أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أردوغان في أفريقيا.. أبعاد وطموحات

 

 د.بدر حسن الشافعي (*)

 

المتأمل لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا برئاسة أردوغان ، يجد اهتماما كبيرا بالقارة الأفريقية رغم التباعد الجغرافي عنها  باستثناء دول الشمال الأفريقي العربي، فقد أطلق الحزب عام 2005 "خطة أفريقيا" للانطلاق نحو القارة في العديد من المجالات بالتزامن مع  قبولها مراقبا بالاتحاد الأفريقي، ثم كانت الانطلاقة القوية عام 2008 مع تدشين القمة الأولى للتعاون الأفريقي -التركي بإسطنبول" وإعلان الاتحاد الأفريقي تركيا حليفا استراتيجيا وما تلاه من اهتمام مكثف بالقارة على كافة الأصعدة، خاصة مع  تدشين برامج الشراكة- الإفريقية التركية في الفترة الممتدة بين 2015 و2019 ، وذلك خلال القمة الثانية التي استضافتها مالابو عاصمة غينيا عام 2014 ، والتي تضمنت عدة محاور أبرزها الربط بين مفهوم السياسة والاقتصاد والأمن، حيث ''لا يمكن تصور تنمية بدون استقرار و بدون أمن".

لقد ترجم أردوغان عمليا محاور هذه الخطة ، حيث زار أكثر من 32 دولة أفريقية من أصل 54 ، بل  زار بعضها  أكثر من مرة الجزائر" 4 مرات" ، والسنغال 3 مرات ، كما أن جولته الأخيرة هذا الشهر والتي شملت كلا من الجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي جاءت بعد حوالي شهرين فقط من جولة مماثلة ضمت السودان ، وتشاد ، وتونس. وقبلها زيارته لولتين من دول حوض النيل هما كينيا وأوغندا" عام 2016  ، وقبلها ثلاث دول من القرن الأفريقي " الصومال، إثيوبيا، وجيبوتي عام 2015.

وبالنظر إلى هذه الزيارات ، فسنلاحظ بداية ، ومن منظور جيوبوليتكي أنها تشمل الحزام القاري الممتد من البحر الأحمر وباب المندب شرقا مرورا بدول الساحل والصحراء وسط وغرب القارة ، وصولا للمحيط الأطلنطي أقصى الغرب، وهي مناطق تتمتع بأهمية استراتيجية لاسيما منطقة القرن الأفريقي ، والتي ظفرت فيها أنقره بأول قاعدة لها في أفريقيا في الصومال ، ثم تردد أنها بصدد الحصول على قاعدتين في جيبوتي والسودان" سواكن" ، كما يلاحظ أن هذه المنطقة غنية بالبترول الأفريقي الصاعد" منطقة الساحل وخليج غينيا في الوسط، والذي تحتاج له أنقره بشده لاسيما وأنها تبحث عن مصادر أخرى بخلاف روسيا وإيران، ناهيك عن اليورانيوم في النيجر وغيرها، وإن كانت تموج المنطقة في المقابل بالعديد من الحركات المسلحة التي تعتبر نفسها أحد فروع داعش في القارة مثل شباب المجاهدين في الصومال، وبوكو حرام في نيجيريا ، أوتابعة للقاعدة كتنظيم القاعدة في المغرب العربي ، وكلها حركات على تباين وتضاد مع تركيا في الملفين السوري والعراقي ، بل وفي الداخل التركي أيضا.

أما الملاحظة الثانية، فهي تكامل الزيارات مع بعضها البعض ، فالزيارة الأخيرة شملت دولتين عربيتين من شمال أفريقيا لهما ظهير ساحلي هما  الجزائر وموريتانيا ، وقبلها زار أردوجان المغرب 2013 حينما كان يرأس الحكومة، ثم تونس نهاية العام الماضي ، وبالتالي لم يبق سوى ليبيا التي تشهد حالة من عدم الاستقرار منذ 2011 . أما مالي والسنغال ، فهما من طليعة دول الغرب الأفريقي، وهما بالإضافة لكل من الجزائر وموريتانيا ، دولا إسلامية بمنظمة التعاون الإسلامي التي ترأسها تركيا حاليا ، وبالتالي كان هذا الجانب الديني، فضلا عن التاريخي أحد المداخل لهذه الدول وغيرها ، بل إن أحد أهداف هذه الزيارة توجيه الشكر لها ولغيرها على استجابتها للقمة الطارئة التي عقدها في إسطنبول نهاية العام الماضي للتنديد بقرار ترمب بشأن نقل سفارة بلاده للقدس، وتصويتها في الأمم المتحدة ضد هذا القرار.

الزيارة الأخيرة لم تخل من أهداف اقتصادية تتمثل في زيادة حجم التبادل التجاري القائم حاليا" الجزائر تعد أكبر شريك تجاري لها في القارة ، وتستهدف أنقره زيادة حجم المبادلات التجارية معها من 4 بلايين دولار حاليا إلى 10 بلايين مستقبلا، أو فتح أسواق جديدة لا تحظ باهتمامات دولية أو عربية وإسلامية كبيرة مثل مالي وموريتانيا. ومعروف أن أنقره تستخدم الجانب الاقتصادي والتنموي باعتباره أحد المداخل الهامة لها في القارة وفق مبدأ " الكل يكسب- win-win" .

أما الجوانب الأمنية والسياسية ، فربما كانت حاضرة أيضا ، وإن لم تكن بصورة صريحة منعا للاستفزاز الدولي . فالدول الأربعة التي زارها أردوغان هي دول فرانكفونية ، تخضع بصورة أو أخرى للتأثير الفرنسي ، وربما الجزائر مستثناه خاصة فيما يتعلق بالجوانب الأمنية ، واعتراضها على القوة التي شكلتها فرنسا بمشاركة 5 من دول الساحل " تشاد، مالي ، النيجر، موريتانيا، بوركينافاسو"، لمكافحة الإرهاب العابر للحدود في المنطقة ، حيث رفضت الجزائر المشاركة بها ، خشية تنامي النفوذ الفرنسي، هذا الخلاف صب في مصلحة أنقره التي تتباين مع باريس بخصوص عملية غضن الزيتون  في سوريا ، كما ساعد على هذا التقارب التباين بين الجزائر ومصر في دعم العملية السياسية في ليبيا ، وليس بخاف أيضا الخلاف بين السيسي وأردوجان منذ رفضه الاعتراف بالانقلاب في مصر عام 2013 . إذن هناك مصلحة تركية في التقارب مع الجزائر في مواجهة فرنسا ومصر. بل هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك بالقول بأن تركيا ترغب في مزاحمة فرنسا في أحد مناطق نفوذها التقليدية في القارة رغم نفي أردوغان ذلك.

إن مد تركيا جسور العلاقات مع أفريقيا حقق لها –ولايزال- مكاسب عدة بعضها اقتصادي" ارتفاع حجم التبادل التجاري ثلاثة أضعاف في الفترة من 2004-2017 ليسجل 16.7 مليار دولار" ، وآخر سياسي وأمني ، كما حدث في تصويت كل دول القارة عام 2008 باستثناء اثنتين فقط لصالح حصول أنقره على مقعد غير دائم بمجلس الأمن 2009-2010"، ، وكذلك دعمها في قضية قبرص، والمساعدة في مواجهة القرصنة في البحر الأحمر وخليج عدن وغيرها، وبعضها مخابراتي حيث كانت كينيا مسرح العملية الناجحة لاعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام  1998. وأخيرا وليس آخرا حصول أنقره على الموافقة الفعلية أو المبدئية لإقامة ثلاث قواعد عسكرية في ثلاث دول عربية ذات موقع استراتيجي هام بشرق القارة. ويبقى السؤال في النهاية : أين الدول العربية وفي مقدمتها مصر من هذه التحركات سواء القريبة منها أو البعيدة أيضا ؟ 

 

(*) أستاذ العلوم السياسية بأكاديمية العلاقات الدولية ، وخبير الشؤون الإفريقية - جامعة القاهرة.

 

كتاب الموقع