أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

اعتقال وزير الخارجية السنغالي في نيويورك..هل وقع الوزير كبش فداء للصراع على أفريقيا؟

 

 

       محمد بشر جوب (*)

 

مضى أسبوعٌ كاملٌ على توقيف وزير الخارجية السنغالي السابق "شيخ تيجان غاجو" في نيويورك بتهمة الرشوة والتواطؤ على الرشوة وفق " قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة" الأمريكي، ووفق التحقيق الذي قام به مكتب التحقيقات الأمريكي (F B I) والذي بدأ منذ 2014، توسعت قائمة المتهمين بالقضية لتشمل الرئيس التشادي "إدريس ديبي إتنو" ووزير الخارجية الأوغندي "سام كويسا" و رجل الأعمال الصيني "باتريك هو" ليكشف لنا ذلك عن حجم القضية وتعقيداتها، وعند النظر في جميع ملابسات القضية، نجد بأن القضية أكبر مما نتوقع، وأنها نتيجةٌ لصراعٍ مميتٍ بين عمالقة الشركات الأمريكية والصينية في السوق الأفريقي، أو بالأحرى هي انعكاسات لصراع النفوذ الذي يجري في أفريقيا بين أمريكا والصين، ونتذكر جميعا تعهُّدَ رئيس الإدراة الأمريكية الحالي "ترامب" أثناء الحملات الانتخابية الأمريكية، بالسعي لتقليل النفوذ الصيني في العالم، وما ذكرناه يفرض علينا أن نتساءل، هل اعتقال الوزير واجهةٌ جديدةٌ من أوجه هذا الصراع؟ وهل الوزير وقع فعلاً ضحية لهذا التنافس؟

 

بداية القضية:

بدأت القضية في عام 2014 عندما التقى الوزير "غاجو" بـرجل الأعمال الصيني "باتريك هو" ، المدير التنفيذي لمركز بحثي غير ربحي في مجال البترول، في وقت تألقت شركة " CEFC" ، التي يملكها رجال أعمال من الصين، من شركة صغيرة إلى لاعب رئيسي في قطاع الطاقة العالمي، مع استثمارات في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، وفي سبتمبر الماضي استحوذت الشركة على حصة قدرها 9 مليارات دولار في " Rosneft" وهي شركة عملاقة مملوكة لروسيا، والشركة خاضعة تحت العقوبات الأمريكية.

برزت شركة " CEFC" لاعبا رئيسياً عالمياً؛ مما أدى إلى زيادة أعمالها التجارية في قطاعات النفط والسفر والمالية في جمهورية التشيك وكازاخستان وإسبانيا والشرق الأوسط،  مع عائدات تقارب 40 مليار $ في عام 2015م، وفقا لإحصاءات الشركة، وعلى حين غرة أرادت الشركة أن تصبح جزءا من مشروعٍ مشتركٍ مع شركةٍ مملوكةٍ للحكومة الصينية لاستغلال النفط في تشاد، حيث كانت الشركة الحكومية الصينية تعمل بالفعل فى تشاد وتواجه غرامة  بمبلغ 1.2 مليار دولار لانتهاكها اللوائح البيئية.

وحسب ماذكرته نتائح التحقيق الأمريكي، فإن "باتريك هو" عرض الأمر على "غاجو" الذي يعمل في مكتب استشاري خاص له، وبحكم أن "غاجو" عمل وزيراً للخارجية السنغالية من 2000 إلى 2009، وساهم في إنجاح مفاوضات السلام بين تشاد والسودان، بالإضافة إلى أنه كان مبعوثا خاصا لمنظمة المؤتمر الإسلامي في أفريقيا الوسطى، احتفظ بعلاقاتٍ جيدةٍ مع رؤساء

المنطقة بما فيهم الرئيس التشادي "إدريس ديبي إتنو"، ولعل هذا ماسهل له مهمة الوساطة التي قامت بها بين الرئيس التشادي وشركة " CEFC" حتى حصلت الشركة على امتيازات في الحقول النفطية في تشاد دون مناقصة، وحسب المراسلات التي حصلت عليها وزارة العدل الأمريكية فإن الرئيس التشادي تلقّى هبة بمقدار 2 ميلون دولار في شكل تبرعاتٍ خيريةٍ بواسطة "غاجو" فيما حصل الوسيط "غاجو" على 400 ألف دولار مقابل خدماته.

 

صراع العمالقة:

الرواية الوحيدة  التي حصلنا عليها في القضية تمخضت من التحقيقات التي قام به مكتب التحقيقات الفدرالي (F B I) وهي التي اعتمدتها النيابة العامة الأمريكية لتوجيه تهمة الرشوة والتواطؤ على الرشوة إلى كل من الوزير " غاجو"  ورجل الأعمال "باتريك هو" وقد ردت الحكومة التشادية وشركة " CEFC" من خلال بيانٍ نفوا فيه كل التهم، وإلى أن ينطق القضاء الأمريكي بالحكم النهائي لهذه القضية، أرى من المهم الإشارة إلى السياق الذي حصلت فيه القضية، حيث يظهر أن القضية وملابساتها ليست إلا انعكاساً للصراع المحتدم بين العملاقين الأمريكي والصيني في السوق الأفريقي.

معلومٌ أن النفوذ الاقتصادي الصيني في أفريقيا تصاعد بشكلٍ رهيبٍ وسريعٍ في الأونة الأخيرة، حيث أنشأت الصين أكثر من 600 شركة بأموال صينية خلال الفترة (1995 - 2005)؛ فيما نمت التجارة الثنائية بين الصين وأفريقيا من 10.6 مليار دولار عام 2000 إلى 160 مليار دولار في عام 2011، وبحسب تقرير للبنك الدولي أصبحت الصين منذ عام 2009 الشريك الاقتصادي الأكبر والأهم لقارة أفريقيا، ولا شك أن هذا التطور أثار حفيظة غريمها أمريكا، حيث أن كلاهما بحاجة إلى أفريقيا كسوق استهلاكي، وكاحتياط أساسي في مجال الطاقة خاصة عندما نعلم أن 20% من الإنتاج العالمي  للطاقة يأتي من القارة الأفريقية، وبالتالي شعرت أمريكا بأن مصالحها مهددة ولا بد من إيجاد سبلٍ حثيثة لمواجهة المد الصيني.

وبالتزامن مع حصول شركة " CEFC" على هذه الامتيازات في تشاد على حساب أمريكا، شهدت شركة (exxon mobil) الأمريكية العاملة في مجال الطاقة انتكاسة كبيرة في تشاد، وكان "ريك تريلسون" وزير الخارجية الأمركية الحالي رئيساً سابقاً للمجلس الإداري لهذه الشركة، وكان هذا هو السبب الرئيسي للتوتر الذي حصل في العلاقات بين تشاد وأمريكا؛ ما أدى إلى إدخال تشاد ضمن الدول التي حذرتها أمريكا من سفر مواطنيها إليها.

فنستخلص من كل ماسبق أن الإدارة الأمريكية بزعامة "ترامب" تسعى جادة في تحقيق شعار "أمريكا أولا" في الأسواق الإفريقية، ولقد قال الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش" أن الصين هي المنافس الوحيد أمام أمريكا؛ بحيث يمكن أن تهدد المصالح الاقتصادية الأمريكية في أفريقيا، ولذلك لاغرابة من تعهد "ترامب" بالقيام بتقليص هذا النفوذ الصيني، فلا يستبعد أن يكون التلويح بقضية الرشوة جزءا من الخطة الأمريكية لخنق الشركات الصينية في أفريقيا، من خلال تخويف المسؤولين الحكوميين والمستقلين الأفارقة، أو جعلهم يؤثرون الشركات الأمريكية على الشركات الصينية.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن العدالة الأمريكية تلاحق وزير الخارجية الأوغندى "سام كوتيسا" بتهمة أن الوزير اقترح لرجل الأعمال الصيني "باتريك هو" تقديم مبلغ قدره 500 ألف دولار لتيسير أنشطة الشركة الصينية حسب الرواية الأمريكية، وفي حين ثبوت التهم التي تم توجيهها إلى الوزير "غاجو" سيواجه عقوباتٍ تراكميةٍ، أقصاها السجن 20 عاما، وهي نفس التهم التي راح ضحيتها الوزير الغيني السابق "محمود تيام" وحكم عليه القضاء الأمريكي في أغسطس الماضي بالسجن سبع سنوات، وكانت التهم تتعلق بتلقي رشاوي وغسل أموال لما يقرب 8.5 مليون دولار، مقابل رخص تعدين تم منحها لشركة تعدين صينية، وفق رواية الإدارة الأمريكية.

 

(*) كاتب وباحث في الشؤون الأفريقية والدولية - السنغال

 

 

 

كتاب الموقع