أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إفريقيا والثورة الصناعية الرابعة

إذا كانت الثورة الصناعية الأولى استخدمت طاقة الماء والبخار لميكنة الإنتاج؛ فإن الثورة الثانية استخدمت الطاقة الكهربائية لتيسير الوصول إلى عمليات الإنتاج الضخم. أما الثورة الثالثة فإنها استخدمت الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لأتمتة الإنتاج.

ونحن اليوم بصدد ثورة صناعية رابعة تستمد وقودها من الثورة الثالثة؛ إنها الثورة الرقمية التي تحدث منذ منتصف القرن الماضي، وتتَّسم بمزيجٍ من التقنيات التي تتجاوز الخطوط الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية.

وربما يُطرَح السؤال في هذا السياق عن موقع إفريقيا في كلّ هذه الثورات الصناعية؟

لقد قدمت إفريقيا والشعوب الإفريقية إسهامًا كبيرًا في الثورة التكنولوجية للغرب أكثر من إسهام الغرب في تحقيق التغيير الصناعي المنشود في إفريقيا. ذهب وولتر رودني إلى وصف الجانب العكسي من الصعود الغربي من خلال بيان كيف أسهمت أوروبا في تخلُّف إفريقيا. لكنَّ عليّ مزروعي يرى أن هناك قصة كبيرة أخرى؛ قصة تُظهِر كيف أسهمت إفريقيا في تنمية أوروبا؟

لقد كانت كل خطوة في مساهمة إفريقيا في تنمية الغرب بحدّ ذاتها مرحلة في تاريخ العولمة؛ ففي عصر تجارة الرقيق أسهم الملايين من أبناء وبنات إفريقيا في حضارة الغرب؛ من خلال المساعدة في الثورة الزراعية في الأميركتين والثورة الصناعية في أوروبا في وقت واحد. وعليه فقد وُضِعَ الأفارقة في خدمة الرأسمالية الغربية التي كانت بحدّ ذاتها جزءًا من العولمة الناشئة.

وبالمثل فقد ارتبطت الثورة الصناعية الثانية بعصر الاستعمار الغربي لإفريقيا. أما الثورتان الثالثة والرابعة؛ فإنهما يرتبطان بمعارك التكالب الدولي على إفريقيا ابتداءً من عصر الحرب الباردة وما بعدها.

إنَّ الحديث اليوم عن الذكاء الاصطناعي، وظهور الثورة الصناعية الرابعة، قد خلق نوعًا من الخوف في البلدان المتقدمة من أن العديد من الوظائف سوف تختفي أمام الآلات والروبوتات، وأن النمو الاقتصادي سوف يكون مقيدًا بمدى التقدم التكنولوجي.

ومع ذلك، يمكن أن تكون القارة الإفريقية قادرة على الاستفادة من هذه التقنيات بطرق قد لا تكون متصورة في الاقتصادات الأكثر تقدمًا. وربما يتعين على الأفارقة تجنُّب استخدام التقنيات البالية باهظة الثمن، والقفز مباشرة إلى استخدام أحدث الابتكارات. وإذا كانت الضرورة هي أُمّ الاختراع؛ فإنها في إفريقيا تصبح أُمّ الابتكار.

ومن الطريف أن الأفارقة هم أكثر الناس قدرةً على تبنّي التقنيات الجديدة. وعلى سبيل المثال بعد تجاوز استخدام خطوط الهواتف الأرضية، سارع مستخدمو تكنولوجيا الهاتف المحمول إلى معرفة الفوائد التي يمكن الحصول عليها، وخاصة خدمات تحويل الأموال عبر الهواتف المحمولة. ومع نهاية عام 2017م، كان هناك 122 مليون حساب نَشِط للأموال المستخدَمة عبر الهاتف في إفريقيا؛ حيث بلغ حجم التعامل 20 مليار دولار شهريًّا، وهو ما يُشكّل 63٪ من قيمة جميع معاملات النقود المستخدَمة عبر الهاتف في العالم.

ولا شكَّ أنَّ التعليم سوف يكون المفتاح الرئيسي لضمان توفير مستويات المهارات المطلوبة؛ حتى تتمكن إفريقيا من الاستفادة من التقنيات الجديدة. وعليه سوف يكون الاستثمار في التعليم هو المحرّك الأساسي للنمو الاقتصادي.

ولعل السؤال المرتبط بتحديد موقع إفريقيا في الثورة الصناعية الجديدة يتوقف على مدى مشاركتها في عمليات إنتاج المعرفة على الصعيد الدولي.

وفي هذا السياق يطرح المؤرخ الإفريقي بول زيليزا ثلاثة متغيرات مهمة تحدّد مدى مشاركة إفريقيا في التطورات التكنولوجية الجديدة، والاستفادة منها بشكل إيجابي.

أولاً: الإنفاق على البحث العلمي.

ثانيًا: الإنتاجية البحثية.

ثالثًا: تعزيز ثقافة البحث والقدرات البحثية في المؤسسات الإفريقية المعنية.

إذ يُلاحظ أن جملة الإنفاق الوطني في إفريقيا على البحث العلمي مقارنة بإجمالي الناتج المحلي ضئيلة للغاية؛ بحيث لا تتجاوز .5% من إجمالي الناتج القومي مقارنة بنسبة 1.7% في الدول ‏ المتقدمة. وتبلغ هذه النسبة في آسيا 1.6%، وفي أوروبا 1.8%، وفي أمريكا الشمالية 2.1‏%. وقد بلغت نسبة الإنفاق العالمي على التعليم عام 2017م نحو ‏1.7 تريليون دولار أسهمت عشر دول فقط على مستوى العالم بنحو 80% من هذا المبلغ، وبالقطع ليس من بينهم دولة إفريقية واحدة.‏ على سبيل المثال كوريا الجنوبية تنفق نحو 4.3‏% من إجمالي ناتجها القومي على التعليم، وهي الدولة التي كان يمكن مقارنة معدلات أدائها الاقتصادي بالمعدلات الإفريقية منذ نحو ستين عامًا خلت. أما الولايات المتحدة؛ فإنها تحتل المرتبة العاشرة بنسبة 2.7% من إجمالي ناتجها المحلي. ‏

ما هو السبيل لدعم مكانة إفريقيا في عمليات إنتاج المعرفة العالمية؟

يمكن الإشارة إلى ستة متغيرات (6R‏)‏‎ ‎يمكن أن تسهم في زيادة إنتاج إفريقيا من الأبحاث المعرفية، وتعزز ثقافة وقدرات البحث العلمي في المؤسسات الإفريقية:

المتغير الأول هو الموارد Resources:

فالحكومات الإفريقية والمؤسسات المعنية بالبحث العلمي والجهات المستفيدة؛ مثل قطاع الأعمال والمجتمع المدني؛ تقع عليها جميعًا مسؤوليَّة دعم وزيادة تمويل ‏البحث العلمي. والمثير للانتباه أن تراجع الجامعات الإفريقية في إنتاجية البحوث يعكس مفارقة مهمة بين النمو الاقتصادي الملحوظ في العديد من البلدان الإفريقية، وعدم وجود برامج وطنية لتحفيز تطوير جامعات بحثية وطنية لخدمة احتياجات الاقتصاد الناشئ.

المتغير الثاني هو الثواب Reward ‎:

ويعني ذلك تأسيس برامج وطنية وإقليمية وقارّية لتكريم المبدعين والمتميزين ماليًّا وأدبيًّا. ولنا أن نتخيل تأثير جائزة بمقدار 5 ملايين ‏دولار التي خصَّصتها مؤسسة محمد إبراهيم لتكريم القادة الأفارقة لو تم تحويلها لدعم البحث العلمي في إفريقيا. لقد حُجِبَتْ هذه الجائزة ست مرات من عمر الجائزة (11عامًا)؛ وذلك بسبب عدم توافر الشروط في الرؤساء الأفارقة. من جهة أخرى كيف يمكن إقناع أثرياء إفريقيا من أصحاب الملايين والبلايين بتخصيص جزء من ثروتهم لدعم البحث العلمي في إفريقيا. وفقًا لإحصاءات عام 2018م يوجد في إفريقيا نحو 69970 مليونير بثروة إجمالية تبلغ حوالي ‏1.7‏‏ تريليون دولار. لنا أن نتخيل حال البحث العلمي في إفريقيا لو أن هؤلاء الأثرياء خصَّصوا نسبة ضئيلة ولو 1% من مجمل ثروتهم لدعم المؤسسات البحثية الإفريقية.

المتغير الثالث هو التوظيف Recruitment:

وهو معنيّ بجعل وظيفة البحث العلمي جاذبة في سوق العمل. ويتطلب ذلك تأسيس جامعات ومؤسسات بحثية تركّز على عمليات إنتاج المعرفة، وزيادة الإنتاجية البحثية. الأرقام صادمة، ومهمة تطوير العلوم الإفريقية وعلماء المستقبل فيها تُعدّ شاقة وعسيرة؛ حيث يتم إنفاق الأموال العامة على مشروعات التنمية والأمن، وليس على البحث والابتكار. فوفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي؛ تنتج إفريقيا 1.1٪ فقط من المعرفة العلمية العالمية. كما يوجد في القارة 79 عالمًا فقط لكل مليون نسمة من السكان مقارنة ببلدان مثل البرازيل والولايات المتحدة؛ حيث تبلغ النسبة 656 و4500 على التوالي. والأسوأ من ذلك كله، أن هؤلاء العلماء والتقنيين المدرَّبين في إفريقيا، يعمل معظمهم في أماكن أخرى من العالم؛ بسبب افتقار إفريقيا إلى البنية التحتية والموارد. علاوةً على ذلك، فإنَّ انخفاض رواتب أعضاء هيئة التدريس، ونقص تمويل البحوث والمعدات، فضلاً عن محدودية الاستقلال الذاتي؛ كل ذلك يثبّط من عزيمة الأساتذة على البقاء في الجامعات الإفريقية.

 المتغير الرابع هو إعادة التنظيم Retool:

لا شك أن الافتقار إلى إنتاج المعرفة في الجامعات الرائدة في إفريقيا ليس مجرد تعبير عن نقص في القدرات والموارد، بل يعكس مجموعة معقدة من القدرات والحوافز المتناقضة في ظل حالة من شحّ الموارد. وينتج عن هذا نقص أساسي في وجود ثقافة بحثية قوية ومؤثرة في هذه الجامعات. وفي موقع القلب من عملية إعادة التنظيم تلك توجد مجموعة من التساؤلات حول شكل المؤسسة البحثية القوية، وما يحتاج الباحث إليه ليكون قادرًا على العمل بفاعلية وإنتاج بحثي ذي جودة عالية؛ فما الذي يجب على نظام البحث الأوسع نطاقًا القيام به لدعم هذا التوجه؟ وما المطلوب على مستوى التخصصات العلمية (أو المستوى متعدِّد التخصُّصات) لتمكين البحث في مجالات محددة؟ وكيف يمكن تصميم سياسة بحثية لتلبية جميع هذه الاحتياجات أو بعضها؟

المتغير الخامس هو الملاءمة Relevance‏:

ثمة مجموعة من الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تُمثّل تحديًا للمجتمعات الإفريقية. وعليه ينبغي أن تتعامل المؤسسات البحثية الإفريقية معها، وتقوم بترجمة نتائج الأبحاث إلى سياسات واضحة.

وهنا يمكن الحديث عن رؤى وطنية وقارِّيَّة وأممية مثل رؤية الاتحاد الأفريقي 2063. ومن أبرز الاتجاهات المُلحّة: تلك المتعلقة بالتركيبة الديموغرافية الإفريقية؛ حيث يمثّل عدد السكان أقل من 25 عامًا نحو 60% من جملة سكان إفريقيا. كما أن استمرار معدل الزيادة السكانية في إفريقيا سوف يؤدِّي إلى زيادة إجمالي السكان ليصل إلى ‏1.7 بليون نسمة بحلول عام 2030م، أي ما يشكّل 20%‏ من سكان العالم. ومع نهاية القرن سوف يصل عدد سكان إفريقيا 4.5 مليار، أي: ما يعادل 40% من سكان العالم‏.

أما الاتجاه الثاني الذي يتم النظر إليه فيتعلق بالثورة الصناعية الرابعة التي تتسم بتحقيق طفرات هائلة في مجال الذكاء الصناعي وتكنولوجيا المعلومات والبيانات والرقمنة.

ومن جهة أخرى؛ فهناك حاجة إلى تعاون وشراكة قوية بين القطاع الصناعي والمؤسسات الأكاديمية للتعليم العالي في إفريقيا لمواجهة التحديات المتعددة التي تواجه التعليم العالي. ويجب أن تضمن الاستثمارات في التعليم العالي أن إطار الحوكمة يُفْضِي إلى التميز، ويوفّر الاستقلال المالي المعقول، ويعزّز مساءلة المؤسسة والهيئة الإدارية. كما يجب على المؤسسات تعزيز اللامركزية الداخلية في إدارة الموارد، وتشجيع استخدام نُظُم المعلومات الإدارية والشفافية في الإدارة، واستخدام الموارد والتعلم من النتائج.

 المتغير السادس هو التصنيف Ranking:

وذلك من أجل خَلْق تنافسية بين الجامعات ومؤسسات البحث العلمي على المستوى الوطني والإقليمي والقاري، فضلاً عن المشاركة في التصنيف العالمي. لقد أضحى من الشائع في ثقافتنا العامة أن تبدو مؤسساتنا كلها متشابهة، ولكنَّ الغرض من التصنيف هو التميز، ولعل ذلك يقتضي تأسيس جامعات تكون مهمتها الأساسية هي البحث وإنتاج المعرفة. كما ينبغي على الجامعات الإفريقية الرائدة التعاون من أجل التعامل مع التحديات التي تواجهها المجتمعات الإفريقية. ويشير هذا المتغير كذلك إلى ضرورة تأسيس نظام للتصنيف الإفريقي على المستوى الوطني والإقليمي والقاري، بالإضافة إلى المشاركة في التصنيف العالمي. وبالرغم من كلّ التحديات يصبح ذلك النظام متوافقًا مع متطلبات التنمية الإفريقية.

من الأهمية بمكان ألا تَترك الثورة الصناعية الرابعة أحدًا وراءها كما فعلت الثورات الثلاثة السابقة؛ حيث تُرِكَ الأفارقة وحدهم، بل وتم استغلالهم لتحقيق النهضة الأوروبية. يبدو الواقع اليوم مختلفًا؛ حيث يمكن أن تستخدم إفريقيا الثورة الصناعية الرابعة لتصبح فاعلاً رئيسًا في الاقتصاد العالمي، ومع ذلك، يجب أن يكون "الطموح والابتكار" هما المفتاح لتحقيق هذا الهدف. ولا شك أن التكنولوجيا توفّر قوة هائلة نحو التغيير. وهذا سوف يدفع القارة الإفريقية للأمام، ويزيد من مكانتها في إنتاج المعرفة على الصعيد العالمي.

كتاب الموقع