أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إفريقيا...هل تطفو الصراعات الاثنية على الساحة مجددا ؟!

 

 بقلم: سونيا لو جوريليك (*) 

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

يشير العديد من المحللين والباحثين إلى أن القبلية والاثنية أحد الأسباب الرئيسية في نشوب الحروب والصراعات الداخلية في القارة الافريقية.

الإبادة الجماعية التي اجتاحت رواندا وأودت بحياة ما بين 500,000 إلى مليون ( 800,000 حسب تقارير أمم المتحدة) ضحية، جاءت نتيجة أعمال عنف واسعة النطاق أفرزها صراع بين القبيلتين: الهوتو والتوتسي. وما لبِثت القضية أن أثارت جدلا واسعا في فرنسا حول احتمال تورط حكومتها فيها من جهة وتفسير أسباب الإبادة الجماعية من جهة أخرى.

وسرعان ما أصبحت القراءة التي ترجع سبب الإبادة الجماعية إلى الصراع القبلي تتصدر تفسيرات الأحداث لكن هذه القراءة عورضت بتفسيرات أخرى حيث أسند آخرون أسباب النزاع إلى أبعاد أخرى أكثر تعقيدا منها الاجتماعي والسياسي والتاريخي والإقليمي.

على أن وجهة النظر القائلة بأن العامل الأساسي في الصراعات الداخلية في إفريقيا يرجع إلى البًعد القبلي، تزعم بأن المصير الحتمي بين قبيلتي: الهوتو والتوتسي هو الاشتباكات الدائمة، وأن التناحر القبلي والبربرية بينهما مسألة جينية متوارثة جيلا عن جيل عند الأفارقة بشكل عام وعند الروانديين خاصة، وتندلع بشكل عفوي دون استغلال سياسي.

وعلى الرغم من عدم حصرية انطباق هذه القراءة على الصراعات الإفريقية إلا أن إثارة البُعد القبلي أكثر ورودا في الأزمات الداخلية على مستوى القارة، والانتخابات الكينية في 26أكتوبر الماضي كانت نتائجها تعبر عن الانقسام القبلي في البلاد .

 

الاثنية أمر واقعي وأداة ناقلة

وعلى الرغم من أن أدبية الربط بين البعد القبلي وبين الصراعات الداخلية ثرية إلا أنها تشكل محل تناقض بين المحللين؛ فبينما يرى البعض أن الصراع القبلي أمر محتم على القارة السمراء يعتقد آخرون أن السياسيين هم من يقفون وراء استغلال البعد القبلي للمصالح السياسية، خصيصا من المستعمر.

وإن كنا لا ننكر مفهوم " القبيلة" لاعتبارها معيار هوية تميز بين مكونات المجتمع إلا أن القبيلة لا تشكل العامل المحوري الوحيد للنزاعات، وإلا لكانت كل القبائل في العالم في صراع أبدي، لكن التعايش السلمي هو السائد بين القبائل في الغالب.

ولا يعني أن بُعد الانتماء إلى الهويات لا يلعب دورا في الصراعات بل قد يساهم في تعزيز التوترات.

 ويشير المتخصص في العلاقات الدولية والحروب في إفريقيا " بول د. وليامس" إلى أنه يتعين على المحللين البحث عن اعتبارات أخرى غير البُعد القبلي فيما يخص الأسباب المؤدية إلى نشوء الصراعات، مشيرا إلى أن العنصر القبلي مجرد أداة ناقلة، وأن ما يحدث من الصراعات – التي تبدو قبلية لأول وهلة- إنما هي صراعات بين النخبة بسبب مصالح مادية وسياسية.

وفي هذا السياق، كان اندلاع أزمة جنوب السودان نتيجة التنافس بين النخبة على السلطة قبل انزلاقها إلى الانتماء العرقي بين قبيلة دِينكا ونظيرتها النوير؛ فأخذت الأزمة صبغة قبلية في ظاهرها لكن كُنهَها أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

 

 الإشكاليات المتعلقة بالحكم 

 يًذكر أن التلاعب السياسي والأزمات السياسية - الاغتيالات السياسية وغيرها- والأزمات الاقتصادية على غرار الاستيلاء على الأراضي والموارد من جملة أسباب الصراعات.

وعلى الرغم من أن البُعد القبلي أخذ حيزا كبيرا في التوتر بين قبيلتي الأورومو والأمهرا من جهة وبين النظام الإثيوبي من جهة أخرى، إلا أن حصر كل أسباب التوترات على هذا العنصر غير دقيق؛ حيث إن القبيلتين المذكورتين بالإضافة إلى  قبيلة تجران مجموعات غير متجانسة.    

 
                              مظاهرة للأورومو في 1 أكتوبر الماضي (مصدر الصورة : فرنس برس)

 

على أن الاحتجاجات التي اندلعت عام 2016م وأدت إلى فرض حالة الطوارئ وقمع المعارضة جاءت نتيجة إعلان الإدارة المركزية في العاصمة "أديس أبابا" عزمها على دمج عدد من البلديات المجاورة للعاصمة في إطار خطة توسعة المدينة والتي طالت جزءا من منطقة أورموا. 

لكن المحتجين لم ينكروا ضرورة الفيدرالية الأثنية بقدر انكارهم فقدان الديمقراطية لدى النظام وعدم استفادة الجميع من المردود الاقتصادي.

 ويُلاحظ وجود نفس الإشكاليات الناتجة عن فقدان الحكم الرشيد في دول إفريقية أخرى، حيث يستولي الرؤساء على ممتلكات الدولة ويعتبرونها ملكا خاصا لهم ويستولون على موارد البلاد؛ فيتحول وضع الرئيس إلى شخصية محورية تضع استراتيجية جمع الأموال لضمان تبعية الناخبين له. وكينيا نموذج حي لنزعة توريث الحكم حيث إن القبيلة تشكل حافزا للتعبئة من قبل السياسيين حال التنافس جراء السلطة والموارد.  

 

النموذج الكيني

على الرغم أن الانتخابات التي شهدتها البلاد عام 2007م أعقبتها أعمال عنف تسبب في مقتل 1000 شخص ونزوح 350000 آخرين إلا أن الانتخابات التي نظمت في 8 أغسطس 2017م جرت في جو اتسم بالهدوء النسبي.

غير أن المحكمة العليا قررت إلغاء نتائج الانتخابات نتيجة مخالفات من لجنة الانتخابات الأمر الذي حظي بترحيب واسع باعتباره خطوة ديمقراطية ملموسة، لكن إعادة الاقتراع شهدت نوعا من الراديكالية في المواقف بين المعسكرين وتوظيف خطاب اتسم بالأثنية. 

تعود جذور الاشكاليات القبلية فترة الاستعمار البريطاني للبلاد والتمييز في تقسيم الأقاليم حيث جعل الانتماء إلى المجموعة العرقية من شروط تملك الأراضي، وقد أكدت ذلك الباحثة المتخصصة في الشأن الكيني "كلير ميدار" بالقول" إن أعمال العنف الأخيرة نتجت عن المحسوبية السياسية بينما يفسرها ضحايا العنف لأسباب إثنية"، وعلى الرغم من تلاعب السياسيين بالطائفية تظل المصالح المادية والأراضي هي الأسباب الحقيقية للتوترات السياسية. 

 

كيف نفسر انتشار هذه القراءة؟

 وكما نرى، فإن النهج الذي يرى أن الأثنية هي السبب الرئيسي للأزمات يستبعد أي عوامل أخرى قد تكون قد ساهمت في اندلاع الأزمة؛ فما هي أعراض تلك القراءة؟ وكيف نفسر تفشيها –خاصة- في دراسات الأزمات الإفريقية؟

 ويبدو أن التحليل يعتمد – ما وراء تصنيف الهوية - على المراقِب والمراقَب، وأما حصر دراسة الظاهرة على المعيار القبلي فهو إرث الأعمال الأنثروبولوجية في نهاية القرن الرابع عشرو التي اعتمدت على العرق. وإن كانت هذه الأدبية ترفض اعتبار العنصرية في إفريقيا كإيديولوجية ذات خلفية سياسية واجتماعية إلا ان دراسة مسار مفهوم "الأثنية" تسلط الضوء على الظاهرة. 

كان الإغريق القدامى يُصنِّفون المجتمعات التي تربطها الثقافة ولا تخضع لنظام دولة تحت مسمى " الإثنية" وذاك الاعتبار حصّر علم الأعراق البشرية على دراسة المجتمعات اللاسياسية والغير مؤهلة لتكون موضوعا للتاريخ.

وقد استمرت الكنيسة في تخليد سلبية هذا المفهوم عبر اعتبارها الإثنية "وثنية" مقابل المسيحية، ولم يُعترف بالعامل العرقي إلا في القرن الرابع عشر حيث كان العالم خاضعا تحت الهيمنة الأوربية.

وفي مقال حول تفاوت الأعراق البشرية لكاتبه كُونْت (لقب السيادة) لمقاطعة جوبينو في عام 1854 أعطى لـ "الإثنية" مفهوما غامضا حيث إن مدلول اللفظ كان يشير إلى اختلاط الأجناس والانحطاط الناجم منه. لكن انتشار استخدام مصطلح "الإثنية" على حساب "الشعب" جاء نتيجة رغبة جامحة في تصنيف بعض المجتمعات من مطلق النظرة الدونية وتَجرُّدها من خاصية معينة.

 على أن غياب تلك الخاصية جعل من تلك المجتمعات اقل قيمة من المجتمعات الأوربية، وتاريخيا ظل علماء الأعراق البشري وعلماء الاجتماع يوظفون مصطلحي" الإثنية والقبيلة" من جملة المصطلحات التي تحدد تصنيف المجتمعات: المجتمعات ذات التاريخ، والمجتمعات عديمة التاريخ، والمجتمعات ما قبل الصناعة والمجتمعات الصناعية، والمجتمعات ذات الكتابة وأخرى بدون الكتابة. 

 

تلاعب السلطة

 وعلى الرغم من ضرورة توَخي الحذر من التفسيرات البسيطة والسطحية التي ترى أن الصراعات أمر محتم على الأفارقة وأن الثقافة الإفريقية لا تحددها غير الهوية إلا ان تلك القراءة لا تزال  توجه التحليلات المتعلقة بالأزمات في إفريقيا. لكن الإثنية، سواء على مستوى القارة أو في المناطق الأخرى في العالم، بدأت تتطور باستمرار متأثرة بالمعطيات التاريخية.

 ومن هنا يتعين لنا توجيه اهتمامنا وإعادة النظر في تلاعب السلطات المحلية والقوى الدولية ومحاولات إدماج إفريقيا في حلبة اللعبة الدولية.

إن قراءة الصراعات من منظور الإثنية إنما هو تصور اختزالي تخميني مضلل. ويمكن القول بأن متغيرات الهوية كافية للتعبئة الاجتماعية أكثر من الاعتبارات السياسية.

 

(*) يمكن الاطلاع على المقال الأصلي من هنا

 

كتاب الموقع