أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إفريقيا 2020م: عام الفرص الضائعة

محمد عبد الكريم

باحث بمعهد الدراسات المستقبلية – بيروت

مرَّت القارَّة الإفريقيَّة في العام 2020م بتراجُعات لافتة بتأثير عدة عوامل متشابكة؛ أبرزها تداعيات جائحة كوفيد-19 الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وتراجُع نجاعة العمل الجماعيّ الإفريقيّ بشكلٍ لافتٍ، ونكوص خطير في تجارب "التحوُّل الديمقراطيّ" في العديد من الحالات، وتجدُّد الأزمات الإثنيَّة وقمع الدولة لأقليَّات دون مساءلة إقليميَّة ودوليَّة (كما في المثال الإثيوبيّ رغم وقوع مذابح جماعية وثَّقتها الأمم المتحدة)، وتفاقم فشل مواجهة الدولة الوطنية لمسائل مثل انتشار الإرهاب وتعقُّد أزمة التنمية، وتراجع المؤشّرات الاقتصاديَّة الكليَّة في أغلب الدول الإفريقيَّة، في سياق أزمة اقتصاديَّة عالميَّة شهدها العام 2020م، ويُتوقّع أن تستمرّ تأثيراتها لأعوام قادمة.

كما تعرَّض الصمود الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ للقارَّة الإفريقيَّة لاختبارات مؤلمة في العام 2020م، لا سيما أن القادة الأفارقة حافظوا منذ اندلاع أزمة كوفيد-19 على إثارة الشكاوى التقليدية التي طالما تحجَّجوا بها لوصف هامشيَّة وضع إفريقيا في الساحة الدولية على خلفية ما تعرَّض له الأفارقة من تمييز في العالم من "جوانجزهو" في الصين إلى الولايات المتحدة، وبروز حركة "حياة السود مهمة"، وهي حوادث كشفت مدى تعمُّق الظلم العرقيّ المنهجيّ.

وضاعف مِن إبراز هذه الأزمة تراجُع قارّي عامّ، وتحديات مترتبة على هذا التراجع؛ مثل: خلق مزيدٍ من فرص العمل والمجال المالي الذي تحتاج له الحكومات الإفريقيَّة للاستجابة الفعَّالة للجائحة وتداعياتها. وفي ضوء التحديات المتوارثة وتزايد الانقسام في العالم مما يُغذِّي النزعة الحمائية؛ تعيد الحكومات الإفريقيَّة تقييمها لأدوارها في النظام الدولي وتُعيد كتابة قواعد الانخراط مع الشركاء من خارج القارَّة.    

ويمكن رصد عددٍ من أهمّ القضايا التي واجهت القارَّة الإفريقيَّة على النحو التالي:

1- التهميش الدوليّ للقارَّة الإفريقيَّة:

دعا قادة القارَّة الإفريقيَّة -منذ تفشّي جائحة كوفيد-19 في حقيقة الأمر- إلى إصلاح "نظام الحكم العالمي"، وموازنة العلاقات الدولية بما يُتيح لإفريقيا تقلُّد مكانة معقولة في النظام الدولي، كما اتضح ذلك في جهود الاتحاد الإفريقي في ملف إصلاح مجلس الأمن بالأمم المتحدة ومسألة العضوية الدائمة وغير الدائمة، غير أن هذه المساعي واجهت فشلاً ملحوظًا. ومع نهاية العام 2020م يُتوقّع أن يكون طريق القارَّة نحو تعافٍ مستدامٍ وشاملٍ لما بعد الجائحة طويلاً وعسيرًا؛ فقد كثَّف المتنافسون الدوليون نشاطهم في إفريقيا بما يهدّد بوضع إفريقيا على مفترق طريق حاسم بين الولايات المتحدة والصين. غير أنَّ مراقبين أكدوا أن الجائحة منحت إفريقيا فرصًا لتنويع علاقاتها الخارجية. وأنه لكي تلعب إفريقيا دورًا رئيسًا في الساحة الدولية فإن دولها بحاجة إلى تبنّي مساومات جماعية أكثر ذكاءً، وإعلاء مطالبها بشكل جماعيّ.

وطُرِحَتْ أفكارٌ حول موقع إفريقيا في النظام العالمي ما بعد كورونا، الذي يتَّسم بشكلٍ واضحٍ بعلو موجات النزعات القومية، والتراجع عن أفكار العولمة، وسيادة شعار "الاكتفاء الذاتي"، الأمر الذي يكشف عن مدى التحديات التي واجهتها القارَّة الإفريقيَّة طوال العام 2020م.

2- تعقُّد مشكلة الديون:

تظل مشكلة الديون الإفريقيَّة من أهمّ المشاكل التي تواجهها دول القارَّة منذ ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع التراجع المستمر في قيمة العملات الإفريقيَّة، وارتفاع أسعار البترول والطلب عليه، وتراجع السياحة وتدهور كبير في تحويلات الأفارقة العاملين في الخارج. ورغم اتفاق دول G20 على تعليق ديون الدول الفقيرة لفترة ستة أشهر (قابلة للتجديد في العام 2021م) عبر مبادرة تعليق خدمات الديون Debt Service Suspension Initiative (DSSI)؛ فإن القادة الأفارقة يرون أن القارَّة بحاجة إلى فترة لا تقل عن عامين من الإعفاء من خدمة الديون بعد نهاية جائحة كوفيد-19.

وواجهت دولٌ مثل جيبوتي وأنجولا وإثيوبيا وكينيا في العام 2020م (ومرشحة للتصاعد في العام 2021م) خطر "ضغط الديون". وظلت قدرة إفريقيا على التعافي من أزمة خدمات الديون المتوقّع تفاقمها في السنوات المقبلة رهن تحرُّك مجموعة G20 وقدرتها، إلى جانب الدول الصاعدة، والقطاع الخاص على الشراكة الجماعية وتطوير استجابة هيكلية ناجعة إفريقيًّا.

وتفاقمت أزمة الديون الإفريقيَّة في العام 2020م وسط تراجع أسعار المواد الخام، والكساد الاقتصادي في إفريقيا، وتداعيات جائحة كوفيد-19. وقد دفعت هذه التداعيات الموقف نحو مزيدٍ من السوء، والاعتماد على G20 لا سيما بعد مناقشة وزراء المالية بالدول الصناعية الأكثر تقدُّمًا والدول الصاعدة منتصف نوفمبر 2020م إعفاء الدول الأكثر تضررًا من الأزمة من ديونها.

3- تصاعُد الأزمات الإثنيَّة

عزَّز العام 2020م صورة إفريقيا التقليدية كساحة "مثالية" للصراعات والأزمات الإثنية، كما اتَّضح في حالات إثيوبيا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكاميرون، وبوادر أزمات مماثلة في كينيا وموزمبيق وبوركينا فاسو، وغيرها؛ مما هدَّد باتساع رقعة الدول التي تواجه مشكلات إثنية عنيفة، عوضًا عن وجود مظاهر توتر إثني داخل أبنية الدولة والمجتمع الإفريقي.

وحظيت الأزمة الإثنية في إقليم تيجراي والمواجهات بين قوات الحكومة الفيدرالية وقوات حكومة الإقليم في نوفمبر-ديسمبر 2020م بالاهتمام الأكبر من المتابعة، فيما شهدت جمهورية إفريقيا الوسطى أزمة إثنية على خلفية تحديد مواعيد الانتخابات الرئاسية والنيابية نهاية العام 2020م، وتصاعد أنشطة الجماعات المسلَّحة في البلاد طوال العامين 2019-2020م.

وعلى نحو تقليديّ فإن التدخل الخارجيّ غذَّى تصاعد هذه الانقسامات، كما تَمثَّل في هذه الحالة في أنشطة فرنسا وروسيا في دعم العديد من الحركات المسلحة بشبكات تعاون عسكري واستخباراتي لتحقيق أغراض باريس وموسكو التي تتعارض كليةً مع الاستقرار السياسي في هذه الدولة المهمة الواقعة عند تقاطعات إقليم الساحل شرق إفريقيا والقرن الإفريقي وغرب إفريقيا.

وهكذا فقد واجهت الدولة الإفريقيَّة أزمة متشعّبة جراء عجزها الهيكلي عن تسوية المشكلات الإثنية عبر مقاربة شاملة مدعومة إقليميًّا ودوليًّا؛ الأمر الذي قد يتفاقم في العام 2021م على خلفية التراجع الاقتصادي الكبير ونموّ فرص عدم الاستقرار السياسي.

4- تصاعد الأنشطة الإرهابيَّة:

يتَّضح من قراءة خريطة انتشار الجماعات الإرهابية وأنشطتها في القارَّة الإفريقيَّة خلال العام 2020م -والذي يتوقع اتساعه خلال العام المقبل أيضًا- ارتباط العنف أو التمرد على الحكومة المركزية بظاهرة الاستغلال الاقتصادي بشكل واضح.

ويُلاحظ تزايد الدراسات الإفريقيَّة المعنية بهذا الارتباط وسياقه وتفسير لعنة الموارد لظاهرة الإرهاب، كما في حالة نيجيريا وموزمبيق بشكل رئيس إلى جانب حالات أنجولا وتشاد والكونغو وجنوب السودان. وهي مفيدة إلى حد كبير في تفسير الحالة المتوقع تصاعدها مستقبلاً في شمالي موزمبيق.

ولاحظت الدراسات أن الإرهاب شكلٌ مِن أشكال العنف السياسيّ، ويرتبط بمحاولة تحقيق نوع من التأثير "داخل سياق سياسي"، وأنه نتيجة لمجموعة معقَّدة ومتنوّعة من العوامل السوسيو-ثقافية والنفسية والسياسية؛ كما أنه وليد زمنه ومكانه. وأن هناك مواطنين يشاركون في التنظيمات الإرهابية من أجل التضامن الاجتماعي-الاقتصادي، بغضّ النظر عن العائد السياسي، وأن هدفهم يكون بالأساس تكوين صلات (أو مصالح اقتصادية) مع العناصر الأخرى وليس مجرد تحقيق أجندة الجماعة الإرهابية، في مثال فريد على التشابكات والتقاطعات على المستويين المحلي والخارجي.   

كما تمثّل أنجولا مثالاً فريدًا للدولة الإفريقيَّة الثرية بمواردها الطبيعية وعائداتها الاقتصادية، والتي يعاني مجتمعها في الوقت نفسه من الفقر وتدني مجمل المؤشرات الاجتماعية، مما أنتج بيئة ملائمة لنمو الأنشطة الإرهابية والإجرامية؛ إذ تعتمد أنجولا -ثاني أكبر منتج للبترول في إفريقيا بعد نيجيريا مباشرة-، على صادرات البترول (إلى جانب الغاز الطبيعي والماس) لتحقيق ناتج محلي إجمالي في حدود 82 بليون دولار (2019م)؛ لكنّها تُصنَّف حسب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في المرتبة 149 بين 189 دولة في العالم من جهة المؤشرات الاجتماعية.

وتحضر مسألة مواجهة الإرهاب في كافة ارتباطات أنجولا الخارجية لا سيما مع الولايات المتحدة والهند. مع ملاحظة أن الثروة المعدنية بأنجولا لم تُغَذِّ الحرب هناك فحسب، لكنَّها صاغت أشكال الصراع، وغذَّت مسائل تقليدية من قبيل عدم عدالة توزيع عائدات هذه الموارد، والصراع على ملكية عائدات النفط في أنجولا بين الجماعات القاطنة في مناطق استخراجه من جهة والحكومة الوطنية وشركات النفط متعددة الجنسيات من الجهة الأخرى.

ومثَّل تراجع الدعم الدولي لجهود الصومال ودول الساحل ونيجيريا في مواجهة الإرهاب سمة مميزة للعام 2020م؛ تنبئ بدورها عن أزمة متصاعدة في العام 2021م مع استمرار تهميش مصالح هذه الدول في القضاء على الإرهاب، ورهن الجهود الدولية بأجندات لا تتَّسق بالضرورة مع مصالح الدول الوطنية واستقرارها إفريقيًّا (كما في نموذج فرنسا في دول الساحل وتراجع الدور الفرنسي على خلفية مشكلات تمويلية وخلافات مع المانحين والممولين لجهود فرنسا في الساحل، وأزمات ثقة مع نُظُم الحكم في دول الساحل الخمسة).

خلاصة:

كان العام 2020م بمثابة تجسيد مثاليّ للفرص الضائعة إفريقيًّا على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومكانة إفريقيا في النظام العالمي؛ فبدلاً من تبوّأ إفريقيا قدرًا من مكانتها المستحقَّة عبر تفعيل منطقة التجارة الحرة القارّية مطلع العام 2020م شهدت الملفات الإفريقيَّة بشكل عام تراجعات وتحديات إضافية يُتوقع تعميقها من أزمات أخرى في العام المقبل.

ــــــــــــ

قراءات مقترحة:

 

كتاب الموقع