أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الأبعاد البيئية لسياسات بناء السدود الكينية

رشا السيد عشري

باحثة مصرية متخصصة في الشأن الإفريقي

رغم أهمية بناء السدود في العديد من المناطق الكينية؛ بهدف تنمية القطاع الزراعي والحيواني، ومواجهة الجفاف، وتوليد الطاقة الكهربائية، ناهيك عن دورها في تحسين البنية التحتية للدولة، وتوفير فرص العمل لقطاع كبير من السكان، ولا أدلّ على ذلك من دور سد إتاري في تعزيز التنمية خاصةً في المجال الزراعي، ومواجهة الجفاف والتصحر؛ إلا أن سياسات بناء السدود في المجمل قد أثَّرت بشكل كبير على الأبعاد البيئية والاجتماعية في كينيا بالإيجاب تارةً، وبالسلب تارةً أخرى، فبجانب الإيجابيات التي تمثلت في تبنّي العديد من الاستراتيجيات حول تطوير السدود المتهالكة، وتعزيز البنية التحتية لها، فهناك العديد من السلبيات أيضًا التي أثرت بشكل أو بآخر على الأبعاد البيئية للدولة.

أولاً: تأثير سد إتاري على النظام الإيكولوجي

على صعيد الإصلاحات التي أقرتها كينيا منذ عام 2016م ببناء سد إتاري؛ إلا أن الخبراء يرون أن آثاره السلبية قد فاقت آثاره الإيجابية على النظام الإيكولوجي والأبعاد الاجتماعية؛ حيث تعرضت البيئة والعديد من القبائل للضرر؛ وذلك لأن بناء السد في منطقة ناكورو قد منع أفراد المجتمع من الوصول لإمدادات المياه في نهر ندوهينيت والينابيع المحيطة به، كما كبحت السدود الرواسب التي من شأنها أن تجدّد النظم الإيكولوجية أسفل مجرى النهر طبيعيًّا، ناهيك عن تلوث هذه الرواسب؛ مما يضطر السكان المحليين إلى البحث عن مصدر بديل للمياه، في ظل الافتقار له. وتعتبر الغابات من أكثر المناطق التي أثَّر عليها السد، لا سيما غابة ماو.

تعد غابة ماو أكبر غابة محلية شبه مستمرة في شرق إفريقيا، وهي مصدر للمياه العذبة الأكثر امتدادًا في كينيا؛ ويعتبر مجمع الغابات هو جزء من منطقة خزانات المياه العليا في الأنهار الرئيسية الاثني عشر في غرب كينيا، والتي تتدفق إلى بحيرات فيكتوريا وتوركانا وناطرون وبارينغو وناكورو.

وتنقسم المناطق المحمية للغابات الكينية إلى متنزهات وطنية، ومناطق للحياة البرية.

وقد لعبت غابة ماو دورًا مهمًّا في قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة، كما ساعدت الظروف المناخية للمنطقة المجاورة للغابة على تطوير زراعة الشاي، وهو من المنتجات الزراعية الرئيسية. وكذلك فإن محمية ماساي مارا الوطنية ومنتزه ليك ناكورو الوطني، هما وجهتان سياحيتان شهيرتان، تستفيدان من الأنهار التي تمر بها، والتي لها مصادرها في غابة ماو، وتتميز تلك الغابات بالتنوع البيولوجي؛ حيث تحتوي على العديد من الحيوانات البرية، وما بين 55 نوعًا من الطيور النادرة، وأيضًا تولد كينيا أكثر من 44٪ من طاقتها من المياه حول مجمع ماو؛ حيث تعمل العديد من محطات الطاقة الكهرومائية([1]).

لقد أثر بناء سد إتاري على غابة ماو؛ حيث صرّح بول أورينغوه "منسق مركز إدارة المياه والنظم الإيكولوجية في معهد البحوث الدولية" بأن السد له تأثير سلبي على النظام الإيكولوجي لدى الغابات، خاصة غابة ماو، التي سيؤدي السد تدريجيًّا إلى قتل التنوع البيولوجي داخلها وخارجها، ويشكل خطرًا جسيمًا على استدامة النظام الإيكولوجي لها"؛ وذلك بسبب افتقار تلك الغابات لمصادر المياه التي تزيد من مساحة الأشجار والنباتات داخلها، ومن ثم تتقلص معها المساحات الخضراء مع فقدان العديد من الحيوانات البرية النادرة (خاصة في مقاطعتي بومت وكريشو) نتيجة تمدد التصحر داخل تلك الغابات، ومن ثم قلة الأمطار أو ندرتها مع فقدان مصادر المياه التي منبعها يكون من الغابات، خاصة وأن بناء السد قد تم بالخرسانة، ومن ثم حال دون تغذية المياه الجوفية أيضًا، وانخفاض تيارات توليد المياه التي تغذي الأنهار مثل نهر مارا([2]).

كما أن النباتات المتعفنة على الأرض عندما يغمرها السد؛ فإنها تؤدي إلى زيادة انبعاث غازات الاحتباس الحراري، وزيادة تغير المناخ ودرجات الحرارة الدافئة، التي تهدّد مزارع الشاي في المنطقة، ما يؤثر على القطاع الزراعي في الدولة؛ لا سيما وأنها تعتمد على إمدادات المياه العذبة. وهو ما تخوف من حدوثه وليام كيتينيا عضو مجلس الشيوخ، لذلك يجب على الحكومة أن تفعِّل سياسات إدارة المخاطر الناتجة عن مشروع السد، وهو ما تم في نهاية سبتمبر 2017م، عندما أصدرت الهيئة الوطنية لإدارة البيئة (NEMA) التفويض لـشركة NWCPC لمتابعة العمل في السد، مما أثار شكاوى من الهيئة الوطنية KFS دفعت إلى التوجه لمواقع بديلة له، خارج حدود الغابات، وفي فبراير 2018م، غيّرت KFS موقعها بشكل غير متوقع، وأعطت الإجماع لبناء السد داخل الكتلة الجنوبية الغربية.

ثانيًا: تأثير السدود الدولية على النظام الإيكولوجي

على صعيد آخر يشكل بناء السدود الدولية على بحيرة توركانا خطرًا كبيرًا على النظام الإيكولوجي مثل بناء السد الإثيوبي (جيبي الثالث للطاقة)، والذي تم ملؤه منذ يناير 2015م، حيث أدى إلى تراجع تدفقات المياه إلى بحيرة توركانا، مما أثَّر على المراعي وكذلك الثروة السمكية، التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية، فضلاً عن تأثر الحيوانات البحرية، التي تتكاثر مع تزايد نسبة تدفقات المياه؛ حيث تعتبر موقعًا مهمًّا لتكاثر أفراس النهر والتماسيح، مع احتوائها على 350 نوعًا من الأسماك والطيور، لذلك عمد الاتحاد الدولي لحماية البيئة (IUCN) لإنذار الدولتين من الأخطار التي تتسب فيها بناء السدود على البحيرة، خاصة سد جيبي الثالث([3]).

من ناحية أخرى، وفي تهديد للثروة الحيوانية؛ اتفقت كينيا وتنزانيا على بناء سد نوريرا الصغير متعدد الأغراض في المنبع على الجانب الكيني، وسد بوريغا المتوسط متعدد الأغراض في أسفل مجرى النهر؛ وذلك لتعزيز الأمن الغذائي([4])، إلا أن تلك المشاريع يرى كثير من الباحثين المعنيين بشؤون البيئة بأنها ستؤثر بشكل سلبي على النظام الإيكولوجي، لا سيما تهديد الحياة البرية في تلك المناطق؛ وذلك بإعاقة طرق هجرة الحيوانات البرية، التي تشهد رحلة الملايين سنويًّا من تلك الحيوانات من متنزه سيرينجيتي في تنزانيا إلى محمية ماساي مارا في كينيا بحثًا عن المياه وأراضي الرعي.

إن عدم مراعاة التأثير السلبي لتلك السدود الدولية على البيئة وطبيعة النظم الإيكولوجية بشكل عام سيؤدي إلى فقدان الدولة لجزء كبير من مواردها وقلة إنتاجيتها، والتي تؤثر بالتبعية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

ثالثًا: خطط استراتيجية متعددة

هناك بعض الخطط الاستراتيجية التي تعتمدها الحكومة الكينية لتعزيز البنية التحتية وحماية النظام الإيكولوجي، إلا أن بعض تلك الخطط يتم تفعيلها بشكل غير مدروس، مع تغافل مدى تأثيرها على البيئة، فقد اقترحت كينيا بناء سدين مائيين على نهر نيانغوريس عام 2019م، وهو رافد رئيسي لنهر مارا، وهم سد نوريرا وسيكون على ارتفاع 10 أمتار، وسد مونجانجو Mungango سيكون على ارتفاع 30 مترًا (جنوب مقاطعة Bomet)، إلا أن مجرد انخفاض منسوب مياه نهر مارًّا بمقدار متر واحد بسبب هذه السدود سيهدّد الحياة البرية بشدة، ولذلك تمثل هذه الاستراتيجية أيضًا خطرًا على النظام البيولوجي خاصة داخل الغابات، مع تزايد أعداد السكان في تلك المناطق؛ نتيجة إحلال الزراعة لصغار المزارعين، وهو ما يترك تحديًا أمام الحكومة لوجستيًّا وسياسيًّا في الحفاظ على النظام الإيكولوجي؛ من خلال نقل العائلات من مناطق الغابات([5]).

ظهرت العديد من المبادرات البيئية الأخرى للحفاظ على النظام الإيكولوجي كان منها محاولة استعادة غابات نيري التي فقدتها كينيا، وهي منطقة تشتهر بإنتاج الشاي والبن، وذلك من خلال نظام مقايضة غير معتاد يشجّع السكان على زراعة الأشجار (زراعة 5000 شجرة في العام)، مقابل الحصول على بعض المنح مثل: الألواح الشمسية أو الماعز أو الدجاج([6]).

وقد بدأت غابات هذه المنطقة تتقلص نتيجة للتعديات، وبعضها كان نتيجة لضغوط تغير المناخ على الزراعة والمياه، وكانت إعادتها ضرورية لتخزين المياه، التي تمد المناطق المجاورة؛ لأن غياب الأشجار يؤدي لتفاقم التآكل وتقليل الأمطار وتجفيف موارد المياه، من ثم كان اللجوء لنظام المقايضة للتصدي لمشكلة فقد الغابات، فضلاً عن بناء بعض السدود بعيدًا عن تلك الغابات -لا سيما غابة ماو- لتفادي إشكاليات الجفاف والتصحر.

خلاصة القول، تظل الإشكالية الرئيسية في تراجع كفاءة بعض السدود ما ينذر بتهديد البنية التحتية للدولة، ويخلف خسائر في الأرواح، وغرق مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في المستقبل، ومكامن الثروات الطبيعية، وتفشّي الأمراض الناتجة عن الفيضان والأمطار الغزيرة غير المستغلة، بما يمثل تهديدًا وخطرًا للنظام الإيكولوجي، في ظل تراجع الثروة الحيوانية السمكية، وقلة مساحة الغابات نتيجة تجريفها بشكل جائر، لكن بالرغم من تلك التحديات التي تواجه النظام البيئي؛ إلا أن هناك العديد من الإجراءات التي يجب على الدولة الأخذ بها لمواجهة العجز المستقبلي للمياه والحفاظ على البيئية، وتتمثل أبرز هذه الإجراءات فيما يلي([7]):

1-الإدارة الشاملة للنظام الإيكولوجي، والسيطرة على التدهور داخل المنطقة المحمية والمناطق الزراعية؛ وذلك من خلال إدارة الموارد المائية، والتنسيق مع المنظمات البيئية المانحة لدعم مشروعات حماية البيئة واتساع نطاق الغابات.

2-تعزيز تنمية الموارد المائية إلى أقصى حد؛ لتلبية الطلب المتزايد عليها، وإدارتها ككل من المصدر بناءً على الاتفاق على التدابير المخطط لها من قبل الدولة.

3-الحيلولة دون قطع المياه أو نقصها من خلال معالجة الإشكاليات الفنية للسدود، وإعادة بناء المتهالك منها طبقًا للمواصفات الفنية الدقيقة، بما يسمح بزيادة مساحة الأراضي الزراعية، واستمرار حرفة الرعي، والذي ينعكس بدوره على زيادة الثروة الحيوانية والسمكية، واتساع مساحة الغابات، ومنع امتداد خطر التصحر في العديد من المناطق، في ظل المحافظة على النظام البيئي. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع


[1] Stefania Albertazzi and others, Relations of power driving tropical deforestation: a case study from the Mau Forest (Kenya), National Committee of Geography of Belgium, Feb 2018.

https://journals.openedition.org/belgeo/24223

الزراعة واستخراج الأخشاب والبنية التحتية من أهم الأسباب لإزالة الغابات كان منهم غابة ماو، والتي يرى البعض بأنها تضاف إلى العوامل السياسية من خلال السيطرة على الموارد الطبيعية التي تمثل سيطرة على المقدرات القومية للدولة. وقد لعب تخصيص الأراضي من قبل الحكومة لصغار المزارعين دورًا رئيسيًّا في إزالة الغابات مؤخرًا فمنذ عام 2001م تم تخصيص 16.320 هكتار من الغابات للزراعة خاصة صغار المزارعين ما أدى إلى زيادة سكانية مرتفعة في تلك المناطق؛ حيث بلغت 66٪ لكيبتورو Kiptororo و183٪ لتينيت Tinet، بالرغم من محاولة الحكومة الحفاظ على البيئة إلا أن إجراءاتها قد أدت إلى إعادة توطين السكان في شرق وجنوب غرب ماو بعدد محدود، كما كانت مخططات المستوطنات موجودة داخل المنطقة المحمية.

See: Mara J Goldman, Strangers in their own land: Maasai and wildlife conservation in Northern Tanzania, conservation and society,2011.

http://www.conservationandsociety.org/article.asp?issn=0972-4923;year=2011;volume=9;issue=1;spage=65;epage=79;aulast=Goldman

[2] Wesley Langat, feature-Huge dam to shore up Kenya's urban water – but may threaten Maasai Mara, Reuters, APRIL 26, 2017.

https://www.reuters.com/article/kenya-dam-water/feature-huge-dam-to-shore-up-kenyas-urban-water-but-may-threaten-maasai-mara-idUSL8N1HY1DV

[3] Iucn, Lake Turkana listed as ‘in danger’ due to impacts from dam, IUCN. Thu, 28 Jun 2018.

https://www.iucn.org/news/iucn-42whc/201806/lake-turkana-listed-danger-due-impacts-dam-advised-iucn

[4] The east African, Kenya, Tanzania clash over planned dams on Mara River, Daily Nation, may 4 2019.

https://www.nation.co.ke/news/Kenya-TZ-clash-Mara-River-dams/1056-5100472-3g8f9j/index.html

[5] Alison M Jones, Ke nya’s Mara River – Under Threat Today, NWNL word press, May 2019.

https://nwnl.wordpress.com/2019/06/04/kenyas-mara-river-under-threat-today/

[6] The east African, Loc.cit.

غابة ماو هي أكبر مصدر للمياه في كينيا. وينبع منها اثنا عشر نهرًا، مما يخدم النظام الإيكولوجي الهشّ في ماو مارا سيرينغيتي، الذي يدعم محمية ماساي مارا الوطنية، وهي منطقة جذب سياحي دولية، فضلاً عن حوض بحيرة فيكتوريا في الغرب. See: Idem

[7] The World Bank Inspection Panel, "Republic of Kenya: Water and Sanitation Service Improvement Project (P096367) and Water and Sanitation Service Improvement Project – Additional Financing (P126637) , The World bank (Nairobi: No. 113844-KE, March 29, 2017), p. 112- 120.

 

كتاب الموقع