أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أزمة ساحل العاج ومحنة المسلمين

د. بدر حسن الشافعي(*)

برزت أحداث ساحل العاج (1) - ذلك البلد الواقع في غرب إفريقيا - على السطح في الآوِنة الأخيرة؛ لكي تَكشِف عن فصل من فصول المأساة التي تتعرَّض لها الأغلبية المسلمة في البلاد على يد النّظم الكاثوليكية المتعاقِبة.

ويلاحظ أنّ وسائل الإعلام، وبخاصة الغربية، ما كانت لتهتمَّ بمأساة مسلمي ساحل العاج لولا الأقدار الربانية، ثم الأيادي الصهيونية التي دفعَت الطائرات الحكومية لضرب أحد مواقع الإسلاميين في الشمال في السادس من نوفمبر الماضي، لكن سقطَت قذائف الطائرات على أحد مُعسكرات القوات الفرنسية الموجودة في مدينة بواكيه وسط البلاد؛ مما أدى إلى مصرَع تِسعة عسكريين فرنسيين وأمريكي واحد، وإصابة اثنين وعشرين آخَرين، وتردَّد في حينها أنّ طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار هي التي حدَّدت ذلك الموقع، وهنا قامت الدنيا ولم تقعد، على اعتبار أنّ الضحايا من الأجانب، وكان ردُّ الفعل الفرنسي عنيفاً جدّاً، بالرغم من أنّ فرنسا منذ استقلال البلاد عنها عام 1960م كانت شاهدة عيان من خلال قواتها المتمركزة في أحد القواعد العسكرية في البلاد على مأساة المسلمين، حيث قامت الطائرات الفرنسية بتدمير خمس طائرات حكومية كانت مُرابضة في أحد المطارات، كما تمَّ تنفيذ عملية إعادة انتشار القوات الفرنسية حول المطارات العَسكرية في البلاد، وقامت باريس بإرسال تعزيزات عسكرية في البلاد، وتدهوَرت العلاقة بين الرئيس الكاثوليكي (لوران جباجبو) والحكومة الفرنسية(2).

وبدأ الاهتمام العالمي بالأزمة؛ ليَكتشِف الجميع أنّ عملية إبادة جماعية كانت تتم للمسلمين دون ضجيج مِن قَبل، وأنّ ما حدث مؤخراً أشبه بسقوط ورقة التوت عن محنة المسلمين في ساحل العاج(3).

وفي هذا الإطار فإننا سنُحاول في هذه الدراسة تناول عدة نقاط، هي:

1 - إلقاء الضوء أولاً على محنة المسلمين ليس فقط في عهد (جباجبو)؛ ولكن منذ عهد (بوانييه) أول رئيس وطني للبلاد؛ لنُدرِك حجم المأساة التي يعانيها المسلمون على مرِّ النّظُم المتعاقبة، بغضّ النظر عن طبيعة تلك النّظم (ديمقراطية، أو عسكرية، أو مُعارضة).

2 - ثم نُحاول بيان الموقف الدولي منها، وبخاصة الموقف الفرنسي، باعتبار أنّ فرنسا شريك فيما يَحدث في البلاد الآن، ثم موقِف المجتمع الدولي ممثَّلاً في الأمم المتحدة.

3 - ثم أخيراً نُحاول استِشراف المستقبل، أو بمعنى آخَر محاوَلة بيان مدى انعِكاس الأزمة على أوضاع المسلمين.

ولكن قبْل تناوُل هذه النقاط، يتعيَّن علينا أولاً إعطاء لمحة سريعة عن أوضاع المسلمين في ساحل العاج، وأثر السياسة الاستعمارية الفرنسية في الأوضاع الراهنة.

أوضاع المسلمين في ساحل العاج:

يَبلغ عدد سكان ساحل العاج، وفق إحصائيات عام 2003م، قرابة 16 مليون نسمة، وكشأن كلّ الإحصائيات تختلف الأرقام حول نسب السكان؛ إذ تتراوح تقديرات عدد المسلمين بها بين 60% - 65%؛ (أي قرابة 10 ملايين نسمة)، يَدين معظمهم بالمذهب المالكي كشأن معظم دول غرب إفريقيا، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20% - 25%، معظمهم كاثوليك (80%)، في حين يشكِّل الوثنيون النسبة الباقية(4).

ويوجد بالبلاد 70 طائفة عرقية، لعلّ من أبرزها: الماندينجو، والجيولا أو الديولا (التي ينتمي إليها (الحسن واتارا) زعيم حزب تجمُّع الجمهوريين المعارض) المسلمتين في الشمال، في حين من أشهر القبائل النصرانية قبائل البيتي pete التي ينتمي إليها الرئيس (لوران جباجبو)، والبولي poli التي يَنتمي إليها كلٌّ من الرئيس الراحل (هوافييه بوانييه) والرئيس (كونان بيديه) في الجنوب، فضلاً عن قبيلة ياكوبا في الغرب التي يَنتمي إليها الرئيس العسكري الراحل (روبرت جيه).

وهناك أكثر من ستين لهجة محلية، أبرزها لهجة الماندي الخاصة بقبائل الماندينجو، إلا أنّ الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد، وهنا يلاحظ أنّ التقسيم الديني الذي يتقاطَع مع كلٍّ من التقسيم الجغرافي والتقسيم الاقتصادي (أغلبية المسلمين يَعملون في الزراعة في الشمال، خصوصاً في محصول الكاكاو، في حين أنّ الجنوبيين يعملون في مجال التجارة والصناعة) كان سبباً في زيادة حدة الانقسامات في البلاد، خصوصاً في ظلّ سياسة التمييز ضد المسلمين؛ حيث انقسمت البلاد إلى قسمين تقريباً، هما: شمال مسلم زراعي فقير يُشكِّل الأغلبية، وجنوب نصراني صناعي تجاري غني يشكِّل الأقلية(5).

 الاستعمار الفرنسي وسياسة التهميش:

ولقد مارس الاستعمار الفرنسي، منذ قدومه للبلاد أواخِر القرن التاسع عشر، وحتى حصول البلاد على استقلالها عام 1960م، دوراً مهمّاً في تكريس هذه الفوارق؛ فقام بإخضاع البلاد لنظام الحكم المباشر، وعمل على التمييز بين المواطنين على أساس الدين؛ فسمح لأبناء القبائل الوثنية والنصرانية باستكمال تعليمهم في فرنسا، وفي المقابل حُرم المسلمون من شغل الوظائف المهمّة في البلاد، ثم أصدر قانوناً عام 1939م تمَّ بموجبه وضع أتباع كلّ ديانة تحت إشراف وزارة الداخلية، حتى يسهل تتبُّع تحركات أتباع كلّ ديانة، ومِن ثمَّ احتواء أي حركة اضطراب أو تذمّر (ولعلَّ ذلك كان سبباً في بروز الخلاف بين النظام الكاثوليكي، والمعارَضة الإسلامية بعد ذلك؛ حيث كانت المعارضة تُطالب دائماً بحقيبة الداخلية، من أجل تحاشي عملية التتبُّع والاعتقال، فضلاً عن إسقاط الهوية عن المسلمين، كما سنرى بعد ذلك).

ولم تكتفِ باريس بهذا، فقد كانت تكافئ كلّ من يرتدُّ عن دينه من المسلمين بمنحه الجنسية الفرنسية، وبذلك ساهمت فرنسا في تمكين الأقلية الكاثوليكية من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، كما سعَت لطمس الهُوية الثقافية للأغلبية المسلمة، من خلال جعل الفرنسية هي اللغة الرسمية، كما حظرت لغة الماندي التي كانت لغة الإسلام في غرب إفريقيا، فضلاً عن مَنعِها تدريس الإسلام في المدارس(6).

أوضاع المسلمين في ظلّ نظم الحكم المتعاقِبة:

أولاً: نظام هوفييه بوانييه (1960م - 1993م) وسياسة التهميش المتوازِن:

لم يرغب الاستعمار الفرنسي في الرحيل دون تسليم البلاد لأحد الأتباع الأوفياء الذي يسمَح لهم بالبقاء بصور مختلفة في البلاد، ولم تجد فرنسا رجلاً أوفى من (هوفييه بوانييه) رئيس الحزب الديمقراطي ذي الغالبية الكاثوليكية، وعضو البرلمان الوطني الفرنسي؛ حيث إنه مُتمتِّع بالجنسية المزدوجة، فصار (بوانييه) رئيساً للبلاد، وصار حزبه هو الحزب الوحيد، بالرغم من أنه أخذ بالمبادئ الليبرالية في المجال الاقتصادي، وتمَّ وضع أول دستور علماني في البلاد مع احتفاظ فرنسا بقاعدة عسكرية كبيرة، هي قاعدة ميناء بويه بالقرب من أبيدجان، ويوجد بها قرابة ألف جندي من الكتيبة 43 مشاة بحرية، ولم يمضِ سوى عامين فقط حتى قام (بوانييه) بتوقيع مُعاهَدة للدفاع المشترك مع باريس عام 1962م، يحقّ لفرنسا بمقتضاها التدخل لإنقاذ البلاد من أي عدوان خارجي، أو تمرُّد داخلي، كما تمَّ تغيير اسم البلاد إلى الفرنسية، فأصبحَت «كوت ديفوار».

ولقد كانت لنشأة (بوانييه) في المدارس التبشيرية بصماتُها الواضحة على سياسته؛ فلقد أقسم أمام بابا الفاتيكان على جعل بلاده قاطبةً تحت راية الصليب، وعمد إلى إشاعة فِكرة تفوق الكاثوليكية على الديانة الإسلامية، وذلك أثناء بناء كنيسته الشهيرة في العاصمة (ياماساكرو)، وقام بتسخير المال العام لخِدمة الكنيسة والمدارس الكاثوليكية، كما فتح وسائل الإعلام الرسمية لتغطية الاحتفالات الكاثوليكية، وبخاصة يوم الأحد الذي كان يوم العطلة الأسبوعية الرسمية في البلاد، كما أعلن أيام الأعياد الكاثوليكية أيام عطلات رسمية، في حين رفض الاعتراف بأعياد المسلمين، وهو أمر غير مسموح به حتى اليوم(7).

وبالرغم من انحياز (بوانييه) لديانته الكاثوليكية، وكذلك لقبيلته (بولي)، إلا أنه لم يضطهد المسلمين، بمعنى أنه لم يَرتكِب ضدهم أعمال عنف كما حدث من بعده، بل سمح لهم بالعمل، خصوصاً في مجال زراعة الكاكاو في الشمال، صحيح أن نصارى الجنوب كانوا يشترونه ويَبيعونه بأضعاف مُضاعَفة للخارج، إلا أن هذا الأمر كان مقبولاً إلى حدٍّ كبير، ولقد كان وجود القوات الفرنسية في وسط البلاد بمثابة زمام الأمان للبلاد(8)، ولا شك أن لهذا الأمر خطورته في ظلّ ضآلة عدد أفراد الجيش والشرطة في البلاد، خاصة إذا ما نشب خلاف بين النظام والقوات الفرنسية التي يُمكن أن تُطيح به في أي لحظة، أو تقف موقف المتفرج في حالة وقوع أي محاولة انقلابية داخلية (كما حدث من بعد في عهد بيديه وجباجبو، ولقد كان ذلك سبباً في اشتعال الأزمة الأخيرة بين الجانبين).

ولقد ساهمت سياسة (بوانييه) الليبرالية في تشجيع المستثمرين على دخول البلاد والاستثمار بها، كذلك شجَّعت هجرة العمالة، وخصوصاً في مجال زراعة الكاكاو الذي تعدُّ ساحل العاج أكبر مُنتِج له على مستوى العالم، حيث تنتج قرابة ثلث الناتج العالمي من دول الجوار الإسلامي، وبخاصة مالي، بوركينا فاسو، غينيا، وسمح لهؤلاء المستثمرين الأجانب بالحصول على الجنسية العاجية، حتى بلغ تعداد هؤلاء قرابة 60 ألفاً، منهم 40 ألف فرنسي يسيطرون على 41% من رأس المال، و 55% من تجارة البلاد، في حين بلغ عدد الأجانب الأفارقة من دول الجوار قرابة 5 ملايين نسمة، معظمهم مسلمون(9)، وهو ما أحدث مشكلة بعد ذلك، خصوصاً بعدما تزاوج هؤلاء بالعاجيِّين؛ لذا تمَّت إثارة قضية المواطنة فيما يتعلَّق بالترشيح في الانتخابات، وكان أول من أثار هذه القضية الرئيس (كونان بيديه) عندما أراد الحيلولة دون منافَسة (الحسن واترا) له في الانتخابات التي شهدتها البلاد عام 1995م.

وفي هذا الإطار العام الذي عاشت فيه البلاد طيلة ثلاثة عقود هي فترة حكم (بوانييه)، تمكَّنت البلاد من تحقيق طفرة اقتصادية كبيرة، وبلغ مُعدَّل النمو الاقتصادي بها 5%؛ بحيث صارت واحة للاستقرار والأمن في غرب إفريقيا (وإن كان الوضع بدأ يتدهور منذ أوائل التسعينيات)(10)، وفي هذا الجوِّ العام تمكَّن المسلمون من إنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المُجاوِرة لتدريس العلوم الإسلامية، وارتفعت نسبة المدرِّسين المسلمين في المدارس بصورة كبيرة (55% في المدارس الابتدائية، 50% في المدارس الثانوية، 30% من أساتذة الجامعة)، وقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة الماندي، وتمَّ تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى لساحل العاج، ودخل المسلمون كذلك عالم التجارة(11).

ولقد تحسَّن الوضع السياسي للمسلمين مع بداية عصر الانفتاح السياسي أوائل التسعينيات، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية، ومُظاهَرات الطلبة المنادية بالأخذ بمبدأ التعدُّدية من ناحية ثانية، وبالفعل تمَّ إجراء أول انتخابات رئاسية تعدُّدية في البلاد، وكانت المفاجأة أن المرشَّح الرئيس ضد (بوانييه) كان كاثوليكيّاً أيضاً، وهو (لوران جباجبو) رئيس الجبهة الشعبية الإيفوارية ذات التوجُّهات الاشتراكية، ورئيس البلاد الحالي، كما بدأ (بوانييه) يَشعُر بمُزاحمة من رئيس البرلمان (كونان بيديه)، وهو كاثوليكي أيضاً من قبيلته نفسها، ومِن ثَمَّ قام باستحداث منصب رئيس الحكومة، وعهد به إلى شخصية مُسلِمة من الشمال، هي (الحسن واترا) رئيس حزب التجمع الجمهوري، الذي يَنتمي إلى قبيلة الجيولا.

ولقد ساهمت هذه الخطوة في إيجاد حالة من التوازن النسبي بين النصارى والمسلمين، وإن كانت تسبَّبت بطريقة غير مُباشِرة في الأزمات الطاحنة التي شهدتها البلاد بعد رحيل (بوانييه)، حيث طالب المسلمون في الاحتفاظ بهذه المكاسِب، في الوقت الذي أنكر عليهم رؤساء البلاد بدءاً من (بيديه) ذلك، وبدأت منذ ذلك الحين عملية الاضطهاد المتعمَّد للمسلمين.

ثانياً: نظام كونان بيديه (1993م - 1999م) وسياسة الاضطهاد المتعمَّد:

يُمكن القول: إنه بانتِهاء عصر (بوانييه) انتهى العصر الذهبي - إن صحَّ التعبير - بالنسبة للمسلمين، وبدأ عصر الاضطهاد المتعمَّد لهم، والذي تمثَّل في عملية تصفيتِهم جسديّاً وسياسيّاً من الأنظمة المختلفة أيّاً كان شكلها (ديمقراطي حكومي مثل: بيديه، أو عسكري مثل: روبرت جيه، والذي كان أقلّهم في الاضطِهاد إلى حدٍّ ما، أو مُعارِض وصل للحكم عن طريق الانتخابات مثل: جباجبو)، وكان من نتيجة ذلك أن عرفت البلاد الانقلابات العسكرية بعدما كانت واحة للاستقرار في الإقليم.

ويلاحظ أنّ سياسة هذه النّظُم المتتالية كانت مُتشابِهة إلى حدٍّ كبير، خصوصاً فيما يتعلق بإثارة قضية المواطَنة والهُوية، واشتراط أن يكون المرشَّح لأي منصب سياسي ينتمي لأبوين عاجيين، بالرغم من أن التقاليد والأعراف الإفريقية تكتفي بأن يكون الأم أو الأب من جنسية البلد نفسه لإثبات الهوية(12)، ولقد كان هذا الأمر متعمَّداً لمنع مُشاركة زعيم المعارضة الإسلامية (الحسن واترا) في انتخابات الرئاسة عام 1995م؛ على اعتبار أنّ أمّه من أصول بوركينية (نسبة إلى بوركينافاسو المجاورة)؛ لذا صارت قضية الهوية مثار جدل كبير في البلاد، وتسبَّبت في اندلاع أعمال العنف بعد ذلك، إلى أن جاء اتفاق السلام في ليناس ماركوسي بفرنسا (يناير 2003م)؛ ليحسم القضية بالاكتفاء بأن يكون أحد الأبوين فقط من أصول عاجية.

ولقد بدأ (كونان بيديه) حكمه باستكمال فترة (بوانييه) وفقاً للمادة 11 من الدستور، والتي تقضي بأن يستكمل رئيس البرلمان فترة حكم الرئيس في حالة وفاته، كما خلفه في رئاسة الحزب الحاكم، ومنذ ذلك الحين عمل على تصفية مسلمي الشمال واضطهادهم من خلال عدة إجراءات، أهمّها:

1 - إثارة قضية المواطنة: حيث قام بإدخال تعديل في الدستور يقضي باشتراط أن يكون مرشّح الرئاسة ينتمي لأبوين عاجيين، وبذلك يحرم (الحسن واترا) من منافسته في انتخابات عام 1995م، وهذا ما تمَّ بالفعل، كما هرب (واترا) من البلاد خوفاً من اعتقاله.

2 - استبعاد الضباط المسلمين من الجيش، وكذلك من الحزب الحاكم: لكي لا يُشكِّلوا جبهة معارضة بالنسبة لحكمه(13).

ولقد شهدت البلاد في عهده تدهوراً شديداً في الأوضاع الاقتصادية، مع بداية تطبيق برامج التكيُّف الهيكلي، وانتشار الفساد بصورة كبيرة؛ مما أدى إلى وقوع عدد من المظاهرات في أعوام 1996م، 1997م، 1998م، كانت تنذر بقرب انتهاء حكمه، وبالفعل شهدت البلاد الانقلاب الأول في تاريخها في الثالث والعشرين من ديسمبر 1999م، قامت به مجموعة من ضباط الجيش بقيادة كاثوليكي، هو (روبرت جيه)، الذي تولّى الحكم من خلال رئاسته للمجلس العسكري الحاكم(14).

ثالثاً: حكم روبرت جيه (1999م - 2000م)، واستمرار سياسة استبعاد المسلمين:

لقد حاول (جيه) منذ البداية إبراز - شأنه شأن أي حاكم عسكري - أنّه لا يرغب في الاستمرار في الحكم؛ وإنما سيتولى إدارة البلاد لفترة مؤقَّتة لحين استتباب الأوضاع بها، ويبدو أنّ هدفه من ذلك امتصاص ردود الأفعال الدولية التي أدانت الانقلاب، ولقد تحرك (جيه) على عدة محاور، أغلبها سياسية من ناحية، كما حاول التصالح مع المسلمين من ناحية ثانية، ومن أبرز هذه التحركات ما يأتي(15):

1 - تشكيل حكومة انتقالية في البلاد تضمُّ 22 وزيراً، معظمهم من أتباع (الحسن واترا) الذي عاد إلى البلاد بعد الانقلاب، وأيد (جيه)؛ حيث اعتبر الانقلاب ثورة شعبية، وليس انقلاباً، وإن كان قد حرص على نفي التنسيق مع (جيه) بخصوصه.

2 - تشكيل مجلس استشاري؛ بهدف صياغة الدستور الجديد للبلاد، ولقد غلب على تشكيل المجلس سيطرة رموز المجتمع المدني عليه.

3 - الإفراج عن جميع الساسة المعتقلين في عهد (بيديه)، بما في ذلك أعضاء حزب (واترا) .

إلا أن كلّ هذه المصالحات كانت شكلية، وبرز وجه (جيه) الحقيقي عندما قام المجلس الاستشاري بتقديم مسودة الدستور الجديد له لإقرارها، والتي كان من أهم ما جاء بها: هو الاكتفاء بنسب الشخص إلى الأمّ أو الأب العاجي من أجل المشاركة في الانتخابات؛ إذ بعدما وافق عليها، قام بتعديلها وإعادتها إلى صياغتها الأولى، ومعنى ذلك استبعاد (واترا) من الترشيح في انتخابات سبتمبر 2000م، ومن هنا بدأت المواجهات بين الجانبين، وبرزت مرة أخرى أزمة مسلمي الشمال، خصوصاً بعد رفض لجنة الانتخابات قبول أوراق ترشيح (واترا)، كما زعم (جيه) وجود تحركات عسكرية للانقلاب عليه، فقام على إثرها باعتقال العديد من كبار الضباط في المؤسَّسة العسكرية، والأمر نفسه طال العديد من السياسيين، كان من أبرزهم (أميل بواكييه) وزير الداخلية السابق، ومرشّح الحزب الديمقراطي (حزب بوانييه وبيديه) في الانتخابات، كما تم تحديد إقامة (واترا)، ومنعه من مغادَرة البلاد(16).

ولقد ظنّ (جيه) أنّ الطريق ممهد أمامه في الانتخابات، إلا أنه فوجئ بوجود منافس قوي هو (جباجبو)، وكانت المفاجأة الأكبر في نتيجة الانتخابات؛ إذ أعلن كلٌّ منهما فوزه بها، إلا أن (جباجبو) نجح في استغلال حالة السخط الشعبي ضد (جيه)، وكذلك التذمر الذي بدأ يَحدث ضده في الجيش، ودعا إلى انتفاضة شعبية أدت في النهاية إلى فرار (جيه) خارج البلاد، وإعلان (جباجبو) نفسه رئيساً للبلاد، ليبدأ فصل جديد من معاناة المسلمين، لا يزال مستمرّاً حتى الآن.

رابعاً: حكم جباجبو (2000م - حتى الآن) والبُعد الديني في الصراع:

لقد كان يُفتَرض أن يستفيد (جباجبو) من سياسة أسلافه، وبخاصة (بوانييه)، ويتعلّم من أخطاء كلٍّ من (بيديه وجيه) في التعامل مع مُسلمي الشمال، إلا أنه وقع عن عمد في هذه الأخطاء نفسِها؛ مما جعل الشمال المسلم يَنتفِض هذ المرة، وشهدت البلاد انقلابين دمويين في فترة وجيزة (يناير 2001م، سبتمبر 2002م) اضطرته للجلوس على مائدة التفاوض، وتوقيع اتفاق سلام في فرنسا (يناير 2003م).

لم ينجَح (جباجبو) في احتواء الشمال وزعيمه (واترا) بعد الانتخابات الرئاسية، صحيح أنه التقاه، إلا أنه لم ينجَح في التوصُّل لاتفاق ودّي معه، يتضمن نوعين من الترضية له؛ مثل: منحه منصب رئيس الحكومة، كما فعل (بوانييه)، أو حتى إحدى الحقائب الوزارية السيادية، خصوصاً أن (واترا) لم يعترف بنتيجة الانتخابات بسبب استبعاده منها، إلا أنّ (جباجبو) أصرَّ على تطبيق مبدأ الاستبعاد، وقرر كذلك عدم مشاركة (واترا) في الانتخابات البرلمانية التي ستَشهدها البلاد في شهر ديسمبر، كما تمَّ استبعاد حزب (واترا) من تشكيلة الحكومة الجديدة، والتي استأثر فيها حزبه بأغلبية مقاعدها (18 مقعداً من إجمالي 23 مقعداً)(17).

ولم يكتف (جباجبو) باستبعاد المسلمين سياسيّاً، بل سعى إلى تصفيتهم جسديّاً من خلال تشكيل ميليشيات عسكرية موالية له عُرفت باسم (كتائب الموت)، وتضمُّ بالأساس أفراد قبيلته (البيتي)، فضلاً عن الحرس الخاص به، ولقد كان الهدف الأساسي لهذه الكتائب: هو تصفية خصومه الشماليين (المسلمين)، وفي مقدمتهم (واترا) الذي دعا أنصاره إلى ضرورة العمل على إسقاط النظام، وهنا شهدت البلاد حرباً دينيَّة بين أقلية حاكمة ظالمة، وأغلبية مضطهَدة، فقامت (كتائب الموت) بذبح المسلمين، وحَرقِ مساجدهم، وكادت تظفر بـ (واترا) لولا هروبه خارج البلاد، كما قام (جباجبو) بفرض حَظر تجول في الشمال خوفاً من حدوث تمرُّد ضده، لكن ما كان يَخشاه حدث بالفعل، ولكن من بعض الضباط المسلمين في الجيش الذين قاموا في الأسبوع الأول من يناير 2001م بالسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وأذاعوا بياناً يؤكد إسقاط النظام، لكن (جباجبو) تمكن من سحق الإنقلابيين(18)، ولم يكن الانقلاب هو المفاجأة الوحيدة له؛ حيث جاءت المفاجأة الثانية في نتائج الانتخابات البلدية، حيث فاز فيها حزب (واترا) بالرغم من فراره خارج البلاد بالمركز الأول؛ في حين جاء حزبه في المركز الثالث.

وهذا الأمر الذي يحمل في طياته عدة دلالات، لعلَّ أبرزها(19):

1 - افتقاد نظامه للشرعية السياسية.

2 – فَقـْد تأييد جانب كبير من المؤسسة العَسكرية له.

3 - المخاوِف من انقسام البلاد على أسس دينية.

ولقد حاول (جباجبو) الاستفادة بعض الشيء من الانقلاب الأول؛ فبدأ في اتخاذ بعض الخطوات في اتجاه تحقيق المُصالَحة الوطنية، وبالفعل قام بعقد مؤتمر للمصالحة في يناير 2002م، وكان من أهمِّ مخرجاته تشكيل حكومة جديدة، لكنها كانت شَكلية؛ بسبب استبعاد الشماليين منها(20)؛ لذا صارت الأوضاع مهيَّأة لحدوث انقلاب ثانٍ، وبالفعل وقع هذا الانقلاب في 19/9/2002م، وذلك بعد قرار (جباجبو) تسريح أكثر من 800 جندي وصف ضابط من الجيش (معظمهم من مسلمي الشمال)؛ مما دفع هؤلاء إلى الانقلاب عليه، ونجَحوا في زمن قياسي في السيطرة على نصف مساحة البلاد، وأهم مدينتين، وهما (بواكيه، وكورجوهو ذات الأغلبية المسلمة)، وكانوا على وشك السيطرة على العاصمة (ياماساكرو)، إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك، وقد أعلن قادة الانقلاب تشكيل جبهة سياسية أطلق عليها اسم (الجبهة الوطنية لساحل العاج) بزعامة (غيولاووم سورو) (نصراني)، وتمَّ إعلان اسم الضابط (شريف عثمان) قائداً للجناح العسكري للجبهة.

ولقد ساعد على نجاح الانقِلاب عدة أمور، أبرزها(21):

1 - ميراث العداء والكراهية بين الشمال والجنوب، واستغلال الانقلابيين ذلك.

2 - نجاح قادة الانقلاب في السيطرة على الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك الطائرات المروحية والمدرَّعات، ولعلّ ذلك كان أحد أسباب رفض فرنسا طلب (جباجبو) التدخل لقَمع الانقلاب وفق اتفاقية الدفاع المشترك.

3 - حسن تعامل قادة الانقلاب مع المدنيين، فلم يُقدِموا على ارتكاب مذابح أو قتل المدنيين، كما قاموا بالإفراج عن وزير الرياضة الذي كان موجوداً في المناطق التي سيطروا عليها، وهنا يَبرز التسامح الإسلامي مع غيرهم.

ولقد حدّد قادة الانقلاب مطالبهم في عدة نقاط، هي(22):

1 - استقالة (جباجبو).

2 - تعديل الدستور، وبخاصة المادة 35 بشأن هوية المُرشَّحين.

3 - إجراء انتخابات وطنية، يُشارِك فيها الجميع دون تمييز.

4 - وضْع حدٍّ لنهاية سيطرة الجنوبيين على شؤون البلاد.

وإزاء هذا الوضع المتأزم تحرَّك (جباجبو) على عدة محاور، هي:

1 - طلب الدعم العسكري من فرنسا، لكنها رفضَت التورط في قمع الانقلاب.

2 - الاعتماد على دعم خارجي، خصوصاً من أنجولا التي تَمتلِك سلاحاً جويّاً كبيراً، ولها خبرة طويلة في مواجَهة الانقلابات العسكرية؛ وذلك وفق اتفاق عسكري بين الجانبين، كما استعان بمُرتزقة من جنوب إفريقيا للمشاركة في قمع الانقلاب، وهو الأمر الذي قوبل باستِنكار دولي وإفريقي واسع النطاق(23).

3 - الحسم العسكري للصراع، حيث ارتكبَت قواته جرائم ضد الإنسانية في مواجهة الانقلابيين، وكذلك مواطني دول الجوار؛ بزعم إيوائهم لهم، وقامت بحَرق بيوت هؤلاء، وهو الأمر الذي انتقدته باريس بشدة، واتهمَت (جباجبو) بتطبيق سياسة التطهير العرقي، وكان من بين الضحايا الجنرال العسكري السابق (روبرت جيه)، الذي يَنتمي لقبائل ياكوبا النصرانية في الغرب(24)، وهو ما أفرَز بعد ذلك قيام حركتي تمرُّد نصرانيتين في الغرب، هما: (حركة العدالة والسلام)، و (الحركة الشعبية لغرب ساحل العاج)؛ بهدف الثأر لمقتله، ولقد كشفَت الصحُف والتقارير الدولية أعمال الإبادة التي تعرَّض لها المسلمون على أيدي قوات (جباجبو)، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة (سياتل بوست انتليجينسز) الأمريكية، والتي قالت: «إن ميليشيات جباجبو تسرق أموال المسلمين، وتعتدي عليهم»، وهو الأمر نفسه الذي ذهبَت إليه بعثة الأمم المتحدة لتقصِّي الحقائق؛ حيث قالت: «إن قوات جباجبو تقوم بخطف المسلمين، والاعتداء عليهم»(25).

لكن بالرغم من ذلك أخفق (جباجبو) في احتواء الموقف، وتدخَّلت أطراف إقليمية للتوسط بين الطرفين، وبخاصة الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)؛ باعتبار أنّ ساحل العاج عضو بها، وبالفعل توصَّل الطرفان لاتفاق لوقف إطلاق النار في توجو 2003م، مع النصّ على قيام القوات الفرنسية الموجودة في البلاد بالإشراف عليه، لحين وصول قوات (الإيكواس)، لكن (جباجبو) لم يحترم وقف إطلاق النار؛ فاندلع الصراع مجدداً؛ مما دفع فرنسا إلى ضرورة التدخل للتوسط بين الطرفين، وانتهى الأمر بتوقيع (اتفاق ليناس ماركوسي) (24/1/2003م)، والذي كان من أهم بنوده(26):

1 - تشكيل حكومة وحدة وطنية، يرأسها رئيس وزراء، يُعيِّنه الرئيس بالتشاور مع الأحزاب الأخرى، على أن تضم الحكومة جميع أطراف النزاع، بما فيها حركتا التمرد في الغرب؛ بحيث يتم تخصيص تسع حقائب وزارية لفصائل المتمردين الثلاثة، بما فيها حقيبتا الداخلية والدفاع، على أن يكون نصيب الحركة الوطنية التي قادت الانقلاب سبع حقائب، كما يتمُّ تخصيص سبع حقائب مماثلة لحزب (واترا).

2 - بقاء الرئيس الحالي (جباجبو) في منصبه حتى موعد الانتخابات القادمة عام 2005م، مع تقليص صلاحياته لحساب رئيس الوزراء.

3 - إجراء تعديل للمادة 35 من الدستور بخصوص الترشيح لمنصب رئيس البلاد؛ حتى تتيح لأي شخص من أمٍّ عاجيّة أو أبٍ عاجيّ الترشّح في الانتخابات، بشرط أن يكون مقيماً في البلاد لمدة خمس سنوات متتالية قبل الانتخابات.

4 - التحديد الدقيق لمواصَفات الهوية والمواطنة في صياغة لا تسمح بأي تمييز بين المواطنين، وأن تصدر التعديلات القانونية طبقاً لهذه الصياغة.

5 - نزع أسلحة الفصائل المسلحة الثلاثة في الشمال والغرب، وإعادة تنظيم الجيش، على أن تتولى فرنسا إعادة بنائه، مع دمج قادة الانقلاب في الجيش وفقاً لمواصَفات عسكرية تُحدِّدها فرنسا، مع طرد المرتزقة من البلاد.

6 - إنشاء لجنة لمراقبة تنفيذ الاتفاق، تتألف من ممثلين عن الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي (الإيكواس)، المنظمة الفرانكفونية، وغيرها، على أن يكون مقر اللجنة في أبيدجان.

7 - استمرار العمل بقانون المِلكية العقارية الصادر عام 1998م، والذي يمنع الأجانب من تملك الأراضي الزراعية، مع إصدار تعديلات قانونية تسمح للورَثة بالحق في وراثة عقود الإيجار طويلة الأمد التي نصّ عليها الدستور.

ويلاحظ على هذا الاتفاق - من وجهة نظرنا - عدة أمور:

1 - مُشارَكة جميع القوى فيه، بشقَّيْها العسكري والسياسي، وعدم استبعاد أيٍّ منها خشية تجدُّد النزاع من جديد؛ لذا كان من بين المشاركين (حزب واترا) الذي حصل على سبع حقائب وزارية.

2 - التوزيع العادل نسبيّاً للحقائب الوزارية بين القوى المختلفة (سبع حقائب لكلٍّ من (واترا) (الحركة الوطنية) التي قادت التمرد الأخير، وحقيبة واحدة لكلّ جبهة من جبهتي التمرد الغربي).

3 - إعطاء الاتفاق حقيبة الداخلية للمسلمين يعدُّ أمراً ذا دلالة بالغة؛ إذ يُساهم في حلّ قضية المواطَنة التي كانت لبّ الصراع مِنْ قَبْل؛ على اعتبار أنّ وزارة الداخلية هي المسؤولة عن شؤون الهُوية والجنسية.

4 - أنّ الاتفاق تضمن بنوداً عملية واضحة ومحددة، على عكس مسودة الاتفاق التي توصل إليها الطرفان في توجو في نوفمبر 2003م، وباءت بالإخفاق.

5 - الاتفاق على تعديل المادة 35 من الدستور بشكل لا يستبعد المسلمين وقائدهم (واترا) تحديداً من خوض الانتخابات القادمة.

6 - يعدُّ الاتفاق على طرد المرتزقة نقطة إيجابية للغاية؛ لأنّ وجودهم كان يشكّل استفزازاً للمعارضة.

ونظراً لإيجابيات هذا الاتفاق، تعرَّضت فرنسا لهجوم واسع مِنْ قِبَل (جباجبو) وأنصاره، ومِنْ قِبَل نصارى الجنوب؛ على اعتبار أنّ باريس ترغَب في الإطاحة بالرئيس، وتعرَّضت المصالح الفرنسية لأعمال عنف، إلا أنّ ذلك لم يُثنِها عن القيام بمهامِّ حفظ السلام، خصوصاً بعدما أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1464 في 4/2/2003م، والخاص بمنحِ القوات الفرنسية، بالإضافة لقوات (الإيكواس)، صلاحيات استخدام القوة لفرض السلام إذا تطلب الموقف ذلك(27)، ولعلّ ذلك كان بداية الاحتكاك والأزمة بين فرنسا و (جباجبو)، والتي ساهمت في تفجير الأوضاع في البلاد مؤخراً على النحو الذي أشرنا إليه في بداية الدراسة.

وكعادته لجأ (جباجبو) إلى المناورة، وعدم تنفيذ البنود الحيوية من الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بتشكيل حكومة يُشارك فيها المُتمرِّدون، فضلاً عن رفضه تعديل المادة 35 من الاتفاق، ثم قام في إبريل 2003م بتشكيل حكومة شكلية تضمُّ بعض قوى المعارَضة، إلا أنه تلكَّأ في إسناد حقيبتي الدفاع والداخلية للمُعارَضة؛ مما دفع وزراء المعارضة للانسحاب من الحكومة في سبتمبر 2003م(28).

كما واصل (جباجبو) سياسته في قمع المسلمين، ولقد كشفت تطورات الأحداث خلال عام 2004م عن وجود مقابر جماعية للمسلمين في البلاد، مُعظمها لمزارعي الكاكاو في الشمال(29).

وهكذا استمرت حالة الاحتقان في البلاد إلى أن وقعت الحكومة في شر أعمالها بضرب مواقع القوات الفرنسية في السادس من نوفمبر الماضي بطريق الخطأ بدلاً من مواقع المسلمين؛ لتقوم فرنسا بعد ذلك بمقاومة النظام ليس حبّاً في المسلمين؛ ولكن انتقاماً لمقتل جنودها الذين لم يتجاوز عددهم عشرة أشخاص!

الموقف الفرنسي من الأزمة:

يلاحَظ أنّ فرنسا كانت حريصة منذ بداية تدهور الأوضاع في البلاد بعد رحيل الرئيس (بوانييه) على عدم التورط العسكري، وهذه هي سياستها بصفة عامّة مع كلّ مستعمراتها السابقة؛ فهي حريصة على عدم التورط في أي صراع داخلي؛ خوفاً على رعاياها الذين يتراوح عددهم بين 20 - 40 ألفاً في البلاد، ومِنْ ثَمَّ فقد رفضت في البداية التدخل لحماية الرئيس (كونان بيديه) عقب انقلاب (جيه) عليه، بالرغم من فرار الأول وأسرته إليها، كما رفضت تفعيل معاهدة الدفاع المشترك، واكتفت فقط بإرسال قوات إضافية يُقدَّر عددهم بثلاثمائة جندي لحماية رعاياها، والتنديد بالانقلاب من ناحية ثانية.

ولعلّ ما دفعها لذلك عدة اعتبارات، أهمها:

1 - الخوف على مصالح رعاياها، وإمكانية تعرضها للخطر، خصوصاً بعدما وجّه (جيه) تحذيراً لها بعدم التدخل.

2 - الرغبة في عدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية في البلاد؛ إذ تهيمن الشركات الفرنسية على إدارة قطاعات المياه والكهرباء والاتصالات، فضلاً عن الاستثمارات الضخمة بالبلاد.

3 - عدم وجود ميول عدوانية لدى قادة الانقلاب تجاهها(30).

ويلاحظ أنّ مثل هذا الموقف تكرَّر تقريباً في أثناء الانقلاب الثاني الذي تعرض له (جباجبو) في سبتمبر 2002م؛ إذ اكتفت القوات الفرنسية بالحيلولة دون تقدُّم قادة الانقلاب صوب العاصمة، لكنها رفضت الاستجابة لنداء (جباجبو) بالتدخل، ولعلّ ذلك ساهم في زيادة الفجوة بين الجانبين، خصوصاً بعدما ضغطت عليه فرنسا بعد ذلك لتوقيع اتفاق (ليناس ماركوسي).

وفي المقابل؛ تركَّزت جهود فرنسا في محورين، هما: بحث سبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، والسعي للتوصل لاتفاق سياسي بين الجانبين، وبالفعل تكللت جهودها أولاً بتوصّل الطرفين لوقف إطلاق النار في 17/10/2002م، ثم التوصّل لمسودة اتفاق بين الجانبين في (توجو) 23 نوفمبر، من بين بنودها قيام القوات الفرنسية بمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وأخيراً بتوقيع اتفاق (ليناس ماركوسي) في 24/1/2003م.

ولقد ساعد فرنسا في ذلك عدةُ أمور، لعلّ من أهمها وجود دعم دولي وأمريكي لها؛ إذ إنّ واشنطن كانت ترفض التورط في الصراع، خصوصاً بعدما طلب منها (جباجبو) ذلك بعد الانقلاب الثاني، كما رفضَت واشنطن كذلك الطلب الذي تقدّمت به (الإيكواس) لمجلس الأمن بشأن وضع جميع قوات حفظ السلام تحت إشرافه، وكان من نتيجة ذلك صدور قرار مجلس الأمن في فبراير بشأن تفويض القوات الفرنسية وقوات (الإيكواس) في حفظ السلام، بل فرضه(31)، ولعلّ هذا الموقف هو الذي دفع فرنسا إلى الرد العنيف على تعرض معسكرها في مدينة (بواكيه) لهجوم القوات الحكومية.

لكن يلاحَظ على الموقف الدولي - ممثلاً في الأمم المتحدة - أنه لم يكن حياديّاً في الأزمة الأخيرة، والتي ثبَت فيها استمرار الحكومة في رفضها تنفيذ اتفاقيات السلام، حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1573 في 15 نوفمبر الماضي بناءً على توصية من الاتحاد الإفريقي بشأن حَظر سفر المسؤولين في كلٍّ من الحكومة والمتمردين، وكلّ من يهدِّد المصلحة الوطنية، وينتهك حقوق الإنسان، وكذلك تجميد الأرصدة المالية لقيادات الجانبين، فضلاً عن حظر توريد السلاح لهما

ولعلّ هذا الموقف غير المُنصف يدفعنا للحديث عن مستقبل الأزمة.

ملاحظات ختامية ومستقبل الأزمة:

من العرض السابق يُمكن استخلاص عدة ملاحظات، أبرزها:

1 - أنّ معاناة المسلمين مستمرة في ساحل العاج دون ضجيج، ولولا الأحداث الأخيرة ما ظهرت القضية على السطح.

2 - أنّ المجتمع الدولي لم يكن مُتحمِّساً للتدخل؛ بسبب عدم وجود مصالح للقوى الكبرى في التدخل، وبخاصة الولايات المتحدة، ولمّا حدث التدخل كانت العقوبة من نصيب الظالم والمظلوم.

3 - أثبتت الأزمة صلابة المسلمين في التمسُّك بحقوقهم، والدفاع عنها، كما أثبتت تسامحهم مع غيرهم عند التمكين، كما أنهم قبلوا بوجود نصارى معهم (الأمين العام لـ (حزب واترا) امرأة نصرانية، والقائد السياسي للحركة الانقلابية الأخيرة نصراني أيضاً).

4 - أنّ قوة المعارضة تزداد يوماً بعد يوم، خصوصاً بعد توحُّد المعارضة الشمالية (المسلمة) والغربية (النصرانية) في جبهة واحدة، أطلقت على نفسها اسم (حزب القوى الجديدة).

أما فيما يتعلق بمستقبل الأزمة؛ فيُلاحَظ أنّ فرنسا سوف تضغط على النظام للقبول بتنفيذ اتفاق (ليناس ماركوسي) لحين إجراء الانتخابات القادمة (أكتوبر 2005م)، وبخاصة ما يتعلق بتشكيل حكومة وطنية، يُشارِك فيها المسلمون بحقائب وزارية كبيرة، وقد يضطرُّ النظام إلى قبول ذلك في ظلّ صعوبة موقفه داخليّاً وخارجيّاً، لكن يبقى القول في النهاية: هل ستضمن فرنسا متابعة تنفيذ الاتفاق أو ستصمُت؛ خصوصاً إذا ما تصالح (جباجبو) معها؟ ثم يثور تساؤل آخر: هل ستكون الانتخابات القادمة نزيهة، أو سيتمُّ استبعاد المسلمين هذه المرة عن طريق التزوير؟

لكن يبقى في النهاية القول: إنّ مسلمي ساحل العاج يضربون مثلاً رائعاً في الدفاع عن الحق، حتى وإن كلّفهم ذلك الغالي والنفيس.

الإحالات والهوامش:

* بدر حسن شافعي باحث ماجستير في الشؤون الإفريقية، مقدم برامج بإذاعة صوت العرب.

(1) صارت تُعرف الآن باسم (كوت ديفوار)، وهي الترجمة الفرنسية لـ (ساحل العاج)، والتي اعتبرها الرئيس الراحل بوانييه الاسم الرسمي للبلاد، ومِنْ ثَمَّ فإن استخدام أيٍّ من المصطلحين في هذه الدراسة صواب، وإن كنا سنفضِّل استخدام (الاسم العربي)؛ اعتزازًا باللغة العربية.

(2) حول أبعاد الأزمة الأخيرة انظر: دكتور عبدالملك عودة: حالة الحرب في كوت ديفوار، صحيفة الأهرام القاهرية، 24/11/2004م.

(3) حول أبعاد الدور الصهيوني في الأزمة: انظر: طارق عادل الشيخ: أزمة (كوت ديفوار) واليد الإسرائيلية الغامضة، الأهرام 27/11/2004م.

(4) حول هذه التقسيمات انظر: نجاح شوشة: ساحل العاج إلى ساحل الأمان الإسلامي أم إلى الغرق، في 28/11/2004م:

www.islammemo.ee / taqrer / onenews.asp?dnew=27

(5) حول هذه التقسيمات وانعكاساتها على الأزمة الحالية انظر: رانيا حسين: الصراع في كوت ديفوار، التقرير الاستراتيجي الإفريقي الثاني 2002م - 2003م (القاهرة: معهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، 2004م)، ص 182.

(6) حول هذه الممارسات انظر: مسلمو ساحل العاج.. جهاد حتى الفجر، في 26/9/2004م:

www.shohood.net.asp?newsid=1287&pageid=78.

(7) حول هذه الممارسات، انظر: نجاح شوشة، مرجع سابق.

(8) مسلمو ساحل العاج.. جرح جديد في جسد الأمة، في:

 www.newsarchive.info / common / viewitem?typeid=5&itemid=748.

(9) مسلمو ساحل العاج: جهاد حتى الفجر، مرجع سابق.

(10) حول السياسة الاقتصادية لبوانييه، وانعكاسها على أوضاع المسلمين، انظر: خالد حنفي علي: ساحل العاج من ديكتاتورية الاستقرار إلى فوضى التعددية، دورية آفاق إفريقية (القاهرة: الهيئة العامة للاستعلامات، عدد 4، شتاء 2000م - 2001م)، ص 86.

(11) حول هذه المكاسب انظر: مسلمو ساحل العاج.. جهاد حتى الفجر، مرجع سابق.

(12) د. حمدي عبدالرحمن حسن: أزمة حرف واو في (كوت ديفوار) في:

www. Islamonline.net / iol  arabic / dowalia / qpolitic  oct  2000 / qpolitic28.asp

(13) المرجع السابق نفسه.

(14) خالد حنفي، مرجع سابق.

(15) طارق عادل الشيخ: انقلاب كوت ديفوار.. شرخ جديد في غرب إفريقيا، مجلة السياسة الدولية (القاهرة: مؤسسة الأهرام للصحافة، عدد 140، أبريل 2000م)، ص (128 ، 129).

(16) خالد حنفي، مرجع سابق.

(17) خالد حنفي: محنة الديمقراطية في ساحل العاج، السياسة الدولية، عدد 151، يناير 2003م، ص (148 ، 149).

(18) مسلمو ساحل العاج.. جهاد حتى الفجر، مرجع سابق.

(19) خالد حنفي: ساحل العاج من ديكتاتورية الاستقرار، مرجع سابق، ص (91 ، 92).

(20) رانيا حسين، مرجع سابق، ص 182.

(21) خالد حنفي: محنة الديمقراطية، مرجع سابق، ص (148 ، 149).

(22) رانيا حسين، مرجع سابق، ص 182.

(23) عبدالحميد شتا: الصراع في ساحل العاج بين الأزمة الداخلية والضغوط الخارجية، آفاق إفريقية، عدد 13، ربيع 2003م، ص (56 ، 57).

(24) المرجع السابق نفسه.

(25) عاصم السيد: مسلمو ساحل العاج أكثرية مضطهدة، في 12/9/2004م،: www.islamtoday.net / articles.show / article / content

(26) حول هذه البنود انظر كلاًّ من: رانيا حسين، مرجع سابق ص 183، وعبدالحميد شتا، مرجع سابق، ص (62 ، 63).

(27) رانيا حسين، مرجع سابق، ص 184.

(28) حول هذه المناورات انظر: ملخَّص تقرير منظمة العفو الدولية عن ساحل العاج لعام 2003، عربي في:

www.amnesty.org / report3004 / civ  summary  9

(29) انظر: www.alasr.ws / index  efm?fuseaction=content&contentid.

(30) طارق عادل الشيخ: انقلاب كوت ديفوار، مرجع سابق، ص 129.

(31) حول الموقف الأمريكي، والتنسيق مع فرنسا بخصوص الأزمة، انظر: عبدالحميد شتا، مرجع سابق، ص (60 ، 61).

كتاب الموقع