أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إثيوبيا: مارثون السباق نحو الإقليم العاشر

     

أ . د. كمال محمد جاه الله الخضر(*)

 

يُشار عادةً إلى جمهورية إثيوبيا الاتحادية بأنها متحف تاريخي للأجناس؛ مما يعكس التنوع الإثني واللغوي والثقافي، فعدد القوميات، وكذا اللغات في هذا البلد الإفريقي يزيد عن الثمانين، قومية/ لغة.

     من حيث التقسيم الإداري- فإنَّ إثيوبيا تقسم إلى تسعة أقاليم، مؤسسة على نظام عرقي بحت،  لخلق الاستقرار، والأمن، والسلام، وذلك من حيث انتشار الخارطة السكانية، وتوزيعها، وممارسة الحياة، واستغلال الموارد المتاحة لكل وحدة سياسية داخلية على حدة.

     ثمانية من تلك الأقاليم تحوز عليها القوميات الكبرى في البلاد، مثل: الأمهرا، والأورومو، والتجراي. أما الإقليم التاسع فيضم داخله قوميات عديدة تقدر بـ46 - 56 قومية، تحت مسمى إقليم شعوب الجنوب (الإثيوبي)، وتأتي في مقدمة تلك القوميات من حيث كثرة عدد السكان: السيداما والقراجي، والولايتا، والهديا، التي تُعدّ قوميات مليونية، مقارنةً بقوميات أخرى تعد من الأقليات.

     تعكس لنا كتب التاريخ التي أرخَّت للحكم في إثيوبيا أن هناك أربع قوميات فقط، ظلت تتناوب الحكم في البلاد، هي: الأمهرا، والتجراي، والأورومو، وشعوب جنوب إثيوبيا، إذا اعتبرنا الأخيرة قومية واحدة بحكم وجودها في إقليم واحد، وهي ليست كذلك. كما تعكس لنا تلك الكتب ولاء شعوب جنوب إثيوبيا للقوميات الكبرى، لا سيما الأمهرا والتقراي، ذلك الولاء الذي جعلها تلج مجال الحكم.

     أحدث مجيء الفيدرالية إلى إثيوبيا، بمقتضى دستور 8 ديسمبر 1994م (الدستور الرابع لإثيوبيا)- ثورة متنامية في منظومات: الحكم واللغة والثقافة؛ إذ أصبحت للأقاليم التسعة سلطات واسعة تدير بها تلك الأقاليم خصوصياتها في إدارة شأنها: الإداري، واللغوي، والثقافي، بعد سيطرة تاريخية محكمة لتلك الأقاليم من قبل المركز الأمهري ثم التجراوي، الذي ظل تاريخيًّا يكرّس للغة الأمهرية، والثقافة المرتبطة بها، ويفرضها فرضًا على الأقاليم التسعة لإثيوبيا عبر سياسة لغوية- ثقافية شديدة الإحكام.

     وتدريجيًّا، بفعل الفيدرالية اللغوية المتبعة منذ عام 1994م تحولت اللغة الأمهرية من لغة رسمية يُدار بها دولاب الدولة في كافة الأقاليم -دون مراعاة للغات القوميات الكبرى في البلاد- تحولت إلى أداء وظيفة لغة عمل الحكومة الاتحادية، وتقلصت مساحات تعليمها في الأقاليم المختلفة، لتتاح الفرصة للغات الأقاليم الكبرى. فأصبحت للغات  الكبرى في تلك الأقاليم أدوار جوهرية تؤديها في مجال التعليم والإعلام والحياة العامة. وذلك أن الدستور، المشار إليه ينص على أن أعضاء الاتحاد (الأقاليم الإدارية) بالقانون يقررون لغة عملهم الخاصة.

     بعد مرور نحو عقدين ونصف من تجارب تطبيق الأقاليم المختلفة في إثيوبيا في إدارة شؤونها الخاصة، بعيدًا عن قبضة وهيمنة المركز الأمهري/ التجراوي- تهيَّأ الجو لبعض الشعوب الإثيوبية القاطنة في الجنوب، والتي يحتويها إقليم واحد، تهيأ لها للمطالبة بتحويل المقاطعات التي تعيش فيها إلى أقاليم، أسوةً بالقوميات الكبرى في إثيوبيا.

     لقد أفرز ذلك الجو ماراثونًا للسباق نحو تكوين الإقليم العاشر في إثيوبيا، والذي تتقدمه، حتى الآن، ثلاث قوميات تسكن في إقليم شعوب الجنوب الإثيوبي، المشار إليه، وهي قوميات: السيداما، والولايتا، والهديا، فكل واحدة من تلك القوميات تطالب بإقليم خاص بها، انطلاقًا من المقاطعة التي تسكنها.

     وتدلّ الأخبار، والتقارير الإعلامية، الواردة من إثيوبيا، في شهر يوليو 2019م، على أنَّ بعض مناطق قومية الولايتا، تمَّ رفع علم الولايتا فيها، بجوار العلم الإثيوبي الاتحادي (الفيدرالي)، في إشارة واضحة إلى الجاهزية، استعدادًا إلى تأسيس إقليم خاصّ مستقل يخصها.

     وقبل قومية والولايتا بنحو عقدين؛ طالبت قومية السيداما، كبرى قوميات شعوب الجنوب الإثيوبي بإقليم خاص بها، ولكنَّ تلك المساعي لم تُكَلَّل بالنجاح حتى اليوم، لكن مطالب السيداما لم تتوقف، بل ظلت تُرْفَع بين الفينة والفينة.

     تقول التقارير الصحفية الواردة من إثيوبيا بأن قضية السيداما كانت قد طرحت في عام 1995م؛ أي: بعد نحو عام واحد من تطبيق الفيدرالية، عقب الموافقة على الدستور الإثيوبي، ولكن وقتها لم يقرر المجلس الفيدرالي الإثيوبي أحقية قومية السيداما في إقليم خاص بها، بعد مناقشة مستفيضة.

     المهم أنه في يوم 18 يوليو 2019م حُدِّد موعد لإعلان شعب السيداما الحكم الذاتي، ليصبح الإقليم العاشر في إثيوبيا. ومن المتوقع أن لا تستجيب حكومة إثيوبيا لهذا الإعلان، على الرغم من أقدمية مطلب قومية السيداما، وعلى الرغم أيضًا، من أن دستور إثيوبيا ينص على أن كل مجموعة من الجماعات العرقية في البلاد، لها الحق، دستوريًّا التصويت على تشكيل إقليم جديد، إذا طلب مجلس الحكم الخاص بها ذلك.

     وأغلب الظن أن فكرة إقامة إقليم عاشر في إثيوبيا، لا تجد القبول ولا الحماس لدى الحكومة الإثيوبية الاتحادية، وإن توافرت شروطها وضوابطها، وذلك أنَّ هذه الفكرة، على ما يبدو، ستفتح بابًا يصعب غلقه؛ إذ سوف تنتشر العدوى تباعًا، لتأسيس أقاليم جديدة، تزيد من عدد الأقاليم الحالية.

     هل تفعلها الحكومة الإثيوبية، وتُدَشِّن إقليمًا عاشرًا تحت إصرار قومية السيداما، إحدى كبريات المجموعات العرقية في جنوب إثيوبيا، كما تمَّت الإشارة؟ فينفتح الباب على مصراعيه لمطالب أخرى في الطريق تتزعمها قوميات أخرى كالولايتا، والهديا؟ أم أن الحكومة الإثيوبية سوف تتجاهل مطلب السيداما، وتبحث عن مبرِّرات لتأجيل هذا الملف، المؤجَّل أصلاً منذ نحو عقدين ونصف؟

     على كل حال، فإن مطالب قومية السيداما بإقليم خاص بها، لن تكون الأخيرة؛ إذ هي جزء من سلسلة تنتظم حبَّاتها، وتتكاثر عبر الزمن. وفي الأفق تلوح مطالب أخرى لقوميات جنوب إثيوبيا، تجد التشجيع من المناخ الدولي الداعم للأقليات في أنحاء المعمورة المختلفة.

     المهم أنه انطلقت صافرة مارثون السباق نحو تأسيس الإقليم العاشر في إثيوبيا، والذي تتصدره ثلاث قوميات؛ هي: السيداما (التي تمثل 4% من مجموع السكان في إثيوبيا بحسب إحصائية عدد السكان من قبل الأمم المتحدة لعام 2005م)، والولايتا (التي تمثل 2.3%، وفقًا للإحصاء نفسه)، والهديا (التي تُمثِّل1.7%، وفقًا للإحصاء نفسه أيضًا)، فأيّ تلك القوميات سيصل إلى نهاية السباق، مؤسِّسةً الإقليم العاشر؟

 

(*) أكاديمي سوداني

كتاب الموقع