أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إسرائيل وهجومها الناعم في إفريقيا

في خِضَمّ الاضطرابات والأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي كان آخرها الإعلان الأمريكي المنفرد عن صفقة القرن، يمكن ملاحظة الجهود الحثيثة التي تقوم بها إسرائيل من أجل بناء تحالفات جديدة وراسخة في القارة الإفريقية. لقد أدركت إسرائيل ولا سيما في ظل زعامة بنيامين نتنياهو أن عليها التحرك إلى ما وراء حلفائها الغربيين التقليديين للحصول على الدعم والمساندة.

وفي المقابل كان العديد من الحكومات الإفريقية على استعدادٍ للتخلّي عن بعض مُثُلهم السياسية والأخلاقية من أجل الفوز بوعود الدعم السياسي والأمني، والاستثمارات والتكنولوجيا التي تعرضها عليهم الحكومة الإسرائيلية.

ولكن ماذا تعني هذه العلاقات بالنسبة لإفريقيا والسياق الجيوسياسي الأوسع؟ ثمة متغيرات كثيرة تتراوح بين فشل بناء الدولة الوطنية في إفريقيا، وتطور صناعات الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل، مرورًا بديناميات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وانتهاء بمعضلة هجرة الأفارقة إلى إسرائيل ومحاولة ترحيلهم مرة أخرى إلى إفريقيا.

سفاري نتنياهو السياسية في إفريقيا:

في عام 2016م، أصبح نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور إفريقيا بعد نحو ثلاثة عقود؛ حيث قام بجولة شملت أوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا.

وفي عام 2017م، حضر نتنياهو اجتماع رؤساء دول الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) في ليبيريا. وخلال هذا الاجتماع وقَّع المسؤولون الإسرائيليون مذكرة تفاهم لاستثمار مليار دولار بحلول عام 2021م لتعزيز مشاريع الطاقة والتنمية الاقتصادية في الدول الأعضاء الخمسة عشر في الإيكواس.

وعلى الرغم من القطيعة الدبلوماسية التي أعلنتها بعض الدول الإفريقية بعد حرب أكتوبر 1973م؛ فإن الاتصالات من وراء ستار لم تنقطع يومًا واحدًا مع إفريقيا.

في نوفمبر 2017م سافر نتنياهو إلى نيروبي لحضور حفل تنصيب الرئيس الكيني أوهورو كينياتا. ونتيجة لهذه الجولة، فُتحت أربع سفارات إفريقية جديدة في إسرائيل.

وفي سبتمبر 2018م، قرَّر نتنياهو والرئيس الرواندي بول كإجامي ‏بدء الرحلات الجوية المباشرة بين تل أبيب وكيغالي، وفتح بعثات دبلوماسية في كلا البلدين.‏

وفي يناير2019م، حدث تحوّل دراماتيكي في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية؛ حيث أقامت إسرائيل علاقات مع تشاد في أعقاب زيارة نتنياهو للعاصمة إنجامينا.

ولا شكَّ أن العودة الإسرائيلية لإفريقيا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة لفتح مكاتب تمثيل دبلوماسية، ولذلك نجد أنه منذ زيارة نتنياهو في يوليو 2016م، فتحت إسرائيل مقرًّا دبلوماسيًّا واحدًا فقط في إفريقيا: وهو سفارتها في كيغالي، عاصمة رواندا، وبذلك يصل عدد السفارات الإسرائيلية في الدول الواقعة جنوب الصحراء الكبرى إلى 11 دولة. وتتمتع إسرائيل بعلاقات دبلوماسية على الورق مع 41 دولة إفريقية.

وتُعد زيارة نتنياهو لأوغندة في فبراير 2020م ذات أهمية بالغة في سياق الترويج لصفقة القرن والبحث عن حلفاء جدد، وهو ما يتضح من خلال أمرين مهمين؛ أولهما حثّ أوغندا على فتح سفارة لها في القدس مقابل قيام إسرائيل بفتح سفارة في كمبالا.

وقد وعد الرئيس موسيفيني بدراسة العرض الإسرائيلي، كما وافق على بدء تسيير خط طيران مباشر بين كمبالا وتل أبيب.

أما الأمر الثاني فهو لقاء عنتيبي بين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان، والاتفاق على تطبيع العلاقات بين البلدين.

ولا شك أن لقاء عنتيبي يعيد إلى الأذهان قمة الخرطوم العربية في أعقاب نكسة 1967م، والتي عُرفت بقمة اللاءات الثلاث التي وردت في البيان الختامي على النحو الآتي: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل". ولا شكَّ أن المسافة التاريخية بين قمة الخرطوم العربية عام 1967م وقمة عنتيبي السودانية الإسرائيلية 2020م قد تم اختزالها بالمسافة الجغرافية لتعكس صدمة التحوُّلات في المواقف والأهداف في النظامين العربي والإفريقي.

تدرك إسرائيل يقينًا أن مكانتها في أوروبا هي في أضعف حالاتها، على الرغم من العلاقات الوثيقة ‏التي تربطها بالقوى اليمينية هناك. كما أنها تدرك أنه على الرغم من الحماية الاقتصادية والسياسية التي ‏تتلقاها من إدارة ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنَّ قدرتها على تقديم نفسها بحسبانها دولة ديمقراطية ليبرالية ‏أضحت مقيّدة وغير مقبولة إلى حدّ كبير. وعليه فإن التوجّه نحو إفريقيا بمساعدة مباشرة من إدارة الرئيس ‏دونالد ترامب قد سمح لإسرائيل بتوسيع تجارة الأسلحة والمساعدات الأمنية والعسكرية مع كثير من الدول ‏الإفريقية. ‏

ومن جهة أخرى تُوثّق إسرائيل علاقتها ببعض الدول الإفريقية المحورية مثل السودان؛ لعقد صفقات ترحيل اللاجئين الأفارقة، وإعادتهم مرة أخرى لإفريقيا.

عوامل التغيّر في الموقف الإفريقي:

1- جاذبية النموذج الإسرائيلي في التنمية الاقتصادية (الابتكار الزراعي، تكنولوجيا المياه، تقدُّم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الأمن السيبراني، والصناعات العسكرية المتقدمة)، والتي يمكن أن توفّر فرصًا لإفريقيا. لقد أنشأت إسرائيل وكالة للتعاون الإنمائي الدولي بشكل مبكر منذ عام 1958م (المعروفة اختصارًا باسم ماشاف)، كما أنشأت في السنوات الأخيرة فرق طوارئ سريعة الاستجابة لمساعدة البلدان الإفريقية في أوقات الكوارث الطبيعية، وهذه المساعدة -على الرغم من محدوديتها- إلا أنها موضع تقدير من قبل الأفارقة. ويركز خطاب السياسة الخارجية الإسرائيلية دومًا على أن نماذج التنمية الإسرائيلية قد ألهمت العديد من المشاريع التنموية في إفريقيا، ولا سيما على نطاق المشروعات الصغيرة التي تقدم مساعدة ملموسة ومرتبطة بالسياقات المحلية؛ ولا سيما في المجالات الزراعية، التعليمية، الإنسانية، والطبية.

2- لم تَعُد القضية الفلسطينية -بسبب انقسام الداخل الفلسطيني من جهة، وتبعات ما بعد الربيع العربي من جهة أخرى- عنصرًا مهيمنًا في علاقات إفريقيا مع العالم العربي والإسلامي، بالإضافة إلى تراجع مستوى المساعدات والدعم الفني الذي تلقته البلدان الإفريقية من العالم العربي في المقابل.

وعلى سبيل المثال؛ كان التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول وضع القدس، والذي أُجرِيَ في ديسمبر 2018م، بعد أن اعترف الرئيس الأمريكي ترامب بأنها عاصمة لإسرائيل كاشفًا؛ حيث أظهر ردود فعل متباينة مِن قِبَل الدول الإفريقية. ويبدو أن الدول الإفريقية تنظر‏ إلى إسرائيل بشكلٍ يختلف عن تكالب القوى الكبرى والوسطى في النظام الدولي عليها.

كما أن تغيُّر مواقف بعض الدول العربية من إسرائيل دفع بكثير من الدول الإفريقية أن تحذو حذوها. وعلى الرغم من أن العديد من البلدان الإفريقية، لا تزال تقف خلف الخطاب الرسمي التقليدي "لدعم الحقوق الفلسطينية"، إلّا أنّها في الواقع العملي أصبحت غير مبالية نسبيًّا بالضغط الذي يُمارَس عليها من أجل عدم الارتباط بإسرائيل. على سبيل المثال، لم يَعُدْ تصويت كلّ من غينيا والسنغال وهما من البلدان الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة -إلى جانب تشاد- تلقائيًّا مع الكتلة العربية الإسلامية في الأمم المتحدة في مواجهة إسرائيل. ومع ذلك، لا تزال الكتلة العربية الإسلامية تَستهدف هذا التعاون ولو من الناحية العلنية، كما هو واضح عندما تمّ إلغاء قمة إسرائيل-إفريقيا التي كان من المفترض عقدها في توغو في أكتوبر 2017م؛ بسبب ضغوط من بعض الدول العربية.

3- كانت إسرائيل تتمتع في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بشعبية كبيرة في إفريقيا؛ بسبب برامج المساعدات الزراعية، والمثال الذي قدمته في بناء دولة قليلة الوسائل والموارد الطبيعية، وفي نجاحها النسبيّ في استيعاب عددٍ كبيرٍ من اللاجئين من خلال صياغة مفهوم للوحدة الوطنية يقوم على ذاكرة الاضطهاد والمظلومية التاريخية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وعليه تحاول إسرائيل في حركتها الدؤوبة تجاه إفريقيا أن تكون شريكًا مفيدًا محتملاً في المجالات المذكورة أعلاه. ففي خطاب نتانياهو أمام البرلمان الإثيوبي عام 2016م -حيث استُقْبِلَ بحفاوةٍ بالغةٍ- ورد ما نصه: "إنَّ السؤال الذي أطرحه دومًا في كل مكان أذهب إليه: ماهي البقرة الأكثر إدرارًا للحليب في العالَم؟ ربما تعتقد أنها البقرة الهولندية، أو البقرة الفرنسية. ولكن ذلك غير صحيح؛ إنها البقرة الإسرائيلية، وقريبًا قد تكون البقرة الإثيوبية. هذه هي رؤيتي لتعاوننا؛ أن يتمتع المزارعون الإثيوبيون بمزايا الدراية التكنولوجية الإسرائيلية، ويعملون معنا؛ لتوجيه المياه إلى كلّ اتجاه نريده مع تقليل نسبة الفاقد منه؛ للحصول على التكنولوجيا، للحصول على الاتصالات والتعليم والطب. استمتعوا بثمار التقنية، لأن المستقبل مِلْك لأولئك الذين يبتكرون. إسرائيل دولة ابتكارية، لكننا مستعدّون ومتشوّقون لتبادل خبرتنا معكم؛ لأننا نؤمن بشراكتنا. أعتقد أن إثيوبيا آخِذة في النهوض نحن نعتقد أن الصناعات الخاصة بكم نامية ومبتكرة، نفوذكم ينتشر. نحن نسعى إلى تعميق علاقاتنا معكم؛ لأنه عندما نعمل معًا، يكون حال شعبينا أفضل".

تحديات التطبيع الإسرائيلي مع إفريقيا:

 بعض البلدان الإفريقية -مثل نيجيريا وبنين وجنوب إفريقيا والنيجر- لا تزال تعارض تسريع خطوات التطبيع إلى حد ما، بل وربما تحاول إيقافه. ففي عام 2016م على سبيل المثال، قام الرئيس النيجيري محمد بوخاري بمنع وجود إسرائيل في قمة الإيكواس. كما قرّر حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في جنوب إفريقيا في أبريل 2019م خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي وسحب السفير نهائيًّا من تل أبيب؛ ممَّا يقلّل من فرص تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. وبالتبعيَّة أعلنت إسرائيل أنها ربما تُغلق سفارتها في بريتوريا. بالإضافة إلى ذلك، هناك حركة شعبية منتظمة في جنوب إفريقيا لمقاطعة إسرائيل. ولا تزال هناك مناقشات لا تنقطع بين الأكاديميين والطلاب لقطع جميع روابط التبادل والتعاون الأكاديمي مع الجامعات الإسرائيلية.

وعلى صعيد آخر فإن الخطاب الإسرائيليّ الذي يبشّر بأنَّ إسرائيل تحمل معها المعرفة التكنولوجية وأدوات الأمن والرخاء للشعوب الإفريقية مُبالَغ فيه؛ نظرًا لمحدودية موارد الدولة العبرية. على سبيل المثال: لا يتجاوز عدد الدبلوماسيين رفيعي المستوى العاملين في إفريقيا أربعة عشر دبلوماسيًّا، وتُدار العلاقات مع الدول الإفريقية إمَّا عن طريق السفراء غير المقيمين أو من القدس.

ولعلنا نتذكّر أن جنوب السودان التي هرولت منذ عام 2011م لإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل لا تزال تعاني أعراض الانقسام وعدم الاستقرار. كما أن سِجِلّ العلاقات الإسرائيلية التشادية لم يشهد أيّ تطوُّر ملموس منذ إعادة العلاقات بين البلدين بداية من العام الماضي. وربما يساعدنا ذلك على فهم الهرولة الإسرائيلية صَوْب إفريقيا ووضعها في سياق الخريطة الجيوستراتيجية الكبرى التي يُعاد تشكيلها للمنطقة، وفي موقع القلب منها حُلْم إسرائيل الكبرى.

وعلى أيَّة حال لا تزال سياسات البلدان الإفريقية غير متوقَّعة، وغالبًا ما تقودها المصلحة الخاصة من منظور برجماتي واقعي.

كما أنَّ المشكلة الشائكة التي تعاني منها إسرائيل تتمثل في وجود نحو أربعين ألف لاجئ إفريقي داخلها لا يستطيعون الاندماج أو الإقامة بشكل قانوني؛ كما أنهم عُرْضَة دائما للاضطهاد والتمييز. وعليه فقد أضحت المفارقة التي لا تخلو من دلالات واضحة هي أن إسرائيل تسعى إلى أن تكون داخل إفريقيا، لكنَّها ترفض في نفس الوقت أن تكون إفريقيا داخل إسرائيل. 

كتاب الموقع