أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إشكالية اللغة في آداب ما بعد الاستعمار في القارة الإفريقية

 

 

د. مصطفى عطية جمعة جودة (*)

 

هناك إشكالية كبرى تثيرها كتابات ما بعد الاستعمار ، ألا وهي تدوينها بلغة المستعمِر . فالكاتب - ما بعد الكولونيالي - يترك لغته الأم في بلده ، ومن ثم يبدع بالإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو البرتغالية ، وكلها -كما هو معلوم -لغات منتشرة عالميا . وتكمن المأساة في استعانة الكاتب نفسه بمن يترجم إبداعه إلى لغته الأصلية ، وندر في المقابل مَن يكتب الإبداع بنفسه بلغتين : لغته الأصلية الموجهة لمواطنيه ، ثم اللغة التي يتقنها وتحقق له الانتشار في العالم أو التي اشتهر بها .

 ولاشك أن كثيرا من المبدعين تعمدوا الكتابة بغير لغاتهم الأصلية لأغراض عديدة ، بعضها نفعي يتعلق بالانتشار السريع و الشهرة ، وبعضها ضروري عندما تكون لغته الأصلية شفاهية أو مدونة وليس لها رصيد كبير من الإبداعات والتأليف العلمي مثل اللغة الأمازيغية في بلاد المغرب ، أو لغات القبائل وسط أفريقيا ، أوتكون محدودة الانتشار مثل اللغة السواحلية في الصومال أو اللغة الأمهرية في إثيوبيا ، أو شفاهية غير مدونة مثل اللغة النوبية و لغة أهل سيوة في مصر . ساعتها سيكون الإبداع منغلقا ، مقتصرا على دائرة الناطقين بها .

   فيكون السؤال : لمن يتوجه المبدع هنا في كتابته وهو يكتب بلغة المستعمر أو بغير لغته القومية وهو يبدع عن وطنه ؟ أهو يخاطب الآخر الغربي المستعمِر بلغته ، متحدثا عن مأساة وطنه بنفس لغة المحتِل ؟ أم يخاطب بني قومه بشكل غير مباشر بعد ترجمة الكتاب إلى لغته الأصلية ، إن تُرجم ؟

هذه الأسئلة وغيرها تجرنا إلى مناقشة الواقع نفسه ، فالواقع الإبداعي كائن ومترسخ من خلال عشرات النماذج لمبدعين من بلدان عديدة ، بعضهم ينتمي للعالم المتقدم ، وأكثرهم ينتمي إلى دول العالم الثالث ، وهم مشتركون في الكتابة باللغات الأكثر انتشارا في العالم ، والتجربة ممتدة منذ عقود ، وصارت ذات مصطلحات ومفاهيم تخصها ، وعملية نقدية تواكبها ، وكانت سببا في تغيير استراتيجية التأريخ الغربي ذاته ، وإعادة طرح الأسئلة على العقلية الغربية بمركزيتها المفرطة في الذاتية. فالتجربة في حد ذاتها ، أدت إلى انقلاب في التصورات المعرفية والقناعات الفكرية، بجانب الاشتغالات الاجتماعية ، وتوابعها السياسية والاقتصادية .

إن المحدد الأول في نقاش هذه القضية هو الأصل في عملية الكتابة ، قبل الحديث عن الفرع ، فالأصل التزام الكاتب بالإبداع بلغته الأم لأسباب عديدة ، أولها أنها اللغة التي تعلمها منذ طفولته ، وأنه يفكر بها يفكر من خلالها طيلة سنوات عمره ، وهي الحاضرة في وعيه إذا أراد التعبير أو التخيّل ، مستخدما ألفاظها وتراكيبها ، كما أن الأرض وعلاماتها وأيقونات الثقافة متعلقة بالألفاظ المنطوقة . ومثلما يقال فإن الإنسان يفكر ويتخيل بلغته الأم ثم يأتي الإبداع مبنيا على ذلك .

 أيضا فإن التحدث باللغة الأم يرتبط بشكل وثيق بإحساس متحدثها بالاستقلالية والكرامة ، وهما يتلاشيان عندما يستبعد الإنسان لغته  الأصلية ويتكلم بغيرها . ذلك أن نسق القيم الذي تملكه أية لغة يعني : فرضياتها وقناعاتها الفكرية ، وجغرافيتها ونظرتها إلى التاريخ ودرجات تمييزها للأشياء ، فاللغة نظام تتأسس عليه الخطابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعوب الناطقة بها(1).

وهذا لا يعني أن اللغة الأم هي اللغة المحلية فقط ، ولكننا نقصد اللغة القومية المعتمدة في بلاد المبدع ، وبها تلقى العلم والثقافة . فكثيرون في أقطار آسيا وأفريقيا يتحدثون لغات محلية ، أو لهجات من لغات شفاهية ، فإذا تلقوا العلم فإنهم يتعلمون بلغات معروفة عالميا ، مثل الإنجليزية أو الفرنسية .. ، وكان هذا الوضع قديما في اللغة العربية ، عندما كانت لغة الحضارة الإسلامية ، وترك سكان البلاد الأصليين التي فتحها المسلمون لغات بلادهم الأولى ، وكتبوا بالعربية وألّفوا من خلالها ، وكان ذلك خيارا دينيا وثقافيا وتعميقا لانتمائهم . فالقضية ليست مدانة بهذه الحدة . وهذا يمتد إلى الشعوب التي دخلت في فيئ الحضارة الإسلامية ، وكتبت لغاتها الأصلية بالأحرف العربية ( مثل اللغة التركية والباكستانية والفارسية .. ) ، وصاغوا مؤلفاتهم العلمية باللغة العربية فهي لغة الحضارة الأساسية ، ولغة الإسلام قبل أي شيء.

إن ما يعنينا في هذه القضية ؛ تلك الفئة من الكتّاب الذين يتحولون إلى الكتابة بلغة أخرى غير لغتهم الأولى حصرا ، والمشكلة كامنة في تبنيهم لغة المحتل الأجنبي بكل ما في الأمر من تداعيات سلبية تذكر بالتجربة الأليمة للاستعمار الأجنبي وما اقترفه من آثام في بلادهم ، فالاستخدام في حد ذاته له آثار نفسية .

هؤلاء الكتّاب تتنازعهم رغبات وتوجهات عديدة ، منها الوصول إلى قاعدة أكبر ودائرة أوسع من القراء والمتلقين ، وأن يثبتوا للآخرين من أصحاب اللغة التي يتبنون الكتابة بها أنهم قادرون على الكتابة والتميز بلغتهم بل وربما التفوق عليهم  . وأيضا، تكون سبيلا لدى الأفراد المنتمين إلى جماعات وإثنيات مهمشة ومستلبة الحقوق وربما خاضعة للهيمنة والاستعمار من قبل قوى وقوميات أكثر قوة وأظهر سلطة ،  فتأتي الكتابة بلغة الآخر المهيمن في هذه الحالة أشبه بالانتقام أو الغزو الثقافي المعاكس والانتصار الرمزي للذات . ويرتبط الأمر- أيضا- بهامش الحرية الأوسع الذي ينشده الكاتب حين يكتب بلغة غير لغته حيث يتخفف إلى حد كبير وربما يتخلص تماما من قيود المحرمات والمحظورات التي تفرضها عليه لغة قومه التي قد ترتبط بقيم وأعراف ومنظومة ثقافية ، لا تتسامح مع التعبير الذي يذهب إلى المدى الأبعد في ممارسة حريته دون أن يحد من ذلك أو يقف في طريقه المعوقات والرقابة القسرية التي لا يتمكن الكاتب من مقاومتها عندما يكتب بلغته الأم (2).

وبالعودة إلى التاريخ في الحالة الهندية ، كان تنامي الإمبراطورية البريطانية يواكب مناخا فكريا واحدا  أساسه أن تطور الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؛ مرتهن في جوهره بتطور الآخر المحتَل ، على مستوى دعائي يبرز الوحشية والبدائية في الشعوب المستعمرة بوصفها ها قيماً تستدعي الإصلاح ، من قبل المستعمِر الأبيض . فكان فرض اللغة على الذوات المستعمَرة Colonised جزءا من المشروع الإمبريالي ، في سعي حثيث للسيطرة على هذه الذوات بشكل كامل ، والنظر إلى اللغة المحلية بوصفها لغة بذيئة أو أحقر من لغة المستعمِر . فالخطوة الأولى في تدمير ثقافة ما هي منع السكان الأصليين من التحدث بلغاتهم ، مثلما هو حادث في استراليا مع السكان الأصليين ، لأنه يؤدي إلى فقد التاريخ الشفاهي ، والأسماء ، والارتباط مع الأرض . وكان يتم انتزاع الأبناء الاستراليين من أحضان آبائهم وتربيتهم وتلقينهم ثقافة الإنجليز ، ومعاقبتهم إذا استخدموا اللغة المحلية (3).

وهنا نرصد أمرا مهما يتعلق باللغة الإنجليزية نفسها في بريطانيا ، حيث بدأوا في النظر إليها بوصفها لغة عالمية : لغة الرقي والعلم والحضارة والمدنية ، ومن ثم تم تسويقها إلى شعوب الأرض بهذه الصورة ، في تلاحم مع الدعاية الاستعمارية . فهناك ربط واضح ما بين المرحلة التاريخية التي شهدت ظهور الإنجليزية علماً أكاديمياً وتلك التي أنتجت الشكل الاستعماري من الإمبريالية بدءا من القرن التاسع عشر، فالإدارة الاستعمارية البريطانية بمساندة البعثات التبشيرية اكتشفت في الأدب الإنجليزي حليفاً يعينها على قمع التمرد، وعلى السيطرة على الشعوب الأصلية، وذلك تحت مسمى التعليم الليبرالي (4) .فأصبحت اللغة والأدب حليفين أو جناحين لحركة الاستعمار ، وتلك ردة بلا شك للأدب ، الذي يرنو إلى السمو الإنساني .

مبدعو ما بعد الكولونيالية يؤكدون أن الانفتاح على الكتابة باللغات العالمية لا يقلل من محلياتهم ، خاصة أنهم لم يتخلوا عن قضايا أوطانهم ، بل يساعد على وضعها ضمن خارطة التفكير والإبداعي العالمي . فـــالأديب المغربي " الطاهر بن جلون " مثلا يرى أن الانفتاح على الثقافة الفرنسية لا يعني فقداناً للهوية ، وهو ما يقرّه الأديب الإسباني "خوان غويتسولو " موضحا أن الكتّاب المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، يعملون على صعيد المعنى بمعزل عن روح اللغة الفرنسية التي يكتبون بها . بينما تذهب " إنيتا ديساي" الأديبة الهندية التي تكتب بالإنجليزية ، إلى فكرة مثيرة للجدل، فتنظر إلى التعدد اللغوي الهائل في بلادها فتجعل من الإنجليزية المحلية / المنطوقة على ألسنة عشرات الملايين من الهنود ؛ تجعلها لغة أخرى تضاف إلى اللغات الهندية (5). أي ضمن النسيج اللغوي للهند.

كما أن الكتّاب أنفسهم يرون أن اللغات العالمية المنتشرة الآن ؛ باتت ذات صيغة أممية ، بمعنى أنها سهلة التلقي لدى سكان العالم ، بوصفها لغات  يلزم تعلّمها في المنظومة العلمية الحديثة فكثير من العلوم والفنون والآداب تُبدع من خلال الإنجليزية ثم الفرنسية ، إذن ، الكتابة من خلالها لا يعني ترك اللغة المحلية أو الاستعلاء عليها أو إقصاءها وإنما يعني المزيد من التمدد والانتشار القرائي .

إذن ، الرؤية المشتركة بين هؤلاء ، أن قضايا أوطانهم تعيش في أعماقهم ، وأن الإشكالية أنهم ينتمون إلى أوطان متفاوتة في لغاتها ، فالهند بها مئات اللغات المكتوبة وغير المكتوبة ( أكثر من 300 لغة )، وتكاد تكون الإنجليزية هي اللغة الأولى في الانتشار بين سكان الهند الذين يقاربون من المليار نسمة ، بحكم الاحتلال البريطاني لمدة قرون في الهند ، وظهور أجيال متتابعة من الهنود متقني الإنجليزية ، كما أن منظومة التعليم تعتمد الإنجليزية لغة للعلم بجانب اللغة الهندية ، لذا فقد باتت لغة تجمع حولها فسيفساء اللغات الهندية المتعددة ، فلا عجب من الكتابة بها ، جنبا إلى جنب مع اللغة الهندية ذاتها التي حققت انتشارا عبر السينما.

 في المقابل نرى من يخالف هذا التوجه ، مفضلا أن تكون مناقشة كتابة ما بعد الاستعمار  بشكل عام إزاء العملية التي يتم بها تحريف اللغة موضع الإبداع بما لها من قوة، وتحريف الكتابة بما تحتويه من دلالة على السلطة، وإبعادها عن الثقافة الأوروبية المهيمنة . وذلك ، بالنظر إلى اللغة بوصفها وعاء يحمل الأفكار والرسائل، أي يمكن تطويعها لنقل مآسي الشعوب الفقيرة . فالقضية – في نظرهم – لا تنحصر في إلغاء مكانة الإنجليزية أو التنكر لها، بما يشتمل على ذلك من رفض لسيطرة القوة الإمبريالية، ولجمالياتها ومقاييسها المفترضة ، وإنما تكون اللغة ضمن ما يطلق عليه" عملية الاستحواذ" وهي العملية التي يتم بها أخذ لغة الإبداع ونصوصها وتهيئتها لكي تحمل حمولة التجربة الثقافية الخاصة لشخص ما، وبالتالي نكون أمام لحظة حيوية لنزع الطابع الاستعماري عن اللغة والكتابة الأجنبية (6).

فالكتّاب الذي يستخدمون اللغة الإنجليزية مثلا لا يصادقون ولا يقرّون بالضرورة السلطة البريطانية ، أو هم مؤيدون للاحتلال البريطاني ، وإنما تكون المسألة أكثر وظيفية بالنسبة إليهم ، بمعنى أن الإنجليزية تكون أداة للانتشار في العالم الخارجي من ناحية ، وعلى مستوى الداخل أيضا ، ويحضرنا هنا مثال آخر لتجربة الهند، ألا وهو دولة جنوب إفريقيا ، فاللغات الرسمية المعتمدة فيها هي إحدى عشرة لغة ، وكلها لغات محلية مكتوبة ومنطوقة ويتم التأليف بها ، ولكنها في واقع الأمر لا يتحدث بها كثير من السكان ، لدواع عرقية وقومية . فيتم اللجوء إلى اللغة الإنجليزية بوصفها اللغة الأكثر شيوعا ، بالرغم من أن نظام الفصل العنصري هو الذي فرضها على السكان ، وهو ما ترك تجربة مريرة في نفوسهم (7).

والحقيقة أن الكتابات المهاجرة سعت لخلخلة ثقافة المركزية الغربية عبر طرحها مجموعة من التساؤلات المثيرة ـ  ومن خلال محاولتها نزع صفة النقاء الثقافي الذي فرضته الهيمنة الاستعمارية . فسارت في دربين / تصورين / مشروعين / ثقافتين ؛ أدى إلى ميلاد فضاء جديد سمي بفضاء الهجنة أو التهجين – الذي تطرقنا إليه آنفا - حيث تتعايش أو تتصارع ثقافة المركز وثقافة المهاجر في مكان واحد ألا وهو بلد المركز ، والبلاد التي تدور في فلكها الثقافي , فليس الهدف هو إقصاء ثقافة المركز لتحل محلها الذاكرة التاريخية المهمشة , بل تفكيك تلك المركزية وإضافة تلك الذاكرة التاريخية المهمشة ، وثقافتها إليها ومن ثم النظر إلى المساحة الهجينة التي يخلقها ذلك على أنها فضاء ثالث لابد من النظر إليه ، بوصفه حقائق لابد من التعامل معها واحترامها . فكانت المحصلة في النهاية ، وجود نصوص كثيرة ، تنتمي إلى أدب ما بعد الاستعمار ، قدمت للنقاد حالات أدبية جديدة ، بإشكاليات وبنى جديدة مختلفة تتمثل في : نصوص مكتوب بلغة المستعمِر ، تعبر عن ثقافة الشعوب المستعمَرَة ، وتتبنى قضاياها ، وتعرض سرديات مختلفة عن هذه البلدان ، تخالف القناعات الغربية ، بل وتهزها ، وتطالب بمراجعتها جذريا .

كما أن هذه النصوص أوجدت تعبيرات من ثقافاتها الشفاهية أو المحلية أو القومية كما استخدمت تقنيات بلاغية ومقولات سياسية جديدة ، وصاغت مصطلحات ذات حمولة دلالية مختلفة ، أي أنها أضافت إلى الإنجليزية من موروثها الشفاهي ، بما جعل الإنجليزية أكثر ثراء في مصطلحاتها ، وصارت نصوصا تفيض بما هو مختلف عن دلالات لغة المستعمر الأصلية ، بما يمكن تسميته المقاومة باللغة(8).

وهو مصطلح مهم ، فعندما يقرأ سكان الشعوب أدبا مقاوما للاستعمار ، بلغة المستعمر نفسها ، أو يشاهده ممسرحا أو متلفزا ، أو يستمع إليه إذاعة ، فإن الرهبة تزول من نفسه إزاء المستعمر السامي المتعالي ، مما ينزع القيمة عن المعيار الاستعماري ، ويضعها في إطارها المحلي ، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إزاحة المركزية المهيمنة لفكرة المعيار ذاتها (9).

بل إن استخدام لغة المستعمر أدبيا ، وإعادة تدوير وتحوير مفرداتها ، وتكوين شفرات جديدة لها ، وتقديم كل ذلك إلى القارئ الغربي أو المحلي الذي يعرف اللغة الأجنبية ؛ يؤدي في النهاية إلى إدراك الفروقات بين الدلالات ، وكثير ما تكون مفارقات ساخرة، وبعض المفردات تحمل معاني مزدوجة مما يثري النصوص (10).

 

وقد تم وضع مداخل نقدية تستجيب لما تطرحه هذه النصوص الإبداعية ، وقد حصرها مؤلفو كتاب "الإمبراطورية ترد بالكتابة " في  أربعة مداخل أساسية :

- المدخل القومي أو الإقليمي : الذي يسلط الضوء  على سمات محددة لثقافة قومية أو إقليمية معينة . وتلك تنظر إلى أن النصوص بوصفها معبرة عن الثقافة القومية ، على مستوى اللغة والعادات والتقاليد والروابط المشتركة التي تجمع شعبا في إطار قومية واحدة ، ناطقة بلسان واحد ، على قدر كبير من التجانس الثقافي .

- المدخل العرقي : الذي يرصد سمات معينة تشترك فيها آداب قومية متنوعة كما هو الحال في الميراث العرقي المشترك في آداب الأفارقة وهو المدخل المسمى "الكتابة السوداء " . وهنا نلاحظ أن هذا اللون من الكتابة جاء صدى ورد فعل لكتابة معادية تتمثل في الكتابة التي تعلي الجنس الأبيض ، وتنتصر لثقافته ، وتحتقر الأعراق الملونة . فالمصطلح هنا يكرس لمعارضة هذا الاستعلاء اللاإنساني، وهو يجمع في طياته أشكالا أدبية عدة ( شعر، وسرد ، ودراما ، وبحوث) ، مثلما يعبر عن العرق الأسود ، الذي هو متنوع في قومياته ومكوناته الثقافية أيضا .

- المدخل المقارن : الذي يسعى لدرس خصائص لغوية وتاريخية وثقافية معينة يشترك فيها أدبان أو أكثر من آداب ما بعد الاستعمار . وهو نابع من الآداب المقارنة ، والتي تناقش ظواهر لغوية أو ثقافية أو أدبية داخل جنس أدبي واحد، عبر لغتين مختلفتين أو بلغة واحدة مع اختلاف التوجهات ، كأن يناقش صورة المستعمر المقدمة في الروايات الإنجليزية في حقبة الاستعمار مع مثيلاتها في حقبة ما بعد الاستعمار . أو مناقشة استخدام اللغة جماليا بين الأدباء المهجر والأدباء الأصليين.

- مدخل مقارن ولكنه أكثر شمولية إذ يؤكد خصائص من قبيل الهجنة والتوفيقية بوصفهما من الخصائص المكونة لكل آداب ما بعد الاستعمار (11) .

ويمكن الجمع بين هذه المداخل أو بين بعضها أو الاكتفاء بواحد . كما يمكن تحليل النص الأدبي أو عدة نصوص لأديب واحد ضمن المناهج الشكلانية الأدبية: البنيوية والسرد ، والتأويل ، والسيموطيقا ، بجانب النقد الثقافي والاجتماعي والنفسي. فالقضية هي كيف يكون المنهج كاشفا للنص ، مجليا ما فيه من إشارات وشفرات ؟ خاصة النصوص المعبرة عن حياة الشعوب المهمشة ، المجهولة للقارئ الغربي والشرقي على السواء ، تلك الشعوب الذي مات تاريخها ، وخمد ذكرها ، بسبب آفتين: آفة الاحتلال الأجنبي في الماضي ، ونظرته إلى هؤلاء على أنهم ليسوا بشرا أو هم يعيشون في حياة بدائية لا تستحق يهتم بها كثيرا الرجل الأبيض المتحضر مثلما رأينا تعامل المحتل الأجنبي مع الهنود الحمر في أمريكا الشمالية أو السكان الأصليين في استراليا وأمريكا الجنوبية . والآفة الثانية تأخر هذه الشعوب وسقوطها بعد الاستقلال تحت براثن حكم متسلط فاسد ، على نحو ما نجد في البلدان الإفريقية التي تنازع فيها العسكر الحكم وتسابقوا على الانقلابات ، وأثقلوا البلاد بالديون، وتسببوا في مجاعات عظيمة وفاقة شديدة .

 

الإحالات والهوامش:

(*) أكاديمي مصري ، ومحاضر بكلية التربيةالأساسية (قسم اللغة العربية) الكويت.

(1) الدراما ما بعد الكولونيالية : النظرية والممارسة ، هيلين جلبرت ، جوان توميكنز ، ترجمة سامح فكري ، منشورات : مركز اللغات والترجمة ، أكاديمية الفنون ، القاهرة ، 2000م ، ص230

(2) الكتابة بلغة الآخر ، عبد الوهاب أبو زيد ، صحيفة اليوم السعودية ، 13 أكتوبر 2005 العدد 11808 . http://www.alyaum.com/article/1320080

(3) الدراما ما بعد الكولونيالية : النظرية والممارسة ، ص229

(4) الإمبراطورية ترد بالكتابة، بيل أشكروفت، بيل وآخرون: ترجمة وتقديم د. خيري دومة، عمان، دار أزمنة للنشر، 2005، ص26 ، 27

(5) الكتابة بلغة الآخر، حميد سعيد ، جريدة الرأي الثقافي الأردنية ، الجمعة 23 مايو 2008م

(6) الإمبراطورية ترد بالكتابة ، ص31 ، وأيضا ص67 .

(7) الدراما ما بعد الكولونيالية : النظرية والممارسة ، ص234

(8) الدراما ما بعد الكولونيالية : النظرية والممارسة ،ص : 234 ، 235

(9) السابق ، ص237

(10) السابق ، ص241

(11) الإمبراطورية ترد بالكتابة، ص41 . بتصرف وشرح من جانبنا .

 

 

كتاب الموقع