أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ألكسندر كروميل: فيلسوف القوميَّة السوداء في القرن التاسع عشر

ألكسندر كروميل Alexander Crummell (1819-1898م) كان زعيمًا فكريًّا أمريكيًّا من أصل إفريقيّ، ومبشِّرًا أسقفيًّا، وشخصيةً مؤثرةً في دولة ليبيريا في بدايتها. وعلى الرغم من إنجازاته العديدة؛ فلا يزال من الصعب تصنيف فكر كروميل، على عكس معاصريه من المفكرين مثل فريدريك دوجلاس Frederick Douglass وإدوارد بلايدن Edward Blyden. فبينما تظهر المركزية الأوروبية في ثقافته، تجد على الناحية الأخرى أن نزعته السياسيَّة إفريقية بالكامل، وهو ما ميَّز أفكاره عن معاصريه.

أولًا: النشأة والسمات والخبرات الشخصية:

ألكسندر كروميل كان كاهنًا ومُنصِّرًا ومُعلِّمًا من أصول إفريقيَّة أمريكيَّة. وُلِدَ كروميل في مدينة نيويورك في الثالث من مارس عام 1819م. كان والده "بوسطن" Boston عبدًا عندما كان طفلًا، ثم أصبح حرًّا في سنّ الرشد؛ بينما وُلِدَتْ والدته "شارتي" Charity حرَّةً.

كانت الأسرة ميسورة الحال، ممَّا وفَّر لكروميل الذهاب إلى مدرسة نيويورك New York African Freed School، والتي كانت مخصَّصة لتعليم السود الأحرار. عانى كروميل في طفولته من العنصرية بالمدرسة، وحُرِمَ من الالتحاق بالمدرسة اللاهوتية العامَّة في نيويورك General Theological Seminary. وعلى الرغم من التمييز على أساس لونه وعرقه، فقد تلقَّى تعليمه اللاهوتي في إبرشية ماساتشوستس Diocese of Massachusetts، وفي عام 1842م تم تعيينه ليكون شمّاسًا.

قام بإنشاء بعثة تنصيرية صغيرة في فيلادلفيا؛ حيث أصبح ناشطًا سياسيًّا يدعو إلى المساواة في الاقتراع وإلغاء الرقّ. وبعد استبعاده من إبرشية بنسلفانيا الأسقفية Pennsylvania diocesan convention، غادر الإبرشية وانتقل إلى إنجلترا عام 1848م؛ ليلتحق هناك بجامعة كامبريدج Cambridge University، فدرس الفلسفة الأخلاقية تحت إشراف ويليام ويويل William Whewell، ليصبح بذلك كروميل أول خريج أسود في جامعة كامبريدج. بعد حصوله على درجة البكالوريوس، ثم عاد ليستأنف مشاركته الشغوفة في الحركة المناهضة للعبودية.

ذهب لاحقًا إلى ليبيريا لتولّي منصب أستاذ اللغة الإنجليزية والفلسفة الأخلاقية في كلية ليبيريا. وأثناء وجوده في ليبيريا سعى كروميل لتعليم الليبيريين الإنجليزية، وتحويلهم إلى المسيحية. فقد كان يعتقد أن الأمريكيين من أصل إفريقي بحاجة إلى إحياء أخلاقي وروحي، واعتبر ليبيريا المكان المناسب لإنجاز هذه المهمة؛ فقد اعتقد أن الفرصة أصبحت سانحة من أجل إنشاء جمهورية مسيحية نموذجية هناك؛ حيث يمكن للسود تجربة نهوض عرقي بمساعدة الكنيسة الأسقفية.

وعلى الرغم من أنه أمضى 16 عامًا في ليبيريا، إلا أن رغبة كروميل في إنشاء جمهورية مسيحية لم تتحقق في الواقع، فاضطر إلى العودة إلى الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الأهلية عام 1872م. وانتقل إلى واشنطن العاصمة؛ حيث أسَّس كنيسة "القديس لوقا الأسقفية" St. Luke’s Episcopal Church في عام 1879م. وشغل منصب قس الكنيسة حتى عام 1894م. وقضى السنوات الأخيرة من حياته يكتب ويحاضر؛ حيث كان يحاضر في جامعة هوارد Howard University. ومع ذلك فإن مساهمته الأكثر تأثيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية هي مشاركته في تأسيس أكاديمية الزنوج الأمريكيين في واشنطن العاصمة American Negro Academy in Washington في عام 1897م. وساعد على جمع عدد من المفكرين السود البارزين؛ بما في ذلك وليم ديبوا Du Bois. واستمر كروميل في الدفاع عن الأمريكيين من أصل إفريقي حتى وفاته في عام 1898م.

ثانيًا: السياق الفكري والسياسي في القرن التاسع عشر

مع تنظيم جمعية الاستعمار الأمريكية American Colonization Society في ديسمبر 1816م؛ أصبحت إفريقيا -على نحوٍ متزايدٍ- محلّ اهتمام زنوج العالم الجديد، وخاصةً الأمريكيين من أصلٍ إفريقيّ. كانت هناك ردود فعل مختلفة بينهم حول إفريقيا، فتنوَّعت ما بين اللامبالاة أو الكراهية الصريحة تجاه أرضٍ افترضوا أنها مُظْلِمَة وغير صالحة للسكن، وأن سكانها منحدرون بشكلٍ لا يمكن إصلاحه. في حين أثارت في آخرين التعاطف مع وطن الأجداد الذي قدَّم للأمريكيين من أصل إفريقي التقدّم والنموّ، فنما بداخلهم شعور متزايد للبحث عن الهوية، وخاضوا في سبيل ذلك كفاحًا مدفوعًا بروح المودة للوطن، والرغبة في العودة إليه، من أجل التمتُّع بحرية ومساواة بغير قيدٍ؛ والتعاطف مع الأرض والشعب اللَّذَيْن تم استغلالهما و"تقييدهما" على مرّ العصور مِن قِبَل الأعراق الأخرى، هذه الأعراق التي استخدمت التكنولوجيا فتفوقت في الوقت الذي تأخرت فيه القارة وتمّ نهب ثرواتها.

مما تسبَّب في ولادة شعور عند بعض المثقفين في الشتات بالسعي وراء إثبات التاريخ الحضاري للقارة، والسعي خلف نهضتها مرة أخرى، هذا التعاطف الذي كان مصحوبًا بتحدٍّ كبير داخل القارة وخارجها، جعل من المهمة أكثر صعوبة خاصةً على المفكرين والمثقفين الذين وُلِدُوا وتربوا خارج القارة في العالم الجديد، من بين هؤلاء المفكرين كان ألكسندر كروميل.

ثالثًا: إسهامات كروميل الفكرية

نظرًا لنشأته في بيتٍ مناهض للعنصرية بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد تشكَّلت الرؤية الفكرية لكروميل مبكرًا، كما أن دراسته للفلسفة جعلت لديه سلوكًا عقلانيًّا منظمًا، وعزَّزت من قدرته على التعبير عن أفكاره بشكل دقيق؛ حيث ألقى في أمريكا وهو لا يزال شابًّا في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر؛ ثلاث خطابات في عدة مناسبات مختلفة هناك، جميعها كانت لمناهضة العنصرية ضد الزنوج، ثم تبلورت أفكاره بشكل كبير خلال الفترة التي قضاها في إفريقيا في الفترة من 1850م وحتى 1870م.

وكانت أهم أعماله المنشورة هي: "إفريقيا وأمريكا" Africa and America، و"مستقبل إفريقيا" The Future of Africa، و"عظمة المسيح" The Greatness of Christ.

وقد تركزت أفكار كروميل بشكلٍ أساسيّ من خلال كتاباته ونشاطه السياسي حول الهوية الإفريقية، وهو ما جعل من كتاباته تتمحور حول هذه القضية من خلال عدة أفكار فرعية؛ كدعوته للعودة إلى إفريقيا، واندماج الزنوج في قومية واحدة، والإثيوبيانية باعتبارها جامعة للزنوج ومعتمدة بالأساس على نصوص بالكتاب المقدس. كما كانت له فلسفته الخاصة حول قضيتي الأخلاق والتعليم.

العودة إلى إفريقيا:

كان كروميل في البداية معارضًا لهجرة الزنوج الأمريكيين إلى إفريقيا، وذلك في أواخر عام 1844م؛ فقد كان يدعو وقتها إلى تحسين وضع الزنوج بأمريكا، ولكنَّه على العكس تمامًا بدت آفاق تحسين وضع الزنوج بأمريكا قاتمة؛ بسبب تمرير مشروع قانون العبد الهارب في عام 1850م، ثم تلاه قانون كانساس-نبراسكا في عام 1854م، وخلال هذه الفترة حقَّق كروميل تقاربًا مع جمعية الاستعمار الأمريكية American Colonization Society، فاستبدل موقفه من الهجرة بأن هاجر ودعا الزنوج إلى الهجرة من أجل بناء إمبراطورية زنجية في غرب فريقيا، وادعى لاحقًا أن ذهابه إلى إفريقيا كان ذا طبيعة تنصيرية بالكامل، وقام بعدة زيارات لأمريكا لتشجيع الزنوج على الهجرة، وذلك بوصفه مفوَّضًا مِن قِبَل الحكومة الليبيرية لتشجيع هجرة الزنوج.

لكنَّه أيضًا كان يرى أنه من الضروري لتنمية ليبيريا جَذْب الرجال والنساء الذين يتمتعون بصحة جيدة، ولديهم شخصية ومهارات. وعبر عن ذلك بأنه "لا يمكن للأمة الفتيَّة أن تنمو إذا استمرت في استقبال المرضى والمسنين من العبيد المحرَّرين". وهكذا فقد شجَّع بشدة الزنوج المتعلمين والمهرة على الهجرة والاستيطان في غرب إفريقيا.

وعلى عكس إدوارد بلايدن Edward Blyden في نظريته المبكرة لهجرة "جميع الزنوج" إلى إفريقيا، لم يَدْعُ كروميل أبدًا إلى الهجرة الكاملة لزنوج العالم الجديد إلى إفريقيا. ومن أجل كسب بعض الدعم المناهض للهجرة إلى إفريقيا، رفَض فكرة أن أمريكا لا يمكن أن تكون موطنًا للزنوج. ومن خلال هذا الحل الوسط، خالف كروميل مرة أخرى الشخصيات الزنجية الأخرى مثل الأسقف تورنر Bishop Turner أو بلايدن Blyden قبل عام 1880م، لكنَّه عاد بعد ذلك وخالف وجهة نظره.

ومع ذلك عند مناشدة المهاجرين كان كروميل دائمًا على استعداد لتمجيد الثروة المادية والفرص في ليبيريا؛ ففي خطابٍ ألقاه في نيويورك عام 1861م، أكَّد لجمهوره أنه "في كل منحى من مناحي الحياة والعمل في ليبيريا، توجد أدلة واضحة على النموّ"، وأن "أيّ مؤسسة ستجني قيمة تكاليفها في غضون خمس سنوات".

القومية السوداء:

كان الفكر القومي والعرقي لدى كروميل شديد التفصيل، فقد كان يعتقد "أن كل أمة وشعب هي جزء من عائلة كبيرة، وهي عائلة الله، لذا فعلى كل أمة أن تَفِي بالتزاماتها تجاه البشرية". وأن "الزنوج الأمريكيين أعضاء في عرق صاعد لم تتحقق عظمته بعدُ"، وأن "دورهم سيكون من خلال إخراج أجيال مثقفة من العرق الإفريقي"، هذه "الأجيال المثقفة بالتبعية سوف تنخرط في التجارة"، وبالتالي ينتج عن ذلك "ثلاث نتائج تاريخية: إنها ستُنهي العبودية عن طريق بيع القطن بالقدر الكافي إلى السوق العالمية؛ وهو ما من شأنه أن يُحفِّز على استكشاف المناطق الداخلية في إفريقيا وتنصيرها؛ ومن ثَمَّ تنشأ جمهورية مزدهرة تضيف إلى ثروة العالم، وأخيرًا ستفي ليبيريا بالتزاماتها من خلال إنشاء حكومة فاضلة تتبع قانون الله، وتكون قدوة للعالم". وتحدث كروميل عن أصله الإفريقي الخالص، وأكَّد أن "الرجل الأسود الحر في أمريكا أفضل من الروسي، والبولندي، والإيطالي".

أما الحكومة الفاضلة كما تصورها كروميل فـ"ستكون جمهورية ديمقراطية؛ بنظام حكم يضمن الحرية الشخصية الشاملة، ويهدف إلى نشر المعرفة، ويسعى إلى الرقي الأخلاقي للمواطنين". وكان يخطب ضد الحكومات الاستبدادية مثل "مملكة داهومي"، و"الحكومات التي كانت ترعى الطبقات المتميزة".

كان كروميل مدركًا "لأوجه القصور في جمهورية ليبيريا الوليدة"، ويدرك أن "الإصلاح ضرورة من أجل تحولها إلى دولة نموذجية". ولتحقيق هذه الغاية سعى إلى إقناع مواطنيه بما شعر أنه "ركود اقتصادي واجتماعي للأمة"، و"عدم إحراز تقدم في التجارة والزراعة والتعليم". ففي تحليله: "كانت مسؤوليتهم هي بناء الطرق في الداخل"، و"توسيع نطاق سلطتهم القضائية على القبائل الداخلية"، و"بناء البعثات وزيادة التجارة الخارجية".

وأيد كروميل بقوة تأسيس كلية ليبيريا، وأَمَّل -على غرار المثقفين الآخرين هناك- أن تجذب إليها الطلاب والعلماء من جميع أنحاء العالم، وطالب بدعم ماليّ لإنشاء المدارس التنصيرية، وبمزيد من المنح لطلاب هذه المدارس. وكان يُعوّل على "دور زنوج العالم الجديد في تنظيم وتثقيف ودمج الأفارقة الأصليين في الجمهورية".

استندت نداءات كروميل لدعم الاستعمار الإفريقي إلى شعور عميق بالهوية العِرْقِيَّة والتضامن. على الرغم من أنه لم يكن مؤيدًا للاستعمار في أماكن أخرى بخلاف ليبيريا، إلا أنه رفض إدانة الهجرة إلى هاييتي أو البرازيل أو أبيوكوتا في وادي النيجر، كما اقترح "مارتن ديلاني" Martin R. Delany وجمعية الحضارة الإفريقية. كان همّه الأكبر هو "التضامن العرقي". وبرغم أنه صرَّح "بأن خطة وادي النيجر لم تكن حكيمة"، لكنه حثَّ الرجال السود على "ضرورة بناء العِرْق بشغف في أماكن بعيدة من العالم".

كان كروميل متفقًا مع ديلاني وجمعية الحضارة الإفريقية على خطة لتقويض العبودية الأمريكية عن طريق زراعة القطن في غرب إفريقيا وبيع المزارعين له في الأسواق العالمية، وذلك بهدف "تحقيق أفضل تأثير لتطور وتمدين الإفريقي ومن أجل التضامن العرقي". وجادل بأن "المستعمرين يجب ألا ينتشروا على طول ساحل غرب إفريقيا"، وبدلًا من ذلك حثَّهم على "تركيز سلطتهم ونفوذهم في ليبيريا؛ حيث سيتم الترحيب بهم، وسيجدون حكومة وعادات ولغة مألوفة لديهم"، وخصوصًا "بعد أن حصلوا على حريتهم في الولايات المتحدة".

ونظرًا للانحدار اللاحق في الاهتمام بالاستعمار؛ أعرب كروميل عن انتقاده للزنوج لتفكيرهم "بازدراء إفريقيا"، وذكّرهم "بالتاريخ النبيل والشجاع لعِرْقهم"، والذي "تجاهله الرجل الأبيض". كما أعرب كرومل "عن أسفه لفقدان الوعي بالعرق واللامبالاة لدى الأمريكيين الزنوج التي حدثت أثناء إعادة الإعمار".

كما أعرب عن اعتقاده بأن "المفتاح لتجديد الأفارقة القبليين هو تثقيف النساء"، فكان يرى أنه "إذا تم تنصير الفتيات الإفريقيات وتعليمهن، فإنهن سيضعن حدًّا لتعدُّد الزوجات والممارسات الوثنية الأخرى"؛ على حد قوله.

وقد أمضى السنوات القليلة الأخيرة من حياته في تنظيم أكاديمية الزنوج الأمريكيين، التي تأسست عام 1897م؛ كهيئة من العلماء الزنوج؛ بهدف "تشجيع تنمية الرجال المثقفين، وتوجيه الجماهير السوداء إلى مستوى أعلى من الحضارة".

فخلال السنوات التي أعقبت عودته إلى أمريكا؛ ظل كروميل متحدثًا متحمسًا للقومية السوداء، واستمر في تبنّي المساعدة الذاتية والتنمية الاقتصادية المنفصلة؛ ففي رأيه "أن ينسى الزنوج أنهم أشخاص ملونون"، وأن "تخلّيهم عن جهودهم الفردية تجاه القومية الزنجية هو بمثابة بدعة"، وأن "على الرجال السود أن يناضلوا من أجل الحقوق".

كانت آراءه في آخر أيامه أقرب إلى آراء بوكر واشنطن Booker T. Washington، الذي كان يُشدِّد على "التدريب الصناعي والمساعدة الذاتية"؛ فبعد عودته إلى الولايات المتحدة، ركَّز كروميل اهتمامه على بناء "الشخصية" و"الحضارة" بين السود المحليين على أمل أن يتمكَّنوا من تحقيق المساواة في السياق الأمريكي دون التضحية بالتميز والفخر والتضامن الذي ربطه مع زيادة الوعي بالتراث والهوية العرقية.

الإثيوبيانية:

بوصفه كاهنًا ومنصِّرًا؛ اهتم كروميل بنصوص الكتاب المقدَّس، وأَوْلَى اهتمامه بالتعليم المسيحي والدعوة له، لكنَّه أيضًا تأثر هو ومجموعة من المفكرين السود في عصره بنصوص الكتاب المقدَّس، واعتقدوا أسطورة الخلاص المسيحيّ ومهمته الحضارية؛ وذلك من خلال الاحتفاء بالمسيحية السوداء باعتبارها النتيجة الغائية من أجل عبور الزنجي لمرحلة العبودية، كذلك اعتبر أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي كانت "هروبًا من أرض وثنية"، وأنها "مدبَّرة من العناية الإلهية"؛ لتخليص الأفارقة من شرّ هذه الوثنية. وأنه هو وأقرانه عادوا إلى إفريقيا من أجل القيام بدورهم التعليمي، وتثقيف أبناء العرق الزنجي، والقضاء على الانحطاط والتخلف داخل القارة، وأنَّ مَهمتهم الرئيسية هي تمدُّن إفريقيا وتحضُّرها.

واستخدم كروميل كمفكري عصره من السود كلمة "إثيوبيا" بدلًا من إفريقيا "والإثيوبيين" كمرادف للأفارقة المتحضرين. ولتأكيد وجهة نظره هذه أشار إلى نص في الكتاب المقدس "يأتي العظماء من مصر، وإثيوبيا تمدّ يديها إلى الله" (مزمور 31:68)، باعتباره نبوءة بخلاص إفريقيا من الوثنية.

بلغ الفكر الإثيوبياني في القرن التاسع عشر أعلى مستوياته من التعقيد والتطور، خاصةً في كتابات ومواعظ كروميل؛ فقد شدَّد أكثر من غيره على الجوانب الدينية والروحية للخلاص الإفريقي؛ فوفقًا لوجهة نظره فإن "العناية الإلهية هي التي جعلت من الزنوج عبيدًا، وأن "الأفارقة في العصور القديمة وخاصة السكان السود في مصر وإثيوبيا"، قد "حققوا مستوًى عاليًا من الحضارة"، هذه الحضارة "كان لها الفضل الكبير في ازدهار الحضارة الأوربية فيما بعد"، ولكن مع مرور الوقت "انزلقت إفريقيا إلى الانحطاط والهمجية"، وهو ما "تسبَّب في غضب الله نتيجة انزلاقها إلى ممارسة عبادة الأوثان"، في حين "تقدَّمت أوروبا بشكل رئيسيّ بسبب اعتناقها المبكر للمسيحية"، والتي "كانت ضرورية لأعلى شكل من أشكال الحضارة"، و"لكنَّ أوروبا المسيحية رسميًّا انتهكت بشكل صارخ المبادئ الأخلاقية لدينها من خلال استعباد الأفارقة"، و"نقلهم للعمل في مزارع العالم الجديد"، كانت "هذه الكارثة جزءًا من مخطط الله لفداء إفريقيا والعرق الأسود".

كان يرى أنه في الوقت نفسه قد "استفاد المنحدرون من أصل إفريقي في العالم الجديد من دين مالكيهم، فالطبيعة الفطرية للزنوج كعِرْق مكَّنتهم من الاستجابة لمرشديهم الدينيين من الأوروبيين دون أن يُصَابُوا بجشعهم ونفاقهم الفعلي". فقد "كانت مهمة بعض الأمريكيين السود من المثقفين والمتحضرين هي العودة إلى إفريقيا كمنصرين أو مستوطنين، بهدف تخليص أرض أسلافهم من الوثنية والهمجية، وبهذه الطريقة تتحقق النبوءة الإثيوبيانية".

 رابعًا: دلالات فكر كروميل

كان ألكسندر كروميل مفكرًا ذا شخصية معقَّدة، مليئة بالتناقضات، انخرط بعمق في العالم من حوله، وأقام علاقات عامة مع شخصيات بارزة وعظيمة في تاريخ الفكر السياسي الإفريقي؛ مثل فريدريك دوجلاس Frederick Douglass، ووليم دو بوا W. E. B. Du Bois، وبوكر واشنطن Booker T. Washington. واجتاز الحدود عبر الأطلسي، ليمتد تأثيره إلى حياة البيض والسود في أمريكا وإنجلترا وغرب إفريقيا؛ فقد كان يبحث باستمرار عن مجتمع يستطيع فيه السود ممارسة حقوقهم بحرية والوفاء بواجبات المواطنة والحكم الذاتي كذلك.

دافع عن القومية السوداء، وكان فخورًا بعرقه كإفريقي، لكنَّه في الوقت نفسه؛ تخيَّل وصمَّم مجتمعًا كوزموبوليتانيًّا متماسكًا؛ (وهو نوع من الأسرة البشرية العالمية تتجاوز العِرْق والجغرافيا). وشجَّع على التوسع في التجارة والتبادل التجاري، لكنَّه أعرب عن أسفه للجشع والأنانية لبعض الأعراق التي كانت تسعى من أجل المال. كان يدعو باستمرار إلى المسؤولية الشخصية لكل فرد، في حين طالب أيضًا بتطوير الهوية الجماعية والوفاء بالواجبات المجتمعية للفرد.

 فغالبًا ما حيَّرت هذه الطبيعة المتناقضة لفكر كروميل العلماء، فأدَّى ذلك بهم إلى المبالغة في تبسيط أفكاره أو إساءة فهمها أو تجاهلها تمامًا. فقد اختلف العلماء في توصيفه بتوصيفات مختلفة؛ مثل محافظ، وراديكالي، وفيدرالي، ونخبوي، وصوفي مسيحي، وقومي أسود، وإمبريالي مثقف. لكنَّ محاولة وضعه بعيدًا في هذه الصناديق الصغيرة يحد من رؤيتنا لكروميل كمُفَكِّر بشكل عام وكإنسان بزوايا مختلفة.

فقد كان محبطًا من نفاق العبودية والعنصرية الأمريكية، وكذلك من الفردية الاقتصادية، التي ترقى إلى حد النقد المجتمعي لليبرالية الأمريكية في القرن التاسع عشر. علاوة على ذلك جسَّدت "المشاعية" لكرومل نوعًا مميزًا من المثالية الفلسفية، والتي بدورها سمحت له بإثارة أسئلة عالمية تجاوزت كلاً من المكان والزمان: طرح أسئلة حول معنى العدالة، والحقيقة، والجمال، والروحانية، والحرية، وفي نهاية المطاف تلخَّصت فكرة كروميل أن الأفراد لا يمكنهم أبدًا تحقيق غاياتهم الأخلاقية المتعالية بمفردهم، ولكن بشكل جماعي فقط، وأن الأفراد لا يمكن أن يكونوا بشرًا بالكامل ما لم يحافظوا على تلك الروابط المجتمعية الأساسية ورعايتها.

 ووصفه ويلسون إرميا موسى Wilson Jeremiah Moses بأنه "رجل شغوف يتمتع بذكاء حادّ لاذع، لكنه كان أيضًا رجلًا مظلمًا، مثقلًا، شخصيَّة ميلتونية (يشبه جون ميلتون المفكر الإنجليزي)"، وبأنه "كان متفائلًا بشأن مستقبل السود في أمريكا وما أسماه "التفوق المقدّر للعرق الزنجي"، لكنَّه كان أيضًا "متشائمًا بشأن الطبيعة البشرية، فقد تحدَّث مرارًا وتكرارًا عن الانحطاط والفساد البشري".

وفي فكره الديني وطرحه للإثيوبيانية؛ رأى أن "المسيحية" هي "الحضارة"، وأن تنصير إفريقيا هو "تحضرها وتمدُّنها"، وهو ما خلق إشكالية لدى كروميل حين ناقش مسألتى العرق والثقافة وحاول الربط بينهما، ويبدو أنه وجد صعوبة في التوفيق بينهما، لذا أطلق فريدركسون George M. Fredrickson على الإثيوبيانية مصطلح "العنصرية الرومانسية". فقد نشأت الحضارة من نظرية عالمية نتيجة التقدُّم الاجتماعي والثقافي للإنسان، فقد ظهرت في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وغالبًا ما كانت تُستخدم كمبرِّر للإمبريالية والاستعمار. أدَّى التزام كروميل بها إلى أن تغاضى عن توسع الحكم الأوروبي، وخاصة البريطاني في إفريقيا أو حتى تأييده كمرحلة أساسية من أجل تحضُّر القارة.

جادل كروميل بأن المُرسلين إلى إفريقيا كان عليهم واجب متابعة جهود التنصير بهدف تغليب الروح على الحياة المادية للمتحوّلين بإفريقيا، حتى يمكن للمتحولين إلى المسيحية أن يتشرّبوا أخلاقها؛ فتظهر في جميع طرق الحياة. كان في رأيه أنه "على المُنَصِّر أن يتحمَّل بالإضافة إلى واجباته الإنجيلية "التزامًا ثانويًّا"، وهو رفع الإفريقي "من فظاظة الهمجية". يعتقد كروميل أن المسيحية كانت سببًا مهمًّا ليس فقط للتطور الروحي والفكري في أوروبا، ولكن للتقدّم الماديّ أيضًا.

من الواضح أن التحيُّزات المسيحية لكروميل لم تسمح له بالتمتع برؤية سامية للثقافات الإفريقية الأصلية. مثل العديد من الفلاسفة الأوائل للقومية السوداء، كان رجلَ دين مسيحيًّا، ولم يكن لديه أيّ تقدير لأيّ شيء إفريقي إلا إذا تم غسله أولًا وتنقيته بمياه الأنجلو مسيحية.

ختامًا: وجب التنويه إلى أنه يتوجب إجراء مزيد من الدراسات لإرث ألكسندر كروميل الأيديولوجي، فقد كان مثقفًا أمريكيًّا من أصول إفريقية، وثيق الصلة بالموضوعات الفلسفية في أواخر القرن التاسع عشر، قدَّم بعضًا من أكثر النظريات تحديًا وإثارةً للجدل فيما يتعلق بدور ومكان الأمريكيين الأفارقة في الولايات المتحدة وإفريقيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهم المراجع المستخدمة في البحث:

Akpan, Monday Benson. "Alexander Crummell and His African" Race-Work": An Assessment of His Contributions in Liberia to Africa's" Redemption," 1853-1873." Historical Magazine of the Protestant Episcopal Church 45.2 (1976): 177-199.

Appiah, Anthony. In my father's house: Africa in the philosophy of culture. OUP USA, 1993.

Crummell, Alexander. Destiny and Race: Selected Writings, 1840-1898. Univ of Massachusetts Press, 1992.

Fredrickson, George M. Black Liberation: A comparative history of Black ideologies in the United States and South Africa. Oxford University Press, 1996.

Johnson, Sylvester. The Myth of Ham in Nineteenth-Century American Christianity: Race, Heathens, and the People of God. Springer, 2004.

Moses, Wilson J. "Civilizing missionary: A study of Alexander Crummell." The Journal of Negro History 60.2 (1975): 229-251.

Moses, Wilson J., and Wilson Jeremiah Moses. Creative Conflict in African American Thought. Cambridge University Press, 2004.

Moses, Wilson Jeremiah. Alexander Crummell: A study of civilization and discontent. Oxford University Press on Demand, 1989.

Pahissa, Laura Gimeno. "“WE NEED CHARACTER!”:: Remembering Alexander Crummell’s Appeal to Postbellum African Americans." ES Review. Spanish Journal of English Studies 39 (2018): 117-133.

Trost, T., ed. The African diaspora and the study of religion. Springer, 2007.

Wahle, Kathleen O'Mara. "Alexander Crummell: Black Evangelist and Pan-Negro Nationalist." Phylon (1960) (1968): 388-395.

 

كتاب الموقع