أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إفريقيا.. والسعي الروسي للعودة إلى جنوب الصحراء الكبرى

 

بقلم: ليسلي فارين (*)

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

 

استضاف معهد إيفيريس أثناء جلسته الخاصة دبلوماسيًّا روسيًّا في أكتوبر 2016م، لكنَّ الأسئلة التي طُرِحَتْ عليه حول مكانة روسيا في إفريقيا أثارت حنينًا في نفس مُمَثِّل روسيا الاتحادية؛ حيث أعرب عن أَسَفه عن اختفاء النفوذ الروسي في القارة منذ نهاية الحرب الباردة.

لكن بعد مُضِيّ عامين من الاستضافة تلك، يصعب وضع قائمة شاملة عن الاتفاقيات الروسية-الإفريقية التي تمَّ التوقيع عليها أو على وشك التوقيع، سواءً في المجال العسكري والطاقة، فضلاً عن القطاع المعدني أو النووي.

 لكنَّ المذكرة التي تمَّ التوقيع عليها، في شهر يوليه 2018م، أثناء انعقاد قمة بريكس في جوهانسبورغ بين روسيا وSADC (الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي) هي، بلا شك، إحدى أهم الاتفاقيات المُبْرَمَة بين الطرفين. وهي منظمة إقليميَّة ذات نفوذ كبير؛ لكونها تتضمن 16 دولة لا يُستهان بحجم بعضها على غرار جنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية أو أنغولا. غير أنَّ المفاجأة كانت في السرعة التي تميَّز بها عقد الشراكات؛ حيث تمَّ إبرام معظمها بين عام 2017م وبين النصف الأول من عام 2018م بينما وقَّعَت موسكو –قبل سقوط الجدار- 37 اتفاقية للدعم التقني والاقتصادي مقارنة بـ 42 اتفاقية تجارية مؤخرًا؛ مما يوحي بأنها ليست بعيدة عن الربط بإنجازاتها الماضية.

وعدا نظَر بعض مواطني جمهورية الكونغو الديمقراطية بعين الريبة إلى الدعم الروسي للرئيس كابيلا بعد إبرام الاتفاقية العسكرية بين البلدين، واعتبار معظم الرأي العام للدول المعنية هذا التطور مسخرة؛ فالرأي العام ليس غاضبًا من أن يرى المستعمرين السابقين والولايات المتحدة الأمريكية منهزمةً في اللحظات الأخيرة. لكنَّ قادة الدول الغربية استاءت لعدم مقدرتها على احتواء الصين في القارة السمراء، وأُصيبت بالذُّعْر والقَلَق. وهل يُفْهَم من الزيارة الأخيرة التي قامت بها تيريزا ماي وأنجيلا ميركل إلى إفريقيا مقياسًا لذاك القلق الصامت؟(1).  

 

سَعْيٌ رُوسِيّ حثيث للعودة إلى إفريقيا

إن المساعي الروسية للعودة إلى إفريقيا الصحراء الكبرى من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب؛ تتجلى من خلال الاتفاقيات المتنوعة، وأحيانًا –كما هو الحال في التشاد -عبر الاكتفاء باتفاقيات تعاون عسكري بسيط في مجال التدريب حيث لم تدخل المدرعات الروسية إلى إنجامينا. ومع ذلك ما يزال الأمر مفاجئًا؛ لأن قوات باركان الفرنسية لم تزل متمركزة في العاصمة التشادية فضلاً عن وجود القوات الأمريكية(2)، (3).

وأحيانًا تكون المشاريع من العيار الثقيل؛ حيث وقَّعَت أوغندا بروتوكولا، في يونيو 2017م، مع روسيا بشأن الطاقة النووية(4).

لكنَّ التقارب بين موسكو وكامبالا الذي شمل العديد من المجالات مثيرٌ كذلك؛ حيث كان الاعتقاد السائد، حتى ذاك الحين، أن موسي فيني أحد أكثر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وفاءً في المنطقة. ومع أن الاتفاقيات المُبْرَمَة بين كل من السودان وسيشيل وغينيا كوناكري من جهة وبين روسيا من جهة أخرى كانت في مجال التعدين، إلا أنَّ الأخيرة تستثمر في المجال الصحي في مدغشقر تمهيدًا – حسب تطلعاتها- إلى الوصول إلى المنفذ عبر ميناء تُواماسينا للوصول إلى المحيط الهندي(5).

وإلى جانب ذلك منحت روسيا قرضًا بقيمة 132 مليون يورو إلى كوات ديفوار عن طريق المصرف VTB لتحديث المستشفيات. وبالطبع، أثار مجيء القوات الروسية إلى إفريقيا الوسطى جدلاً واسعًا (6) في حين أن بوركينافاسو وَقَّعَت اتفاقية التعاون العسكري مع روسيا أثناء منتدى القوات الروسية في شهر أغسطس المنصرم..(7).

يُذكر أنَّ في عدة قطاعاتٍ، ولا سيما التعدين والطاقة أو الطاقة النووية، تجد روسيا نفسها في منافسة مع حليفها الصيني، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى اتفاقهما على توزيع الأدوار؟ ليس من المستبعَد أن تكون قد شكَّلت هذه النقاط موضع مباحثات ثنائية مع توزيع الأدوار في إطار استراتيجية بريكس لبسط نفوذها على كل أرجاء إفريقيا.

 

 تأثير الثبات الروسي في نفوس الزعماء الأفارقة     

على الرغم أن الانطباع الأوليّ لدراسة هذه العلاقات التعاونية يُوحِي بأنها تحرُّكات على كل الجبهات، وتتسم بالفوضى والافتقار إلى استراتيجية جغرافيَّة وعدم تخصيص القطاعات، إلا أنَّ السرعة التي تصاحب إعادة بسط النفوذ الروسي على مستوى القارة تثبت العكس. وانتعاش محور روسيا/ إفريقيا الذي غيَّبته فترة بوريس يلتسين ليس فقط أخذ ثأر على ماضٍ مؤلم بل يعتبر جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الكرملين الهادفة إلى تعزيز نفوذها العالمي.

ومع أنَّ تلك الطموحات في طريقها إلى التحقّق؛ إلا أنها ليست وليدة اليوم؛ فقد سبقتها في الفترات الماضية عدة محاولات رامية إلى انتعاش النفوذ تمثلت في قيام فلاديمير بوتين في عام 2006م بزيارة إلى المغرب وجنوب إفريقيا، ثم أعقبتها زيارة أخرى لديميتري ميد فيديف، في عام 2009م إلى أنغولا ونيجيريا.

 ورغم إلغاء روسيا بمناسبة تلك الزيارات 20 مليار دولار من ديونها على تلك البلدان، كانت العملية محدودة نوعًا ما؛ لاكتفاء موسكو تلك الفترة بانتعاش علاقاتها مع الدول التي كانت تربطها علاقات تاريخية بالاتحاد السوفيتي السابق على غرار زيمبابوي، وغينيا كوناكري فضلاً  على أنغولا(8).

وفي عام 2001م كان انضمام جنوب إفريقيا إلى بريكس فرصة لروسيا لتعزيز محور الإفريقية غير أن تكثيف إبرام الاتفاقيات بدأ من نهاية عام 2016م ليبلغ ذروتها في عام 2017م ثم 2018م. وساهمت انتصارات الجيش الروسي الدالة على ثبات الكرملين، رغم العواصف، في دعم حليفه السوري جعلت العديد من الزعماء الأفارقة لا يُخْفُونَ رغبتهم في عودة روسيا عبر العلاقات العسكرية إلى القارة؛ لتأثير الوفاء الروسي فيهم.    

 

ردود الأفعال

إن تقديم رؤساء المستعمرات الفرنسية السابقة طلب الحصول على الدعم من روسيا شيءٌ لم يكن من الممكن تخيُّله قبل عشر سنوات، لكنه أصبح حقيقةً واقعيةً؛ فبعد تواديرا، رئيس إفريقيا الوسطى، تقدم محمادو يوسوفو، الرئيس النيجري، بدوره بطلب دعم من روسيا والذي كان بمثابة وَخْز على المستعمر، وقد أوردت مجلة  Lettre du Continent "رسالة القارة" في عددها الصادر في 18 يوليو 2018م خبرًا مفاده أن "محمادو يوسوفو يَحُثُّ بوتين لينقذه من فخّ الإرهاب".

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس دولة النيجر، رغم وجود القوات الفرنسية في نيامي، سمح للولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء أكبر قاعدة أمريكية للطائرات بدون طيار على مستوى القارة الإفريقية على أراضيها في منطقة أغاديز، فضلاً عن إعطائه الإذن بتسليح وتجهيز هذه الطائرات(9). وثمة قوات أمريكية خاصة موجودة على الساحة، إضافة إلى قاعدة عسكرية ألمانية، وقوات إيطالية؛ وهل مجيء الدُّبّ الأزرق الروسي لن يسبِّب مزيدًا من الفوضى؟

وفي السياق نفسه يتطلع محمادو يوسوف إلى الطلب من بوتين "إلى الإلقاء بثقله على واشنطن لتكون القوات G5 الساحل تحت إشراف قوات مينوسما، مما سيؤدِّي إلى إخراج فرنسا من المنظومة (10)؛ رغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد جعل نفسه راعيًا لهذه القوات الإفريقية المؤلَّفة من خمس دول (بوركينافاسو، ومالي، ونيجر، وتشاد، وموريتانيا) رغم ما يُقال عن تلك القوات بأنها «مستقلة».

وفي الواقع ستدفع فرنسا ثمنًا باهظًا لسياستها الإفريقية المتقلِّبَة في هذه السنوات الخمس عشرة الأخيرة، تدفع ثمن حربها في ليبيا وكوات ديفوار في عام 2011م، وتعجيل انسحاب قوات سانغريس في أكتوبر 2016م من إفريقيا الوسطى قبل تمكن الدولة من إرساء الأمن في البلاد، فضلاً عن تدخُّلها العسكري في مالي الذي كان بمثابة مستنقع سيئ، أو بالأحرى كان فشلاً فاضحًا.

وتخسر فرنسا كذلك بسبب تعاميها المتعمد أمام عمليات التزوير الانتخابي التي يرتكبها الرؤساء المستَبِدُّون الذين استاءت منهم الشعوب، إضافةً إلى ثمن التعالي الذي تضمنه خطاب نيكولاس ساركوزي في داكار -رغم أن الرؤساء المتعاقبين ينأون بأنفسهم عنه-، والتصريحات المثيرة لإيمانويل ماكرون عن الديمغرافية في إفريقيا.. وهي مواقف ينظر إليها الكثير بمثابة إعطاء الدروس إلى الأفارقة. وهذه الخطابات لم تَعُدْ مقبولةً لا من الرؤساء الأفارقة في الحكم فضلاً عن عموم الشعوب.      

 

رابع المستحيلات

إنَّ أخطاء الغرب تخدم الكرملين؛ حيث استقرأ فلاديمير بوتين كل الأخطاء المرتَكَبَة من الغربيين، والتداعيات السلبية التي تُفْرِزُها؛ فبعد مرور ستين عامًا من استقلال معظم البلاد الإفريقية إلا أنها لا تَنْعَمُ بالاستقرار، ولم تحقِّق التنمية فضلاً عن إرساء الديمقراطية رغم الخطابات الغربية التي تتضمن دروسًا أخلاقية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها.. لذا ينظر العديد من الرؤساء والشعوب إلى عودة روسيا إلى المشهد الإفريقي بعين الرضا، ولكن لأسباب متناقضة؛ فبينما يأمل الاتجاه الأول عبر الاتفاقيات في أن يضمن لهم بوتين البقاء في السلطة، ينظر الاتجاه الآخر إلى روسيا بأنها لم تكن دولة استعمار لإفريقيا في الماضي، وأنها دافعت عن نضال التحرير من فترة باتريس لو مومبا إلى عهد موديبو كيتا.

والاتجاه المعني يتوقع من روسيا عدم التدخُّل في الشئون الداخلية، واحترام سيادة الدول، فضلاً عن التخلُّص من عمليات التزوير والرؤساء مدى الحياة.    

وفي هذا السياق، ستشكل الانتخابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية المزمع إجراؤها في 23 ديسمبر 2018م اختبارًا من العيار الثقيل لروسيا؛ فما الموقف الذي ستتبناه روسيا حتى تبقى وَفِيَّة لشريكها الجديد دون التدخُّل في السياسة الداخلية لكينشاسا على حساب الكنغوليين؟! 

 

الخلاصة

لقد نشرت وزارة الداخلية والهيئة الأمريكية للمسح الجيولوجي تقريرًا مثيرًا للقلق في ديسمبر 2017م؛ ذُكِرَ فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد 100% في بعض المعادن على غرار الكوبالت والتنتالوم والمغنيسيوم(11) وخامات أخرى نادرة (12). وهذه الخامات أساسية في الصناعة الأمريكية، سواء فيما يخص الطائرات، والتسليح، والسيارات الإلكترونية وفي الهواتف المحمولة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن تأمين هذه المعادن جزء من الأمن القومي، وخاصة أن جُلّ هذه الخامات تحت رحمة الصين المتصدِّرة على قائمة المنتجين وأيضًا روسيا، ومن إفريقيا.    

وفي الوقت الذي تناضل فيه الولايات المتحدة الأمريكية للاحتفاظ بهيمنتها على العالم؛ فها هي تعتمد على دول البريكس، وجمهورية الكنغو الديمقراطية -على سبيل المثال- التي تؤمِّن لوحدها 66% من الإنتاج العالمي للكوبالت، وظلَّت كمحمية صيد أمريكية منذ استقلالها، بدأت تُغيِّر الحلفاء مختارةً الشركاء الصينيين والروس. وسيكون من المدهش أن يَمُرَّ هذا الوضع الجديد دونما عرقلة سيِّما بعد إعلان الحرب التجارية على الصين، وفرض العقوبات الاقتصادية على روسيا.. إذاً لا يُستبعد تجدُّد التوتر.      

 

الإحالات والهوامش:

(*) يمكن الاطلاع على المقال الأصلي من هنا

 (1) تجدر الإشارة إلى أن منذ 40 عامًا لم يقم رئيس وزراء إمبراطورية بريطانيا بزيارة كينيا، مستعمرتها القديمة قبل زيارة تيريزا ماي مؤخرًا.

 https://francais.rt.com/international/53652-theresa-may-degaine-nouvelle-danse-mouvement-atrocement-bizarres-video

 (2) http://www.camerounliberty.com/cooperation-le-pivot-du-tchad-vers-la-russie-2

  (3) كان من المفترض نقل المقر الرئيس لقوات G5 الساحل إلى منطقة وُور في تيبستي شمال شرق تشاد.

 (4)   http://www.monitor.co.ug/News/National/Uganda-Russia–nuclear-agreement/688334-3978476-4avp59z/index.html

 (5)   https://www.lexpressmada.com/29/05/2018/cooperation-la-russie-investit-dans-la-sante-a-madagascar/                                                                                     

 (6) https://www.courrierinternational.com/article/influences-la-centrafrique-terre-de-lutte-entre-la-russie-et-la-france

 (7)  https://www.youtube.com/watch?v=EZvdPiTPc8A   

  (8) في عام 2014م لم تكن تمثل عقود الدفاع الروسية مع إفريقيا جنوب الصحراء غير 2% من مجموع  الصادرات الروسية العالمية.                                                                                             

 (9)  https://theintercept.com/2018/08/21/us-drone-base-niger-africa/

(10)  La Lettre du Continent du 18 juillet 2018          

  (11) https://www.doi.gov/pressreleases/groundbreaking-report-us-reliant-china-russia-other-foreign-nations-many-critical                                                     

 (12)  https://www.insidesources.com/americas-troubling-growing-reliance-foreign-minerals/

 

 

كتاب الموقع