م - 1344م)، ويستمر حتى أواخر القرن السادس عشر.

ومن خلال مطالعة تلك الحوليات يتضح لنا الطابع الديني لهذا الصراع، وخصوصاً في الفترة من القرن 14م وحتى القرن 17م، وأيّاً كانت الأسباب الحقيقية، سواء الاقتصادية أو السياسية أو غيرها، التي أدت لهذا الصراع، فإن الراية التي دارت تحتها تلك الحروب والمعارك هي راية الدين، فإذا كان الجانب المسلم يرى فيها جهاداً ونصرة للاسلام، فالجانب المسيحي رأى فيها حرباً مقدسة ضد أعداء المسيح والرب.

ويذكر «عرب فقيه»([39]) كثيراً من المواقف للإمام أحمد جرانيا، يؤكّد فيها مفهوم الجهاد الإسلامي، ومنها أن سكان بلدة أماجة، وكانوا من المسلمين، تحدّثوا للإمام أحمد باذلين له النصح بعد أن وصل في زحفه إلى مسافة كبيرة داخل الهضبة الإثيوبية في أن يرجع ولا يهاجم ملك الحبشة في عقر داره، كما كان يفعل قادة المسلمين السابقين، وذلك مخافة هلاك المسلمين، فردّ الإمام أحمد بأنه لا يقصد إلا الجهاد في سبيل الله([40]).

 وعلى الجانب الآخر؛ نجد كثيراً من المواقف التي تؤكّد الطابع الديني لهذه الحروب، وأن المسيحيين خاضوها في سبيل المسيح، ففي خطاب للإمبراطور «عمدا صهيون» في جنوده وقواته قبل بدء إحدى المعارك يخاطبهم قائلاً: «ألم تسمعوا ما يقوله المسلمون؟ هؤلاء المتمردون على مخلّص الرب، هؤلاء الجاهلون بالمسيح؟ إنهم يقولون إذا قتلنا المسيحيون فنحن شهداء، وإذا قتلناهم فسوف نفوز بالجنة، هذا ما يقوله هؤلاء المتمردون المسلمون الذين لا أمل لهم في الخلاص، إنهم يقابلون الموت بكل شجاعة، فماذا عنكم يا من تعرفون الأب والابن والروح القدس، يا من تعمدتم باسمه، وتطهرتم بدمه، كيف يكون ذلك؛ كيف تخشون هؤلاء المتمردين؟»([41])!

ويبدو أن هذا الجانب الديني طارئ على الفكر المسيحي، وخصوصاً في ظل دولة ثيوقراطية كإثيوبيا، فالراية التي كانت تُرفع دائماً في حالة القتال كانت راية الولاء للإمبراطور المحارب والرغبة في الغنيمة، لكن يبدو أن هذه المحفزات لم تعد قادرة على إثارة حماس المحاربين للوقوف في وجه الاجتياح الإسلامي بما يحمله من فكرة الجهاد والاستشهاد، فتم بدفع هذا الحافز الديني إلى سطح الأحداث، وخصوصاً في عهد «عمدا صهيون» وخلفائه، ومما يرجّح هذا الطرح مقولة الإمبراطور «عمدا صهيون» لجنوده: «في الماضي كنتم تقاتلون وتظهرون شجاعتكم وبسالتكم في القتال من أجلي أنا، والآن أظهروا بسالتكم وشجاعتكم في المعركة من أجل المسيح»([42]).

وبالإضافة إلى ذلك نجد أن «عمدا صهيون» يفسّر ويوضح التغيرات التي طرأت على تفكيره بقوله إن أحد رجال الرب، بعد أن راجع الكتاب المقدس، قال له: «اعلم أن مملكة المسلمين في طريقها للزوال والفناء، ففي الماضي كنتَ تقاتل في سبيل القوة الدنيوية الزائلة، تقاتل من أجل الذهب والفضة والملابس المزخرفة، أما الآن فأظهر شجاعتك في القتال من أجل المسيح»([43])!

ومنذ ذلك الحين بدأ الطابع الديني يبدو جلياً لدى أباطرة إثيوبيا في حروبهم ضد المسلمين، ففي حوليات الإمبراطور جلاوديوس، الذي تولى الحكم في فترة أوج قوة المسلمين، نطالع: «في السنة العاشرة من حكمه قرر الملك جلاوديوس، (عليه السلام)، أن يحارب أعداء المسيح الرب وأعداء كنيسته، وعزم على تدمير بلاد المسلمين كما دمروا بلاده، وأن ينزل ويصب على رؤسهم العقاب»([44]).

وفي موضع آخر بالحولية نفسها يروى أنه قبل أن يبدأ جلاوديوس آخر معاركه التي قتل فيها، ضد الأمير «نور بن مجاهد» حاول أحد المقربين منه أن يثنيه عن عزمه على القتال، وأخبره أن «العرّاف» قد تنبأ بعواقب سيئة، ولكن جلاوديوس رفض هذه المشورة الانهزامية بغضب وقال: «إنني أفضل الموت في سبيل المسيح وفي سبيل رعيتي»([45])، وتروي الحولية كذلك أن الأب يوحنس Abba Yohannes ، رئيس رهبان دير «دبرا ليبانوس»، ذهب لحضور تلك المعركة «... ليشارك في مجد الاستشهاد... وليصل هناك ليموت بالسيف من أجل اسم المسيح الرب»([46]).

وفي ظل هذا المفهوم الديني للصراع؛ ترسم تلك الحوليات وتصف أبعاد صورة الإسلام والمسلمين في تلك الفترة، وبالطبع يجب ألا نتوقع أوصافاً إيجابية في ظل ذلك الصراع القاسي بين الفريقين، فلا غرابة إذن أن ينال الإسلام والمسلمون أقسى أنواع السباب والذم في تلك الأعمال.

ولنطالع، على سبيل المثال، وصف كاتب الحولية لصبر الدين سلطان إيفات، الذي ثار وتمرد في وجه الإمبراطور «عمدا صهيون»، حين يصفه بالقول: «ذلك المتمرد ابن الأفعى الخبيثة والثعبان الماكر، سليل البرابرة، ذرية الشيطان، الذي يمنّي نفسه بعرش داود» ([47])، ويقول: «سوف أحكم صهيون»، لقد ملأ الكبرياء قلبه، كما حدث مع أبيه إبليس، إنه يقول: «سأحول الكنائس إلى مساجد للمسلمين، وسأخضع ملك المسيحيين وشعبه لسلطتي...»([48]).

ومن الصفات الأخرى التي وردت بشأن صبر الدين نطالع: «الملعون المتمرد، نجل إبليس، عدو الصلاح والاستقامة، المعادي لدين المسيح، المُبعد عن الرب، المعزول عن مجد الابن، والمحروم من عطية الروح القدس...»([49]).

وبالطبع نال الإمام أحمد بن إبراهيم «جرانيا» سيلاً من السباب واللعان في غير مكان من الحوليات، نتيجة انتصاراته المتتالية على المسيحيين، والتي استمرت لأكثر من اثني عشر عاماً، حتى غلب الظن على مؤيديه وأعدائه بأنه قائد لا يُقهر.

قادة المسلمين قد نالوا النصيب الأوفر من الهجوم والسباب واللعان من كُتّاب الحوليات

ولكن الأمر اللافت أن كتّاب الحوليات وجدوا صعوبة كبيرة في تسويغ انتصارات الإمام المتوالية، فكيف ينهزم المسيحيون جنود الرب على يد المسلمين أعداء المسيح؟! وقد حاولوا تسويغ ذلك على أساس أن ذلك بمثابة اختبار وتطهير من الرب لهم، ويعلق أحدهم على ذلك بالقول: «لقد حدث ذلك كله من أجل تأديب المسيحيين، لقد سمح الرب لذلك أن يحدث لهم كي يظهر فضيلة الصبر لديهم، وكما أصبح صبر أيوب وسيلة لتطهيره عندما تسلط الشيطان عليه، وبهذه الطريقة تم اختباره وتزكيته، كما يُصفّى الذهب من شوائبه عن طريق النار....»([50]).

وفي هذا السياق؛ كثيراً ما يتكرر تصوير أحمد جرانيا بوصفه سوط العذاب والبلاء من الرب لتأديب المسيحيين، كما في: «... هذا المسلم الذي سمح له الرب بسفك دم المسيحيين...»([51])، وفي موضع آخر نجد أن تمرد أحمد جرانيا وثورته في وجه المسيحيين يأتي رد فعل لبعض العبارات المتبجحة التي صدرت عن الإمبراطور لبنا دنجل، وذلك عندما «سأل الملك (تابعيه) كم فرساً لدي في حظيرتي؟ فأجابه البعض:  إنها ثلاثة آلاف فرس»، فقال الملك: «وما نفعها وفائدتها لي، وأنا (قوي) وليس لي أعداء؟ من أجل ذلك خرج له جرانيا من الأرض السوداء»([52]).

ولم يقتصر وصف قادة المسلمين بهذه الصفات في تلك الحوليات على الشكل النثري فقط، بل اتخذ في بعض الأحيان شكلاً شعرياً منظوماً، ولكن اختلاف الشكل لم يغير كثيراً من المضمون، فالحنق والغضب الشديدان ما يزالان المسيطرين على روح الكتابة، ففي أعقاب سقوط الإمبراطور جلاوديوس صريعاً في حربه ضد الأمير نور الدين بن مجاهد؛ نجد محرر الحولية يطلق العنان للعناته على نور الدين فيقول:

فلتحل عليه اللعنة في دخوله، ولتحل عليه في خروجه

ولتحل عليه في كل أفعاله

ليت كَرْمه يُصب بالبَرَد

وليُصب تينه بالصقيع

ولتتوقف أرضه عن إخراج القوت والغذاء

ليت خرافه تعدم الكلأ والمرعى

ولا تصل ماشيته إلى حظائرها

وليحل انتقام الرب القدير على بيت

مجاهد لمئات الأجيال

علَّ الرب يأمر الأمطار والندى

بألا تتنزل على تلاله

وأن يجعل الصقيع والجليد جزاءه

ليت سهام الرب تنهش لحمه

ونقمته تسفح دمه ...([53])

وفي ظل هذه الحالة من العداء والكراهية؛ فإن أي مصاب يقع بالمسلمين يعد مناسبة سعيدة عند أعدائهم، فكيف إذا كانت المناسبة هزيمة المسلمين ومقتل قائدهم، لقد عدّ كاتب الحوليات هذه المناسبة عيداً يحتفل به؛ ففي أعقاب هزيمة قائد «عَدَل» «أروي بدلاي» يتم وصف تمزيق أشلائه بإسهاب وبتفصيل شديد، وبروح يغلب عليها الاستمتاع والتشفي، كما يتم الحديث عن إرسال أعضاء جسده بعد تقطيعها لتوزع على مختلف مناطق الإمبراطورية باعتبارها تذكرات ([54]).

وإذا كان قادة المسلمين قد نالوا النصيب الأوفر من الهجوم والسباب واللعان من كُتّاب الحوليات؛ فإن المسلمين بشكل عام لم يسلموا من تلك الأوصاف وطالهم الأمر، ولنطالع مثلاً وصفهم بالقول: «كل المسلمين كاذبون، هؤلاء الذين لا يؤمنون بابن الرب»، كما جاء في رسالة الحواري: «من هو الكاذب إذا لم يكن هو من ينكر الأب والابن والروح القدس؟»([55])، وفي موضع آخر نجد الإمبراطور «عمدا صهيون» يقول عندما ألحّ عليه مستشاروه للعودة إلى الوطن بعد إحدى معاركه المنتصرة ضد المسلمين: «طالما استمر هؤلاء الضباع والكلاب، أبناء الأفاعي، ذرية الشر، الذين لا يؤمنون بابن الرب في نهشي، فإنني لن أعود لمدينتي»([56]).

وهكذا تبدو صورة الإسلام والمسلمين سلبية بشكل عام في تلك الكتابات، فالحدّة الواضحة والروح المعادية هي المشاعر السائدة في تلك الحوليات الملكية، ولا نكاد نلمح تصويراً إيجابياً أو وصفاً محايداً على الأقل للمسلمين إلا في بعض الحالات النادرة، ومنها ما ورد عن وعد الأمير «أسمع الدين» بأن يحارب إلى جانب الإمبراطور «سرسا دنجل» Sarsa Dengel ضد المتمرد المسيحي حملمالا Hamalmala، وهنا نجد محرر الحولية يصف الأمير بالقول: «إن كلمة «أسمع الدين» كلمة موثوقة، وهو لا يكذب ولا يحنث بقسمه ولا بعهده»([57])، وفي موضع آخر نجد وصفاً لحالة التصالح والتوافق بين المسلمين والمسيحيين التي نادراً ما كانت تحدث، جاء فيه «وأقام ملكنا معسكراً معهم، وكان هناك توافق كبير بين المسلمين والمسيحيين، وحدث كهذا ما كان ليحدث لولا إرادة الرب، إذ كيف يقوم أعداء دينه المخطئون في حقه بمساعدته! إنه حقاً أمر عجيب أن يقوم المسلمون بمساعدته بينما أقاربه وهؤلاء القريبون من بلاطه يحاربونه»([58])، وهذه من المرات القليلة التي لا يتم فيها توجيه السباب للمسلمين بشكل مباشر، وإن كان الدلالات السلبية موجودة أيضاً في النص السابق.

الخاتمة:

وهكذا تبدو لنا صورة الإسلام والمسلمين علي صفحات الأدب الإثيوبي حتى منتصف القرن التاسع عشر، فهي صورة سلبية الملامح في غالبية زواياها، وإن لم تخل من بعض الرتوش الإيجابية على قلتها، وقد جاءت هذه الصورة مدفوعة بأسباب سياسية واقتصادية ودينية، انعكاساً لطبيعة العلاقات التي جمعت بين مسيحيي إثيوبيا ومسلميها ، فبدت صورة الإسلام والمسلمين مشوَّهة وبشعة في الكتابات التي دُوّنت في عصور الصراع، فكلما اشتدت وطأة الصراع اشتدت البشاعة وتجسدت الكراهية والعداء في الكتابات الأدبية، وكلما خَفَتَ وهج الصراع والعداء تحسنت صورة الإسلام والمسلمين نسبياً في الكتابات الإثيوبية المسيحية، فقد رافق السجال الأدبي الصراع الحربي والسياسي بين الجانبين، وأخذ كل فريق في توظيفه من أجل رسم صورة ذهنية معينة عن نفسه وعن الآخر.

ويجب أن نشير هنا؛ إلى أن حالة العداء المسيحي - الإسلامي في إثيوبيا، والتي تجلّت في هذا الشكل العنيف والمستمر، ربما تمثّل حالة خاصة في إفريقيا، فانتشار الإسلام في إثيوبيا اختلف إلى حدٍّ كبير عن انتشار الإسلام في بقية أنحاء القارة الإفريقية؛ فلم يواجه الإسلام في زحفه وانتشاره في أنحاء القارة الإفريقية مثل هذه المقاومة.

ويمكننا أن نعزو ذلك إلى أن الإسلام في إثيوبيا واجه وجابه تحدياً من أتباع إحدى أكبر الديانات في العالم، والتي رسخت أقدامها في إثيوبيا منذ عدة قرون سبقت ظهور الإسلام، وخصوصاً من حيث السيطرة السياسية في مناطق المرتفعات، فوق الهضبة الحبشية تحديداً، بالإضافة إلى امتلاك هذه الديانة ثقافة متطورة وتراثاً أدبياً خاصاً بها.

وقد مثّل هذا التحدي الديني والثقافي قوة تُضاف إلى التحديات العسكرية والسياسية؛ ولذا نجد أن الإسلام استطاع أن يحقق غالبية نجاحاته وفتوحاته في المناطق الإثيوبية التي لم يكن للمسيحيين موطئ قدم فيها، وهي المناطق الواقعة خارح حدود الهضبة الحبشية معقل المسيحية الإثيوبية.

ونقطة أخرى نود أن نشير إليها هنا، وهي أن الأدب الإثيوبي في تلك الفترة كان يمثّل وجهة النظر الرسمية الإثيوبية التي كانت تدين بالمسيحية، كما ذكرنا، أما وجهة نظر المسلمين وتصويرهم لأنفسهم ولغيرهم فلم تُسجّل وتُكتب باللغة الجعزية، حيث كان ينظر إليها بوصفها لغة الدولة ولغة المسيحيين ولغة الكنيسة؛ ولذلك فمن المرجّح أن تكون تفاصيل هذه الصراعات الحربية والسجالات الدينية من وجهة نظر المسلمين قد حفظتها الروايات الشفاهية والأشعار الشعبية، وربما تكون قد دُونت بلغات إثيوبية أخرى ولم تصل إلينا، وربما تكون سُجلت باللغة العربية التي كانت بمثابة لغة الثقافة والدين لدى المسلمين في تلك البلاد، وذلك كما جاء، على سبيل المثال، في كتاب (فتوح الحبشة) لعرب فقيه، والذي جاء على ذكر هذه الصراعات، وتناول بالتحديد فترة صراع الإمام أحمد بن إبراهيم مع ملوك الحبشة بكامل تفاصيلها من وجهة نظر إسلامية.

واعتقد أنه لو توافرت المادة العلمية حول هذا الموضوع ربما يكون موضوع دراسة أخرى، تُقدّم رؤية المسلمين وتصويرهم لهذه الفترة وتلك العلاقات من خلال أعمالهم الأدبية.

الهوامش والإحالات:

(*) أستاذ مشارك بقسم اللغات، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة.

([1]) موسوعة العلوم السياسية، تحرير محمد محمود ربيع، وإسماعيل صبري مقلد، (1993م - 1994م)، جامعة الكويت - الكويت، ص 1288.

([2]) Bender, M.L. (1976): "Language in Ethiopia", Oxford University Press – London,  p.13.

([3]) إبراهيم علي طرخان (1959م): الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة في العصور الوسطى، في المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثامن، ص ص3 - 68، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية - القاهرة، ص 7.

([4] ) The Statesman's Year-Book 1995 - 1996, Edited by: Brian Hunter, Macmillan, p.529.

([5] )Africa south of The Sahara 1995, twenty-fourth edition, Europa publications limited. p.393.

([6]) لمزيد من التفاصيل راجع: فتحي غيث (بدون تاريخ): الإسلام والحبشة عبر التاريخ، مكتبة النهضة المصرية - القاهرة.

([7]) إسرائيل ولفنسون (1980م): تاريخ اللغات السامية، ط 1، دار القلم –  بيروت، ص 20.

وكذلك رمضان عبد التواب (1999م): فصول في فقه اللغة، ط 6، مكتبة الخانجي – القاهرة، ص ص 25 - 36. وصبحي الصالح (2007م): دراسات في فقه اللغة، ط 18، دار العلم للملايين – بيروت، ص ص 49 - 58.

([8] ) Robert Hess (1970): ”Ethiopia, The Modernization of Autocracy”, Cornel University, p.16.

([9]) «الخط المسند»: هو الخط الأساسي الذي كان سائداً قديماً في الجزيرة العربية قبل ظهور الخط العربي الحالي، ويطلق عليه بعض المؤرخين «الخط المسند الحميري» لارتباطه بالحضارة اليمنية الحميرية، وقد وجدت نقوش بهذا الخط في جنوب الجزيرة العربية والعراق والحبشة تدل على مدى انتشار هذا الخط في تلك الفترة.

لمزيد من التفاصيل راجع: رمزي البعلبكي (1981م): الكتابة العربية والسامية: دراسات في تاريخ الكتابة وأصولها عند الساميين، دار العلم للملايين - بيروت.

([10]) يحيى عبد المبدي أبو بكر (2002م): النظام الصوتي في اللغة الأمهرية وعلاقته بنظام الكتابة، رسالة ماجسير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، ص ص 85 - 86. وكذلك: رمزي البعلبكي (1981م): الكتابة العربية والسامية: دراسات في تاريخ الكتابة وأصولها عند الساميين، دار العلم للملايين - بيروت، ص 181.

([11] )Girma Demeka (2001):The Ethio-Semitic languages (Re-examination the Classification), In Journal of Ethiopian Studies, Vol.XXXIV, No.2, Institute of Ethiopian Studies, Addis

كتاب الموقع