أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أزمة الغذاء: أين إفريقيا في الواقع؟

بقلم: سيلفي رانتروا

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

بعد ستة أشهر من الحرب في أوكرانيا ومع تجنُّب السيناريو الأسوأ، كيف تقترب القارة من نقطة التحول؟ نرصد لكم خمس محطات مهمة بشأن أزمة الغذاء في إفريقيا: التضخم الشديد الذي يؤثر على جميع البلدان، ويُعيد للذاكرة أعمال الشغب التي اندلعت في القارة عام 2008م؛ عطفًا على نقص الأسمدة وارتفاع الأسعار الذي يهدّد الإنتاج الزراعي في المواسم القادمة. وأخيرًا بدء عمليات تصدير الحبوب الأوكرانية إلى العالم في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الحبوب والأسمدة، إلى جانب محاولة المانحين والمؤسسات المالية الدولية التدخل في معالجة آثار الأزمة؛ من خلال صرف أموال الطوارئ لدعم الزراعة ودعم أشد الفئات حاجةً والأُسَر الأكثر ضعفًا.

1- التضخم العالمي يهدّد الأمن الغذائي في إفريقيا

في مذكرة إعلامية نُشرت في الخامس عشر من أغسطس من البنك الدولي تحت عنوان "الارتفاع غير المسبوق في أسعار الغذاء كان السبب وراء أزمة عالمية من شأنها أن تدفع الملايين من البشر إلى الفقر المدقع، وتزيد من الجوع وسوء التغذية، وتهدّد مكاسب التنمية التي تحققت بشق الأنفس".

إن العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار على هذا النحو متعددة ومتنوعة، ومنها تداعيات اندلاع جائحة كوفيد-19 التي أدَّت إلى انهيار عميق لسلاسل الإمدادات، ولا تزال آثارها محسوسة حتى الآن. بالكاد كان الانتعاش الاقتصادي يطفو على المشهد عندما ظهرت التوترات الأولى على أسعار النفط والغاز، والذي يُفرز بدوره تداعيات على أسعار المواد الغذائية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل.

بالإضافة إلى أن الحرب في أوكرانيا صبّتِ الزيت في النار، وتسببت في ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب (القمح والذرة) والنفط. وعلى الرغم من البُعد الجغرافيّ لإفريقيا عن مسرح الصراع إلا أنها تظل الضحية الأكبر. وفي هذا السياق، تتصدر زيمبابوي الدول الإفريقية الأكثر تضررًا؛ حيث بلغ تضخم أسعار الغذاء 255٪ في يونيو الماضي، على الرغم من الإجراءات المتَّخذة مثل تعليق الرسوم الجمركية على الواردات على السلع الأساسية مثل النفط والأرز والدقيق.

ولذا فالوضع يتدهور في جميع أنحاء القارة؛ حيث سجلت نيجيريا أعلى معدل تضخم لها منذ 17 عامًا فيما تم رفع الأسعار في جنوب إفريقيا بنسبة 7.4٪، كما شهدت إثيوبيا وأنغولا ورواندا وسيراليون تضخمًا تجاوز 20٪ في أبريل الماضي؛ وفقًا لصندوق النقد الدولي، والذي يحذّر من أن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية من شأنه أن يخنق سكان البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بشكل كبير، خاصةً الذين يخصصون نصيبًا أكبر من دَخْلهم لهذه النفقات مقارنةً بما يُخصّصه سكان البلدان ذات الدخل المرتفع".

ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)؛ فإن 828 مليون شخص في العالم كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي في عام 2021م حتى قبل اندلاع الصراع في أوكرانيا. وفي شهر أبريل الماضي أشار المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة كيو "كيو دونغو" إلى وجود تشابه بين انفجار عام 2008م والحالة الراهنة: أزمتان تتسمان بارتفاع أسعار الغذاء والوقود والأسمدة والنقل.

2- احتمالات العودة إلى أعمال الشغب نتيجة النقص الغذائي

إن معدلات التضخم التي ارتفعت إلى مستويات غير مألوفة ترفع احتمالات العودة إلى أعمال الشغب وتفجر الغضب الجماهيري؛ نتيجة النقص الغذائي؛ حيث يخيم شبح العقد الماضي والمظاهرات التي أدت إلى بزوغ الربيع العربي. وللتذكير، اندلعت مظاهرات عنيفة في عاصمة سيراليون، فريتاون، في 10 أغسطس 2008م، وأسفرت عن مقتل 12 مدنيًّا على الأقل وأربعة أفراد من قوات الأمن جرّاء الاعتداءات على الحشود المطالبة برحيل الرئيس. وما يزيد عن 43% من مواطني سيراليون يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، وارتفاع أسعار الأغذية بالنسبة لهم أمر لا يمكن تحمُّله. كما يثير تضخُّم الأغذية الأساسية مخاوف الأمم المتحدة عن احتمال حدوث إعصار المجاعة إلى جانب تحذيرات صندوق النقد الدولي أيضًا من اندلاع الاحتجاجات الشعبية جراء ارتفاع الأسعار والتضخم.

3- تكاليف الأسمدة والتهديد المستقبلي:

ووراء أزمة الغذاء الحالية هناك خطر قد يزيد الأمور سوءًا نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة ثلاث مرات في سنة ونصف؛ بسبب ارتفاع سعر الغاز الطبيعي؛ علمًا بأن الأسمدة تُنتَج من النيتروجين عبر الخلط بين الغاز والنتروجين (الهواء). ويُستخدم الغاز في تصنيع الأسمدة كمادة أولية وكمصدر للطاقة في عملية الإنتاج التي تؤدي إلى إنتاج الأمونيا. وهذا يعني أن سعر الأسمدة أيضًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسعر الغاز. وعلى المستوى العالمي يتزايد خطر نقص الأسمدة الأذربيجانية مع توقف إنتاج بعض المنتجين الأوروبيين في محاولة للحفاظ على أرباحهم.

ويُشكّل الصراع بين روسيا وأوكرانيا -وهما من أكبر مُصدّري الأسمدة الأزوتية والبوتاسيوم على مستوى العالم- خطرًا كبيرًا على الإنتاج الزراعي في إفريقيا. وفي عام 2021م قدمت روسيا أكثر من 50% من الاحتياجات الزراعية إلى سيراليون والسنغال وكوت ديفوار ومالي والنيجر.

ويحذر تقرير Cyclope عن السلع الأساسية من "انخفاض الإنتاج الزراعي بشكل كبير في 2023- 2024م في إفريقيا. وتشير دراسة أجرتها الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ومنظمة الأغذية والزراعة وأقل البلدان نموًّا إلى أن نقص الأسمدة وما يترتب على ذلك من ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى انخفاض في الإنتاج بما يتراوح بين 10 و20 مليون طن؛ أي ما يقرب من 20% من إنتاج (73م.طن) من الحبوب في الفترة 2021- 2022 للمنطقة.

4- إنعاش شحنات الحبوب الأوكرانية:

ولكن من حسن الحظ أن الأنباء الواردة من أوكرانيا تُوحي بالتفاؤل، حيث تسهم صادرات الحبوب من أوكرانيا في خفض التوتر في أسعار الغذاء عبر العالم. وبوجود ما يقرب من 4 ملايين طن من المنتجات الزراعية المُصدّرة في أغسطس؛ فإن أوكرانيا تقترب من مستويات التصدير المعتاد قبل الحرب والتي بلغت حوالي 5 ملايين طن في الشهر، عطفًا على تراجع تصاعد التوترات بشأن أسعار الحبوب الدولية. فبعد ستة أشهر من غزو أوكرانيا يقترب القمح والذرة من أسعار ما قبل الحرب.

فمنذ التوقيع على اتفاق 22 يوليو 2022م بين كييف وموسكو برعاية الأمم المتحدة وتركيا تمكنت 33 سفينة من مغادرة الموانئ الأوكرانية؛ حيث غادرت أوكرانيا في 14 أغسطس أول سفينة محملة 23 ألف طن من القمح؛ ضمن المساعدة الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة إلى دول القرن الإفريقي. قال ديفيد بيسلي المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي: "إعادة فتح موانئ البحر الأسود هي أهم شيء يمكننا القيام به لمساعدة الجياع في العالم".

وفي شهر يونيو قام الرئيس السنغالي ماكي سال، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، بزيارة روسيا للتفاوض مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن بشأن تحرير المخزون من الحبوب والأسمدة في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن البلدان الإفريقية هي أول ضحايا هذا الحصار.

5- دعم المؤسسات المالية:

دائمًا في مواجهة الطوارئ تعمل المؤسسات المالية كرجل إطفاء لدعم المتضررين. وفي شهر مايو أعلن البنك الدولي عن إضافة 30 مليار دولار على مدى الأشهر الخمسة عشر المقبلة، وقد تم تخصيص هذا التمويل الطارئ لمشاريع قائمة أو جديدة في مجالات مثل الزراعة والتغذية والحماية الاجتماعية والمياه والري. والهدف من ذلك هو تشجيع الإنتاج الزراعي وصناعة الأسمدة، ودعم الأسر الفقيرة والأكثر ضعفًا في الأعباء المعيشية.

ومن بين التمويل المقدم إلى تونس قرض قدره 130 مليون دولار؛ للتخفيف من آثار الحرب في أوكرانيا بتمويل جملة أمور منها استيراد القمح الذي لا غِنَى عنه بالنسبة للبلد. وتستفيد مصر من قرض قدره 500 مليون دولار لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى ضمان استمرار توفير الخبز للأسر الفقيرة والضعيفة وتعزيز قدرة القاهرة على التكيف مع الأزمات الغذائية. ومن شأن قرض بمبلغ 315 مليون دولار أن يساعد تشاد وسيراليون وغانا على مواجهة انعدام الأمن الغذائي بشكل أفضل. وسوف تحصل منطقة شرق وجنوب إفريقيا على قرض يبلغ 2,3 مليار دولار.

كما أعلن بنك التنمية الإفريقي عن خطة طوارئ في الاجتماعات العامة التي عقدت في شهر مايو باسم المرفق الإفريقي لإنتاج الغذاء في حالات الطوارئ بقيمة 1,5 مليار دولار. ومن المتوقع أن يوفر هذا المشروع مدخلات من قبيل الأسمدة والبذور المعتمدة إلى 20 مليون مزارع صغير.

وقال رئيس بنك باد أكينوومي أديسينا: "أنا أحمل صوت 1,3 مليار شخص في إفريقيا مهددين بأزمة الغذاء التي تلوح في الأفق؛ نتيجة لهذه الحرب. ولكن بالنسبة لإفريقيا يتعين علينا أن نذهب إلى ما هو أبعد من المساعدات الغذائية الطارئة؛ حيث يتعيّن علينا إعطاء الأولوية للإنتاج الغذائي ودعم الإنتاج وتشغيل الأيدي العاملة، ولدينا القدرة على إطعام سكان إفريقيا.. إن إفريقيا ليست في حاجة إلى حمل القصعة لتسول الطعام، وإنما إفريقيا تحتاج إلى بذور لزرعها في التربة لإنتاج الغذاء لنفسها"؛ على حد تعبيره.

______________________

رابط المقال:

https://www.lepoint.fr/afrique/crise-alimentaire-ou-en-est-vraiment-l-afrique-26-08-2022-2487439_3826.php

كتاب الموقع