أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إعادة بناء العلاقات العربية- الإفريقية.. مداخل مُحَفِّزَة وضرورة استراتيجية

 

      د. عربي بومدين (*)

تُعَدُّ العلاقات العربية- الإفريقية من أقدم تجارب التعاون؛ حيث تجد هذه العلاقات جذورها التاريخية في مجموعة الروابط الجغرافية، الثقافية، البشرية، والحضارية التي نسجتها قرون طويلة من الحَرَاك الاجتماعي والتفاعل الحضاري بين الشعوب العربية والإفريقية، فضلاً عن الجوانب السياسية والاقتصادية التي أصبحت تَطرح نفسها بقوة بعد الفترة الثالثة في مسار العلاقات بعد الاستقلال وتأسيس الدولة الوطنية.

وقد تأرجحت هذه العلاقات منذ الاستقلال بين مدٍّ وجَزْرٍ، ولم تَرْقَ إلى الحدِّ الَّذي يمكن الطرفين من تجاوز التحديات القائمة في ظل الترابط المصالحي والتنافس الإقليمي والدولي؛ إذ باتت تطرح هذه العلاقة العديد من السِّجَلات في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتأثرت في كثير من الأحيان نظرًا لتهميش العرب لعمقهم الإفريقي، وبات ضعف هذه العلاقة يميل إلى قوًى أصبحت مؤثرة كإسرائيل والهند، وإيران والصين واليابان. كما أنّ التحولات السياسية والأمنية في المنطقة العربية بعد سنة 2011م فرضت مجموعة من الفرص والتحديات أمام العلاقات- العربية الإفريقية، وطرحت العديد من المسائل في مستقبل هذه العلاقة. وعليه ستبحث هذه المقال: العلاقات العربية- الإفريقية، وكيف يمكن تفعيلها؟

تُشَكِّل قضية إعادة بناء العلاقات العربية- الإفريقية إحدى أبرز المعضلات التي تواجه صُنّاع القرار في هذا الفضاء؛ ذلك أن النجاح في إعادة البناء سيستهدف أمن ورخاء وسكينة المجتمعات في هذا الحيّز المُترابط جغرافيًّا. ولكنه ليس خيارًا متاحًا ويسيرًا كما حالة القطيعة المُزمنة التّي أنتجتها تشوُّهات الدولة الوطنية في كلا المنطقتين (العربية-الإفريقية)؛ لأنه يتطلب إحداث تغييرات عميقة في سلوك وأطراف العلاقة وأبنيتهم السياسية والمؤسسية، بما يدفعهم إلى التعايش والتفاعل السلمي في إطار تداخل الأهداف والمصالح.

ومن بين مداخل إعادة البناء نشير إلى:

1.المدخل الثقافي:

ومن ذلك تجاوز الحساسيات التاريخية التي تُصوِّرها الصور الذهنية والأنماط الجامدة السلبية السائدة بين العرب والأفارقة، ومن ذلك تجاوز أزمة الهوية الّتي وقفت عائقًا في وجه الشراكة المتساوية بين الطرفين، والّتي ساهم في تعميقها الإرث الاستعماري والسياسات الوطنية الخاطئة، وعليه تظهر الحاجة هنا إلى الاستفادة من الخبرات المشتركة للشعوب العربية والإفريقية نتيجة التواصل الحضاري والارتباط الجغرافي، والتلاحم الاجتماعي في إعادة تفعيل هذه الأُطُر المشتركة لبناء المستقبل (1).

إنّ عوامل عديدة تُمَثِّل إرثًا مشتركًا يمكن التعويل عليها، ومثال ذلك اللّغة العربية؛ حيث يدعو "مزروعي" إلى التمسك باللّغة العربية كعامل توحيد ثقافي موضحًا أنها لغة إفريقيا، وأنَّ كتابة الحرف الأعجمي موجودة في عدد من اللّغات الإفريقية (2).

وفي ذات السياق يذهب "جون هانويك John Hunwick" إلى القول: "إنّ اللّغة العربية تمثل لاتينية إفريقيا، بمعنى إن كان الحرف اللّاتيني هو الأساس المشترك للغات الأوروبية المتمثلة في الإنجليزية والفرنسية والألمانية، فإنّ الحرف العربي ذلك مؤهَّل لأن يكون الأساس المشترك للغات الإفريقية المتمثلة في الهوسا والفولاني والسواحيلي والصومالي" (3)

2.المدخل النخبوي:

لا شك أنَّ الحاجة إلى هذا المدخل في إعادة بناء العلاقة بين العرب والأفارقة مهمة ومحورية؛ لأنّ إفريقيا تعاني التهميش والدونية في المخيال الجمعي العربي، بالمقارنة مع العمق المتوسطي للعرب، ولا سبيل إلى إعادة تصحيح هذا الاختلال إلا عبر النهج العلمي والفكري الذي يجب أن تلعبه النُّخَب الفكرية، سواءً على مستوى العربي والإفريقي من خلال عقد الملتقيات العلمية التي تُعرِّف العرب بالأفارقة، ونفس الأمر بتعريف الأفارقة للعرب، وتأسيس المجلات العلمية التي تُعرِّف بالقضايا الإفريقية والعربية، وتخدمها على حدّ السواء في المجال الإفريقي-العربي، فضلاً عن تشجيع حركة النشر والتأليف عمومًا؛ لأنها أحد مداخل القوة الناعمة والتأثير على المدى المتوسط والبعيد.

لقد أصبحت الدراسات الإفريقية محل اهتمام العديد من الباحثين ومراكز البحث في العالم؛ لما تمثله من أهمية كبيرة سواءً على المستوى الاقتصادي والأمني والاستراتيجي، وعليه كان لزامًا على العرب -نظرًا للقرب الجغرافي والعمق الاستراتيجي- الاهتمام بالدراسات الإفريقية، وهي الدراسات التي لا تجد الاهتمام الكبير لدى الجامعات ومراكز البحث العربية رغم الارتباط التاريخي الوثيق بين العرب وإفريقيا. وعليه فإنَّ دور النخب محوري وجوهري وهم أمام مسؤولية تاريخية للتعريف بالأفارقة أو العرب في الجانبين لدى الأجيال، وترسيخها في الذاكرة الجماعية لدى الشعوب.

3.المدخل الإعلامي:

يُعَدُّ هذا المدخل من بين أهم المداخل في بناء العلاقة، وتزداد أهميته في عصر العولمة والانفتاح العالمي على التكنولوجيا والتطورات التقنية السريعة التي قضت على المسافات، وقرَّبت الشعوب، يتجلَّى الدور الإعلامي هنا في تصوير إفريقيا كامتداد حضاري وليس كتهديد أمني في وسائل الإعلام العربية، والتسويق للقضايا الإفريقية والاهتمامات المشتركة بين الطرفين للمشاهد الإفريقي- العربي، أو حتى الأجنبي لما بات يُمَثِّل الإعلام من قوة محورية في عالم اليوم، وعلى الجانب الإفريقي وجب على الإعلام الإفريقي أن يلعب الدور نفسه في تنشئة جيل إفريقي يؤمن بالقضايا المصيرية بين الطرفين والحاجة إلى بعضهما البعض، ويكون لديه صورة إيجابية عن العرب؛ ذلك أنَّ الإعلام أخفق بشكل كبير في هذه المهمة، ويُضاف إلى ذلك الدور السلبي الذي لعبه الإعلام الأجنبي في زيادة هذه الهُوَّة نتيجة للفراغ الإعلامي الموجود على الصعيد الإفريقي-العربي.

4.المدخل الجماهيري:

 والمقصود بذلك أن يستفيد الحوار الثقافي العربي الإفريقي من المواريث الثقافية والحضارية المشتركة بين الشعوب العربية والإفريقية؛ من خلال تفعيل دور منظمات المجتمع المدني، وإشراكها في ذلك؛ عبر الاستفادة من الجاليات العربية المقيمة في إفريقيا, إلى جانب تفعيل دور المنظمات المهنية والشعبية غير الرسمية؛ لتعزيز العلاقات وتنمية الروابط المشتركة بين العرب والأفارقة، كما يجب تشجيع نشاط القطاع الخاص العربي في الدول الإفريقية، والقيام بالاستثمارات والمشروعات المشتركة، وفي هذا المقام تشهد إفريقيا أنواعاً ومستويات عدة من هذا النشاط من جانب بعض الدول العربية؛ فالقطاع الخاص له دور بارز في قدرته على إيجاد شبكة مصالح مشتركة في كل المجالات (4).

5.المدخل الاقتصادي والتنموي:

ويكون ذلك بالتركيز على المنافع المشتركة في سبيل قيام شراكة اقتصادية حقيقية بين العرب والأفارقة؛ لأنّ ميزة التفاضل النسبي موجودة، فضلاً عن القرب الجغرافي، وتوفر الإمكانات مداخل مهمة في تفعيل العلاقات الاقتصادية والتجارية. ولعلّ مشروع ربط اليمن بجيبوتي عن طريق إقامة جسر يربط بين جانبي مضيق باب المندب يُمَثِّل خطوة مهمة في إعادة اللُّحْمَة العضوية بين شبه الجزيرة العربية والساحل الشرقي لإفريقيا، فضلاً عن أنّ تفعيل هذا المنظور التنموي من شأنه أن يسهم في تجاوز كثير من الأزمات التي تعترض العلاقات العربية- الإفريقية مثل الصومال والسودان، ومسألة مياه النيل (5).

إنّ إفريقيا مهمة للعرب، ولا بدَّ أن تخرج هذه العلاقة من حيِّزها الصراعي إلى بُعدها الحضاري الضارب في التاريخ واستغلاله عامل توحيد بين الطرفين، ومن ذلك فإنَّ إفريقيا فرصة استثمارية للعرب وسوق واعدة بامتياز حيث تُعَدُّ القارة الإفريقية ثاني قارات العالم بعد آسيا من حيث المساحة والسكان؛ إذ تبلغ مساحتها 40،3 مليون كيلو متراً مربعاً، وتعدادها قُدِّر بأكثر من 1،04 مليار نسمة، حسب إحصاءات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، ممثِّلَة بذلك خُمس مساحة العالم، محتلة بذلك موقعاً استراتيجياً على طرق التجارة الدولية البحرية والجوية، وخطوط نقل النفط، وكذا بها موانئ بحرية مهمة. وكذلك تطلّ القارة الإفريقية على كل ركن من أركان العالم الأربعة بنافدة، فهي تُطِلّ على أوروبا عبر نافدة البحر المتوسط شمالاً، وتطلّ على العالم الجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية) عبر نافدة المحيط الأطلسي، ومن خلال نافدة المحيط الهادئ تطلّ على قارة آسيا، فيما تطل جنوباً على القارة القطبية الجنوبية عبر المحيط الجنوبي، كما تزخر القارة الإفريقية بموارد طبيعية عظيمة (6).

انطلاقًا من ذلك تُمثِّل إفريقيا سوقًا تجارية واعدة للعرب، وتُمَثِّل أيضًا مصدرًا لاستثمار الشركات العربي داخل إفريقيا، كما أنّ مسألة التبادل التجاري بين الطرفين يمكن أن تسهم في التنمية للجانبين بما يسهم في القضاء على كثير من المظاهر السلبية؛ كالهجرة واللجوء والتطرف، والجريمة المنظمة، ولعلّ فراغ التفعيل الاقتصادي الموجود بين الطرفين باتت تستغله قوًى إقليمية ودولية ترى في إفريقيا الفرصة التي لا يجب تضييعها، ومثال ذلك الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، تركيا، إسرائيل، الهند، وكثير من الدول الأوروبية.

6.المدخل السياسي:

 وسبيل ذلك تجاوز الخلافات السياسية، وتفعيل الأُطُر المؤسسية بين الجانبين، وعدم تركها حبيسة الرؤية الشخصية لفكرة الزعامة، سواءً في الجانب الإفريقي أو العربي، ومن ذلك تأسيس شراكة استراتيجية جديدة بين العرب والأفارقة للاهتمام بالقضايا المشتركة، وإيجاد حلّ للقضايا الخلافية، والابتعاد عن تسييس العلاقة بينهما، وتدشين حوار استراتيجي جديد، وهي مسائل تتوقف إلى حدٍّ كبير على الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية، ولا تبقى حبيسة التوصيات في المؤتمرات المنعقدة بين الطرفين على قِلّتها، فضلاً على تجاوز المرحلة التي قام فيها هذا الحوار (المشروط) على أساس المقايضة والمنافع السياسية المتبادلة، مثل التأييد العربي لحركات التحرُّر الإفريقي في مقابل التأييد الإفريقي للمواقف العربية في مواجهة إسرائيل.

7.المدخل الأمني:

 وينصرف ذلك إلى التهديدات المشتركة التي أصبحت تُواجِه الطرفين نتيجة التحولات السياسية والأمنية في المنطقة العربية بعد الحراك العربي، وإفرازاتها العكسية في العمق الإفريقي كليبيا ومالي؛ تهديدات تتمثل أساسًا في قضايا التهريب وتجارة المخدرات، الجريمة المنظمة، تجارة السلاح، الاتجار بالبشر، وغسيل الأموال، انفتاح وانكشافية الحدود، الهجرة غير الشرعية، وقضايا الإرهاب الدولي، وهو ما يفرض ضرورة التعاون الأمني بين العرب والأفارقة لمواجهة هذه التحديات التي تُقوِّض المسألة التنموية لدى الجانبين، ولأن فشلت الجوانب السياسية والاقتصادية في توحيد الطرفين، وإعادة بعث العلاقات بشكلها الإيجابي؛ فإنّه يمكن للعامل الأمني أن يكون عامل توحيد، وعليه فإنّ حمدي عبد الرحمن حسن يدعو في هذا السياق إلى إعادة صياغة مفاهيم الأمن والحكم من منظور "الأفرابيا" الّذي يُمثِّل نقطة الانطلاق الكبرى من أجل تجاوز وضع الهشاشة ومعضلة الأمن في العالمين العربي والإفريقي (7).

الخاتمة:

توصَّلت الورقة البحثية إلى نتيجة مفادها أنّ "الربيع العربي" أنتج العديد من التحديات التي تقف عائقًا أمام تفعيل العلاقات العربية - الإفريقية، وبالتالي فإنَّ العلاقات تسير نحو استمرارية الفشل بدل التغيُّر، كما وفَّر "الربيع العربي" العديد من الفُرَص في سبيل إعادة بناء هذه العلاقة نتيجة للترابط التاريخي والجغرافي والاستراتيجي. 

ولا مِرَاء في أنّ مسار تطوُّر هذه العلاقات مرهون بالتفكير الجادّ بالنسبة للطرف العربي والإفريقي لاستثمار عوامل التاريخ والجغرافيا للنهوض سياسيًّا واقتصاديًّا وتنمويًّا بهذا الفضاء الجغرافي وإعطائه مكانته الاستراتيجية في سُلَّم الأولويات والمسلَّمات التي باتت تحكم العلاقات الدولية المعاصرة من خلال النظر  لمستقبل العلاقات بمنظور حضاري واستبعاد مجالات التهديد في الإدراك، والتصور العربي والإفريقي على حدِّ السواء.

الهوامش والإحالات:

(*) أستاذ العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، الجزائر

(1) حمدي عبد الرحمن حسن، "رؤية وحدوية مغايرة للعرب والأفارقة: "أفرابيا" عي مزروعي"، مجلة المستقبل العربي، العدد (453)، نوفمبر 2016، ص20.

(2) نفس المرجع، ص21.

(3)  John Hunwick, « Arabic Literature of Africa: Project and Publication », Northwestern Univer-   sity, Program of African Studies, Working Paper Series, Institute for the Study of Islamic Thought in Africa, 2005,p I, Available at: https://www.africanstudies.northwestern.edu/docs/publications-research/working-papers/hunwick-2005.pdf

(4) نورا أسامة عبد القادر،  "العلاقات العربية - الإفريقية .. عوامل الصراع ومستقبل التعاون" ، مجلة قراءات إفريقية (12.3.2017).

(5) حمدي عبد الرحمن حسن، مرجع سابق الذكر، ص21.

(6)عربي بومدين، "الساحل الإفريقي ضمن الهندسة الأمنية الأمريكية"، مجلة قراءات إفريقية، العدد (19)، أبريل 2014، ص41.

(7) نفس المرجع، ص22.

 

 

 

كتاب الموقع