أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أنشطة المنظمات الخيرية في إفريقيا.. وضرورة ترتيب الأوراق

 

محمد بسوم (*)

بعد كشف صحيفة بريطانية لسلسلة من الفضائح التي ارتكبتها بعض المنظمات الخيرية الغربية في عددٍ من الدول الإفريقية؛ من خلال إصدار أوامر إلزامية إلى بعض الموظفين وإجبارهم على ممارسة الدعارة، وهو ما يُعَدُّ استغلالاً صريحًا لهؤلاء في مصلحة المسؤولين في تلك المنظمات مثل جمعية "أوكسفام" Oxfam التي انفجرت الحادثة في أوساطها(1).

وتوالت سلسلة من الجرائم اللاأخلاقية على هذا النحو، (حتى وصلت إلى كلٍّ من جمعية "حماية الأطفال" (Save Children)، وجمعية "الصليب الأحمر" (la Croix-Rouge)، وجمعية "يونيسيف" التابعة للأمم المتحدة؛ فأدت إلى استقالات وطرد بعض الموظفين، وهدَّدت الحكومتان البريطانية والبلجيكية بقطع المساعدات عن هذه الجمعيات(2).

وتفاعل مع الخبر عددٌ من المسؤولين الأوروبيين والنشطاء في حقوق الإنسان، لكنَّ الحَدَث، مثل غيره من الأحداث في مثل هذه المواضيع، أقرب ما يشبه بــ"حادثة عابرة" تليها انتقادات متكررة يُتَأَسَّفُ لها وقت وقوعها، ثم تُطْوَى صفحاتها بعد تهدئة نار الغضب، دون ملاحقة المجرمين، فضلاً عن توقيفهم.

والغريب في الأمر أنَّ المَعْنِيِّينَ بالموضوع مثل دولة (هايتي) وجنوب السودان ودولة تشاد لزموا الصمت، وكأن حق التحقيق محصور فقط لبعض الدول التي تدَّعِي الفوقية إذا كانت الضحية تقع على دول محسوبة في دول العالم الثالث.

إن كل ما تم ذكره أعلاه يُحَتِّم إعادة النظر في عمليات واستراتيجية المنظمات الغربية الخيرية في إفريقيا؛ ومنع استغلال القارة وأبنائها عن طريق بوابة العمل الخيري، كذلك إعادة النظر في عمليات الجمعيات الخيرية؛ من حيث تأثيرها المباشر على التنمية المستدامة والرفاهية، فضلاً عن إتاحة فرص عمل جديد، وليس من باب ربط تلك الجرائم الشنيعة على هذا السعي المحمود؛ لأن الموضوع هنا غير منحصر في المنظمات الخيرية الغربية فقط، بل ستطال البحث وتصل إلى منظمات الدول الإسلامية، أعني من حيث تأثيرها وفحوى عملياتها.

 

طبيعة المساعدات الخيرية:

قد يختلف القصد وتتباين الأنماط، ولكن في الجوهر يمكن وضع المنظمات الخيرية الغربية والإسلامية في إطار واحد؛ من حيث طبيعة عملياتهما الخيرية في إفريقيا، ومن حيث التأثير على الأوضاع الاقتصادية.

 المنظمات الخيرية من دول الغرب مثل الولايات المتحدة الأمريكية، برطانيا، إيرلندا، بلجيكا، وأستراليا تركز أكثر على الحملات الطبية، التعليمية، إضافةً إلى اهتمامها الشديد بحضانات الأطفال وكل ما يتعلق بالحركات النسوية؛ وسيلة للغزو الفكري والثقافي، فهذه المنظمات الخيرية الغربية لا تفرق في نشاطاتها بين الدول ذات الغالبية المسيحية أو الإسلامية، بل إنها تبذل الجهد في الدول ذات الغالبية الإسلامية أكثر؛ تنفيذًا لمشاريع المتبرعين المسيحيين التي وراءها نوايا خفية من ضمنها "برامج تنصيرية".

وبجانبه، تهتم الجمعيات الخيرية من الدول الإسلامية مثل دولة قطر، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، السعودية، وتركيا بتوزيع السلات الغذائية، الأضحية، حفر الآبار، بناء المساجد والمدارس لتحفيظ القرآن الكريم، استنادًا إلى نصوص دينية أو موروثات ثقافية.

بغضِّ النظر عن الفروق الموجودة في استراتيجية وأهداف هذه الجمعيات ونشاطاتها فإن كلا النوعين من العمليات تبقى غير مؤثِّرة في النمو الاقتصادي والرفاهية التي ربما هي الغاية من هذه العمليات.

 

لقمة لا تُسْمِن ولا تُغْنِي من جوع:

مبلغٌ ماليّ يُقَدَّر بقوت يوم مواطن محتاج بسيط يتلقاه في كل سنة مرة أو مرتين، وإن كان يَسُدُّ الرَّمَق ويُدْخِلُ السرورَ والابتهاجَ في قلوب المُتَلَقِّينَ؛ إلا أن الفقر لا يمكن القضاء عليه في إفريقيا - جنوب الصحراء- عن طريق برامج المساعدات الإنسانية التي هي استهلاك يومي قصير الأجر وغير مؤثِّر في المساهمة على التنمية المستدامة، بل ربما في بعض الأحيان قد يؤثر سلبًا على حياة المستفيدين دون إدراك عاجل؛ لأن الاستمرار على هذا النَّمَط من المساعدات قد يَخْلُق طمعًا زائدًا، وينتج كسلاً قاتلاً، ويعدم الثقة بالنفس، فهي-إذًا- تُشَكِّل خطرًا على مستقبل الأبرياء بدلاً من إخراجهم من الأزمة الاقتصادية.

ففي دول يعيش حوالي ثلاثة أرباع السكان بأقل من دولارين، ونصف السكان 1.25 دولار في اليوم(3) يتلقى مساعدات بـ50 دولارًا في السنة مرة واحدة؛ فهي لقمةٌ لا تُسْمِن ولا تُغْنِي من جوع. أو أن ذلك يعني مزيدًا من المساعدات ومزيدًا من الفقر.

هذا، وتؤكِّد الدراسات الإحصائية أن الدول التي تتلقى مساعدات إنسانية قليلة هي الأسرع في النمو الاقتصادي بالمقارنة مع التي تتلقى مساعدات أكثر(4) ، تأكيدًا على ما ذهبنا إليه؛ فقد نشر البنك الدولي تقارير تفيد أنَّ مِن بين 700 مليون شخص تم انتشالهم من الفقر بين عامي 1981م و 2010م، كان 627 مليون منهم في الصين، أو بعبارة أخرى، أن 89.6٪ من الصين- التي تلقَّت مساعدات أقل- ما يعطي إشارة واضحة إلى أنَّ المساعدات الخارجية ليست هي الحل(5).

 

جمعيات خيرية أم شركات تجارية؟

بعد ذِكْر فشل الجمعيات الغربية الخيرية في القضاء على الفقر-إن كان هو المقصود- في إفريقيا جنوب الصحراء التي وراءها دعم حكومات غربية ضخمة حتى تكاد ميزانية بعض الجمعيات تساوي ميزانية بعض الدول الإفريقية. لكنَّ السؤال الذي يجب طرحه هنا هو ما هو المصدر التمويلي لهذه الجمعيات؟

 لو افترضنا جدلاً، أنَّ المساعدات المالية التي تتلقاها دول جنوب الصحراء تأتي من شركات غربية عملاقة فإنها بضاعتهم رُدَّتْ إليهم.

مساعدات لإفريقيا: تبرعات من الغرب "نهب" للقارة بقيمة 60 مليار دولار"، هذه عنوان في جريدة (الغاردين) البريطانية تؤكد استخدام الدول الغربية المساعدات لإفريقيا على أنها ستار لإخفاء "النهب المتواصل" للقارة؛ حيث تخسر -القارة- ما يقارب 60 مليار دولار سنويًّا؛ من خلال التهرب الضريبي، والتخفيف من تغيير المناخ، وهروب الأرباح التي تَجْنيها الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، ويتم تمويل جزء من هذه الأرباح والضرائب المنهوبة من خلال تغطية إعلامية كبيرة.

وأما عن كيفية التهرُّب من تلك الضرائب، وغسيل هذه الأموال؛ فلا يمكن وصول مثل هذه الموضوعات للإعلام الإفريقي بحالٍ من الأحوال.

 وفي السياق نفسه، أعلن وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون عن تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 533 مليون دولار أمريكي إلى الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في إثيوبيا، والصومال، وجنوب السودان، ونيجيريا، بالإضافة إلى دول في منطقة بحيرة تشاد(6).

جدير بالذكر أن ريكس ترليسون الذي يلبس ثوب السياسة، هو رجل أعمال وصاحب شركات تجارية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويسعى دائمًا إلى منافسة الشركات الصينية في إفريقيا، قبل أن يكون وزيرًا سابقًا للخارجية الأمريكية؛ ويُعتبر هو المستفيد الأول من هذه المساعدات.

 

المطلوب إفريقيًّا من المنظمات الخيرية الغربية والإسلامية

كما أشرنا أعلاه؛ فإن هذه المساعدات وإن كانت تنفع في مدة قصيرة الأجل إلا أنها لا تُؤَثِّر في نموِّ الاقتصاد ومحاربة الفقر اللذين هما المطلوبان لإخراج القارة من هذه الأزمة التي طالت ستة عقود وهي تتلقى مساعدات إنسانية على التوالي، وعليه يتحتم تبنِّي استراتيجية جديدة تتضمن تغييرًا جذريًّا لأنماط المنظمات الخيرية الغربية والإسلامية ببرامجها المختلفة على حدٍّ سواء، وكذلك ضرورة إعادة ترتيب الأوراق في رسم الأولويات للخروج من مأزق الفقر والبطالة.

يمكن اقتراح بعض النقاط التي نراها مناسبة -أو أنها هي المتطلبات والحلول اللازمة التي بدونها يستحيل إنجاز مشاريع هادفة إلى محاربة الفقر في القارة الإفريقية جنوب الصحراء- أو بديلاً للعمل الخيري كما يلي:

 

1- الاستثمار:

إفريقيا جنوب الصحراء منطقة غَنِيَّة بالفُرَص الاستثمارية ومليئة بالشباب العاطلين المستعدِّين لتحريك عجلة اقتصاد القارة، لكنها فقيرة إلى استثمارات من دول غنية تُمَوِّل الجمعيات الخيرية؛ فالتمويلات الضخمة التي يتم صرفها إلى الأعمال الخيرية فقط دون التفات إلى مشاريع استثمارية ينتج عنها فائض وأرباح يتم صرف بعضها إلى الجمعيات الخيرية.

في زمن العولمة، حين تتسابق شركات غربية في شراء شركات حكومية، وتتنافس في حسم المشاريع داخل القارة الإفريقية؛ تكتفي بعض الدول الإسلامية، والخليجية بشكل خاص، بتمويل الجمعيات ذات النشاطات المتعلقة بالعمل الخيري. وتغفل هذه الدول الاستثمار في إفريقيا صاحبة ثاني أكبر بساط أخضر في العالم، والتي تمتلك مقومات الاستثمار في شتى المجالات، فهي غنية بمواردها البشرية والمادية، وتتميز بموقعها الاستراتيجي(7).

ولا يمكن إحصاء مجالات وفرص الاستثمار في القارة في هذه الورقة المتواضعة لكثرتها، لكننا نضيف إلى المقترحات: الطاقة الشمسية؛ حيث إن أكثر من 600 مليون شخص في القارّة الإفريقية، من إجمالي 1.1 مليار نسمة، محرومون من التيار الكهربائي؛ بحسب تقديرات دولية(8).

 

2- التعليم والتعليم المهني:

التعليم قضية جديرة بالاهتمام لأيِّ دولةٍ تهدف إلى تحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.. ولا تخلو بلد من بلدان جنوب الصحراء إلا وتعاني من مظاهرات أسبوعية أو شهرية مصدرها أزمة تعليمية؛ لعدم وجود تمويل كافٍ يُغَطِّي تكاليف تعليم الطلاب ورواتب المدرسين، ناهيك عن تدهور التعليم المهني والتدريب، وأما الاستثمار في مجالات التكنولوجيا والصناعة -رغم توافر المواد الخام والطاقة في القارة- فشبه معدوم.

 

3- الزراعة:

يبدو أن تسمية القارة بـ"القارَّة العذراء" يرجع إلى تنوعها بأقاليمها ومناخها وتربتها التي لم يسبق أن وطئها الزُّارَّع بأقدامهم. ومن حيث توافر المساحة المتاحة، تُقَدَّر نسبة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فيها بحوالي 35% من إجمالي مساحة القارة، يُسْتَغَلُّ منها 7% فقط في الزراعة بشتَّى أنواعها،… ولا تزيد مساحة الزراعة المروية في الجزء الواقع جنوب الصحراء من إفريقيا عن 50 كم2 من إجمالي 23 مليون كم2؛ فالاستثمار في المجال الزراعي يُعَدُّ من أفضل الخيارات التي تُقَدِّمها إفريقيا للمستثمرين للإسهام في تحقيق النمو الاقتصادي والأمن الغذائي في إفريقيا(9).

 

الإحالات والهوامش:

(*) باحث سنغالي – متخصص في الاقتصاد الإسلامي

(1) موقع جريدة الغاردين البريطانية: http://cutt.us/3k4Pi  تاريخ النشر Tue 20 Feb 2018 19.09 GMT

(2) موقع فيغاو: http://cutt.us/zvWO8  تاريخ النشر: 22/02/2018م، 20:57.

(3) موقع Global Growng  http://cutt.us/dkqw7 بدون تاريخ النشر.

(4) http://cutt.us/9e3Dg

(5) http://cutt.us/IVcJv  تاريخ النشر 13 أكتوبر 2014م.

(6) موقع All Africa https://allafrica.com/stories/201803080392.html ، 7 مارس 2018م.

(7) تقرير موقع أموال: http://cutt.us/XnVAY  تاريخ النشر: 18- 12- 2017م، 9:52 AM.

(8) http://cutt.us/P07zh تاريخ النشر: 4 سبتمبر 2017م.

(9) تقرير موقع أموال: http://cutt.us/XnVAY  تاريخ النشر: 18- 12- 2017م، 9:52 AM.

 

كتاب الموقع