أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

"أفريكانستان" .. هل يصبح الساحل أفغانستان أخرى؟

بعد التحوُّل الذي شهدته المواجهة في ساحات القتال في العراق وسوريا ضد داعش وأخواتها من جماعات الإرهاب العالمي؛ بدأ أعضاء هذه الجماعات الإرهابية ومن على شاكلتهم في البحث عن مناطق غير مستقرة في إفريقيا جنوب الصحراء كملاذ آمِن لهم.

وتُعَدُّ منطقة الساحل والصحراء -وهي مساحة شاسعة تشمل أكثر من 12 دولة، وتمتد من ساحل المحيط الأطلسي الموريتاني غربًا إلى الساحل الإريتري شرقًا- هي الأكثر جاذبية بشكل خاص لهذا التحوُّل؛ بسبب تفشّي الفقر المدقع، وتكريس أوضاع هشاشة الدولة فيها.

ومع ذلك؛ فهناك دلائل جديدة على أن عدوى الموجة المسلحة في المنطقة بدأت تتسرب إلى أبعد من ذلك لتشمل بلدان غرب إفريقيا أيضًا، والتي يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على بعض الاقتصادات الصاعدة الأكثر ازدهارًا في القارة، مثل غانا وساحل العاج، بل وعلى الشريك الفرنسي الذي يتموضع عسكريًّا بجنده وعتاده في الساحل الإفريقي وما حوله.

وطبقًا لتقرير مؤسسة ستراتفور الأمنية؛ فإنه على الرغم من سنوات الدعم العسكري الفرنسي في جميع أنحاء المنطقة من خلال استراتيجية عملية بارخان التي بدأت في أغسطس 2014م، لم تتطور بعدُ آليَّة فعَّالة لتحسين الوضع المتردِّي بشكل متزايد في منطقة الساحل. وما زالت القوة المشتركة لمجموعة الخمسة التي شكَّلتها فرنسا في الساحل -وهي قوة إقليمية لمكافحة الإرهاب تتألف من حوالي 4.000 جندي من تشاد وموريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو- تعاني من انتكاسات في التمويل والعمليات؛ مما يجعلها غير فعَّالة أساسًا.

وفي الوقت نفسه، تظل الجهود المتعددة الجنسيات للاستثمار في الاقتصادات المحلية المتعثرة في المنطقة إما غير كافيه أو معدومة.

ولذا لم يكن مستغربًا في ضوء هذا العجز الإقليمي والدولي في تحسين الاستقرار المحلي في منطقة الساحل أن تستغل الجماعات المسلحة -بما فيها تلك المرتبطة بتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية- حالة الوهن وانعدام الأمن لصالحها. فعلى سبيل المثال، وفَّرَت الثغرات الأمنية والإدارية في شمال مالي المضطرب لهذه المجموعات الفرصة اللازمة للتخطيط للهجمات في أماكن أخرى من المنطقة، والقيام بها، كما يتضح من التزايد السريع لظاهرة النشاط المسلح في جنوب مالي وبوركينا فاسو.

هذه الأوضاع المقلقة في الساحل الإفريقي، والخوف من تحوُّله إلى جبهة جديدة للراديكالية العالمية؛ دفعت البعض إلى وصفه بأنه بمثابة أفغانستان أخرى.

إن ثمة أوجه تشابه مثيرة بين العمليات العسكرية الفرنسية في مالي -طوال السنوات الخمسة الماضية- والعمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان. وقد تبدو هذه المشابهة والمقارنة للوهلة الأولى مقنعة فيما يتعلق بمسار الحروب والتصميم المعلن على محاربة الإرهاب مِن قِبَل كلّ مِن فرنسا والولايات المتحدة.

ويلاحظ أنه في كلتا الحالتين، أدَّى التدخل العسكري الأجنبي إلى هزيمة الجماعات المسلحة التي استطاعت الوصول إلى السلطة. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع المرء أن يجد بديلاً عن استمرار الدعم الخارجي والحلول الأمنية للصراعات الممتدة التي تشهدها هذه المناطق. وقد أثبتت التجربة على أرض الواقع عدم قدرة الوجود العسكري الغربي على حسم المعركة بشكل نهائي في بلدان مثل أفغانستان ومالي.

إن القوات الغربية لا تمتلك السند القانوني، ولا الفهم الصحيح، ولا حتى المقدرة على إعادة بناء الدول التي تتدخل فيها. ولتجنُّب هذا المأزق وجدت الدول الغربية نفسها أمام خيارات ثلاثة؛ أولها بقاء قواتها في المخابئ لمنع الخسائر في الأرواح، وتوفير الدعم لقوات محلية أو إقليمية للقيام بالمهام القتالية، كما حدث في حالة تأسيس جيش الساحل من قبل فرنسا، ثانيًا: شنّ غارات لتخويف العدو والنَّيْل منه كما يحدث من خلال استخدام الطائرات المسيرة آليًّا، وثالثًا العمل على كسب "القلوب والعقول" من خلال الانخراط في الأنشطة المدنية والعسكرية كما توضحه خبرة أفريكوم الإفريقية، وكما رأينا في أفغانستان؛ حيث أنفقت الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات بلا طائل من ورائها؛ حيث لم يتحقق شيء ملموس على الأرض.

 وفي سياق هذا الجدل حول تكرار تجربة أفغانستان المريرة في الواقع الإفريقي صدر العام الماضي كتاب مهم عن دار نشر جامعة أكسفورد بعنوان: "أفريكانستان: تنمية أم جهاد"؛ لمؤلفه سيرجي ميخائيلوف، وهو باحث متخصص، وله باع طويل في الشؤون الأفغانية والإفريقية سواء بسواء، وهو ما يُعطي الكتاب أهميةً كبرى.

والعجيب أن الرسالة التي يحملها الكتاب هي رسالة تحذير لأوروبا من أن يتحوَّل إقليم الساحل والصحراء إلى قنبلة سكانية موقوتة قد تنفجر في أيّ وقت. ففي غضون عشر سنوات سوف يتضاعف عدد سكان الإقليم الذي قد يصبح بمثابة أفغانستان كبرى، أي: كابوس للجوار الأوروبي. ومع ذلك يرى ميخائيلوف :  أن الساحل ليس أفغانستان وإن كانت هناك أوجه شبه عديدة يتم تحديدها على النحو التالي:

أولاً: المأزق الديموغرافي

يعكس الساحل نفس الاتجاه السكاني العام في أفغانستان؛ حيث تبلغ نسبة النمو السكاني نحو 3.5% سنويًّا، وهو ما يعني تضاعف عدد السكان كل عشرين عامًا تقريبًا. وبهذا المعدل يمكن أن يقفز عدد سكان دول الساحل الحبيسة؛ وهي: تشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو من 67 مليون نسمة حسب تقديرات عام 2015م إلى 260 مليون نسمة عام 2050م؛ إذا استمرت معدلات الخصوبة على ما هي عليه اليوم. ويعني ذلك مزيدًا من الشباب والطلب على سوق العمل. وسيكون أمام هؤلاء الاختيار بين الذهاب إلى المدن والانضمام لطوابير المتعطلين عن العمل أو الالتحاق بصفوف الجماعات الإرهابية والحصول على مرتبات أعلى.

ثانيًا: كساد الزراعة والاقتصاد الريفي

بغضّ النظر عن محددات المناخ والتكنولوجيا؛ فإن إهمال القطاع الزراعي واضح في كل من أفغانستان والساحل، وهو ما يحتاج إلى ضخّ استثمارات جديدة ولا سيما في مجالات مشروعات الري الصغيرة. وكما هو الحال في أفغانستان؛ فإن كساد الزراعة في الساحل مصحوب بانخفاض التوظيف في قطاع الخدمات وغياب الحِرَف المحلية بسبب عدم وجود الكهرباء، بالإضافة إلى عدم تطوير قاعدة تصنيع في المناطق الحضرية. في ظل هذه الأوضاع لا يجد الشباب أمامهم من فرص سوى الانخراط في أنشطة التهريب والاتجار في المخدرات، أو الانضمام لجماعات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية.

ثالثًا: ارتفاع معدلات التحضر بشكل فوضوي

من المنطقي في ظل ضعف الاقتصاد الريفي أن ترتفع نسبة التحضر بين 4-6% سنويًّا. ونظرًا لضعف العوائد والإمكانيات المادية في المدن الكبرى مثل كابول في أفغانستان وعواصم دول الساحل يدفع هذا النمو السريع في نسبة التحضر إلى زيادة المناطق العشوائية وعشش الصفيح في أطراف المناطق الحضرية، وهي مناطق تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية التي توفّر مستوى معقولاً للحياة الكريمة. ولا شك أن هذه المناطق تعد حاضنة اجتماعية طبيعية لكل الأنشطة الخارجة عن القانون.

رابعًا: الهجرة الجماعية

لقد دفعت حروب أفغانستان خلال الفترة من 1979 إلى 1995م، وبسبب غياب الأمن إلى هجرة حوالي 5 ملايين أفغاني إلى باكستان وإيران. وبالمثل فإن غياب الأمن وقسوة الظروف المناخية تدفع العديد من سكان الساحل إلى الهجرة داخليًّا صوب مدن وأقاليم أخرى داخل إفريقيا أو صوب أوروبا.

 خامسًا: الانقسامات العرقية والدينية

في أفغانستان، كما هو الأمر في منطقة الساحل، ازدادت حدة الانقسامات العرقية والسياسية والدينية، التي كانت تعالجها سابقًا نُظُم تقليدية معقدة للوساطة وتسوية المنازعات، بَيْدَ أنَّ هذه الآليات التقليدية توارت لصالح آليات حداثية جديدة.

في منطقة الساحل، تقع هذه المشاكل على طول خطين رئيسيين؛ بين شمال إفريقيا وجنوب الصحراء الإفريقية، وبين السكان المسلمين والمسيحيين، في وضعية وجدت فيها المجموعات العرقية نفسها تمتد عبر حدود مصطنعة بين دول حديثة لم تتمكن من بناء منظومة قيم مشتركة بين جميع فئات السكان. ولا شك أن هذا الانقسام كرَّسته العوامل المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية المحدودة. وعليه وجدت المجتمعات التي عاشت تقليديًّا في تجانس جماعي نفسها ممزقة عبر كيانات وطنية مصطنعة.

يتحدث الكِتاب عن أوجه أخرى للتشابه بين الحالتين الأفغانية والإفريقية في الساحل؛ مثل انعدام القانون والنظام، وعدم الاستقرار الإقليمي، وتهريب المخدرات، وانتشار الجماعات الراديكالية. ولا يخفى أن دور المجتمع الدولي في كلتا المنطقتين يحتاج إلى إعادة نظر بشكل جدِّي.

 

هل يعيد الغرب نفس الأخطاء من جديد؟

ألقى ميخائيلوف باللائمة الخاصة باستمرار كارثة أفغانستان على الأخطاء التي ارتكبها التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وفوضى الجهات الدولية المانحة خلال الفترة بين عامي 2002 و2010م. لقد حاول هؤلاء جميعًا التعامل مع واقع بالغ التعقيد وإعادة تنظيمه من منطلق غربي صِرْف.

إنَّ الوجود العسكري الأمريكي المتنامي في النيجر يطرح عناصر مثيرة للقلق في المقارنة بين طالبان في أفغانستان وانتشار الجهاديين في الساحل. في كلتا الحالتين، يوفر انعدام الأمن الداخلي والبطالة بيئة حاضنة لتعزيز الإرهاب المنسوب للدين أو غيره من صور التطرف العنيف. كما يعتبر الساحل مثالًا خطيرًا على الروابط المقلقة للغاية بين نمط التنمية المفروضة من أعلى وتزايد انعدام الأمن الشديد، مما يؤدِّي إلى الإرهاب الدولي.

 

هل من سبيل؟

يتساءل "أفريكانستان" كيف يمكن تحقيق الاستقرار في الساحل؟، ولكن من خلال خطة ومنظور مختلف عن الحالة الأفغانية. صحيح أن عملية التنمية وصياغة السياسات العملية مهمة، لكن عملية بناء المؤسسات والدولة الوطنية على أُسُس سليمة تُعدّ أكثر أهمية من حيث الأولوية، لا سيما المشاركة الشعبية.

إن المسار السليم والمستدام للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لن يشمل فقط السياسات التي تعزز المنافع الاقتصادية، ولكن أيضًا بناء حكومات قوية تتمتع بمؤسسات حديثة؛ بما في ذلك إصلاح شامل للقطاعات الأمنية.

ويؤكد ميخائيلوف أن ضمان الأمن وتوفير إدارة محلية تعمل بكفاءة في الوقت الحالي أمر بالغ الأهمية، لا سيما من خلال بناء قوات أمن وطنية قوية، وهو أمرٌ لا يستطيع المانحون والقوى الغربية تحقيقه.

وعلى أية حال؛ فعلى الرغم من أهمية المقارنة التي طرحها الكتاب فإنه يعبِّر عن نمط النموذج المعرفي الغربي المسيطر في تعامله مع القضايا الإفريقية؛ فالاهتمام بقضية اللاجئين مثلاً يكون من خلال تأثيرها على أوروبا، على الرغم من أن غالبية حركة النزوح والهجرة القسرية في إفريقيا تكون داخل إفريقيا نفسها.

وهنا نؤكد على المنظور الحضاري الإفريقي المقابل الذي يُعلي من مبدأ "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية"، ولا يعني ذلك انتفاء مسؤولية المجتمع الدولي عن تقديم يد العون للأفارقة؛ إذ عند الحديث عن الحلول الإفريقية، نحتاج إلى إدراك أن الحلول تشمل المفاهيم والمحتوى والأفكار والإجراءات العملية والأبعاد المالية. وهنا يجب أن يتَّسق المحتوى والأفكار مع الخصوصية الحضارية الإفريقية. أما عندما يتعلق الأمر بالمصادر المالية والإجراءات المالية، فيمكن توسيع المجال ليشمل بقية دول العالم.

كتاب الموقع