أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إفريقيا: بين معوقات التنمية و المقومات القارية لتحقيق النهضة

 

 د. نورالدين الداودي (*)

 

تعيش دول العالم الثالـث في زمننا المعاصر فترة تحول اجتماعي سريع سواء في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية أو أسيا ... إننا نعيش و إن اختلفنا في التاريخ و الجغرافية عالمين منفصلين عالم أصيل بإرثه الحضاري و الثقافي العريق ممتد في الزمن إلى حضارات سادت و بادت، ولكن أصابه الوهن  و الجمود . وعــالــم حديث براق يستلب العقل قبل العين بـثــقــافــته المعاصرة الوافدة من الشمال عبر قنوات الرقمنة و التكنولوجيا، و بين هذا العالم و ذاك هوة كبيرة.

فلقد تغيرت تركيبة مجتمعاتنا و تغيرت معها العلاقات و المشاكل ، و لكن لم تتغير نظرتنا لأنفسنا و لا لأفكارنا. إننا نفكر بأفكار مضت عليها قرون و نحسب أنها علاج لمشاكل اليوم، هذا ما يجعلنا نحن شعوب دول العالم الإفريقي فاقدين لبوصلة التقدم، لا نجد أجوبة لأسئلتنا، مستقبلنا ليس بأيدينا.

إن قارتنا قارة إفريقيا قارة المتناقضات فإن نظرت إلى مواردها فهي من أغنى المناطق من حيث الموارد الطبيعية و البشرية، و لكن من أفقرها من حيث التنمية، و إفريقيا و إن كانت قد تخلصت منذ ما يفوق الخمسين سنة من ويلات الاستعمار بفضل حركاتها التحررية، إلا أن التبعية و الارتهان  حالها، و إفريقيا و رغم جهودها للإنعتاق من واقعها  بخلق مقومات التنمية من أجل مواكبة ركب التقدم إلا أن التخلف أضحى صفة لصيقة بها.

فهل قدر إفريقيا أن تكون قارة التخلف و قارة ألا استقرار و قارة المساعدات الإنسانية، و قارة المستقبل المجهول... !؟

إن إفريقيا و هي تعيش عصر التحولات المهولة تواجه مشاكل أكثر تعقيدا من ذي قبل تنعكس آثارها سلبا على الفرد و تؤدي إلى قصور الدول، إن المشكل هنا ليس أن نكون أو لا نكون، لأن المجتمعات لا تفنى و لكن التحدي يبقى قائم. و من ثم نتساءل في ظل هذا الوضع الإفريقي المتشردم هل من إمكانيات قارية تستطيع من خلالها  الدول الإفريقية الانعتاق من هذا الحال نحو نهضة شاملة؟

إن الحديث عن الإمكانيات الأفريقية في تحقيق نهضة قارية يقتضي البحث و الخوض في معوقات هذه النهضة، و التي على ضوئها يمكن تحديد متطلبات الإقلاع التنموي، و ذلك من خلال البحث في الحلول الكفيلة بالخروج من هذه المعوقات، و التي تشكل في حد ذاتها مقومات القارة في تحقيق النهضة.

و عليه سيسعى إلى مقاربة هذا الموضوع و ما يثيره من إشكالات رئيسية و فرعية وفق مستويين من التحليل، المستوى الأول سيناقش معوقات التنمية بإفريقيا، أما المستوى الثاني سيتناول المقومات القارية لتحقيق النهضة الإفريقية.

 

أولا: معوقات التنمية بإفريقيا.

تتمثل أهم المعوقات التي تقف دون تحقيق تنمية شاملة للقارة في إشكالية التخلف الاقتصادي و الاجتماعي، و كذا إشكالية الحدود و انعكاساتها على التوافق السياسي الأفريقي، و لعل التساؤل الذي يطرح هنا هو إلى أي حد تساهم هذه الإشكاليات في الحيلولة دون تحقيق القارة الأفريقية لنهضة شاملة.

1- إشكالية التخلف الاقتصادي و الاجتماعي.

رغم الفقر الذي باتت تعرف به القارة لدرجة أصبح سمة يتصف بها أغلب سكانها، إلا أن الثروات الطبيعية التي تتمتع بها المنطقة هي الأكبر على مستوى قارات العالم، و لعل هذه الثروات هي السبب الرئيسي في الاستعمار المستمر و وضعها المتخلف و التابع لوصاية الدول الامبريالية، فاقتصاديا تمتلك أفريقيا ثروات هائلة تجسدها الثروة الفلاحية فثلثا سكان القارة يعملون بالزراعة تقريبا، وتساهم بحوالي20 إلى 60 بالمائة من إجمالي الناتج القومي لكل دولة إفريقية، كما أن التنوع البيئي و المناخي يجعل القارة من أكبر المناطق المؤهلة للإنتاج الفلاحي، ففي المناطق  الاستوائية يتم زرع القهوة و الأناناس و الكاكاو و النخيل، و في مناطق السافانا يتم إنتاج البطيخ و الفول السوداني و الفلفل، وفي مناطق الصحراء تزرع التمور و البلح و القطن و في حوض البحر المتوسط يتم زراعة الطماطم و الحوامض و الزيتون بالإضافة إلى الخضروات، كما أن إفريقيا تتميز بثروة غابوية هائلة إذ تساهم صناعة الخشب ب 6 بالمائة من إجمالي الناتج الداخلي للقارة الإفريقية و تتوفر على جودة عالية من الأخشاب و تتركز في كل من إفريقيا الوسطى و الغابون و الكونغو و الكاميرون، إذ يتم تصدير هذه الأخشاب إلى عدة دول كالاتحاد الأوربي و إسرائيل و اليابان. أما في المجال البحري فالدول الإفريقية تتوفر على مخزون هائل من الثروة السمكية حيث تقوم بإنتاج 4.5 مليون طن من الأسماك في منطقة غرب إفريقيا.

 و من جانب أخر تتوفر أفريقيا على كميات كبيرة من المعادن كالذهب المتواجد في جنوب إفريقيا (1) و زيمبابوي و شرق السودان، و النحاس المتواجد في زمبيا و السودان و الكونغو (2)، و البترول في دول ليبيا والجزائر و مصر و السودان و نيجيريا وغينيا الاستوائية، و تمتلك إفريقيا لوحدها ما يناهز 124 مليار برميل من احتياطي النفط أي بنسبة 12 بالمائة من نسبة الاحتياط العالمي، وتتوفر أيضا على مخزون هام من اليورانيوم الموجه للصناعة النووية بجنوب إفريقيا و النيجر و ناميبيا، و تملك إفريقيا وحدها نسبة 18 بالمائة من إجمالي إنتاج العالمي لهذه المادة و خزان احتياطي يبلغ ثلث إجمالي احتياط العالم، كما أن إفريقيا تعتبر من أكبر المنتجين للألماس العالمي بما يناهز 40 بالمائة من إجمالي ألماس العالم و يتركز في كل من دول أنجولا و بتسوانا والكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا و ناميبيا، و الغريب في الأمر أن بعض الحروب الأهلية بالقارة تم تمويلها بهذه المادة لدرجة أصبح يطلق على الألماس القادم من تلك المناطق بألماس الدم.

إلا أنه بالرغم من هذه الإمكانيات الهائلة، ظلت إفريقيا متخلفة اقتصاديا لجملة من الأسباب أبرزها عدم الاستقرار السياسي، و الانقلابات العسكرية المتوالية، و عدم وجود خطط اقتصادية مدروسة لاستغلال تلك الثروات التي تزخر بها القارة، و كذلك نقص الخبرة، و ندرة الكفاءات الفنية و قصور وسائل النقل و المواصلات و هشاشة البنى التحتية.

أما اجتماعيا فعلى صعيد التعليم تتميز أفريقيا بانخفاض مستوى التعليم حيث مازالت جل شعوب أفريقيا تعاني من الأمية بنسب مرتفعة تصل إلى 50 و 60 بالمائة في العديد من الدول الأفريقية، الأمر الذي يهدد دول القارة في سلامة بنيانها الاجتماعي. كما أن الدول الأفريقية تصنف في مستويات متدنية على المستوى الصحي و تتفشى فيها أمراض فتاكة أدت إلى حدوث وفيات بأعداد هائلة كالإيبولا و الملاريا و الكوليرا، و السيدا، إضافة إلى انخفاض في مستوى المعيشة و سوء التغذية و الجهل بوسائل الوقاية و المبادئ الصحية العامة و نقص الأطر الصحية و الطبية (3). و السؤال الذي يطرح هنا الا تعتبر هذه الإشكالات خاصية إفريقية تعزى إلى الواقع الإفريقي نفسه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال إلى حد ما تكون بالإيجاب، و بالتالي لا تنتفي مسؤولية الدول و الحكومات الإفريقية في الوصول إلى هذا المستوى من التخلف، إلا أنه في مقابل ذلك لا يعني إنكار مسؤولية الاستعمار بوجهيه التقليدي و الحديث الذي يسعى جاهدا إلى إعاقة تطوير القارة الأفريقية، و هو ما كان له انعكاسات على القارة في المنظور البعيد، و أوصلها إلى الحالة التي هي عليه الآن، و هذا ما يحيل إلى تصنيف هذا التخلف بالرغم من مسؤولية الواقع الإفريقي و الحكومات الإفريقية، كإحدى مخلفات الإرث الاستعماري الأوربي في إفريقيا (4).

2- إشكالية الحدود و انعكاساتها على التوافق السياسي الأفريقي.

ترجع المشكلات التي خلقتها الحدود المرسومة بين الدول الإفريقية إلى الطريقة التي اتبعها الأوربيون في تقسيم إفريقيا فيما بينهما أثناء مؤتمر برلين 1885 ، حيث لم تراعي الدول الأوربية أي اعتبارات خاصة بالأفارقة مثل التجانس العرقي و اللغوي و التكامل الاقتصادي والإرث الحضاري، كما أن الدول الإفريقية لم تعط لها أي فرصة لإبداء رأيها، و إنما لعبت المنافسة و التسابق و الاستحواذ على مناطق النفوذ (5) دورا هاما في وضع الحدود.

و بعد إجراء عملية التقسيم لوحظ أن 30 بالمائة من الحدود السياسية في إفريقيا هي حدود متمشية مع خطوط الطول و العرض، و هو ما يسمى بالحدود الفلكية، و لذلك يمكن القول أن الحدود رسمت بالمسطرة على طاولة المفاوضات في مؤتمر برلين 1885، و قد ترتب على هذه الحدود عدة مشاكل بين الدول و نزاعات عقب فترة الاستعمار، و خاصة تلك الدول التي لها قبائل رعوية، فكثيرا ما يتعدى الرعاة حدود دولتهم إلى الدولة المجاورة.

و من خلال دراسة الخريطة الجيوسياسية لأفريقيا تتضح هذه الحقائق:

- أن عددا كبيرا من الوحدات السياسية التي أنشئت لا ترقى لاعتبارها دولة لأنها لا تمتلك كل مقومات الدولة.

- إن التخطيط العشوائي للحدود بين الدول نجم عنه قيام وحدات سياسية مجزأة و مصطنعة لأنها لا تشمل في الواقع أقسام بشرية أو طبيعية أو اقتصادية يمكن أن يبرر وجودها كدولة مستقلة.

- لم يراع عند وضع الحدود الانسجام بين مساحة الأرض و عدد السكان، و حجم الإمكانيات، مثلا لو أخذنا منطقة غرب إفريقيا فشعوبها تربطهم سمات و أصول مشتركة عرقيا و ثقافيا، نجدها قد قسمت إلى عدة دويلات صغيرة.

و من هذا المنطلق كان الاستعمار يحيك هذه الحدود، ويرسمها مع العلم أنها ستفجر نزاعات و خلافات حدودية، انعكست على التوافق السياسي الذي كان من الممكن أن يحصل بين الدول الأفريقية، لولا النزاعات الحدودية و العرقية الذي خلفها عدم مراعاة تقسيم الحدود و مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي يبقي التقسيم العشوائي كما هو، ليحدث الخلخلة في التوافق السياسي بين الدول الإفريقية الحائزة على الاستقلال مما ترك ذلك إفريقيا تغرق في بحر من المشاكل و الحروب و النزاعات الحدودية و العرقية و الإثنية، نتيجة للموروث الاستعماري الغير مراعي لأي خصوصية إفريقية.

و يوجد في إفريقيا ما يفوق 50 وحدة سياسية، منها 13 وحدة سياسية لا توجد لها منافذ بحرية، بينما عدد الدول الداخلية أو غير المطلة على البحر من العالم كله لا يتجاوز 18 دولة من أوروبا و آسيا و أمريكا اللاتينية. و قد زاد هذا الوضع من تفاقم مشكل الحدود و نتج عنه اضطرابات سياسية، و صراعات عرقية مسلحة بين مختلف الأجناس أدت إلى مقتل الآلاف من الأشخاص و يعتبر مثال الهوتو و التوتسي في رواندا، و كذا الحرب الإثيوبية الإريترية خير معبر عن هذا الوضع أمام مشاكل رسم الحدود.

 

ثانيا: المقومات القارية لتحقيق النهضة الإفريقية.

إن متطلبات تحقيق النهضة القارية، رهين بانطلاقه من الواقع الإفريقي و عبر مستويين عمودي و أفقي، عمودي على الصعيد القاري و من خلال شراكات سياسية و اقتصادية، و أفقي عن طريق تحقيق التعاون البيني فيما بين الكيانات الإفريقية.

1- الشراكة السياسية و الاقتصادية الإفريقية على المستوى القاري.

1.1 الشراكة السياسية: إن وعي البلدان الإفريقية بالتحديات التي تواجهها ، و قصور الإطار السياسي القاري السابق المتمثل في منظمة الوحدة الإفريقية عن مواكبة المشاكل المتجددة بالقارة، شكل لحظة تاريخية في توحيد معظم الإرادات السياسية الإفريقية، بلورت في خلق فضاء قاري جديد يتميز بالمرونة و الشمولية ويضم أجهزة قارية أكثر استجابة للتعاطي مع تحديات العصر، فانبثقت على اثر ذلك القمة الاستثنائية لمنظمة الوحدة الإفريقية في ديسمبر 1999 ، و جاءت مباشرة بعد القمة الإفريقية في الجزائر يوليو 1999، و قد انعقدت هذه القمة الاستثنائية في سرت بليبيا و صدر عنها ما يعرف بإعلان سرت شتنبر 1999 الذي ينص لأول مرة على إنشاء الاتحاد الإفريقي طبقا لأهداف ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية و أحكام معاهدة أبوجا المنشئة للجماعة الاقتصادية الإفريقية.

و قد أصدر رؤساء دول و حكومات إفريقيا إعلان قيام الاتحاد الإفريقي رسميا في مارس 2001 على أن يدخل حيز النفاذ بعد اكتمال التصديق عليه من قبل ثلثي الدول الأعضاء، وقد اكتمل هذا التصديق بتوقيع نيجريا و من تم أعلن عن قيام الاتحاد الإفريقي يوليو 2002.

و يعتبر الإعلان عن إنشاء الاتحاد الإفريقي خطوة مهمة في مسار البناء السياسي الإفريقي و في خلق فضاء قاري وتكتل جهوي، على غرار التكتلات الجهوية الأخرى في أوروبا و وآسيا وأمريكا ، من شأنه أن يمكن أفريقيا من تجسيد إرادتها المستقلة سياسيا واقتصاديا ويوفر لها الآليات المؤسساتية والبرامج التي تمكنها من تحقيق التنمية المستدامة و التقدم و والقضاء على الظواهر الملتصقة بالشعوب الإفريقية من حروب وأمراض فتاكة وأسباب التخلف.

و جدير بالذكر أن الاتحاد الإفريقي تواجهه إكراهات عدة تؤثر في مدى فاعليته، و من أبرزها مشاكل تمويل الاتحاد نتيجة عجز مجموعة من الأعضاء عن أداء مستحقاتهم السنوية و هذا أثر بشكل مباشر في استكمال هياكل الاتحاد و تعزيز إطاره المؤسساتي  المتمثلة في تفعيل صندوق النقد الإفريقي و المصرف المركزي الإفريقي (6)، كما أن الاتحاد يفتقر إلى آليات قوية لفرض السلم و منع نشوب الحروب و فرض مسألة حقوق الإنسان، فضلا عما سبق فالاتحاد يواجه تحديات كبرى فيما يخص تعثر التحول الديمقراطي و تكريس الثقافة الديمقراطية في معظم الدول الإفريقية بالإضافة إلى تحدي الأمراض الفتاكة و المشاكل الاجتماعية.

2.1  الشراكة الاقتصادية: تعتبر الجماعة الاقتصادية من أهم المنجزات الهيكلية القارية التي حققتها الدول الإفريقية على مستوى منظمة الوحدة الإفريقية، و أقيمت وفقا لاتفاقية أبوجا التي وقعها القادة الأفارقة في يونيو 1991م و دخلت حيز النفاذ عام 1994م، و تهدف هذه الاتفاقية إلى تشجيع التعاون في كل المجالات كالتنمية و تحقيق التكامل الاقتصادي الإفريقي و تعزيز آليات الاعتماد على الذات في الجانب الاقتصادي، و اعتمدت الجماعة الاقتصادية في تحقيق تلك الأهداف على خطة تدريجية من ستة مراحل، و بذلك فمن المقرر أن تقوم على نحو كامل عام 2028م إذا ما سارت الدول الإفريقية على الطريق المرسوم. وقد نصت هذه الاتفاقية على إنشاء برلمان لعموم إفريقيا و إنشاء محكمة عدل إفريقية، كما أن الجماعة الاقتصادية الإفريقية مرتبطة من الناحية القانونية ارتباطا وثيقا بمنظمة الوحدة الإفريقية فالمادة 98/1 تنص على أن الجماعة جزء لا يتجزأ من منظمة الوحدة الإفريقية، و أيضا المادة 8/1 تؤكد الارتباط المؤسساتي بالمنظمة بنصها على كون مؤتمر رؤساء دول و حكومات منظمة الوحدة الإفريقية هو الجهاز الأعلى للجماعة (7).و يبقى التساؤل المطروح في هذا الخصوص عن مستقبل الجماعة الاقتصادية في ظل انتهاء العمل بمنظمة الوحدة الإفريقية و تعويضها بالاتحاد الإفريقي.

لقد بدأ الاتحاد الإفريقي مهامه على الصعيد الاقتصادي من حيث انتهت جهود المنظمة التي خلفها، إلا أن الصعوبات و الاكراهات الآنية التي يواجهها هي أكبر من تلك التي كانت عليها من قبل (8)، إذ أن ضغوط العولمة و التطورات السريعة في التجارة الدولية، و تأسيس منظمة التجارة العالمية يؤثر سلبا على الاقتصاد الإفريقي، و خاصة في الشق المتعلق بالحفاظ على أسواقه التقليدية كالاتحاد الأوربي، أمام المنافسة الشرسة للقوى الأسيوية التي أصبحت تكتسح الأسواق العالمية ملحقتا الضرر بالصادرات الإفريقية. بالإضافة إلى ذلك فزيادة نفوذ التكتلات الكبرى المتمثلة في المنظمات الجيوثقافية المرتبطة بالأقطاب و القوى الأجنبية على حساب المنظمات الإقليمية الإفريقية، يطرح مشكل تعدد الولاءات الإقليمية من خلال السعي وراء شراكات خارجة المنظومة الاقتصادية الإفريقية.

كل تلك العوامل تعوق عملية الوصول بالتجمعات الإقليمية إلى الجماعة الاقتصادية الإفريقية، و هذا ما تم بالفعل إدراكه من طرف المجتمعات الإفريقية من خلال سعيها إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية على المستوى القاري في سياق مبادرة الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (NEPAD) بحيث يتم ضبط إدارة العلاقات الاقتصادية الإفريقية الدولية، سواء فيما بين الدول و المنظمات و الجهات الإقليمية، أو فيما بين هذه المنظمة و الدول الأجنبية ( 9).

و يمكن اعتبار هذه المبادرة إطار جديد للتنمية بإفريقيا يواكب طموحات القارة في تجاوز قوقعة التخلف و الانعتاق من الفقر عبر التكيف مع المتغيرات الدولية المتطاردة و الانطلاق من الإرادة الإفريقية ذاتها لتحقيق أهداف التنمية (10).

2- التعاون البيني فيما بين الكيانات الإفريقية.

إن التطورات السريعة التي فرضتها العولمة في عالمنا المعاصر دفعت الدول الإفريقية في محاولة منها لمواكبة التحولات التي طرأت على منظومة الاقتصاد العالمي إلى التوجه لإقامة تجمعات اقتصادية إقليمية لتقوية الاعتمادات المتبادلة الإفريقية من خلال تحقيق التكامل و التبادل التجاري..

و لقد أنشأت في هذا الخصوص العديد من التجمعات الإقليمية الجديدة، كما تطورت تكتلات قارية أخرى كانت قائمة، و عموما يعترف الاتحاد الإفريقي بثمانية تكتلات اقتصادية قارية، بحيث تشكل مجتمعتا ركائز المجموعات الاقتصادية الإفريقية، وتركز تلك الاتحادات اهتماماتها بالدرجة الأولى على التعاون الاقتصادي و التجاري.

و يعتبر اتحاد شرق أفريقيا (11) الاتحاد الأكثر تقدما حيث أطلق في 2010م سوقه المشتركة، وأعلن تجمع السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا المعروف"بالكوميسا"في سنة 2009م اتحاده الجمركي. كما تسعى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "الإيكواس" ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي"سادك"، إلى تحقيق بعض التقدم في إبرام اتفاقياتهما للتجارة الحرة. وأنشأت"الإيكاس" المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا منطقتها للتجارة الحرة في عام 2004م إلا أنها  تواجه صعوبات كبيرة في تفعيلها. ويسير كل من اتحاد المغرب العربي، والهيئة الحكومية المشتركة للتنمية "الإيجاد"، وتجمع دول الساحل، ببطء في عملية التكامل الاقتصادي، نظرا للمشاكل و الصراعات السياسية بين بلدان تلك الاتحادات.

و تهدف تلك التجمعات إلى إيجاد فضاء اقتصادي و سياسي من خلال إقامة اتحاد شامل قائم على استراتيجية تنموية تكاملية تشمل الاستثمار في كافة المجالات و إلغاء القيود على حرية انتقال الأشخاص و رؤوس الأموال و الإقامة و الملكية، كما تسعى إلى احتواء بؤر التوتر و تسوية الصراعات فيما بين الدول الأعضاء، و ذلك بما يعزز و يتكامل مع الجهود الإفريقية الأخرى و الهادفة إلى تحقيق وحدة إفريقية قارية شاملة.

و على الرغم من التقدم الذي تحرزه بعض التكتلات الاقتصادية الإفريقية النشطة، إلا أن بلوغ مسألة التكامل الاقتصادي تعتريه صعوبات جمة أبرزها عدم وجود كفاية حقيقية للإرادات السياسية من أجل تنفيذ خطط التكامل، تغليب الصراعات السياسية على المصالح الاقتصادية، عدم موائمة البنى التحتية مع التكامل المادي، تجاوز الأهداف والغايات للإمكانيات الفعلية. إلا أنه و رغم كل هذه الصعوبات تبقى تلك التكتلات الاقتصادية إطار مؤسساتي قاري يتيح فرص كبيرة لتحقيق التنمية لشعوب القارة ما إن تم تأهيل تلك المجموعات و مواءمتها مع الاستراتيجيات و سياسات البلدان الإفريقية.

3- تطبيقيا كيف يمكن للدول الإفريقية تجاوز معوقات التنمية نحو نهضة إقليمية.

 لقد وصلت ظاهرت التخلف في إفريقيا إلى درجة بالغة الأهمية، في الوقت الذي أصبحت حكومات كافة دول القارة مطالبة بالخروج من هذا الوضع، فما الحركات التمردية التي نعيشها كل يوم من شعوب القارة المنددة بسياسات أصحاب الحكم، إلا صورة معبرة عن رفض هذا الوضع و تجسيد حقيقي للمطالب الملحة لتغيير الواقع الإفريقي .

و العبرة من مواجهة هذا التخلف ترجع بالمقام الأول إلى إعطاء قيمة للقدرات و المؤهلات الذاتية الإفريقية و تعزيز الكفاءات من أجل الاستغلال الكامل و الحكيم لمقومات القارة الإفريقية، وذلك من خلال استثمار جميع الطاقات المتاحة للدول الإفريقية في مشاريع تنميتها، بالعمل على تنمية جميع قدرات بلدان القارة من طاقات بشرية و طاقات طبيعية و استغلالها بشكل علمي عبر التخطيط الواعي المطابق لمصادر الإنتاج و التخطيط لإقامة صناعات صغيرة في بداية مراحل التنمية مطابقة للإمكانيات المتاحة في الدول الإفريقية نفسها، و الاعتماد على القوى الخارجية في حدود شروط معينة تراعي الواقع التنموي، و وضع خطة للتعليم على أساس توفير الأطر العلمية الوطنية على المدى الطويل، بحيث تحقق الاستقلال العلمي و التكنولوجي، لأن الاستقلال الاقتصادي و السياسي لا قيمة له ما لم يتحقق الاستقلال العلمي و التكنولوجي و حتى لا تستمر الدول النامية مربوطة بعجلة التخلف العلمي مادام اعتمادها سيكون مقتصرا على الخبرة الأجنبية.

 و في مواجهة المبادلات الاقتصادية الامتكافئة، على الدول الإفريقية أن تبني خطتها للتنمية في المراحل الأولى على أساس تغيير أسلوبها البدائي سواء في الإنتاج الزراعي أو في استخراج المعادن بحيث تخرج من قوقعة الاعتماد في مقوماتها الاقتصادية على المواد الأولية و الزراعية المصدرة بالسعر العالمي المنخفض، إلى أسلوب علمي و منظم (12) يضمن إجراء عمليات تحسين و تصنيع و لو لمرحلة أو بعض مراحل تصنيع المواد الأولية تعود على المنتج و على المجتمع بدخل محترم يمكنها من المضي في السير على طريق التنمية، و يلعب هنا سعر التكلفة و تخفيضه إلى أقصى حد ممكن في إنتاجيات الدول الإفريقية ( بالنظر إلى التوفر على المواد الأولية و اليد العاملة الرخيصة) دورا أساسيا في منافسة صناعات الاحتكارات العالمية (13).

و لمواجهة التمويل الخارجي يتعين على الدول الإفريقية أن تعمل على أن تدخر جزء من عملاتها التي تستورد بها المواد المصنعة من الدول الأجنبية، و توجه هذا الادخار للاستثمار في المواد المصنعة و الوسيطة و الضرورية فقط لتسيير عملية الإنتاج و التنمية على أن يبدأ في مراحل التنمية الأولية بالمشاريع التي تعود بعائد سريع و مرتفع نسبيا، و تأطير الاستهلاك و ضبط التزايد السكاني حتى تسير في تصاعد جنبا إلى جنب في عملية التنمية، و العمل قدر الإمكان على تشجيع المدخرات الفردية لاستثمارها في مشاريع مدرة للدخل و بذلك تحد إلى حد بعيد من القروض و التمويل الخارجي.

أيضا في مواجهة تداعيات التفاوتات الدولية و في مواجهة التكتلات الاقتصادية الكبرى، لا يوجد حل أمام الدول الإفريقية للتغلب على حالة اليأس من الوضع القائم إلا بالتكتلات الاقتصادية الإقليمية البينية (فمثلا عدم تفعيل اتحاد المغرب العربي يفوت للدول المكونة له من 2 إلى 3 نقاط من الناتج القومي الخام) و الإسراع إلى فض النزاعات العنصرية، و فض منازعات الحدود، و انتهاز فرصة التنظيمات القارية على المستوى الإفريقي لتثبيت دعائم التنمية و التكامل الاقتصادي.

و كل ذلك يتأتى عبر تأهيل الحقل الديمقراطي و إفراز كفاءات غيورين على المصلحة الوطنية، تتوحد على المستوى القاري مشكلين جميعا جبهة متجانسة أمام الاستعمار الجديد و أساليبه، و للقضاء على التفتيت و التقسيم و الخلافات التي ورثتها الدول الإفريقية على الاستعمار القديم، حتى تتفرغ بكل إمكانياتها البشرية و العقائدية و الاقتصادية لمعركة التنمية و التصنيع و التي هي أساس مقاومة تحديات النهضة الإفريقية.

 

خاتمة

مما لاشك فيه أن أفريقية كانت ساحة للكفاح من أجل الاستقلال كغيرها من القارات خاصة آسيا، مع العلم أن أفريقيا من القارات التي كانت سباقة إلى جذب أنظار الدول الاستعمارية إليها، ابتداء بما عرف بالاستيطان إلى التغلغل الاقتصادي، ثم اقتسام أفريقيا ما بين المستعمرين (مؤتمر برلين) و بعد أمد طويل من الاستغلال الفاحش لكل مكونات أفريقيا البشرية و الطبيعية ... اجتاحت أفريقيا حركة تحريرية زاوجت بين النضال السياسي و الكفاح المسلح و التقت الحركة التحررية الأفريقية مع نظيرتها الآسيوية لتشكل نموذج التعاون الأفروآسيوي الأول من نوعه.

إن هذه الروح حول التوحد على قضايا مصير شعوب العالم الثالث، هي التي تحتاجها الدول الإفريقية الآن، فإفريقيا في حاجة إلى أن تستجمع طاقاتها وطنيا، و أن تلتقي بها قاريا.

فرغم كل العوائق و الإشكاليات القائمة فإن القارة الأفريقية لها من المقومات ما يحقق لها النهضة الشاملة، و جوهر هذه المقومات يكمن في التنمية البشرية المراعية لخصوصية شعوب إفريقيا، و انطلاقا من الواقع الأفريقي و عبر العمل على دعم الثقة في الشراكات القارية الأفريقية في العديد من المجالات الاقتصادية و السياسية و الأمنية و استحضار روح التحرير في المخططات التنموية للقارة الإفريقية لمواجهة ظاهرة التخلف و فتح أفق للمستقبل.

 

الإحالات والهوامش:

(*) أستاذ باحث في العلاقات الدولية و القانون الدولي- جامعة عبد المالك السعدي المغرب

(1)  حيث تنتج جنوب إفريقيا وحدها حوالي 39 بالمئة من الإنتاج العالمي من الذهب.

 (2) نظرة على افريقيا، تطلعات المؤسسات الاستثمارية حتى 2016. استطلاع وحدة إيكونيميست للمعلومات المحدودة 2013 ص 5.

(3) صندوق النقد الدولي. أفاق الاقتصاد العالمي: تركات و غيوم و عدم يقين. دراسات استقصائية للأوضاع الاقتصادية و المالية العالمية. أكتوبر 2014.ص 66.

 (4) جاك وودس. الاستعمار الجديد في آسيا و إفريقيا و أمريكا اللاتينية. دار الحقيقة بيروت 1971ص 67- 70 .

 (5) محمد حسن العيدروس. الصليبيون والحملات الاستعمارية في شمال افريقيا. دار الكتاب الحديثة الطبعة الاولى 2014 ص8.

 (6) الاتحاد الافريقي .الدورة العادية الثالثة والعشرين للاتحاد الأفريقي تنهي أعمالها في مالابو.29-6-2014. أنظر:

http://summits.au.int/ar/23rd-ordinary-session-african-union-ends-malabo

(7) التقرير الاستراتيجي الإفريقي. جامعة القاهرة معهد البحوث و الدراسات الإفريقية. مركز البحوث الافريقية 1001-2002 ص 73.

(8) -Hamdi ,A. Hassan. Regional integration in Africa. Bridging the north-sub-Saharan divide. Published in 2011 by Africa institute of South Africa. P 58.

(9) التقرير الاستراتيجي الإفريقي. جامعة القاهرة معهد البحوث و الدراسات الإفريقية. مركز البحوث الإفريقية 1001-2002 ص 74.

(10) فوزية خدا كرم عزيز. النيباد: توجه جديد للتنمية في إفريقيا. مجلة الأستاذ- العدد 201 لسنة 1433 هجرية -2012 ميلادية. ص 433.

(11) صندوق النقد الدولي. أفاق الاقتصاد العالمي: الآمال و الواقع و المخاطر. دراسات استقصائية للأوضاع الاقتصادية و المالية العالمية. أبريل 2013. ص68.

(12) منظمة العمل الدولي. الانتقال من الاقتصاد الغير منظم الى الاقتصاد المنظم. التقرير الخامس. مؤتمر العمل الدولي الدورة 103 السنة 2014، ص 31.

(13) محمد عبد الفتاح أبو الفضل. الاستعمار الجديد و الدول النامية. دار النشر القاهرة 1969 ص 51.

 

 

كتاب الموقع