أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

إثيوبيا.. دروس من عودة الأورومو إلى وطنهم

كالوندي سيرومجا[1] - نيوأفريكان

إن النظام السياسي الجديد في إثيوبيا، عقب انتخاب آبي أحمد، والاعتراف المبكر بالعديد من الأعراق التي تشكل البلاد، بات يمثل فرصًا جديدة ومثيرة؛ فعلى سبيل المثال عُقِدَ المؤتمر الثالث والثلاثون لجمعية دراسات أورومو (OSA) لأول مرة على الأراضي الإثيوبية، والذي أطلق سلسلة من المعلومات الجديدة التي يمكن أن تُغيّر كثيرًا من التصورات التي نحتفظ بها حول إفريقيا القديمة.

على سبيل المثال تعرَّف الإثيوبيون على رابطة "آيانتوا" العلمية التي تتشكل من مجموعة من العلماء والفلاسفة من الأرومو الذين طوَّروا نظامًا معقدًا من الأعداد وعلم الفلك؛ لمحاولة التنبؤ بعددٍ من الموضوعات تتراوح ما بين أنماط الطقس للتخطيط الزراعي، إلى لحظات الاضطرابات الاجتماعية.

ففي العصور القديمة، بنوا سلسلة من المراصد الفلكية على طول وادي ريفت الشرقي، من خلالها قاموا برسم خرائط للعالم المرئي، وأطلقوا أسماء على النجوم والكواكب، وطوّروا نظام تقويم يعيد تدوير نفسه كل 365 عامًا. من بين الأدوات التي استخدموها كان آلة رؤية على شكل شوكة، لا يزال يحملها رعاة الأورومو حتى اليوم.

ربما تمَّ تحديد موقع آخر هذه المراصد في ناموراتونجا في شمال كينيا، مع بقاء معظم الأعمدة الحجرية المحاذية للنجوم سليمة حتى اليوم، وباستخدام حساباتهم، لاحظ "الآيانتوا" تحركات أحد المُذَنَّبَات، وتوقَّعُوا أن يتم عودته إلى الأرض كل 75 عامًا. في عام 1682م، توصَّل الفلكي إدموند هالي (1656-1742م)، باستخدام قوانين الحركة النيوتونية لحساب مساره الإجمالي حتى بعد مغادرته، إلى نفس النتيجة. تم تسمية المُذَنَّب الآن باسمه في كل مكان في العالم، باستثناء أورومو؛ حيث يطلق عليه اسم "جاليسا".

إن دررًا مثل تلك كانت جزءًا من كنز حقيقيّ لمعلومات موثَّقة حتى الآن كانت قد خرجت أثناء وبعد مؤتمر OSA، فمن بين أكثر من 100 ورقة مقدَّمة، كان هناك حوالي 56 عرضًا تقديميًّا يغطّي موضوعات تتراوح من الإدارة البيئية إلى التاريخ والعلوم الدستورية والثقافة والاقتصاد.

أُسِّست OSA مِن قِبَل مجموعة من النشطاء المنفيين في عام 1986م؛ استجابةً لعمليات القمع التي أدت إلى قيام حملة من أجل الاعتراف بدرجة أكبر بشعب أورومو وثقافتهم؛ وكيف يتم قتلهم أو تعذيبهم أو سجنهم أو طردهم من البلاد.

يبلغ عدد الأورومو أكثر من 35 مليونًا في جميع المناطق حول أديس أبابا، والتي كانت جزءًا من إقليم أورومو قبل تأسيس الدولة الإثيوبية الحديثة. وهم يشكّلون ثلث إجمالي سكان البلاد.

في معظم أنحاء إفريقيا، خضعت جميع الأعراق لمفهوم الأمة الواحدة، التي حدَّدتها الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية السابقة، لكن في إثيوبيا، التي لم تكن مستعمَرة حقًّا، باستثناء فترة وجيزة من الاحتلال الإيطالي، اتَّخذت طريقًا مختلفًا. فقد أصدر الإمبراطور مينيليك (1889-1911م) مرسومًا بأن يتم دمج كل إثيوبيا في ثقافة مسيحية أرثوذكسية واحدة، تتحدث الأمهرية. وسار على خطاه الإمبراطور هيلا سيلاسي (1930- 1974م)، ولاحقًا العقيد منغستو هيليمريم (1974-1991م).

في أعقاب التحريض السياسي الكبير، أقر دستور عام 1995م بالتكوين العِرْقِيّ لمقاطعاته التسعة على الرغم من أن القوة الحقيقية كانت تكمن أساسًا في النخبة الناطقة باللغة الأمهرية. بعد الاحتجاجات والمظاهرات الحاشدة والمستمرة، استقال رئيس الوزراء حليم مريم ديسالين بوش، مِمَّا مهَّد الطريق لآبي أحمد، وهو من عرقية الأورومو؛ ليخْلُفَه.

منذ تأسيسها، عملت OSA كمركزٍ فكريّ بحكم الأمر الواقع، ومنتدى للسياسة، وربما برلمان افتراضي لدولة أوروميا الوطنية.

من خلال هذا المؤتمر المُعَنْوَن بـ "العودة إلى الوطن"، تمكَّن العديد من الذين أُجْبِرُوا على الخروج إلى الشتات من العودة والتواصل مع أولئك الذين لم يغادروا وطنهم.

وجهة نظر الأورومو:

وجهة نظر أورومو واضحة للغاية؛ يقولون: إنهم أكبر مستعمرة في الإمبراطورية أطلقها الإمبراطور سهل سيلاسي في أربعينيات القرن التاسع عشر، وسّعها الإمبراطور مينيليك الثاني على نطاق واسع، ثم توطد من خلال سلسلة من المعاهدات مع القوى الأوروبية.

كانت خطة الاستيعاب، وما سمي بـ "العصر الثقافي" الركائز الأساسية لهذه العملية. لذلك يقول الأورومو: إنهم يكافحون من أجل إنهاء الاستعمار بشكل فعَّال. يجادلون، على الأقل، بأن هذا يجب أن يعني التنفيذ الفعلي لدستور عام 1995م، بينما على الأكثر، يمكن أن يعني الانفصال (خيار منصوص عليه أيضًا في الدستور نفسه).

معظم تاريخ صراع أورومو، الذي كان من أجل الاستقلال الثقافي والسياسي، غير معروف على نطاق واسع حتى بين الأجيال الشَّابَّة الحالية للأورومو أنفسهم.

هنا يأتي دور جمعية دراسات أورومو OSA؛ حيث كان الهدف الأول منها هو ضبط السجل التاريخي لصراعهم وكفاحهم، بغَضّ النظر عن النتائج السياسية المحتملة لذلك؛ فمن غير الممكن أن يتم حكي نصف السردية الخاصة بتاريخ الأورومو، خاصة أنها تُحْكَى على ألسنة الأناس العاديين غير المتعلمين الذين يحملونها في قلوبهم وبين ذكرياتهم؛ حيث يتم رفضهم باعتبارهم مصادر غير موثوقة وغير مأمونة؛ لأنهم لا يتحدثون بلغة أكاديمية، ولكن بلغة شعبية، ومن هنا كانت الحاجة لتأسيس تلك الجمعية التي كانت تهدف إلى التوثيق الأكاديمي والبحث والاستقصاء من أجل سرد القصة الكاملة لشعب أورومو، والبحث في الآثار المستمرة لما يرون أنه احتلال مُستعمِر يهدف إلى محوها.

كان لها أهمية ثلاثية بالنسبة للباحثة الأمريكية والناشطة والأكاديمية بوني هولكومب، مؤلّفة الكتاب الصادر عام 1991م، بعنوان: "اختراع إثيوبيا: صنع دولة مستعمرة تابعة في شمال شرق إفريقيا"؛ حيث تم اعتقالها وحُظِرَ عليها في نهاية المطاف الدخول إلى البلاد في نهاية السبعينيات؛ بتهمة قيامها بتوثيق تاريخ وخبرات الأورومو التي كتبتها في هذا المؤلَّف، ولكنَّها استطاعت في النهاية أن تعود إلى البلاد من خلال ذلك المؤتمر، وأن ترى بعينها تلك المنظمة التي شاركت في تأسيسها، والتي رأت النور في النهاية في بلدها الأصلي؛ لتكتشف وتعيد اتصالها بجيلين من الأجيال اللذين كانوا ناشطَيْنِ في الداخل الإثيوبي.

إعادة ضبط العلاقات الإنسانية:

كان الهدف الرئيسي الثاني لجمعية OSA هو تشكيل حالة فكرية لما يمكن أن يعنيه مصطلح "التنمية" لشعب أورومو؛ هذا لأن مناطق الأورومو تعد بمثابة سلال الخبز في إثيوبيا، ومن ثم فإن أيَّة اعتراضات على مزيد من المشروعات التنموية في مناطقهم سيعتبر بمثابة العودة إلى "التفكير المتخلف" الذي ساد البلاد في الحِقَب الماضية، ومن ثَمَّ فإنَّ تلك التجربة ستكون رائدة للعديد من الشعوب الأصلية في القارة السمراء.

فيعتقد مفكرو الأورومو أن هناك حاجة إلى مقاربة جديدة للتغلب على الأزمة التي فرضها الفكر الغربي المهيمن على الكوكب منذ ما يقرب من خمسة قرون، وسيكون مفتاح هذا النهج الجديد إعادة تحديد علاقة الإنسانية ببقية الطبيعة. ولكي يحدث ذلك، سيتعين على البشرية أن تصل إلى عمق تلك المناطق من المعرفة الإنسانية التي تمَّ تهميشها وتخفيض تصنيفها بواسطة "التجربة البيضاء العظيمة". وعلى الرغم من الاستعمار، ومحاولات الإبادة الجماعية، ما زالت تلك الشعوب متمسكة بنُظُم معارفها، أو لديها وسائل لإعادة بنائها، يمكنها أن تساعد في هذا المضمار.

فشعب الأورومو هو أفضل مثال على ذلك؛ ففي كتابهم "تقاليد المعارف المقدسة للأورومو في القرن الإفريقي"، الذي تمَّ البحث فيه على مدى ثلاثة عقود؛ نجح أخيرًا الدكتور جيميتشو ميجرسا والدكتورة أنيسة قسام في الحصول على مخطط تفصيلي لنظام الفكر هذا، والذي تم التعرف على جوانب منه بواسطة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) كجزء من التراث الثقافي الإنساني غير المادي.

بصرف النظر عن علم الفلك والأعداد، يقدم الأورومو الكثير لنتعلمه عن الحكم الذاتي، والحكم الديمقراطي، وإدارة السلطة (يتم تسليم السلطة السياسية لعصر جديد من خلال الانتخابات كل ثماني سنوات)، والزراعة العضوية (مثل ذكور ثور "بوران" ذي الشهرة العالمية، والتي تعتبر نتاج معرفة تربية السكان الأصليين من قبيلة بوران من عرق الأورومو) والرعاية الروحية.

علاوة على ذلك، تقدّم قصة أورومو المستردَّة من حكايات الأجداد أيضًا الأساس لدراسة أكبر للحضارة الكوشية التي أفرزت حضارة خميت السوداء، والمعروفة باسم مصر القديمة.

مع قصة الأورومو، ربما وجدت جمعية OSA المكان الذي يمكن أن تبدأ فيه إعادة الإعمار التاريخي الصحيح للقصة الإفريقية الفعلية.


[1] - نُشر في 11 ديسمبر 2019م، على الرابط التالي: https://newafricanmagazine.com/22047/

 

كتاب الموقع