أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أفريقيا و"الجنائية الدولية".. هل الحل البديل في إنشاء "محكمة جنائية أفريقية" ؟

بقلم أ. عبدالحكيم نجم الدين

 

رفضت حكومة بوروندى, الأسبوع الماضي, التعاون مع "المحكمة الجنائية الدولية" حول خطتها للتحقيق فى الانتهاكات المزعومة لحقوق الانسان فى البلاد, وذلك بعد يومٍ من قيام ثلاثة قضاة في المحكمة بمنح المدعي العام إذن فتح تحقيق في الجرائم داخل بوروندي وخارجها حول أحداث الفترة من أبريل 2015م وحتى أكتوبر 2017م.

 وعلى الرغم من أن الدولة الواقعة فى شرق أفريقيا انسحبت مؤخرا من ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن المحكمة تصرّ على أن الانسحاب لا يؤثر في ولايتها القضائية على الجرائم التى ارتكبت فى فترة عضوية البلاد.

وكما قالت وزيرة العدل البوروندية ايمى لورنتين للصحفيين فى بوجومبورا, فإن "بوروندى، ليست طرفا فى النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية، وغير معنية بما يسمى قرارات تلك المحكمة"، وبالتالي "ترفض حكومة بوروندى هذا القرار، وتؤكد مجددا إصرارها الراسخ على أنها لن تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أو أي تلاعب احتيالي آخر يعتزم تسهيل تمديد ولاية المحكمة الجنائية الدولية في أراضي بوروندي".

 

تأزم العلاقات بين الدول الأفريقية والجنائية الدولية:

اعتمدت 120 دولة نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية في 17 يوليو 1998، حيث قررت دول العالم مجتمعة، قبول اختصاص المحكمة الدائمة لمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم المرتكبة في أراضيها أو من قبل رعاياها، بهدف إنهاء الإفلات من العقاب في العالم وتحقيق العدالة لضحايا الفظائع الجماعية.

وإذا كانت دولة أفريقية - السنغال – هي أول الدول التي صدقت على نظام روما الأساسى فى 2 فبراير عام 1999، فإن بلدا أفريقيا أخر - بوروندى – هي أول دولة انسحبت من هذه الهيئة الجنائية الدولية.

وحتى الآن، تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بوجود 33 دولة أفريقية (بعد انسحاب بوروندي) من بين دولها الأعضاء، ووقعت 11 دولة أفريقية أخرى على نظام روما الأساسي ولكنها لم تصدق بعد عليه. وشاركت المجموعة الأفريقية التي تمثل أكبر تجمع قاري داخل المحكمة الجنائية الدولية في إنشائها، وكان لها دور فعال في تحقيقها.

وخلال السنوات القليلة الأولى من تأسيسها، كانت المحكمة الجنائية الدولية تحظى بعلاقة ودية وتعاونية مع الاتحاد الأفريقي، حيث أحالت العديد من الحكومات الأفريقية قضايا مختلفة إلى المحكمة. وكانت جمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وأوغندا من أوائل الدول التي قدمت إحالات قضائية إلى المحكمة للتحقيق في جرائم الحرب وملاحقة مرتكبيها.

لكن الأمر تغير عندما وجه إلى الرئيس السوداني عمر البشير تهمة في عام 2009, مع إحالة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قضية الأوضاع في دارفور إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، مما دفع الاتحاد الأفريقي إلى تبني "موقف غير ودّي" تجاه المحكمة بعدما أصدرت أمرا بالقبض على الرئيس السوداني على الرغم من أن بلاده ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي.

وأعقب ذلك لوائح اتهام للرئيس الليبي السابق معمر القذافي, والرئيس الكيني أوهورو كينياتا ونائبه ويليام روتو في عام 2011 بخصوص العنف العرقي الذي أعقب الانتخابات فيما بين 2007-2008م، استنادا إلى إحالات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وقامت المحكمة الجنائية بإسقاط التهم الموجهة ضد كينياتا في ديسمبر 2014م, وضد نائبه روتو في أبريل 2016م.

ودعا الاتحاد الافريقى مجلس الأمن الدولى إلى تأجيل القضية ضد عمر البشير لأنها قد تعرقل جهود عملية السلام والمصالحة في البلاد التي تعاني من مشاكل واضطرابات. غير أن اقتراح الاتحاد قوبل بالرفض من قبل المحكمة.

فطلب الاتحاد الأفريقي من الدول الأفريقية عدم التعاون مع المحكمة فى تنفيذ مذكرة الاعتقال. وقد التزم بهذا الطلب كل من كينيا وتشاد وجنوب أفريقيا.

لقد نتج عن إصدار الجنائية الدولية مذكرة اعتقال ضد الرئيس البشير دون اعتبار لاقتراع المنظمة القارية – الاتحاد الأفريقي, حدوث خلاف بين المحكمة وجنوب أفريقيا. حيث تجاهلت الأخيرة في يونيو 2015 دعوات المحكمة الجنائي الدولية والمحاكم المحلية للقبض على البشير الذي كان في البلاد لحضور قمة الاتحاد الأفريقي. الأمر الذي أدى بمحكمة في جنوب أفريقيا في وقت لاحق أن تقرر بأن الحكومة مخطئة للسماح للرئيس السوداني بمغادرة البلاد على الرغم من أمر اعتقال المحكمة الجنائية الدولية.

وأدت الأحداث اللاحقة إلى أن تعلن جنوب أفريقيا انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية في عام 2016م، مما جعلها ثاني بلد يقدم طلب الخروج من نظام روما الأساسي.

"يتمتع رؤساء الدول بالحصانة الدبلوماسية ضد الاعتقال. ولكن بسبب التوقيع على نظام روما الأساسي، تنازلت جنوب أفريقيا عن هذه الحصانة، وبالتالي اضطرت إلى اعتقال الأشخاص المطلوبين لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. وقد تم تحديد المشكلة ويتعين معالجتها," تقول حكومة جنوب أفريقيا.

وفي وقت لاحق من عام 2017، قررت محكمة جنوب أفريقيا العليا أن تحرك الحكومة للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية غير دستوري وباطل. وقامت الحكومة بإبلاغ الأمم المتحدة عن قرارها لإلغاء طلبها السابق للانسحاب من الجنائية الدولية والالتزام بحكم المحكمة.

 

الانسحاب من بوابة بوروندي:

كانت بوروندي قد وقعت على نظام روما في يناير 1999 وصدقت عليه في سبتمبر 2004. وهى أول دولة بدأت عملية انسحاب من المحكمة العام الماضى بعد أن أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في أبريل 2016 م أنها ستبدأ تحقيقا فى أعمال العنف والانتهاكات المحتملة لجرائم الحرب المتعلقة بعمليات القتل والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي فى عام 2015م  عندما أعلن رئيس البلاد نكورونزيزا أنه يسعى للحصول على ولاية ثالثة.

وقد انقضى على طلب بوروندي للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية مدة سنة واحدة لتجعلها أول دولة في تاريخ المحكمة تنسحب رسميا من نظام روما الأساسي في شهر أكتوبر. وهي خطوة وصفتها حكومة البلاد بأنها "تاريخية" ودعت المواطنين إلى التظاهر احتفالا فى جميع أنحاء البلاد.

"إن المحكمة الجنائية الدولية أظهرت أنها أداة سياسية وسلاح يستخدمها الغرب لاستعباد" دول أخرى, حسب قول المتحدث باسم الرئاسة ويلى نياميتوى, وأضاف "أن هذا انتصار عظيم لبوروندي لأنها دافعت عن سيادتها وفخرها الوطنى".

لكن النشطاء ينتقدون ما يعتبر ضربة كبيرة للعدالة الدولية. لأن "قرار انسحاب بوروندي من نظام روما الأساسي يأتي في وقت تستمر فيه الماكينة في القتل دون عقاب في بوروندي," قال لامبرت نيغارورا رئيس التحالف البوروندي من أجل المحكمة الجنائية الدولية.

"اليوم، فقدت العدالة البوروندية، كما تًدعى، الاتصال بالحياة. لقد أصبحت مجرد أداة قمع لأي صوت معارض," يضيف نيغارورا في بيان.

و قد حث محققو الأمم المتحدة المحكمة الجنائية الدولية في شهر سبتمبر الماضى على التحرك قدما وفتح تحقيق شامل لأن لديهم أدلة معقولة تفيد بأن جرائم ضد الانسانية ارتكبت فى "هجوم منظم ضد السكان المدنيين".

وفي رأي فيتال نشيميريمانا الذي يرأس منتدى بوروندي لتعزيز المجتمع المدني, فإن الانسحاب من الجنائية الدولية لن ينقذ الذين يرتكبون جرائم ضد المدنيين. "الآن أعلم جيدا أنه لا يمكن أن يفلت من العدالة لأن الضحايا يبكون من أجل العدالة, واليوم لا يمكن أن تفلت الجريمة من العقاب فى العالم الحديث".

أما لورنتين فهي تدافع عن حكومتها قائلة: إن بلدها قادرة على محاكمة من يقف وراء انتهاكات حقوق الإنسان. إذ "لدى بوروندى مؤسسات وآليات قانونية فعالة وقادرة على إجراء تحقيقات وإحالة أى نوع من الجرائم التى ترتكب على أراضيها إلى العدالة دون تمييز أو خوف أو تفضيل". لكن المنظمات الحقوقية تشك في أن بإمكان القضاء البوروندي بشكل عام وقضاء جل الدول الأفريقية بشكل عام أن يعطي العدالة لضحايا العنف السياسي.

وبصفة عامة، أدى العنف في بوروندي إلى مقتل ما يتراوح بين 500 و 2000 شخص، وذلك بسبب أرقام الخسائر المختلفة التي أعدتها الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، كما فرّ أكثر من 400 ألف بوروندي إلى الخارج نتيجة العنف والاضطرابات.

 

استهداف الأفارقة:

إن القضايا قيد التحقيق والملاحقة القضائية التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية كلها – تقريبا - تتعلق بالأفارقة، حيث العديد منها أحيلت إلى المحكمة من قبل الدول الأعضاء فيها. وهذا يجعل بعض القادة الأفارقة يرون أن نظام روما الأساسي ينتهك سيادتهم, ويتهمونه بأنه بدلا من متابعة القضايا على أساس المطالب العالمية، فإن المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن الدولي يقومان بذلك على أساس النفعية السياسية.

كان قرار الاتحاد الافريقى غير الملزم الذي أصدره في أوائل فبراير الماضي، شجع الدول الدول الأفريقية على إعطاء إشارات للانسحاب الجماعي من المحكمة بدعوى أنها تركز بشكل غير عادل على الجرائم فى القارة فقط. وهو قرار اعترضت عليه بعض الدول بشدة، ولا سيما نيجيريا والسنغال.

وفي حين أعلنت غامبيا تحت حكم الرئيس السابق يحيى جامع, تقديم طلب عملية الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية, لأنها فشلت في التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها بعض الدول الغربية وملاحقة مرتكبيها. إلا أن رئيس غامبيا الجديد أداما بارو ألغى هذا الطلب بعد توليه رئاسة البلاد.

وفي حد تعيير الدكتور أديمولا عباس، مؤلف كتاب "الاختصاص الجنائي الدولي المقترح للمحكمة الأفريقية: بعض الجوانب المثيرة للمشاكل" والخبير الأول للاتحاد الأفريقي في الآليات القارية, فـ"إن ادعاء الدول الأفريقية بأن نظام روما الأساسي يقوض سيادتها يتلاشى أمام كونهم تقدموا طوعا للانضمام إلى تلك المعاهدة".

وأشار ستيفن لاموني, كبير مستشاري المحكمة الجنائية الدولية في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وأفريقيا، في مقالته بعنوان: "هل المحكمة الجنائية الدولية تركز حقا على أفريقيا؟"، إلى أنه "يجب على الذين يجادلون بأن المحكمة تستهدف الأفارقة أن يتوقفوا ويفكروا لحظة: هناك أكثر من 5 ملايين من الضحايا الأفارقة النازحين، قتل أكثر من 40،000 من الضحايا الأفارقة، تحوّل مئات الآلاف من الأطفال الأفارقة إلى قتلة ومغتصبين، تم اغتصاب الآلاف من الأفارقة. فهل يحق للمحكمة الجنائية الدولية أن تتجاهل هؤلاء الضحايا؟"

وعليه، فإن المحكمة الجنائية الدولية – بحسب آراء الخبراء – لم تحد عن أهدافها ومهامها. ومع ذلك، فقد تكشّفت الفظائع أيضا وما زالت تتكشف في أجزاء أخرى من العالم، وضحايا تلك الجرائم أيضا يستحقون المساواة. أو كما قال ماكس دو بليسيس، باحث بارز في برنامج الجريمة الدولية في أفريقيا بمعهد الدراسات الأمنية, ومؤلف كتاب "تعميم القانون الجنائي الدولي: المحكمة الجنائية الدولية، أفريقيا، ومشكلة التصورات السياسية" :

"لا يمكن للمرء أن يدعي فقط أن القضايا الأفريقية المعروضة على المحكمة موجودة لأنها تستحق اهتمام المحكمة. (نعم) هي تستحق الاهتمام. ولكن في حين أن الجرائم في سوريا، أو فلسطين، لا تزال خارج نطاق المحكمة الجنائية الدولية، فمن المستحيل أن ندعي أن مشروع العدالة الجنائية الدولية هو حقا عالمية في تطلعاتها، أو خالية من تقلبات السياسة الدولية. وفي نهاية المطاف، يتعلق الأمر بالإنصاف والمساواة. [...] ومن ثم فإن من مصلحة العدالة والمصداقية للمحكمة الجنائية الدولية أن تمد المحكمة عملها خارج أفريقيا. وبقيامها بذلك، ستنكر المحكمة النخب الأفريقية القوية التسريب الذى تستخدمه للتستر على جرائمها".

 

إنشاء "محكمة جنائية أفريقية" :

في حوارات ونقاشات أجراها كاتب المقال في العام الماضي مع عدد من الباحثين والأكاديميين الأفارقة حول تحرك الدول الأفريقية للانسحاب الجماعي من المحكمة الجنائية الدولية, توصّل أكثر من 15 من الباحثين في النهاية إلى حل بديل وهو؛ إنشاء محكمة جنائية خاصة بأفريقيا. غير أن اقتراح استبدال المحكمة الجنائية الدولية بمحكمة جنائية أفريقية يترك أسئلة كثيرة مطروحة منها:

-  أن معظم الدول الأفريقية لم تتمكن من تمويل ميزانياتها بالكامل، فكيف ستلتزم بتمويل محكمة قارية تتطلب قدرا هائلا من الموارد للتشغيل والإدارة؟

-  وإذا كانت بعض الدول في القارة ترفض عمدا التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فهل هي ستتعاون مع المحكمة الجنائية الأفريقية لمقاضاة الزعماء ورؤساء الدول الذين يخرقون قوانين بلدانهم ويقوضون هيئاتهم القضائية الوطنية؟

-  هل ستحمي المحكمة الأفريقية الشعوب الأفريقية بشكل أفضل مقارنة بالمحكمة الجنائية الدولية؟

-  وھل سیؤدي استبدال المحکمة الجنائیة الدولیة بمحکمة أفريقية إلی حمایة القادة الأفریقیین من المحکمة الجنائیة الدولیة؟

هذه الأسئلة وغيرها تستحق الوقوف عليها قبل أن يتخذ الاتحاد الأفريقي قرار إنشاء محكمتها الجنائية التي ستحل ولايتها القضائية محل الجنائية الدولية. كما أن استبدال المحكمة الجنائية الدولية بمحكمة جنائية أفريقية لا يمكن أن يحمي الزعماء الأفارقة من المحاكمة من قبل الجنائية الدولية, لأنه بموجب المادة 13 (ب) من نظام روما الأساسي، يمكن لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يحيل قضية ما إلى المحكمة الجنائية الدولية بغض النظر عما إذا كانت الدولة طرفا في المحكمة الجنائية الدولية أم لا.

هذا, ويجب النظر في الإرادة السياسية لدعم المحكمة الأفريقية المقترحة, لأن الدول الأفريقية تملك الولاية القضائية لمحاكمة الجرائم الدولية في ظل النظام الجنائي القائم مما يجعل إنشاء محكمة جنائية أفريقية يبدو كمجرد تحرك سياسي للهرب من المساءلة القانونية.

 

 

كتاب الموقع